دموع الرجل الأبيض

خضر سلامة

Le sanglot de l’Homme blanc

دموع الرجل الأبيض، أحد أشهر كتب الفرنسي باسكال بروكنر.. في هذا الكتاب اعتذار بإسم جيل كامل من اليساريين السابقين الأوروبيين موجه إلى الثقافة الأطلسية عام 1983، الكتاب يمثل عصارة تجربة بروكنر وآني كريغل وبرنار هنري ليفي وفينكلكراوت وجيرار شاليان وغلاكسمن وغيرهم من نجوم الثمانينات الذين جمعهم قاسم مشترك واحد: الاعتذار.

اعتذرت النسخات الأوروبية من الشيوعيين اللبنانيين السابقين “النادمين” على الصدام مع الفاشيين واسرائيل سابقاً، قبلهم بكثير، بل ربما أن الاعتذارات الأوروبية آنذاك هي التي خلقت متأخرة، التجارب الثقافية العربية ليساريين سابقين تابوا “ع بكير” واعتذروا.

ما الذي يجمع هذه الأسماء بهذه التجارب؟ هذا الكتاب يمكن أن يجيب عن السؤال، فبروكنر يحمل العالم الثالث مسؤولية تخلفه: القبائلية والطائفية والفساد وغيرها من الصفات التي نعرفها، هي سبب تخلف العالم الثالث، وهي أسباب عضوية، وتالياً على الرجل الأبيض أن يكف عن ذرف الدموع.. وهذا الكتاب كان قصفاً مباشراً على ما تبقى من اليسار السوفييتي الأوروبي في تلك الفترة وهو يتراجع أمام تفتت شرق أوروبا ومسألة القوميات.

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

إذاً، في الثمانينات ولد “الفلاسفة الجدد” وأصبحوا تياراً مؤسساً لثقافة جديدة.. هذه الثقافة تحمل الناس غير البيض مسؤولية دمهم وجهلهم وتخلفهم، يصبح القتل في شرق المتوسط أسبابه محلية تحت شعار “ما نحن كلنا داخلنا داعش صغير”.. أما القتل في شمال المتوسط، أسبابه خارجية، إرهاب خارجي، مهاجرون عرب عالمثالثيون متخلفون… وتتعطل فجأة الحجج المحلية (فقر بطالة تمييز قانوني وبوليسي ووحظوظ أقل بمرتين ونصف في التوظيف إذا كان اسمك عربياً)

هكذا.. عليك أن تذرف الدموع إذا ضرب يهودي في شارع أوروبي، ولا تكترث لخمسين حادث عنصري ضد المسلمين في ثلاثة أيام بعد حادثة شارلي إيبدو، ويجب أن يدب الذعر في جسد الثقافة العالمية إذا قطع رأس صحافي أميركي، ولا تسمع أحد يعترض حين يقصف الأميركي موكب صحافي في العراق عام 2007 ويقتل الاسرائيلي 17 صحافيا في أسابيع الحرب على غزة،  ويعتبر حادث أمني في باريس أو لندن أو غيرها خبراً أولاً، فيما مجزرة بسبعين قتيلا في اليمن أو مئة في العراق أو ألفاً في سورية، خبراً عادياً بالنسبة لأخبار “هكذا بلاد”، والقمع البوليسي للسود في أميركا والفوضى الأفريقية المصنعة بشركات السلاح والبشر في أفريقيا طبيعية، لأن العالمثالثي لا يجب أن يفك الطوق عموماً.

الفلاسفة الجدد كانوا تياراً عام 1983، كالعرب الجدد اليوم، وكانوا يعتذرون من الرجل الأبيض على حماقاتهم حين ناصروا شعوب العالم الثالث الذي يتحمل مسؤولية تخلفه ولا حل أمامه إلا بتقليد أخلاق وسياسات وعلاقات الغرب العامة ومعاييره الديمقراطية والاقتناع بالحرية الشخصية لا بمصير الجماعة، اليوم أصبحت الفلسفة الجديدة سلوكاً يومياً ومزاجا عاماً، يعرف أن هناك جوع وفقر وحروب، ولكن مسؤوليتها ليست على البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاستعمار وجرائمه السابقة وصناعته لدول عاجزة وتجارة الأسلحة والمخدرات وكارتيلات الغذاء والدواء.. كلا، المسؤولية هي على هؤلاء العالمثالثيين الجاهلون.

يعتذرون من بلادنا، من تحت ركام القصف اليومي والذبح اليومي عن جريمة في باريس.. ويبكون عليها ويضيؤون لها الشموع، ويحملون المسؤولية لهؤلاء “المهاجرين” “ذوي الأصول غير الشقراء”، ذوي الأسماء غير اللاتينية الذين طبعا، بداخلهم “داعش صغير” لا يوجد داخل الرجل الأبيض (يوجد داخله ميكي ماوس ربما).. هل انتبهوا إلى نازية وعنصرية هذه الكلمات مثلا؟.  يعتذرون ويقفون بالصف ليعزوا بقتلى، يبررون قتل مثلهم في بلاد أخرى بحجج سياسية أخرى، ويعترضون على العنصرية ضد وافدين في مجتمعات أخرى، فيما يدعون إلى ممارستها ضد “الأصول العربية” في بلاد “الرجل الأبيض” من أجل حمايته من أشرارنا.. نحن المتخلفون.

دموع الرجل الأبيض في عيون اليسار الجديد في  الفلسفة الجديدة.. الساخر في هذا العنوان هو أنه عنوان جدي، وأن ثمة من يصدق هذه الدموع.

الأوسمة: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: