أربعون شمعة لجريدة السفير

خضر سلامة

فلنطرح سؤالاً عادياً: لماذا لا تُطلق فرنسا سراح جورج عبد الله؟ بعد أكثر من ثلاثين عاماً على احتجازه، وقد جاوز الستين، وانهارت الحاضنة السياسية والأمنية التي كان يشكل ضمنها، خطراً مباشراً على الأمن؟ الموضوع ليس أمنياً، الموضوع ثقافيٌ بامتياز، جورج عبد الله دليل حي على حقبة تاريخية معينة، على جيل أصيب بنكسة الثمانينات، فصد أمر ابادته اعلامياً وسياسياً، صار جيلاً ملاحقا في كتب التاريخ، في مقالات التحليل، في عناوين الأخبار، حوصر بخيارات تصطف بين الطاغية والاحتلال، وجرّم بتهم معدة سلفاً. لأنه دليل على شيء ما، لا يشبه عبث المرحلة.

هي معركة ثقافية بامتياز، وهنا، تأتي السنة الأربعون لجريدة السفير، في هذه الخانة بالذات، السفير، هي الصحيفة التي ولدت في رحم مخاض الحرب الأهلية اللبنانية، رفعت بداياتها الثورية، وغطت مسيرتها الدموية، وقفت ضد اغتيال العراق مرتين، واعتقلت اسرائيل متلبسة بتهمة العداء الوجودي منذ الكلمة الأولى، السفير، هي الصحيفة التي قدمت لكل حقبة، تأريخاً يليق بها، ربما، أبلغ ما يُقال في جريدة السفير، أنها الصحيفة التي لا تحتفظ بها، بل تحتفظ هي بك، بعالمك، بكتب أحببتها، بنقاش طيب ذات يوم، بفطورك الأول وقهوة الصباح، هنا بالذات: الصورة البيروتية البديهية في أي وثائقي: فجر خفيف، فنجان قهوة، أغنية فيروز وجريدة السفير.

ولأن المعركة ثقافيةٌ إذاً، السفير واحدةٌ من سكاكين مطبخنا، نحن البؤساء الذين نحتل أكواخ الفقراء المقنوصين على المحاور بعد موتهم، ونناقش كيف نهرّب الأمل، والأمل سلعة محظورة، السفير واحدة من سكاكين مطبخنا، التي تعيننا على قتال جيوشٍ من تاريخ مزور، وفكر مزور، وخبز مزور، ودم مزور، لننقذ كرامتنا: نحن موجودون في الأمس، كما في اليوم، لم ننقرض بعد، لنا غدٌ إذا.

لذا، العام الأربعون للصحيفة، ليس مجرد احتفال بعيد ميلاد لصحيفة نحبها، بل هو أثر حياة، في هذه الصحراء الكبيرة، وفي جفاف الفكر والعقيدة، يدٌ من تحت ركام حصار بيروت، يدٌ من ملجأ مقصوف ببغداد، أطفال الانتفاضة الاولى ورشاشات الثانيةImage، يدٌ من بين حجارة قانا، يدٌ من تل الزعتر والخليل وعكا والقاهرة ودمشق، يدٌ تخرج بعد هزّات حروب الزواريب والخيانات والانهيارات في الأحزاب والنقابات والجامعات والنخب، لتدلّنا على نجاة الضحية، من غضب الآلهة على شعوب الشرق، وأن الذاكرة الوطنية، اليوم، “سيدة تترك الأربعين بكامل مشمشها” واسمها، جريدة السفير.

النوستالجيا، فعلٌ طبيعي في أي انسان، ولكن بطل القصة هنا، أي الصحيفة، ليست نوستالجيا فقط، فهي ممارسة يومية للذاكرة، هي المسطرة التي تضبط المسافة بين صفحة السياسة وصفحة الثقافة، وبين صفحة القضاء وصفحة الاقتصاد ربما، هي ممارسة يومية للذاكرة لكي لا تضيع، فنفقد البعد الثالث في فهم الواقع.

السفير اليوم، بعد أربعين عاماً على شغب “ترمومتر” القضية، هي أن تقرأ بالأبيض والأسود، وتفهم بالألوان.

الأوسمة: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: