ملوك لا يعرفون الشطرنج

خضر سلامة

سواء كان الخلاف القطري السعودي هو كلمة السر أو لا، كان لا بد أصلا لترهل المؤسسة السياسية المتمثلة بأبناء عبد العزيز الملوك وتصادماتها مع التحولات السياسية في المنطقة، وتضخم المؤسسة الدينية المتمثلة بالوهابية وتصادمها مع الخيارات الجهادية العالمية وحسابات شيوخ البلاط، وصعود المطالب الشيعية وظهور هوية سياسية اجتماعية لها، ثم تحكم النفس الليبرالي في مفاصل المدن الكبرى السعودية وبناها الوظيفية، أن تنفجر، وهي ستنفجر عاجلاً أم آجلاً بكل الحالات.. فالعالم الجديد لا يناسبه وجود الدولة السعودية بمقدراتها الضخمة طويلاً بنفس الشكل، ولكم في ليبيا والعراق عبرة.

كم ستستطيع سياسة الترقيع في المناصب أن تحتوي الانهيار؟ لا أحد يستطيع أن يحدد ذلك، فالتوازنات تتبدل يومياً في هذا العالم الذي يتحرك بسرعة لم يشهدها منذ انهيار جدار برلين، في شرق أوروبا كما غربها كم في شرق آسيا، كما في الشرق العربي والشمال الأفريقي أيضاً.. حروب الغاز تتنقل وبورصة النفط تبدّل مؤشراتها، دول إقليمية تفرض نفسها على الدول العالمية.. كل ذلك يحدث يومياً، فمن يعرف ماذا يخبئ الغد للدولة التي كانت حتى الأمس، صرّافاً آلياً عند الغرب، ومحطة بنزين كبيرة، أهملت الإعداد منذ عهد فهد الدموي، لمراجعة سياسية واحدة في علاقتها بتنوّعاتها الديمغرافية والطبقية وتبدّلاتها الاجتماعية.

ولكن، ينسى البعض أحياناً دور المعركة الكبيرة في الدولة الصغيرة، حيث حسابات خلافات القبائل منذ مئات سنين، ومطامع الإيرانيين، وتمزق المجتمع الصغير – الصورة عن مجتمعات أخرى دُجّنت بالقوة (قبائل الغرب في السعودية، شيعة الشرق، المؤسسات الدينية السنية المحلية)، دور هذه المعركة الصغيرة، في رسم مستقبل خريطة الخليج السياسية كلها..

كأن أبو طاهر القرمطيّ، الذي أتى من بلاد الهَجَر (البحرين)، واجتاح مكة وأغاظ خيار الدولتين العظيمتين آنذاك، العباسية والفاطمية، يعيد شعراً قاله على أنقاض الانهيار السياسي لمشروع الدولة آنذاك، في سنة ظهر فيها النجمان (المشتري وزحل) في السماء، وانشغل العباسيون مع إله الحرب (المريخ) بثورات العراق، وكان الترك يصعد نجمهم، كذلك شعوب الخزر (الروس) وقيروان تونس تزدهر.. لخص أبو طاهر القرمطي، رمز الفوضى في تلك المرحلة والذي أصبح شيطاناً في كتب التاريخ والدين وإله الفوضى، رسالته إلى العالم الذي سيتخرب كله بعد ذلك بسنوات كأنه يبشر بأن فكرته ستنتشر.. قال:

checkmateأغرّكم منّي رجوعي إلى الهَجَر؟

فعمّا قليلٍ سوف يأتيكمُ الخبَرْ

إذا طلعَ المريخُ في أرض بابل

وقارنهُ النجمان فالحذر الحذَر!

سأملك أهل الأرض شرقاً ومغرباً

إلى قيروان الرومِ والتٌركِ والخزَر.

فماذا كان القرمطيّ ليقول اليوم، وأحجار الرقعة تتهاوى ميّتة بخيانات بعضها البعض، أحصنة تُعزل وقلاع تسقط وملوك تموت ووزراء ينطفؤون وأفيال تُعقَر، يبقى الجنود المقسومون إلى لونين، وحدهم، يتفرجون على فراغ المشهد السياسي في الشرق.

مدونة جوعان

الأوسمة: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: