أيها الراعي: لا تذهب إلى الذئب

خضر سلامة

كان الأول من أيلول حتى عام 1954 عيداً رسمياً في لبنان، عيد الإعلان عن دولة لبنان الكبير سنة 1920، أو ما يسمى اليوم بالجمهورية اللبنانية، ومن المتعارف أن البطريرك الماروني الياس الحويك كان صاحب المشروع، باسم خلق كيان جغرافي اقتصادي سياسي مسيحي خاص في المشرق، وحيث أن المتصرفية الصغيرة في “جبل لبنان” أثبتت فشلها اقتصادياً بالمجاعة الكبرى عام 1915، حين مات ثلث أهلها وجلّهم من المسيحيين، طرح برعاية فرانسوا بيكو السفير الفرنسي في لبنان آنذاك، مشروعاً تقسيمياً للدولة السورية المطروحة كانت مع فيصل ابن الشريف حسين، اسمه لبنان الكبير، يضم إلى جبل لبنان أراض زراعية خصبة في عكار والبقاع وجبل عامل والساحل الجنوبي اليوم، وتحول المشروع الذي هدف إلى حماية المسيحيين إلى فشل سياسي وأيضاً على المستوى الطائفي، إذ ذاب المسيحيون في الفضاء المسلم فعلاً، كما حذّر الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو البطرك في مؤتمر الصلح قائلاً له: “يبدو أنك تجهل تاريخ بلادك يا غبطة البطريرك”، رغم أنه لا شك أيّده لتوافق المشروع مع ضرورات سياسية وأخلاقية، تعني انشاء كيان إثني طائفي مقابل، اسمه “اسرائيل”.

وأحد أبرز السياسيين الطائفيين المسيحيين آنذاك، شبل دمّوس، قال في شعر شهير مندداً بمشروع البطريركية:

أبناءَ مارون هلّا كان سعيكمُ، إلا وبالاً عليكم غير ميمونِ

ظننتم كبر لبنان يشرّفكم، فتهجرون مقام الذل والهونِ

تالله ما قدركم إلا “الصغير” ففي، تكبير لبنان تصغيرٌ لمارونِ

واليوم… المشكلة في من يسخف الأمور، أنه لا ينتظر من الآخر أن يفكر، يأخذ البطريرك الراعي الناس (خصوصا المسيحيين) بطبيعة الزيارة الدينية إلى فلسطين المحتلة (يقولون اسرائيل، طيب).Image

وحين يقول البعض أن زيارة بابا الفاتيكان، ومرافقيه، إلى الكيان الاسرائيلي هي زيارة دينية فقط، يعني أن نقتنع أن الفاتيكان، مؤسسة كاثوليكية دينية فقط (تماما كما يصوّر البعض مؤسسة ولاية الفقيه الشيعية). وهذا ما لا يُمكن أن يقبله أحد: الفاتيكان هو أحد أكبر اللاعبين الاقتصاديين في العالم، وبنك الفاتيكان هو شريك في حكومة الظل المصرفيّة في هذا الكوكب، وله في تجارة السلاح وتبييض الأموال وصفقات الديكتاتوريين تواجد، وتبعاً، لم يكن الفاتيكان يوماً بمنأى عن السياسة، فيوحنا بولس الأول، مات في ظروف مفاجأة بعد أيام على انتخابه وسط إشاعات كثيرة، ليخرج إلى النور يوحنا بولس الثاني، البولندي صدفة، ليتحول لاحقاً إلى أهم من سيشارك في فرط الاتحاد السوفييتي من بوابة كاثوليك بولندا وحرب الكنيسة الشعواء على العقيدة الشيوعية، ثم مبشّراً ليبرالياً معتدلاً في التسعينات، فترة بلقنة العالم من بوابة الديمقراطية والحرية الوطنية والعرقية.

واليوم، الأرجنتيني فرانسيس بابا الفاتيكان الجديد، بعد شبه سابقة بتنحي بندكتوس العجوز، يتحول البابا الجديد إلى روميو التواصل الاجتماعي، عنوان الصفحات الأولى للصحف، ولننتظر دخوله المباشر في السياسة، لنفهم دوره في التحرك السياسي الجديد لأوروبا من أوكرانيا وصعود اليمين من جديد.

ثم، يذهب ومعه الطيّب بشارة الراعي، إلى “اسرائيل”، القدس تحديداً، لو أن الزيارة هي بهوية القدس الدينية فقط، كان يمكن أن نلعب دور الأغبياء ونناقش في الأمر، زيارة البابا من بوابة القدس “عاصمة سياسية لاسرائيل”، ولقاءات سواء شارك فيها الراعي أو لا، تمثل قبولاً عُرفيا من الفاتيكان باللقاء الرسمي خارج تل أبيب، وهذا حتى في كلام الراعي الاستسلامي التبريري باسم السلام، تنازلاً وذلاً وتطبيعاً أكبر.

أين الخطر في ذلك؟ الخطر يا غبطة البطريرك ورعيّته ومؤيديه، أن المنطقة تشهد تصعيداً اسلامياً متطرّفاً خطيراً، قضى على الوجود المسيحي في العراق خلال فترة قصيرة بالفوضى وانعدام الأمن والتهديد، وتحوّل سيفا بيد أمن الدولة المصري لسنين بوجه الكنيسة القبطية، ولا تحتاج إلى إعطائهم ذريعةً جديدة طائفية، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد والمنطقة، أضف إلى أن الكنيسة المسيحية نفسها التي تمثل، رفضت لسبعين سنة لقاءً (مباشراً على الأقل) مع الوجود الاسرائيلي السياسي حتى في عز تحالف اسرائيل، قبل تخليها، عن اليمين الماروني في لبنان.

في نوفمبر 1977، رفض البابا شنودة الثالث مرافقة أنور السادات إلى القدس المحتلة، كان للموقف آنذاك سببان: سبب لاهوتي يعنى بموقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية من الاستيلاء الاسرائيلي على بعض أوقافها، وكذلك نظرة دينية لجذور اسرائيل وفكرة الشعب المختار.. وموقف سياسي يعنى بعلاقته مع السادات آنذاك والصدامات الدموية مع الرجل الذي فتح أبواب الاسلام السياسي ليحارب به أعدائه في الداخل.
المهم، رفض شنودة آنذاك الزيارة، بل وطلب من المسيحيين عدم زيارة القدس طالما تكون الزيارة بتأشيرة اسرائيلية (رغم أنه لم يعارض فكرة السلام بدايةً).. وتلاقى بعدها مع الحركة الوطنية الرافضة للتطبيع وتحول لرمز حتى مماته.
البطريرك الراعي سيزور الأراضي الفلسطينية، الفارق بين الموقفين حوالى أربعة عقود.. وخمسة حروب شاملة شنتها اسرائيل ضد لبنان، تغيرت فيها النفوس والثقافات والمعسكرات، حوصر المسيحيون ثقافة ووجوداً وسياسة في لبنان “الكبير”، وخسروا في العراق “الجديد”، وعالقون في أزمة الانفراط السوري، لم يرجع السادات إلى حظيرة العرب، بل لحقه العرب إلى اسرائيل، شيوخاً وأمراء وصحافة وسينما…
فهل تذهب الكنيسة المشرقية أيضاً من نافذة الغربية؟ وهل يكون الفخ السياسي اليوم (مفترضين صدق الراعي في التزامه بأن اسرائيل كيان عدو)، هو فخ الاعتراف “بيهودية” اسرائيل من جهة، وبالجهة الأهم التي تعني الفاتيكان والمسيحيين، القبول الضمني بشرعية السيطرة السياسية الامنية لاسرائيل على مدينة القدس وزيارة الفاتيكان إليها على أساس العاصمة السياسية ل”اسرائيل”
.. كما فعل يوحنا بولس الثاني بزيارة في التسعينات بعد تبادل العلاقات مع الكيان الصهيوني، بتنازله عن تحفظات الفاتيكان على حدود ال1967 واحتلال القدس، وقبوله بالشكل السياسي لما بعد أوسلو.. فماذا يخبأ لنا فرانسيس بزيارته؟ وماذا يخبّأ من مفاجآت كارثية عودنا عليها الفاتيكان، لمسيحيي الشرق.

لا تذهب أيها الكاردينال، لم تصل الكنيسة المارونية في ذروة حماقاتها السياسية التدميرية منذ مشروع “دولة لبنان الكبير” إلى حلف بغداد فالحرب الأهلية إلى اليوم، إلى هذا الدرك من الغباء في قراءة التاريخ والجغرافيا والانتحار السياسي والأمني، لا تنحدر أكثر.

مدونة جوعان

الأوسمة: , , , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: