القاضي في قفص الاتهام

خضر سلامة

يتربّع مواطن عادي، اسمه رائد زعيتر، على مخزنّ رشاش قاتله، يعبس في وجهه، ويصرّ على دخول الحافلة، حتى وهو ميّت، فالطريق إلى فلسطين مجد، أما نصف الطريق، فعار.

قتلوا رائد، ليس سياسياً، ولا عسكرياً، قتلوا رجلاً عادياً، حكم إعدام سريع بدون مرافعة يصدره المجرم بحق القاضي، فالصورة في المرآة دائماً معكوسة، واسرائيل، مرآة حال بعض العرب: وقحة لأنهم جبناء، قوية لأنهم ضعفاء، متوحشة لأنهم نعاج، إلا رائد، كان استثناءً عن قاعدة السلطة: انسانٌ مكتمل القضية، واضح الحساب في الفرضية: أخطأ الجسر يوماً حين كان عربياً، فسمح لنا بالخروج، ولعلّه يُخطئ اليوم وهو عبريٌ، فيسمح لنا بالعودة.

لكن المعادلة، لم تكن مستقيمةً، كمشوار رائد، فالمعادلة معوجّة كما خطوط الجبين: بين الأذن والأذن يا رائد، يقف تاريخ الخطابات والصفقات والخيانات والرشاوى، يصطف حكام العرب وصحافة العرب وأحزاب العرب وأناشيد العرب: أين كنتم، يوم أكل الذئب، الغزالَ الأوّل في بستان الشرق، وبال على شواربكم؟

سيقولون: كان يجب أن يسكت، حين شتمه الجنديImage

سأقول: لو لم تختاروا أنتم أن تسكتوا منذ سنين، لما شتمه أصلاً

سيقولون: هل مدّ يده على الرشاش؟

سأقول: لعلّ شوقاً يُسمى الكرامة، تحكّم بيده، فقال أسلّم على الشهداء في البندقية.

فعل قتل رائد زعيتر، مفتاحٌ من مفاتيح صندوق الذكريات، من هنا خرج بعضنا، وهنا قاتل بعضهم، وهنا قُتل منهم من قُتل، وهنا صافح القادة عدوهم، وهنا حبسوا الكرامة في يافطةٍ، كي لا تقول الحقيقة.

ليس هناك من جواز سفرٍ، يعوّض الحاجة لوطن، قد يتعلم الانسان لغةً جديدة، قد يحصل على جنسية جديدة، قد يغيّر اسمه باسمٍ جديد، لكنّ الوطن هو ما تبقى من حبل سرّة الوالدة فينا، لا يُنزع.. يتشاجر الجندي مع المواطن العاديّ، يتفوّق الجنديّ على غريمه باثنتين: أن خلفه كل مصطلحات الحضارة، المجتمع الدولي والشرعية الدولية والتجارة والمصارف والديمقراطية وحقوق الأقليات والسلام، وأن أمامه أسلحة جهنّم كلها، وصكوك الجنة أيضاً، ويتفوّق القتيل بواحدة: أنه قُتل ولم يسكت، فتلبّكت مكاتب الشيطان في القصر، ليبرر فعل سيده القاتل.

رائد زعيتر مسمار جديد في نعش وجوه النخب حين تحاضر في مؤتمرات الغرب، عن رغبتها بتسوية الخلاف مع اسرائيل، وصورة اسرائيل كما هي، بدون مساحيق تجميل، هتلر حين يهرب من الهزيمة الأخيرة، إلى جسد ضحاياه، ويعود بخطة جديدة، لاغتيال ضحية جديدة.

قتلوا مواطناً اسمه رائد: يتربع رائد على مخزن رشاش عدوّه، ويصرّ على اللحاق بآخر باص يقل المحظوظين إلى الجنة، وقبل أن يقفز فوق هيبة اسرائيل ويُشعرها بالعجز، يقول كي يغيظها: أنا المواطن العادي جداً، الذي ارتقى ببضع رصاصات إلى رتبة مقاوم، وكنّس لدقائق بالجسد المصلوب على الأرض، وجه نشرة الأخبار، من وسخ السلام.. أنا المواطن العاديّ الأعزل أمام شرعية اسرائيل وسلاحها، عبرتُ الجسر.. عبرتُ الجسر!

مدونة جوعان

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “القاضي في قفص الاتهام”

  1. ئهغشي Says:

    رائع جدا استاذ خضر ، هو كذلك لا ندري متى يحين موعد الثأر لكرامتنا الذي قد يأتي في اي لحظة ….

  2. عابد . ابن الجنوب Says:

    Reblogged this on جمعية الستين الوطنية التأسيسية and commented:
    رائع كما انت دائما خوي خضر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: