أفلاطون لا زال يحلم

خضر سلامة

لقد أراد أفلاطون وضع الفلاسفة (مثقفي اليونان) أعلى سلم المجتمع في مدينته الفاضلة، لكن ذلك لم يكن ممكناً لا في عصره ولا في العصور اللاحقة.. لم يتمكن الفلاسفة في أي مرحلة من مراحل الحضارة البشرية من الوصول إلى مربع السلطة المطلقة، كما تمنى أفلاطون في أحلامه.

حتى مرحلة متقدمة من التاريخ (التسعينات)، كان الجو العام للمثقفين على يسار العالم، معارضين شرسين للرأسمالية. الفيلسوف الأميركي الليبرتاري روبرت نوزك نشر واحداً من أشهر أعماله الأخيرة أواخر التسعينات ليجاوب على سؤال “لماذا يعارض المثقفون الرأسمالية”، وفي عمله هذا يرى نوزك أن السبب هو التميز الذي يحظى به المثقف في مؤسسة الدراسة، والذي يبدأ بفقدانه ما ان يدخل سوق العمل حيث لا يبقى لثقافته ومعرفته الواسعة، أي إضافة في عملية الانتاج.

ورغم أن هذه النظرية شاعت.. إلا أن ناقدها كان عالم الاجتماع الهولندي الراحل ارنست فان دن هاغ، الذي نقض النظرية موضحاً أن الشهرة في المؤسسة الدراسية، لا تكون عادة من نصيب من يحبه الأساتذة، بل نقيض ذلك تماماً.. وأن المثقفين لا يفقدون، على الأقل في بدايات هذا القرن الصاخب، دورهم ورونقهم في عملية الانتاج، بل بالعكس، في القرن الواحد والعشرين، قد لا يجد المثقف دوره إلا في قلب الرأسمالية.

Alexander Medvedev - Russia

Alexander Medvedev – Russia

كيف هذا؟
لقد تغيرت الأحوال، في بدايات القرن العشرين كان المثقف ملتحماً بالجماهير، بسبب طبيعة الأحزاب الايديولوجية لا سيما الماركسية بتنوعاتها، الصاعدة من رحم الريف (كالصين) أو من رحم المدينة (كالسوفييت)، كان دور المثقف يصبح أكثر وضوحاً حين يكون في حزب جماهيري، يؤمن له التميّز.
إلا أن الرأسمالية، كعادتها.. تملك حلولاً لكل شيء: استفاقت المصارف على حقيقة مهمة بعد الحرب الثانية، لماذا لا نستثمر في مؤسسات الثقافة نفسها؟ وبدأت الصحف تتحول إلى مجالات استثمارية، ومراكز الدراسات تفرّخ (ومعها أسطورة أنها تصنع مزاج البلد السياسي)، التلفزيونات بقيت كما هي منذ نشأتها: شركات للإيجار.. وتكاثرت.
أصبح للمثقف مهنة: باحث، صحافي، عامل اجتماعي أو محلل أو خبير في مجال ما.. مصدر رزقه مرتبط بالمؤسسة التي يعمل فيها، والخاضعة لنظام استثمار رجال الأعمال فيها.

هل يكره المثقفون الرأسمالية اليوم؟
لا شك أن المثقفين في عصرنا – من خارج الأطر الماركسية العقائدية الصلبة – مدهوشون بالرأسمالية، ومعجبون فيها.. الأزمة في كتاب صحف النفط ومواقعه ليست في القرار السياسي لصاحب الصحيفة بعدم انتقاد أميركا مثلاً، الأزمة هي أن هؤلاء، وبعضهم رفاق سابقين، معجبون حقاً بالرأسمالية، فالعلاقة معها علاقة أكثر من مادية فقط كما يرى خصومهم.. العلاقة مع الرأسمالية هي علاقة دور، لقد قدمت لهم الرأسمالية دوراً في المجتمع، أقنعتهم على أساسها أن لهم دوراً في القرار السياسي، كما كان يشتهي افلاطون.

وهنا يأتي دور المهرجانات الثقافية التي يرعاها أمراء الصحراء، واللقاءات الدورية مع معاهد أبحاث ودراسات (تنتج أفكاراً يريد المستثمر ترويجها)، والزيارات إلى مساعد حاجب مدير مكتب أمير ما أو ضابط استخبارات، وبهارات اللغة الانكليزية وملح الخبراء الأجانب والمستشارين الاعلاميين المستوردين أو الوظائف ذو التسمية الأنيقة والمكاتب الفاخرة لصحف لا يقرأها أحد: اقناع المثقف أنه صاحب دور، ليستشرس أكثر في الدفاع عن رأي ليس مقتنعاً به بالضرورة.. لكنه معجب بأناقة أصحابه ولا شك.

الأوسمة: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: