Archive for 11 أبريل, 2014

عن علي شعيب وإضراب المصارف وأشياء أخرى

11/04/2014

خضر سلامة

لقد أخرجتك دموع الأمهات قبل الآوان”

إلى نهايتك المبكرة”

المصارف تضرب اليوم، عام 2014، بعد أن أثبت قطاع المصارف في الغرب أنه قائد كارثي (وطبيعي) للاقتصاد الرأسماليّ.. تضرب اليوم في لبنان، لأن المجلس النيابي تجرأ وفرض 2 بالمئة ضريبة على ودائعها.. بعد أن تضخمت الضريبة اللبنانية على المواطن ذو الدخل المحدود مئات المرات بالمئة في السنوات الأخيرة، مقابل إعفائها..

كان ذلك في الثامن عشر من تشرين أول 1973، كثيرون من جيل ذلك الزمن عاصر عملية بنك أوف أميركا، وقلائل يتحدثون عنها (أو يتذكرونها)، لم يكن علي شعيب وحيداً، بل كان مع رفاقٍ منهم الشهيد جهاد أسعد، ولم يكونوا بلا رأس، كان عقلهم وقلبهم مرشد شبو، “أفقر أمين عام حزب في لبنان” كما وصفته إحدى الصحف في الثمانينات بعد وفاته ومطلق مكافحة الصهيونية في الستينات بلبنان والحرس الثوري والحركة الاشتراكية الثورية، وابن برجا الفقير الذي مات “ببيجاما واحدة فقط”، كان علي شعيب أشهر رموز العملية، لأن حظه أنه وقع شهيداً في قصيدة عباس بيضون الشهيرة “يا علي” التي غناها مارسيل وذاع صيتها، حتى صار الناس يغنوها دون أن يعرفوا من عليُّ القصيدة.

ولكن هذا الرجل الذي نسيه اللبنانيون ولم يكتبوه في التاريخ، كان صانعاً لمعجزات أخرى، لا يعرفون عنها أيضاً، أو يهملون أهميتها، نسيها حتى مثقفوهم وآخرون فضّلوا التنكّر لها إن تذكّروها، فعلي شعيب كان من منظمي انتفاضة التبغ ورموزها في النبطية، التي أسست لأول وعيٍ فلّاحي مهّد للتحرر من البكوات ثم الشركات الكبرى، كذلك مناضلاً في اعتصام عمّال معمل غندور الشهير الذي صقل التجربة الحزبية في الصفوف العمّالية وكرّس العداء للنظام الاقتصادي اللبناني، والمفصلي في تاريخ لبنان السياسي آنذاك أيضاً..

ولكننا بكل حال، نفضل أن نتكلم بالسياسة، بما نجده في فتات وطوائف وزواريب حاضرنا، دون عناء إنصاف الماضي وأبطاله وأفعالهم وإرثهم وثقافتهم.

في ذلك اليوم من تشرين، دخل الرفاق “الاشتراكيين الثوريين” كما سموا حزبهم، واحتلوا مبنى البنك، في اليوم التالي، اقتحمت فرقة من الشرطة اللبنانية (بأوامر من الضابط علي الحسيني، مسؤول الشرطة القضائية آنذاك حسب ويكيليكس)، وبشخص الوزير “الطيّب” اليوم، الضابط حينها، مروان شربل، وأعلنت الشرطة مقتل “أفراد العصابة” كما قتلت عن طريق الخطأ مدنيين لبنانيين ومدنياً أميركياً في حقل الدم الذي فتحته رغم أن المفاوضات كانت جارية تحت رعاية السفارة الجزائرية، ولم تكن مطالب الرفاق واضحة لأنهم كانوا أصحاب رسالة واحدة، أعلنوا عنها بأنها تحدي النظام المالي العالمي، وتحكم مصارف أميركا بالسياسة والاقتصاد العالمية (هذا ما نجده اليوم شعارات مملة –وخشبية- بالعربية، بينما نجدها هي نفسها “مودرن” وثورية، بالانكليزية في حركة مناهضة العولمة والرأسمالية الأميركية مثلاً)

على كلٍ، كانت الأيام اللاحقة للعملية، كفيلة بكشف كلام عن أن من بقي حياً لم يمت في الاشتباك لاحقاً، بل بإعدام ميداني بعد الأسر بأوامر من حكومة تقي الدين الصلح مباشرة حسب ما أشيع.Image

بكل الحالات قُتل علي شعيب، وجهاد الأسعد، ومات معلمهم شبّو مجهولاً مكسوراً لا يملك ثمن علاج كليته، وكذلك نسي التاريخ أن هؤلاء، خرجوا على شرفة المصرف ليرموا الدولارات للناس، ليقنعوهم أن حقوقهم محبوسة هنا، ونسي معظم اللبنانيين تاريخهم وفضلوا تاريخاً ينتهي عند مسرحية الاسقلال في قلعة راشيا، ولا يكمل إلا بعد الحرب الأهلية، واستحى ورثة النضال بآبائهم وأفكارهم.. وتدهور التاريخ، وجفّت الذاكرة وانحدرت السياسة حتى أصبحنا في زمنٍ.. تُضرب فيه المصارف معترضةً على حقوق المواطنين.

أصحاب المصارف..

السيّء في وجودكم بيننا، ليس أنكم ترعون كل تجارة السلاح والمخدرات وتبييض المال وتزوير الحسابات ومنظومة الفساد المالي في الدولة اللبناني فقط، ولا أنكم تبتلعون خدمة الدين العام فقط، ولا أنكم تجبرون المواطن العادي على تكلف الضريبة المضافة، لاعفائكم من المشاركة في سدّ ما اقتُرض لأجلكم أصلاً، السيء في وجودكم بيننا، ليس أنكم آلة السرقة الأنيقة التي تلبس بذلة وربطة عنق، ويدافع عنها اللبنانيون البسيطون لأنها أنيقة فقط، السيء في وجودكم، أنكم أكبر دليل على أننا دولة فاشلة بذاكرتها، بتاريخها، بسلّمها الحضاري وبثقافتها.

ولكن… ولكننا.. “لكننا .. ذات يوم ..سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة” تقول الأغنية.

Advertisements

ملوك لا يعرفون الشطرنج

08/04/2014

خضر سلامة

سواء كان الخلاف القطري السعودي هو كلمة السر أو لا، كان لا بد أصلا لترهل المؤسسة السياسية المتمثلة بأبناء عبد العزيز الملوك وتصادماتها مع التحولات السياسية في المنطقة، وتضخم المؤسسة الدينية المتمثلة بالوهابية وتصادمها مع الخيارات الجهادية العالمية وحسابات شيوخ البلاط، وصعود المطالب الشيعية وظهور هوية سياسية اجتماعية لها، ثم تحكم النفس الليبرالي في مفاصل المدن الكبرى السعودية وبناها الوظيفية، أن تنفجر، وهي ستنفجر عاجلاً أم آجلاً بكل الحالات.. فالعالم الجديد لا يناسبه وجود الدولة السعودية بمقدراتها الضخمة طويلاً بنفس الشكل، ولكم في ليبيا والعراق عبرة.

كم ستستطيع سياسة الترقيع في المناصب أن تحتوي الانهيار؟ لا أحد يستطيع أن يحدد ذلك، فالتوازنات تتبدل يومياً في هذا العالم الذي يتحرك بسرعة لم يشهدها منذ انهيار جدار برلين، في شرق أوروبا كما غربها كم في شرق آسيا، كما في الشرق العربي والشمال الأفريقي أيضاً.. حروب الغاز تتنقل وبورصة النفط تبدّل مؤشراتها، دول إقليمية تفرض نفسها على الدول العالمية.. كل ذلك يحدث يومياً، فمن يعرف ماذا يخبئ الغد للدولة التي كانت حتى الأمس، صرّافاً آلياً عند الغرب، ومحطة بنزين كبيرة، أهملت الإعداد منذ عهد فهد الدموي، لمراجعة سياسية واحدة في علاقتها بتنوّعاتها الديمغرافية والطبقية وتبدّلاتها الاجتماعية.

ولكن، ينسى البعض أحياناً دور المعركة الكبيرة في الدولة الصغيرة، حيث حسابات خلافات القبائل منذ مئات سنين، ومطامع الإيرانيين، وتمزق المجتمع الصغير – الصورة عن مجتمعات أخرى دُجّنت بالقوة (قبائل الغرب في السعودية، شيعة الشرق، المؤسسات الدينية السنية المحلية)، دور هذه المعركة الصغيرة، في رسم مستقبل خريطة الخليج السياسية كلها..

كأن أبو طاهر القرمطيّ، الذي أتى من بلاد الهَجَر (البحرين)، واجتاح مكة وأغاظ خيار الدولتين العظيمتين آنذاك، العباسية والفاطمية، يعيد شعراً قاله على أنقاض الانهيار السياسي لمشروع الدولة آنذاك، في سنة ظهر فيها النجمان (المشتري وزحل) في السماء، وانشغل العباسيون مع إله الحرب (المريخ) بثورات العراق، وكان الترك يصعد نجمهم، كذلك شعوب الخزر (الروس) وقيروان تونس تزدهر.. لخص أبو طاهر القرمطي، رمز الفوضى في تلك المرحلة والذي أصبح شيطاناً في كتب التاريخ والدين وإله الفوضى، رسالته إلى العالم الذي سيتخرب كله بعد ذلك بسنوات كأنه يبشر بأن فكرته ستنتشر.. قال:

checkmateأغرّكم منّي رجوعي إلى الهَجَر؟

فعمّا قليلٍ سوف يأتيكمُ الخبَرْ

إذا طلعَ المريخُ في أرض بابل

وقارنهُ النجمان فالحذر الحذَر!

سأملك أهل الأرض شرقاً ومغرباً

إلى قيروان الرومِ والتٌركِ والخزَر.

فماذا كان القرمطيّ ليقول اليوم، وأحجار الرقعة تتهاوى ميّتة بخيانات بعضها البعض، أحصنة تُعزل وقلاع تسقط وملوك تموت ووزراء ينطفؤون وأفيال تُعقَر، يبقى الجنود المقسومون إلى لونين، وحدهم، يتفرجون على فراغ المشهد السياسي في الشرق.

مدونة جوعان


%d مدونون معجبون بهذه: