الطاعون في بلادنا

خضر سلامة

في رواية “الطاعون” لألبير كامو، تموت الجرذان في شوارع مدينة وهران الجزائرية لسبب غامض، يدب الذعر ويبدأ الناس بالموت من بعدها بعوارض متشابهة، إنه المرض وقد تفشى بسبب عدم كفاءة السلطة وسوء إدارتها للناس، انتشر الطاعون ببطء تحت ستار من جهل الدولة وفسادها وانشغال الناس بشؤونهم اليومية.

العلاج المتوفر لا يكفي الجميع ويكفي فئة معينة فقط، سيمكنها من النجاة لأن حظها سمح بذلك، فيما يكتشف الناس أنهم جميعاً صاروا مرشحين للمرض وينتظرون عوارضه لتظهر.

تسقط المدينة شيئاً فشيء بين أنياب الموت الأسود كما سمّاه الرواة الدنماركيين أو الموت العظيم حين قتل ثلث سكان القارة العجوز في القرن الرابع عشر (أكثر من 80 مليوناً على الأقل) ثم تقفل السلطات التي تصل متأخرة كالعادة بوابات المدينة وتعزلها، تبدأ هنا علاقات الناس المعزولين عن العالم بالتغيّر ويصبح الطاعون لاعباً أساسياً في المجتمع، يُصبح الموت رخيصاً ويتم تشييع الموتى سريعاً ودون مشاعر ومجرد عدٍّ للقتلى بالطاعون.

بعضهم يحاول الفرار خارج المدينة ويخاطر بنقل الطاعون إلى بلاد أخرى، بعضهم يعتبره عقاباً إلهياً وامتحاناً سماوياً، بعضهم يحتكر التجارة أو يجني ربحاً عبر استغلال يأس الناس وبيع حبال النجاة، وبعضهم يضحّي بالبقاء والصمود، ويتجه إلى التكتل والتعاون والأهم: المقاومة.Banksy Graffiti Artwork Appears In London

ينتهي الطاعون أخيراً، ويعود الناجون إلى حياتهم، يموت الذين نحبهم كالعادة، بعضهم يُجَن وبعضهم يكتب عن المعركة.

بعيداً عن الرواية، لقد قتل طاعون القرن الرابع عشر في أوروبا حين ضربها الكثيرين بسبب المرض كما ذكرنا، لكن التعصب والتطرف دفع إلى اتهام الأقليات، كالغجرية واليهودية آنذاك، لأن الجهل افترض أنهم سبب غضب الرب، وقد قتل الطاعون حتى القرن التاسع عشر مئات ملايين الناس في مصر والسلطنة العثمانية والصين والهند في موجات متعاقبة. وتأخر العلماء كثيراً حتى اكتشفوا أن القوارض الصغيرة هي سبب العدوى.

وأظننا اليوم، أننا لم نأخذ حذرنا من الجرذان في مكتبتنا الوطنية: تقضم كتب الدين وتصنع رواياتها وتفسيرها للحديث، تعشعش في كتب التاريخ وتمنع البحث والتدقيق وتعتمد على الأقوال ونقل الإشاعات ودعايات الخلفاء من قرن لقرن. لم نأخذ حذرنا من الجرذان في الجامعة تجعل التعليم مجموعة معاملات ورقية واستثمار مصرفي هائل، من الجرذان في مقرات الأحزاب تهتك زمن كتاباتها وأفكارها التي لم يفكر أحد في طباعتها على حاسوب حتى، فخربت، من الجرذان في إدارات الدولة الرسمية تعض جيوب الناس وكراماتهم… لق أساءت السلطة الفاسدة إدارة نفاياتنا وتوجيهنا، وقد انتشر الطاعون على شكل الخراب في كل شيء وبعضنا يدفع الثمن غالياً، بفوضى أمنية أو مجزرة أو ديون مبرحة أو فساد مطلق، وبعضنا يحاول النجاة والهرب، وبعضنا يصمد ويقاوم الوباء، وآخرون يتاجرون بخوف الناس، ويربحون.

والطاعون باقٍ ويتمدّد إلى حين، في ثقافتنا ونكاتنا ومعارض كتبنا وفي نشرات الأخبار وأحوال الطقس والسجون والمشانق والأنظمة.

ولكن، ماذا يجب أن نفعل بعد انتهاء الطاعون يا كامو؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: