الحرب الأهلية معدية كالإنفلونزا

خضر سلامة

لم يُكتب تأريخٌ حقيقي للحرب الأهلية اللبنانية، لملمت ما استطعت من وقائع من ذاكرة والدي الذي دخل الحرب وهو على بوابة العشرين من عمره، وخرجت منه وهو يقف تحت نافذة الأربعين.

يحتفظ صديقي الأقرب بمفتاح ذاكرته ويشق بابها قليلاً كلّما كدتُ أختنق بواقع أوطاننا اليوم، يروي كيف اعتُقل عند الكتائب على سبيل التسلية حين كان الجنود يتزينون بسلاسل من آذان مقطوعة لضحاياهم، وهرب مشياً على الأقدام من محور إلى محور، أقنعه البعض بأن يبلغ الجيش الذي أخذه… كي يعيده إلى معتقليه لولا تدخل “الطائفة” التي كان يتكابر على الولاء لها

يقول أني ولدت على عجل على درج المستشفى، لأن النعاس غدر به وهو ينتظر استراحة القناص كي يعبر من مبنى إلى آخر ليسعف أمي الحامل، وأن الحواجز الألف على الطريق لم تكن تفهم معنى الولادة، فعند الحاجز يا ورثة الحرب، تذوي رهبة الولادة… الحاجز لا يفهم إلا الموت321.

قتلت الحرب أحلام جيل، كان يحرس مداخل الفنادق التي اكتشفوا لاحقاً أن زعمائهم كانوا يلعبون البوكر فيها مع زعماء الآخرين بغرض الحوار فيما جنود الرقعة يقتلون بعضهم، كانت شعارات جيلهم تنطفئ كلّما اضطروا للوقوف في الصف في ساحة البلد كي يملأوا جرة ماء، أو كلّما أُعلن النفير العام في الحيّ لأن المخبز فتح أبوابه أخيراً وطلّ الرغيف الجميل بعد غياب القمح أو السكّر.

لم يفهموا يوماً كيف صنع الآخرون ثرواتهم، وكيف ضاعت مدخراتهم حين لعب الشهيد -ما غيره- بالليرة في آخر فصل من فصول الموت، فدمّر بيوتاً وأنهك ما تبقى من هواءٍ في رئة الناس.

لم يفهموا يوماً كيف أصبح الجميع أصدقاءً، وكيف انقلبت البواريد على نفسها، وكيف تحوّل الفدائيون إلى قطاع طرق، والمناضلون إلى صرّافين، وأين ذهب أصدقاؤهم الذين خرج أحدهم ليشتري حلوى لأطفاله ولم يعد بعد، وأين ذهب أقاربهم الذين فرّوا من لوائح المطلوبين لمزاجات المحتل المتقلبة ولم يعودوا بعد، وكيف لا يذكر الناس أماكن المقابر الجماعية المعروفة، وكيف ينسى المجرمون البقعة البحرية التي رموا فيها الفائض من أسراهم.

لم يفهم كثيرون من أهل الحرب الأهلية هذه الحرب، وكيف ضاعت أعمارُهم فداءً لقضايا قدمت أوراق هجرتها إلى أثينا فجأة، وكيف أغلقت الصحف القصص المعروفة عند الناس عن من قتل من، ومن خطف من، ومن باع من.

أغلب الظن أن الحرب الأهلية لا تنتهي أبداً، لو فتّشت جيداً ستجدها تفتك بالعطر في ورود أمك الذابلة، في قصة القذيفة التي استقرت بين سنارتيها وهي تحيّك كنزةً لابنتها، في قصة الحصار الطويل لبيروتٍ لم نعد نسمع أخبارها منذ ظن الناس أن الحرب لم تكن حربهم، بل حرب الآخرين.

كان الناس كومبارس الحرب ولا زالوا، في لبنان كما سوريا واليمن وليبيا وغيرها، هؤلاء الممثلون الثانويون الذين لن يتساءل أحدٌ في آخر الفيلم بعد انتصار البطل ونجاته، عن ما حدث لهم.

الحرب لا تنتهي، الحرب إنلفونزا مُعدية، تصيب صف البلاد الكسولة كلها.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: