عن علي شعيب وإضراب المصارف وأشياء أخرى

خضر سلامة

لقد أخرجتك دموع الأمهات قبل الآوان”

إلى نهايتك المبكرة”

المصارف تضرب اليوم، عام 2014، بعد أن أثبت قطاع المصارف في الغرب أنه قائد كارثي (وطبيعي) للاقتصاد الرأسماليّ.. تضرب اليوم في لبنان، لأن المجلس النيابي تجرأ وفرض 2 بالمئة ضريبة على ودائعها.. بعد أن تضخمت الضريبة اللبنانية على المواطن ذو الدخل المحدود مئات المرات بالمئة في السنوات الأخيرة، مقابل إعفائها..

كان ذلك في الثامن عشر من تشرين أول 1973، كثيرون من جيل ذلك الزمن عاصر عملية بنك أوف أميركا، وقلائل يتحدثون عنها (أو يتذكرونها)، لم يكن علي شعيب وحيداً، بل كان مع رفاقٍ منهم الشهيد جهاد أسعد، ولم يكونوا بلا رأس، كان عقلهم وقلبهم مرشد شبو، “أفقر أمين عام حزب في لبنان” كما وصفته إحدى الصحف في الثمانينات بعد وفاته ومطلق مكافحة الصهيونية في الستينات بلبنان والحرس الثوري والحركة الاشتراكية الثورية، وابن برجا الفقير الذي مات “ببيجاما واحدة فقط”، كان علي شعيب أشهر رموز العملية، لأن حظه أنه وقع شهيداً في قصيدة عباس بيضون الشهيرة “يا علي” التي غناها مارسيل وذاع صيتها، حتى صار الناس يغنوها دون أن يعرفوا من عليُّ القصيدة.

ولكن هذا الرجل الذي نسيه اللبنانيون ولم يكتبوه في التاريخ، كان صانعاً لمعجزات أخرى، لا يعرفون عنها أيضاً، أو يهملون أهميتها، نسيها حتى مثقفوهم وآخرون فضّلوا التنكّر لها إن تذكّروها، فعلي شعيب كان من منظمي انتفاضة التبغ ورموزها في النبطية، التي أسست لأول وعيٍ فلّاحي مهّد للتحرر من البكوات ثم الشركات الكبرى، كذلك مناضلاً في اعتصام عمّال معمل غندور الشهير الذي صقل التجربة الحزبية في الصفوف العمّالية وكرّس العداء للنظام الاقتصادي اللبناني، والمفصلي في تاريخ لبنان السياسي آنذاك أيضاً..

ولكننا بكل حال، نفضل أن نتكلم بالسياسة، بما نجده في فتات وطوائف وزواريب حاضرنا، دون عناء إنصاف الماضي وأبطاله وأفعالهم وإرثهم وثقافتهم.

في ذلك اليوم من تشرين، دخل الرفاق “الاشتراكيين الثوريين” كما سموا حزبهم، واحتلوا مبنى البنك، في اليوم التالي، اقتحمت فرقة من الشرطة اللبنانية (بأوامر من الضابط علي الحسيني، مسؤول الشرطة القضائية آنذاك حسب ويكيليكس)، وبشخص الوزير “الطيّب” اليوم، الضابط حينها، مروان شربل، وأعلنت الشرطة مقتل “أفراد العصابة” كما قتلت عن طريق الخطأ مدنيين لبنانيين ومدنياً أميركياً في حقل الدم الذي فتحته رغم أن المفاوضات كانت جارية تحت رعاية السفارة الجزائرية، ولم تكن مطالب الرفاق واضحة لأنهم كانوا أصحاب رسالة واحدة، أعلنوا عنها بأنها تحدي النظام المالي العالمي، وتحكم مصارف أميركا بالسياسة والاقتصاد العالمية (هذا ما نجده اليوم شعارات مملة –وخشبية- بالعربية، بينما نجدها هي نفسها “مودرن” وثورية، بالانكليزية في حركة مناهضة العولمة والرأسمالية الأميركية مثلاً)

على كلٍ، كانت الأيام اللاحقة للعملية، كفيلة بكشف كلام عن أن من بقي حياً لم يمت في الاشتباك لاحقاً، بل بإعدام ميداني بعد الأسر بأوامر من حكومة تقي الدين الصلح مباشرة حسب ما أشيع.Image

بكل الحالات قُتل علي شعيب، وجهاد الأسعد، ومات معلمهم شبّو مجهولاً مكسوراً لا يملك ثمن علاج كليته، وكذلك نسي التاريخ أن هؤلاء، خرجوا على شرفة المصرف ليرموا الدولارات للناس، ليقنعوهم أن حقوقهم محبوسة هنا، ونسي معظم اللبنانيين تاريخهم وفضلوا تاريخاً ينتهي عند مسرحية الاسقلال في قلعة راشيا، ولا يكمل إلا بعد الحرب الأهلية، واستحى ورثة النضال بآبائهم وأفكارهم.. وتدهور التاريخ، وجفّت الذاكرة وانحدرت السياسة حتى أصبحنا في زمنٍ.. تُضرب فيه المصارف معترضةً على حقوق المواطنين.

أصحاب المصارف..

السيّء في وجودكم بيننا، ليس أنكم ترعون كل تجارة السلاح والمخدرات وتبييض المال وتزوير الحسابات ومنظومة الفساد المالي في الدولة اللبناني فقط، ولا أنكم تبتلعون خدمة الدين العام فقط، ولا أنكم تجبرون المواطن العادي على تكلف الضريبة المضافة، لاعفائكم من المشاركة في سدّ ما اقتُرض لأجلكم أصلاً، السيء في وجودكم بيننا، ليس أنكم آلة السرقة الأنيقة التي تلبس بذلة وربطة عنق، ويدافع عنها اللبنانيون البسيطون لأنها أنيقة فقط، السيء في وجودكم، أنكم أكبر دليل على أننا دولة فاشلة بذاكرتها، بتاريخها، بسلّمها الحضاري وبثقافتها.

ولكن… ولكننا.. “لكننا .. ذات يوم ..سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة” تقول الأغنية.

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: