Archive for 25 أغسطس, 2014

أول حالة إصابة بفيروس الإيبولا

25/08/2014

خضر سلامة

“إنه الإفلاس الروحي للرأسمالية التي تتحرك دون هامش أخلاقي أو اجتماعي”

هذه الجملة لم يقلها ماركس قبل مئتي عام، ولا غيفارا قبل خمسين عاماً.

هذه الجملة قالها الدكتور جون آشتون، رئيس كلية الصحة العامة في المملكة البريطانية المتحدة قبل شهر في مقال له في جريدة الاندبندنت معلقا على تجاهل العالم لفيروس إيبولا.

في وقت يستمتع فيه الجميع، لا سيما في بلادنا، بتقليد الأغنياء والممثلين والمطربين ولاعبي كرة القدم في تنافسهم على المشاركة في “ترند” حملة سطول الثلج الهادفة للتوعية من مرض نادر جداً لا يعرفه معظم المشاركين، غير فيروسي، لصالح جمعية بدأ الحديث عن شبهة فساد فيها، برعاية مشاهير يتبرعون بمئات آلاف الدولارات ليتم إعفائهم من ضرائب بملايين الدولارات..

في هذا الوقت، قُتل أكثر من ألف وخمسمئة أفريقي بفيروس الإيبولا في الأشهر الأخيرة، دون ضجة كبيرة، لم يهتم المشاهير به بعد، فإذاً لم يهتم الإعلام به، إذاً لم يهتم الناس الاستهلاكيون به، طالما أنه يضرب قارة منسية اسمها أفريقيا، ولم يقترب بعد من العالم الأكثر حظاً، وطالما أنه لم يحصل على حصته من وقت الممثلين وعارضات الأزياء.

الفيروس الذي لا تهتم به شركات الأدوية لأن زبائن دوائه لا يستطيعوا أن يدفعوا ثمنه، والمساعدات لا تزال أقل بكثير من مما يدين به العالم لأفريقيا على جرائمه فيها، وحملات المكافحة تقوم على جهود منظمتين دوليتين فقط، وبضع مئات من المتطوعين الأفارقة.. ومنهم كان الدكتور السييراليوني شيخ عمر خان.

0

خبر إصابة الدكتور شيخ عمر خان بفيروس إيبولا قبل وفاته لاحقاً

شيخ عمر خان بطل محليّ في سييراليون بسبب جهوده في مكافحة الأمراض، لعب دوراً مهماً في مكافحة حمى لاسّا الشبيهة بالإيبولا، وهو الخبير السييراليوني الوحيد في أمراض الحمى النزفية، لكن ذلك لم يجنبه أن ينضم لمئة عامل صحي أفريقي قتلوا بالإيبولا حتى الآن.

“إذا كان جيداً للأميركيين، كان ليكون جيداً لأخي” علّق راي شقيق الدكتور شيخ عمر لرويترز على خبر شفاء أميركيين اثنين أصيبا في ليبيريا ونُقلا للعلاج في موطنهما، محتجاً على نكران العالم حتى اللحظة وجود علاج للإيبولا أو الكشف عن أي تقدم في البحث يمكن أن تنقذ غرب القارة.

دانييل باوش الخبير في الفيروس قال قبل أسبوعين تقريباً، أن هناك تقدم كبير في العمل على محاربة المرض، لكن “الاقتصاد” يقف في وجه الباحثين.

مات البطل الوطني السيراليوني الذي لا نعرفه، لكن الأميركيّين عولجا، وابتسما للصحف المحلية الملونة، وقبل ساعات قرأت خبراً عن أن مريضاً بريطانياً نُقل أيضاً من أفريقيا إلى بلده للعلاج..

الإيبولا تعض أفريقيا، وشركات الأدوية الغربية تجري حساباتها المالية، ووزارات الخارجية الغربية تجري حساباتها السياسية، وباقي البشر يسكبون سطول الثلج على رؤوسهم ويلعبون.

كم نحن لا نفكر بغيرنا، حين لا يكون أبطال التلفزيون في صفّهم،

لا طائرات تتسع للأفارقة.

*أعتذر على العنوان غير المتعلق بالموضوع مباشرة، لكنه محاولة للفت نظر القراء إلى الموضوع

Advertisements

بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

22/08/2014
 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك

سميح القاسم يخرج من معتقل أوشفيتز

20/08/2014

خضر سلامة

إلى سميح القاسم

من حُسن حظي أن خالي، وهو صديقي الشخصي منذ فتحت حساباً في مصرف الذاكرة، كان طالباً في الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، وكان حريصاً على تصيد الكتب العربية الثمينة في ما بيع آنذاك من أرشيف دار التقدم ودار العودة وغيرها من الدور المدعومة من المحور الشرقي، في شوارع موسكو بعد الانهيار الكبير.

وكان منزلنا في بيروت، منزل العائلة كلها تقريباً، لذا كان بيتنا مكتبة المغترب أيضاً، حيث حرص على جمع عشرات الكتاب التي كان يُحضرها في كل زيارة، وفي جو “جامعة باتريس لومومبا” في موسكو، وتحت ضربات حفلات الشعر الثوري المسجلة وحفلات أغاني السبعينات والثمانينات، ربيت، فعرفت أن بوشكين أميراً، قبل أن أعترف بإمارة أحمد شوقي، وقرأت واقعية دوستويفسكي الحالمة، قبل أن أتفتح على أحلام كنفاني الواقعية، وبين أوستروفسكي وينسين ومايكوفسكي وغيرهم، قرأت عن بلاد جميلة، وأحلام جميلة أيضاً، وجدت أسباباً مقنعة لأحزن على مقتل لوركا في اسبانيا، وعرفت أسماءً لم تعد رائجة في عالم الحياة، كوديع حداد وجورج حبش وسانكارا وسلام عادل ومهدي عامل وبن بركة وغيرهم..

ولكن في رزمة الكتب المكدسة في المكتبة الخشبية المهترأة التي استغنينا عن خدماتها حين لم تصبح صالحةً لسياحة الزوار لدينا، كان هناك كتاب مأكولٌ من غلافه، كأن ثمة من “نتش” منه، لم تكن هناك كلمات كثيرة: “ديوان سميح القاسم” فقط.
الكتاب صادر عن دار العودة سنة 1973، اقتناه خالي في أوائل التسعينات ربما من مصطبة تبيع كتباً لتشتري خبزاً.. وهو من ثمانمئة صفحة، صدر في ذروة غليان العالم الثوري من تشيلي إلى الجيوش الحمر في أوروبا إلى انتفاضات أفريقيا وقيامة آسيا واشتداد فكرة التحرير الوطني في فلسطين، وهو مجموعة قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم حتى تاريخه، أي في الرابعة والثلاثين من عمر المناضل الفذ.
أنغولا، شيكاغو، فييتنام، موسكو، الكونغو، برلين، بيروت، عودة إلى حيفا سيراً على اليدين كغزال تائه يبحث عن وطن، هكذا مشيت مع سميح، أذكر كل صفحة وأنا أقلب في الكتاب اليوم بعد عشر سنوات تقريباً على قراءة الديوان، هل هو المسؤول عن نحت جزءٍ من القلب؟ لا أعرف..

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

أعرف أني عرفت بالصدفة عن موته بالأمس، كنا نرسم في الشارع لوحةً عن الطفل محمد أبو خضير، الذي قتله النازيون نفسهم في قصيدة القاسم، في نفس نسخة أوشفيتز التي وصفها.. قالوا أنه مات، ثم أكملوا الحديث، عُدت لأتوقع أن أفتح الشاشة لأمل من خبر موت شخص أحبه كالعادة، بفضل الجرعات الزائدة من النواح، لا الحزن، على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنتخطى الخبر كالعادة بموت آخر غداً ربما، أو زواج فنانة شهيرة.
ولكن، لم أجد الكثير عنك يا سميح، لم يحزن كثيرون… بعد أربعين عاماً من ديوانك هذا، لم تعد نجماً ثورياً، ربما فاتك أن تنتبه، لكن الكثيرين اليوم في العشرين من عمرهم، أو في الثلاثين من عمرهم، لم يسمعوا بسميح القاسم، وربما يخطؤون في معرفة مكان الناصرة على الخريطة، والليمون صار يباع في أسواق أوروبا، على أنه من بساتين اسرائيل.. هذه أمور تحدث يا سميح، لم ينتبه كثيرون أنك مت، ولم يكترث آخرون.
ولكني اليوم، أجلس مع ديوان سميح القاسم نفسه، بعد عشر سنوات ربما على قراءتي الأخيرة لديوان له صدر قبل أربعين عاماً، كان سميح القاسم نفسه، صاحب آخر مداخلة شعرية في قصة حب طويلة عرفتها، وكتابه الأحمر المقضوم من رأسه، في يديّ الآن، أقلب في صفحاته حزيناً، لأن أحداً لم يحزن على الشاعر الميّت، كي أمل الحزن ولا أفكر في انقراض مرحلة من عمر بلادنا الأدبي والسياسي والثوري، دون أن تمتلك حق التوريث لجيل ضائع بين روتانا وداعش.

في الكتاب، أقرأ من قصيدة يوسف لسميح القاسم:
“أحبائي أحبائي، إذا حنّت عليّ الريح
وقالت مرة: ماذا يريدُ سميح؟
وشاء أن تزوّدكم بأنبائي..
فمُرّوا لي بخيمةِ شيخنا يعقوب
وقولوا إنني من بعد لثم يديه عن بُعدِ
أُبشّرهُ أبشّرهُ، بعودة يوسف المحبوب!
فإن الله والانسان..
في الدنيا على وعدِ!”

لا أعرف هل اهترأ الكتاب في المكتبة في فترة السقوط السريع في التسعينات للذاكرة الثورية، أو أن خالي كان قد اشتراه من على رصيف في شارع في موسكو بغلافه المقضوم هذا.. لكني أتخايل الآن، أن جائعاً للإنسان في تلك السنوات اللئيمة، قضم من شعر سميح القاسم في ليلة برد قارسة..
صورة جميلة في البال، أبتسم.

مات سميح القاسم، لكنه لن يختفِ، لا يُمكن لأحد أن يهزم ميّتاً لم يعد لديه ما يخسره، وشعره لا زال في الأرجاء، بين الكتب التي نجدها في أرشيف المدينة، وتكون الكتب الأجمل…
شعره لا زال في الأرجاء، كذلك وطنه.

سميح القاسم تحرر من سجنه، الحاكم العسكري النازي الذي تحدث عنه دائماً، يكمل إدارة المعتقل.. لكنه سيسقط، و”روما أبقى من نيرون” يا سميح.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: