هذه ليست طرابلس

خضر سلامة

في أواخر القرن التاسع عشر، وفي الثلث الأول من القرن العشرين، كانت مدينة طرابلس تشهد نهضة ثقافية كبيرة، وكانت عاصمة المنطقة الشمالية من ما يعرف اليوم بلبنان، والجنوبية من ما يعرف بسورية، ثقافيا، أحد أهم معالمها كان مسرح الأنجا، الذي أسسه الحاكم التركي حسن الأنجا، المعروف ببطشه وجنونه، ومن القصص الطريفة أنه عندما كان يعرف بأمر اشكال أمني، يرسل “جحشه” إلى منطقة الاشكال، وعندها يهدأ الجميع ويفهمون الرسالة.

المهم، المسرح، تحول إلى مركز ثقافي ضخم، قبل أن يحرق في الحرب الأهلية وينهب، ثم أهمل في فترة الاعمار بالمال والتملك ما أدى إلى هدمه كاملا تقريبا، وابقاء واجهته شكليا، واستبداله بمشروع مركز تجاري قبل سنوات قليلة، في ذروة الأحداث الأمنية، المسرق الذي استقبل أهم الفنانين والموسيقيين والمسرحيين وأحداث الأوبرا، أصبح اذا، بناء مهجورا مفتوحا للمال.

بكل الحالات، تستمر العاصفة الأمنية في ضرب طرابلس، خطاب ناري واحد، حادث أمني واحد، في أي منطقة من البلد، يمكن أن تنعكس على اشتباك صار شبه شهري، بغطاء طائفي، وبعد موغل في الحسابات الاقليمية بين الدول، وبانخراط تام من نواب المدينة وفصائلها السياسية، في تمويل وتسليح المتقاتلين من الطرفين، وداخل الطرف الواحد: أصبح الاشتباك في طرابلس، شركة استثمارية، يستثمر كل غني، ضابط سابق، نائب حالي، زعيم، فيه.

في ذروة هذه الاشتباكات، شهدت طرابلس حادثا غريبا من نوعه قبل أشهر قليلة: أحرقت مكتبة السائح التاريخية التابعة للأب ابراهيم سروج، الذي يقيم المكتبة في مبنى تاريخي هو الآخر، يملكه متمول مسيحي، يريد اخراج المكتبة من مبناه بأي وسيلة، فيخرب تارة الأساسات، وتارة يهدد الأب، قبل أن يكتشف وسيلة أذكى: لماذا لا نستثمر الجو التعصبي النامي في الأحياء الفقيرة؟ تنتشر اشاعات عن أن الأب، المعجب جدا بالدين الاسلامي وبشخصية نبيه محمد، يملك كتابا مسيئا للنبي، يقوم شباب متحمسون اكتشفوا السلفية ك”موضة” لا أكثر، باحراق جزء من المكتبة.

ولكن ما علاقة هذه الأحداث كلها ببعضها؟ الغاء ذاكرة المسرح قبل ثلاث سنوات، حرق المكتبة بتحالف بين رأس المال والشعبوية الدينية التعصبية طائفيا، والاشتباكات بين منطقتين فقيرتين جدا، على حسابات سياسية اقليمية لا دخل ولا طائل فيها للفرد الفقير – المقاتل والقتيل في نفس الوقت؟

الحقيقة، أن الأحداث كلها تتعلق ببعضها، تبشير رأسمال بالجهل، هو القوة الأبرز، للحقيقة، تتعرض طرابلس لحملة تنميط وتشويه، لا يمكن لأحد أن ينفي أن الجو التكفيري التعصبي ينتشر شيئا فشيء، ولكن، هل هي الطبيعة الطرابلسية؟ لا يمكن أن تشكل القوى السلفية في طرابلس أكثر من أقل من عشرة بالمئة حسب أحسن التقديرات، من الجو العام في المدينة، ولكنها، تحظى برعاية رسمية، وتمويل ضخم، واهمال متعمد لقضية التضخم السكاني (لأسباب داخلية وخارجية)، اهمال من قبل المسؤولين، وهم للصدفة، أصحاب أو أصدقاء أو أقرباء نفس من يقومون بتملك الأماكن التاريخية والثقافية واستبدالها بوسائل الربح السريع اللامنتجة ثقافيا والاستهلاكية: مراكز تجارية، مواقف سيارات، الخ. في نفس الوقت، وسائط تعصب أخرى تنتشر طائفيا في منطقة من لون طائفي أقلوي، تحت شعار الخوف، الخوف من الآخر، والخوف، هو محرك الأقليات الأقوى عبر التاريخ!

لماذا ترتبط الأحداث ببعضها؟ ببساطة، مقتل طفل برصاص قناص مقتنع أنه يفعل هذا ليحمي طائفته، أو منطقته، يتحمل مسؤوليته الدولة اللبنانية الموجودة في طرابلس: نواب البرلمان، الذين لم يقدموا أي تنمية حقيقية (بل تدهور تنموي اقتصادي منذ التسعينات الى اليوم)، والأسماء في كل انتخابات تكاد لا تتغير، كونهم يعيدون انتاج عامل الخوف والتعصب، ليعودوا إلى منصبهم، يستثمرون هذا الفقر ليضخموا شعبيتهم عبر خطابات تحريضية فتنوية، قوى أمنية تلتزم بالقرار السياسي بالنأي بالنفس، فلا تفعل سوى “الرد على مصادر النيران” في أفضل الأحوال، دون اعتقالات جدية لمن يختال متفاخرا بكونه “قائد محور” أو “زعيم مقاومة” للطرف الآخر في المدينة، دولة رعت منذ عشرين عاما، طمر الأبواب الثقافية للجيل الصاعد والغاء المسارح والمراكز وانهاك المدارس والجامعات، لأجل تسهيل السيطرة الدينية (السياسية الرأسمالية أيضا) على الفقراء.Image

لا يمكن فصل هذه الأحداث عن بعضها، هي كلها نتائج وارتدادات لقرار رسمي علني من الدولة اللبناني بتحويل طرابلس إلى ساحة تصفية حسابات، وتصفية الحسابات لا يمكن أن يكون إلا باستغلال الانسان، استغلالا بشعا، انزعوا من يده سبل التعليم الكريم المحايد المستقل، وانزع من يده أماكن الترفيه التثقيفية بعيدا عن ثقافة الاستهلاك، حاربه اقتصاديا حتى يصبح مرتهنا لمساعدات ومكارم بكواتية ومشيخية، ازرع فكرة ترهيب الآخر، لتبرر للآخر فكرة التعصب للخوف، وعندها، يصبح لديك ملعب كره: دائرة مغلقة.

من أحرق مكتبة السائح، كمن دمر مسرح الأنجا، كمن يتاجر بالخوف الأقلوي، كمن يتسلح بحماية الطائفة، كمن يمول المساجد والمنابر الكريهة التعصبية، سلسلة واحدة متصلة، يتحالف فيها رأس المال مع الطائفية، ويتحالف فيها الراعي الدولي مع المستفيد المحلي الصغير، من دم الجميع.

إلى حينها، طرابلس ستبقى في البال، “زهرة الفيحاء” حيث تغني أم كلثوم، يعزف عبد الوهاب، يرقص البعض الباليه، فالتشويه طارئ على وجه الصبية الفيحاء الصغيرة.

الأوسمة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: