صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين

خضر سلامة

عشرون دولة سبقت الولايات المتحدة إلى الزواج المثلي منذ أقرته هولندا عام 2001 وصولاً إلى أيرلندا قبل شهرين فقط.
وما يميز أيرلندا بالذات عن الولايات المتحدة، أنها أقرته بالاستفتاء الشعبي – قبل أسابيع فقط – بنسبة تأييد بلغت أكثر من 62 في المئة، فيما أقرته المحكمة الأميركية قضائياً.
ولكن ما يميز القرار الأميركي عن سابقاته أنه مدعوم من قبل الصناعة الإعلامية المسيطرة (مواقع التواصل الإجتماعي خصوصا) وهكذا، فرض علينا الاحتفال به متوافقاً مع أسبوع pride السنوي عالمياً.

المشكلة أين؟ أن اقتباس الانجاز الحقوقي في أميركا، أتى على طريقة تلقف النتيجة فقط لأن المحيط الثقافي فرض فجأة الخبر عليك وأشعرك أنك يجب أن تبتهج. رغم أن الحركة المثلية لم تكن لتخرق في هذه المجتمعات لولا حضورها الحقوقي والقانوني والمطلبي الاحتجاجي، ثم الدخول في منظومة القرار السياسي والاقتصادي أيضاً على مدى القرن الفائت بعد أن عبدت الطريق أمامها عدة حركات احتجاجية مطلبية سابقة، مستفيدة من سلة الحقوق المدنية المتاحة (نظرياً) وفق دستور، بُني على قاعدة اقتصادية انتاجية واضحة (سواء صائبة أو لا)، ووفق سلطات واضحة المهام (سواء صادقة أو لا) وإعلام يلتقي خطابه الاستهلاكي وأفلامه البسيطة السهلة التسويق، مع هذا الترف الحقوقي الصوَري (الزواج لا محاربة رهاب المثلية من جذوره)، متجاوزاً مطالب انسانية أقل غرائزية لا يلتفت إليها عادة (العدالة الاجتماعية، التشرد، التمييز العرقي إلخ)11540832_993701520663146_8916168405508384056_n

ثم يجيء من يعتبر هذا الترف القانوني (حق الزواج لا التسامح مع المثلية) انتصاراً له على بعد آلاف الكيلومترات وآلاف السنين وآلاف خطوط الانتاج والسلطة، فيما هو، المثقف الناشط، في عزلة عن مجتمعه، ينتقده من بعيد، يفضل أن يصطدم به وأن يهينه لا أن يستوعبه، يشتمه ويعلن يأسه منه، يرى أن معارك بلاده هي معارك طوائف لا دور له فيها، بينما هو على علاقة وظيفية – غير نقدية وهنا المشكلة – مع شركاء بفكر نقيض.
وفيما حركته المطلبية المفترضة في هذا الموضوع أو غيره، مرتبطة بشبكة مالية غير مستقلة تعتمد على مبادرات “إنسانية” خارجية بخطاب مترجم لا يستقبله العامة، أو بشبكة علاقات محلية تقليدية “متبرعة” تفرض هوامشها حين تريد.
وفيما وثيقته المدنية ورؤيته للمنظومة الحقوقية غير موجودة، يملك فكرا قائما على رد الفعل: صدى الخارج أو السخرية من الداخل، ولم ينجح في تشكيل جماعات ضغط لأنه ملتهم من قبل الفردية في التفكير وفي المصلحة وفي العمل، وقد تخلى طوعا عن الإيمان بالتجارب الحزبية أو النقابية.
وفي هذا الوقت، يعيش في بلاد لا يستطيع فيها المواطن أن يشتري بيت في منطقة ما بسبب هويته الدينية أو المناطقية أو بسبب الواقع الاقتصادي الهجين، ووسط غياب أي سلطة تشريعية أو قانونية أو أمنية يمكن الاعتماد عليها لتأمين الحق الأهم للمواطن، وهو حق الحياة ببساطة.

قيل قديماً في السخرية من اليساريين العرب الذين لم يحاول معظمهم استيعاب مجتمعهم في عقيدة منسوخة عن مجتمع الآخرين، أنهم يحملون مظلة عندما تمطر في موسكو.. وأعتقد أننا نقترب من مثال جديد: البعض يغير صورة بروفايله، عندما يتغير شيء في العالم.

تصالح مع مجتمعك، وابني معركتك وفق أولويات الحقوق البشرية البديهية لتصل يوما لترف قوننة الزواج المثلي.. داعش تبتلع كل شيء من المحيط إلى الخليج وباقية وتتمدد، والدولة الوطنية انهارت في معظم البلاد التي تعرفها، والعجلة الاقتصادية تتآكل والبطالة ترتفع والمجتمع يتفكك والسلطات التقليدية الثلاثة تختفي من حولك والناس تعود بثقافاتها إلى أكثر مراحلها انغلاقا.

هل سأل أحد عن رأي أبي بكر البغدادي بالموضوع؟

الأوسمة: , , , , , , ,

2 تعليقان to “صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين”

  1. صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين | مدونة مروان حمد Says:

    […] صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين. […]

  2. صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين | مدونة تنوير Says:

    […] صورة تذكارية مع احتفالات الآخرين. […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: