الجرجوف السعودي

خضر سلامة

حظيتُ بوالدةٍ “أصيلة”، لم تكن أمي بنت مدينة تماماً. فحافظت في تربيتها على ما حملته من قريتنا قبل أن يبلعها “غول” التمدّن، ولا زالت قصص الشاطر حسن ترنّ في أذني. ولم أفهم ماذا كان يعجبنا في قصص يُقطّع أبطالها أو يُذبحون إلى أن وجدت نفسي في صالة سينما الشرق الأوسط الكبير، وفهمت أن قصص الناس لا يمكن إلا أن تشبه يومهم العاديّ.

وهكذا كان، في كتاب “قول يا طير” الذي صدر قبل حوالى خمسة عشر عاماً اكتشفنا أن نفس القصص “حرفياً” تُحكى في فلسطين (وهذا دليل على أن النظرة الاستشراقية التي يتعاطى بها المثقفون مع أهلنا على أنهم مجرد منطقيّات وطوائف متناحرة لا يمكن أن تتعايش هي نظرية حمقاء) كون القصة تجربة، لا يمكن أن تخلد إلا إذا كانت تحوي نفس المنظومة الأخلاقية والتراثية التي تضمن استمرارها من جيل لجيل.

إلى أن وقعت عاصفة القُبح السعودية على أعرق مجتمعات العرب وأكثرها اتصالاً بالتاريخ، أي اليمن.

طبعاً اصطف من اصطف خلف الحوثيين كحركة في محور إقليمي معين بعضهم لأسباب طائفية وبعضهم لأسباب محض سياسية، واصطف الديمقراطيون والسياديون وأنصار حقوق الانسان والصحافيون بالأجرة وأصحاب محطات البنزين، خلف حرب أغنى أسرة في العالم على أفقر شعب في العالم، لأسباب لا صلة لها أبداً طبعاً بالمنح المالية التي وزعها السفير السعودي في الأسبوعين الماضيين مثلا على مجموعة من الصحفيين اللبنانيين تقديراً لجهودهم لا في تغطية أخبار المجازر، بل التغطية عليها.

وهكذا، استبيح شعب اليمن وبنيته التحتية وقدرات جيشه الدفاعية على مدى أربعين يوماً ولا زال، وفجأة عاد الخطاب “القومي العربي” الذي كان قد أحيل إلى التقاعد من قبل المثقفين أنفسهم منذ السادات واعتبروه “خشبياً”، واستعيدت مفردات صدام (الذي أحضروا هم أميركا لاسقاطه) عن الفرس والمجوس وغيرها.

ما علينا، لم يعد النقاش مهماً اليوم، فهؤلاء حسموا ازدواجياتهم القيَمية والانسانية في أكثر من ساحة ولا يمكن إحراجهم أخلاقياً.

متظاهرون في صنعاء ضد الاعتداءات الاسرائيلية على غزة / 2014

متظاهرون في صنعاء ضد الاعتداءات الاسرائيلية على غزة 2014

ما يزيد في الوجع الناجم من صدور آراء فلسطينية ولبنانية مشجعة للحرب على اليمن، (رغم أن شوارع اليمن وحدها من بين شوارع العرب كلها رافقت الحروب الاسرائيلية على لبنان وفلسطين مؤيدة للمقاومات ومتظاهرة بمئات الآلاف ضد الحروب الاسرائيلية، فبادلته بعض الشعوب بالغدر) ما يزيد من هذا الشعور بالألم، أني وقعت على قصة ثمينة من اليمن، يبدو أنها تتطابق في مصطلحاتها وحبكتها مع قصص بلادنا أيضاً.

الغول في اليمن يُسمى الجرجوف.. ومن القصص التي تُروى قصة الفتاة الفقيرة التي نصبت لها رفيقاتها فخاً وأقنعوها بتسلق شجرة دوم ثم تركوها ورحلوا، قبل أن يمر ست جراجيف دون أن ينقذوها، توقف السابع واشترط عليها أن تتزوجه إذا وقعت على أحد أصابعه وهكذا كان.

تزوجت الفتاة من الجرجوف، قبل أن تكتشف الغرفة التي يأكل فيها ضحاياه وتُصدم بحقيقته وتحزن… تلتقي الفتاة بأخيها بعد غياب طويل فيوقع به الغول ويقطع لحمه، ثم يعطيه للفتاة كي تطبخه. تكشف الفتاة الحيلة فتتظاهر بأكل اللحم وتقوم بجمعه ثم زرعه وتسقيه.. فينبت طفلٌ تقنع الجرجوف أنه ابنه، إلى أن يكبر ويشتد عضده، فتدفع إليه سيفاً ليقتل الجرجوف بضربة واحدة لا غير.

الجرجوف السعودي اليوم يحوم تحت شجرة الدوم اليمنية، ويحاول أن يتصيد أجمل أحلام الناس الفقراء، لا شك أن قصوره كثيرة وغرفها كثيرة، وحال الأمير السعودي كحال الجرجوف في القصة، يستطيع أن يأخذ ألف شكل، يظهر تارة بشكل صحفي يقف بالصف على باب السفارة ثم يحمل الناس مسؤولية قتل الطائرات لهم، وتارة بشكل ثوريّ في فندق خمس نجوم يتكلم عن معاناة شعبه قبل أن يلحق بطيارة جديدة إلى فندق جديد، وتارة بشكل شيخ دين يبيع الملوك حصصاً من خبز الله، ويقيم حد التكفير على الجياع حصراً.

الجرجوف السعودي كحال أي غول شرير لا يفهم بالأصول، “يفصفص لحمك عن عظامك” حتى ولو رميت السلام عليه، فهذا طبعه.. ولكنه سينتهي كما تنتهي غيلان القصص، هذه حكمة التاريخ. هناك شعوبٌ لا تحتاج إلى استعطاف العالم ولا تسوّل عواطف طائفية أو قومية كما يفعل البعض، وهناك شعوبٌ لا تقف بالطابور ليرضى عنها عدوّها أو لتثبت له “حداثتها”. هناك شعوب تزرع لحوم أبنائها في التراب، وتسقيه بالدموع وتنتظر الثأر.

وهذا ما يخيف الجراجيف وخدمهم.

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

2 تعليقان to “الجرجوف السعودي”

  1. صابر قرين Says:

    أستحضر هنا قول مظفر النواب: “السعوديون إسرائيليون مهما كحّلوا مشروعهم.”

  2. Hasan Says:

    انا مواطن فلسطيني سني المذهب حسب ما عرفت لدي بقايا عروبية لا استطيع الا ان اكون ضد الحرب المجنونة على الشعب اليمني ذو الكرامة والعزة وسينتصر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: