المجتمع اللبناني: قاضي مجرم

خضر سلامة

علينا كبشر أن نتقبل فكرة أن السجن، أو القانون بشكل عام، هو للإصلاح لا للعقاب فقط، بمعنى، فكرة أن يحكم القاضي على قاتل لعشر سنوات مثلا، لا لمدى الحياة أو للاعدام، هي لاصلاحه عن طريق العقاب المؤقت، كي لا يكرر فعلته، ولكن، وضمن منطق الثأر الجماعي القبلي الذي يحكم الانسان، يحكم على من يرتكب خطأ بالنفي والعزلة الاجتماعية والاقتصادية غالباً.
من هنا، أعتبر أن كل من ينشر فيديو عن تجاوز قانوني فاضح (بحال كان فردياً طبعاً)، مع إظهار وجه الفاعل – المتهم، بما أننا غالباً لا نعرف قصة الفيديو الأصلية حتى يثبت عليه التهمة، كل من ينشر هذا، مرتكباً لتجاوز أخلاقي آخر، تختلف قساوته حسب حجم ضرره، ويكون أقرب للإعدام، هو “التشهير”.
من هنا، أنا لا أعرف قصة الأستاذ الذي ضرب تلميذه (وهذا يجري كل يوم وكل قليل)، وانتشر الفيديو المصور له على كل حساب لبناني، وهو فعل مدان ويجب أن يعاقب، ولكن نشر الفيديو مع صورة الرجل واظهار وجهه، وتسابق الاعلام على البحث عن اسمه، تظهرنا بشكل الجلادين، نعم لمعاقبة كل مواطن يعتدي على مواطن آخر، مهما كان عمره ودوره، فكيف لو كانت الضحية تلميذاً، ولكن، يُعاقب المُذنب بعد تحقيق جدي، بغاية إصلاحه وتعلم أخلاق المهنة ربما لو قرر التحقيق احتفاظه بها، لا ليُشهّر به ويُعزل اجتماعياً، ما قد يزيد من جموحه العنفي ويتحول إلى أسرته ربما مع الوقت!
Imageوإذا كانت أزمة الاعلام الاجتماعي، أنها تفتح المجال لنشر المواد دون الرقابة الذاتية على عدم تجاوز حدود الضرر بالفرد وتالياً بعلاقته بالمصلحة العامة بنشر مواد مصورة دون تشويش على الوجه ربما بانتظار قيام المسؤولين عن مراجعة الموضوع وصدقيته، فإن إعادة الإعلام التلفزيوني نشر الفيديو دون تغطية وجه المتّهم، ذنب أكبر وتجاوز أخلاقي نشهده يومياً على التلفزيون بكل الحالات، أنتُم، عن حسن نية ربما، لانصاف ضحية، خلقتم ضحيةً أخرى: كان يجب أن تُعاقب وفق أصول مهنية وقانونية، وعوقب الآن، بواسطة ماكنة تشهير شخصي في مجتمع لن يرحمه طبعاً، لا هو ولا أسرته.
الموضوع معقد، طب ماذا عن تشهير كاتب هذه الأسطر أحياناً، بشخصيات سياسية واقتصادية كبرى، واتهامها بالفساد أو القتل مثلاً، وبالأسماء أيضاً؟ صحيح، سؤال يُطرح، دعني أبرر ذلك بأن هذه الشخصيات تتعاطى على مستوى العامة، أي على مستوى الرأي العام كله المعني بالقضية التي يتعاطون فيها (خيارات سياسية، أمنية، اقتصادية، تشريعية)، الموظف المرتشي، أو الأستاذ العنيف، أو غيرهم، هو حالة فردية ضمن نطاق تأثير محدود بقيود نقابية وقانونية واضحة مباشرة، تحويل قضيته إلى قضية رأي عام واجب مهني واعلامي، صحيح، ولكن مع مراعاة عدم تجاوز هذا الواجب، إلى تعدٍّ لا يراع رد الفعل الشعبي على هذه الحالة الفردية محدودة التأثير ومعروفة طريقة معالجتها، وعرض الإسم أو الوجه، لن يغيّر من القصة ولن يزيد من حجم الفضيحة.
أنا أدعو للتحقيق ومعاقبة الأستاذ المعتدي على التلميذ، ولكن، أطالب أيضاً بأن يراعي جميعنا، أخلاقية التشهير و”طبقيّته”، باختلاف تأثيرها بين حياة مواطن عاديّ، ومحيطه الأسري والاجتماعي، وحياة شخصية عامّة أكثر حماية وبريقاً، في التفاصيل، تفاصيل حساسية نشر الاسم الكامل، أو الصورة الواضحة، بدون رواية رسمية من أهل الاختصاص (الوزارة، الرابطة والنقابات والأهالي والمؤسسة وغيرهم).

ماذا لو أن من صور الفيديو، لم يضعه أونلاين، وفكر في أن يتواصل مع إدارة المدرسة ليرى ردة فعلها قبل أن ينشره، ماذا لو أن من شاهده، لم يعاودوا نشره قبل أن يتواصلوا مع النقابة، ماذا لو أن الاعلامي الذي حوله إلى ريبورتاج تلفزيوني، فكر أن يصله للرأي العام، ماذا لو أن من نشره بأي طريقة ، شوه وجه الرجل أو غطى على اسمه، كي لا يؤذي محيطه معنويا بالحد الأدنى، أسئلة انسانية بحتة، في حالة مثالية، يبحث فيها الفرد عن فائدة حقيقية، لا عن “لتّة” في سهرة، أو اسم في ريبورتاج، أو Show انساني..

هنا فقط، في الوعي لأهمية المحاسبة ونتيجتها، قبل أهمية “السكوب”، هنا يكون الفارق الأخلاقي بين إصلاح الفرد، وانتقام الجماعة منه.

الأوسمة: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: