لا زلنا هنا

خضر سلامة

ملاحظة: أختم المقال بفيديو أنصح الأصدقاء ال”سميعة” بضرورة مشاهدته.

“بالله إن متُّ شوقاً.. بأدمعي غسّلوني”

أيها العالم الذي يتفرج علينا من فوق، نحن هنا… نحن الذين نلوّح من فوق الأطلال كي تنتبه الحضارة لنا: انسوا مجموعة المختلين الذين ترميهم مطارات الدول الكبرى في بلادنا، انسوا مجموعة ربطات العنق التي ترميها مصارف أسواق المال في بلادنا

نحن هنا، نحن الذين نلوّح بموّال عراقي حزين، بموشح حلبي قديم أو بقصيدة عربية فوق خراب سد مأرب.. نلوّح بعقالات رعاة الإبل المخيطة بالعرق لا عقالات الأمراء المخيطة بالذهب، بعباءات النسوة التي جُمعت على عجلٍ كي نخرج في تغريبتنا الأولى في فلسطين قبل سبعين عاماً.. وتغريباتنا الألف في العراق وسورية ومصر وغزة وليبيا، نلوّح لكم كي تنتبه كاميرا واحدة لأغانينا وأدياننا ولغاتنا الأصيلة، التي لا تتسع لها شاشة روتانا ولا تويتر داعش ولا مقالات الحداثيين ومن بعدهم.

نحن الذين ثقب أبناء تيمية دفوفهم في بوادي الجزيرة قبل مئتين وخمسين عاماً ثم أتوا يتصيدون طبول أعراس جبالنا، نحن الذين كسر مقاتلو الحرية أعوادهم في قندهار قبل ثلاثين عاماً ثم أتوا في طلب آخر عود يعزف طرباً في ملجأ العامرية رغم أنف الطيارات الأميركية، نحن الذين دخل سنداغو التتري مرة أخرى إلى موصلهم وخذلها طغاتها مرة أخرى.. نحن الذين تركنا حناجر الحدائين تصدح وحدها في براري الشام، حين أقفلنا آذاننا عن مقامات الموسيقى وانشغلنا بخطابات المنابر.

نحن الذين أخطؤوا حين لم يتعلموا كار الفلاحة من أجدادهم، فصارت بساتينهم مفتوحة على احتمالات الصحراء.. وكذلك مكتباتهم… نحن الذين جرحوا مشاعر ابن رشد حين فتشوا .عن دولة في ورشات عمل الآخرين

نحن الذين لم نفهم أن الدين يكتبه من يحكم.. كيفما يريد، وأن الأنبياء لا يملكون بطاقات هوية، بل أن الأنظمة تسميهم كما تشاء: ذباحين أو رحماء، قتلة أو قتلى، حبّاً أو فتنة بين الناس.

نحن أبناء الناجين من محارق الاحتلال الانكشاري والانتداب الأممي والوصاية الدولية والهبات النفطية وصحف الغاز.. نحن أبناء البسطاء الذين يحبون الله بصدق، كما لا تريد داعش، ولا تريد أميركا.

نحن المهددون بالانقراض.

الفيديو: جلسة طرب بين منشد عراقي ومنشد حموي وغيرهم، يغنون قصيدة هيمتني لمولانا الشاعر الحمصي أمين الجندي (القرن التاسع عشر) الذي اشتهر بالقصيدة التوسلية التي كتبها بعد أن أصيب بالفالج وفيها يتوسل إلى النبي محمد للعطف عليه، وصولا إلى “على العقيق اجتمعنا” لمولانا السهروردي (القرن الثاني عشر) المقتول حرقاً بعد أن جُوِّع، مروراً بقصيدة مولانا ابراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (القرن الرابع عشر) “يا رسول الله خذ بيدي”.. فمن بعدها مقتطف من قصيدة للشاعر الدمشقي الشاب الظريف التلمساني (القرن الثالث عشر)

هذا تاريخنا، هذه أرضنا، موسيقانا وأدياننا وأنبياؤنا وناسنا وكتبنا وشعراؤنا وفلاحونا ومقاتلونا المرابطون أمام وحوش العالم وهي تصدّر إلى بلادنا، ومؤامرات الثقافة وهي تحاك ضدّنا في حلف الغبار والدولار. هؤلاء نحن، باقون هنا.

Advertisements

الأوسمة: , ,

2 تعليقان to “لا زلنا هنا”

  1. عابد Says:

    دائما رائع .. نحن الذين لم يبقى لهم سوى الاسى على ماض تولى وحاضر مغتصب ..

  2. Hasan Says:

    جميل ومفرح ويسد الجوع هل هي اندلسيات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: