المجتمع المدني: أنطونيو غرامشي أو البنك الدولي

خضر سلامة

(أنطونيو غرامشي: مفكر ومناضل ماركسي – شيوعي إيطالي قُتل في سجون موسوليني ومناقش نظرية التحكم بالثقافة كإحدى وسائل السلطة الرأسمالية*)

المجتمع المدني، كلمة فضفاضة تستعمل في كل مكان، في الأحداث السياسية وفي المؤتمرات الاقتصادية وفي الحملات الحقوقية، معظم الوصف الحكومي السائد يجاري التوصيف البريطاني: المكان “بين الدولة والقطاع الخاص”، فيما يُسلم جدلاً في الخطاب المتداول بأنه خليط من منظمات غير حكومية إلى جانب منظمات غير ربحية (تتشدد اسرائيل – على عكسنا – في التمييز بين الاثنين).

في المجتمعات الرأسمالية، حيث تحكم علاقات التجارة العالمية، يكون المجتمع المدني غالباً لجمعيات غير حكومية ممولة عن طريقين رئيسين: إما متمولين محليين (بنوك، عائلات سياسية، أعمال خيرية لشركات تغسل ضرائبها) وإما، في البلدان الأقل نمواً، بتمويل أجنبي (مؤسسات دولية، وكالات أميركية وأوروبية وأممية للتمويل)، وهذا الفتات من الملايين سنوياً لكل بلد يكون عادةً تعويض اللصوص البيض لنا، عن الغائنا الضرائب على بضائعهم وفتحنا مصارفنا لهم. ويكون خطاب هذه المنظمات “غير الحكومية” دائماً مطالباً بتحقيق قيم ليبرالية غالباً (وهذا ليس ذماً ولا مدحاً بهذه القيم) كالانتخابات الديمقراطية (على الطريقة الغربية) والحقوق الفئوية (الجندرية، الجنسية، الأقلوية) والحريات الفردية، وتغيب عن خطاب الحرية الجماعية (الاصلاح الحزبي، التحرير السياسي، التغيير الدستوري)

أما في المجتمعات المحافظة اقتصادياً، والأقل تضرراً من البنك الدولي، فإن المجتمع المدني غالباً هو مؤسسات بخطاب أكثر محلية، ويشمل الاتحادات العمالية والنقابات والمنظمات التطوعية والكشفية والتربوية والطلابية، ويتعداها إلى الروابط الاقتصادية الحرفية والخدماتية أحياناً، ويكون خطابها حقوقي جماعي غالباً، من ناحية مطالب تحسين شروط المعيشة والتحكم بالأسعار وقوانين العمل، بالإضافة إلى انخراطها في معظم الأمثلة في الصراعات الوطنية التحررية ضد أي تهديد خارجي (ولو من “الشرعية الدولية”).

أوليغ درغاشوف - كندا

أوليغ درغاشوف – كندا

في كتاب “المجتمع المدني: تاريخ نقدي لفكرة” لجون اهرنبرغ، يشير إلى حقيقة مرعبة، وهي أن ما يُعرف اليوم ب”اليسار الجديد”، أي اليسار المقتنع بجدوى الخطاب الليبرالي بعد تسليمه بالهزيمة أمام رأس المال بعد الثمانينات، هذا اليسار الجديد بالذات التي يتملكه اقتناعٌ بامتلاكه التفوق الأخلاقي والثقافي والانساني والحقوقي على جميع الاتجاهات الأيديولوجية، يقوم على سوء فهم تاريخي!

وهنا، يستعين اهرنبرغ بغرامشي.. هذا العبقري الإيطالي، الذي يتحجج معظم هذا اليسار بالذات به، اختلف غرامشي حقيقةً مع ماركس في تقييم مؤسسات المجتمع المدني، اقترح غرامشي في نظريته أن المجتمع المدني يملك دوراً حاسماً في تأمين الرأس مال الثقافي للنظام الرأسمالي، ولكن هذا لا يجعله مشكلة (كما رأى ماركس) بل يجعله “ساحة صراع ضد الرأسمالية”.

سلّم اليسار الجديد أن قصد غرامشي هو أن المجتمع المدني – بعلاته – هو أداة في الحرب ضد الرأسمالية. ولم ينتبه هنا للقصد الدقيق لغرامشي: يجب النضال ضد الثقافة الرأسمالية في المجتمع المدني، من أجل تجفيف منابع النظام الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أدق: أنت لا تستطيع أن تطعن دباً (الدولة الرأسمالية) بوسادة (المجتمع المدني حين يكون تحت سيطرة رأس المال الحاكم).

وتالياً.. وقع الخلط، وصارت لازمة “المجتمع المدني” موجودة في كل خطاب، ويتم تقديم المجتمع المدني على أنه صنم جديد لا يمكن تجاوزه ويعبر دائماً عن الخيار الشعبي.. رغم أنه عملياً، يلتزم في حركته بأجندة ثقافية تلتزم تمويلاً مشروطاً ضمن هوامش متفق عليها، كما يقول غرامشي وماركس وهيغل ودو توكفيل، بين النظام الحاكم ورعاته الماليين.

سواء كان أصحاب المال محليين، كنورا جنبلاط وليلى الصلح حمادة وعصام فارس وغيرهم من واجهات المال العائلي و البنوك والشركات “الطيبة”، أو كان أصحاب المال دوليين كاليو أس أيد والأوروبيين وكل من يأتي كهدية ترويجية من قبل البنك الدولي، فإن ذلك لا يغير من حقيقة واحدة: وهي أن المجتمع المدني الحقيقي السليم، هو ذاك الذي يتم اغتياله يومياً، من عمل نقابي واتحادات طلابية ومنظمات تطوعية مجانية خيرية تسعى لتقديم المطالب بحقوق الناس (كجماعة لا أفراد فقط) إلى الدولة مباشرة، لا عبر أشخاص أو مؤسسات محلية أو دولية.

المجتمع المدني (ضمنه المؤسسات الإعلامية كشركات مستثمرة اليوم) كما كان منذ مئتي عام ولم يتغير. لا زال مساحة لاستثمار المال للترويج للثقافة السائدة الحاكمة، والمعركة ليست لالغاء دوره أو استئصاله أو الكفر به، لأنه حاجة وهو مهم وكذلك نقاط التقاء كثيرة بين المصلحة العامة وشعاراته، إن المعركة المطلوبة هي تحرير المجتمع المدني من تحكم المال به وبقراراته وهوامش خطابه، قبل الاعتماد عليه لمحاربة سياسات هذا المال.

الأوسمة: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: