بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , ,

2 تعليقان to “بين إدارة التوحش وإدارة التحضر”

  1. الهام Says:

    السيد خضر
    اجمل مقال قراءته في هذا الزمن البشع. الأمريكان المغتصبين للقارة الأميركية الشمالية قطعوا رؤوس اصحاب البلاد بالملايين، أغتصبوا نساءهم، هلكوا أطفالهم، حطموا ثقافتهم، أبادوا لغاتهم، قطعوا أوصالهم، وتركوهم فريسة لأمراضهم وكحولهم. اليوم ما تبقى من السكان الأصليين مرضى بداء السكرى وأمراض مزمنة اخرى او مدمنين على الكحول من الطعام الرديء الذي أغدقوه عليهم والكحول الذي سمموهم بها.
    داعش ليست وحيدة ألمتداعين بالتحضر سبقوهم بازمان.
    شكرًا

  2. الهام Says:

    السيد خضر
    بقايا سارة بارتمان ضلت حبيسة المتحف الى سنة ٢٠٠٢ وليس الى منتصف السبعينات كما ذكرت عندما نيلسون مانديلا ربح معركة إرجاع قطعها الى افريقيا الجنوبية وتم دفنها في مكان مسقط رأسها east cape. وشكرا على مقال راجع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: