طريقك مسدود مسدود

خضر سلامة
أحدث قرار إحدى مجموعات التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات بالدعوى إلى عصيان مدني وقطع طرقات – لم ينجح في إثبات نفسه أو حشد تضامن معه – جولة اتهامات وشتائم جديدة بين أطياف هذا التحرك الذي لم يجد بعد من يدفنه، ويبني على نتائجه ودروسه: لماذا خسرنا الناس؟ وهل كانت المعركة على الوصول إلى الكاميرا مجدية حقاً؟
“بس هني كمان بيقطعو طرقات”
صحيح، عادة قطع الطرقات ليست جديدة في لبنان، ولكن عدم الأخذ باعتبار ماهية القطع وهويته وتالياً لماذا يحصل وينجح غالباً أزمة.
“كوبي بيست” وسائل الضغط لا يعني بالضرورة نجاحها، فكر أولا: ما هي طبيعة الدولة اللبنانية؟
طبيعتها طائفية، إذا، فإن حوادث قطع الطرقات على خلفية طائفية، ضد برنامج كوميدي او ضد اعتقال ارهابي او ضد تعيين وزير او استقالة آخر، تهم الدولة وقد تضطر لإعادة حساباتها.. لأن هذا التحرك يمس بتوازن هويتها: لا تزعلو السنة ولا تزعلو الشيعة وانتبهو ما يغضبو الدروز أو ياخدو ع خاطرهم المسيحيين.
بطبيعة الحال هذا الاحتجاج يولد ردة فعل واستجابة مباشرة من الدولة، التعاطف الشعبي ليس مطلوباً في هذه الحال لأن من يقطع الطريق يقطعها في دائرة نفوذه السياسي والحزبي حيث الاعتراض = خيانة.Untitled.jpg
في حالة النفايات، الأمر ليس مشابهاً، قطع الطرقات والعصيان المدني لن يؤثر على الدولة: نحن همشنا سلفاً عامل الضغط الاقتصادي وهو الحجة الأبرز للعصيان المدني، أي تعطيل الدورة الانتاجية اليومية وتسبيب الخسائر للدولة. فاقتصاد الدولة في لبنان لا يقوم على عمل انتاجي حقيقي، والتوازن الطائفي ليس مهدداً بحالة عصيان “مدني ذو مطالب عامة”، ولا الأمن القومي من حيث تفادي اضطراب بين مكونين غريبين (كحالة جمهور النجمة حيث استجابت الدولة خوفاً من “ثقافة الغريب” خارج منطقته).
فهم الدولة اللبنانية ومكامن ضعفها ضرورة… كنت قد نأيت بنفسي (اقتداءاً بالنجم الصاعد ميشال سليمان) عن التعليق على ما تبقى من “التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات” بعد أن خرج من جعبة “مشاريع القادة” رزمة تخوين واتهامات وشتائم بحق الفئات الشعبية والحزبيين والعقائديين وكل من لا يشبههم أدى إلى تفصيل حراك “على حجمهم”، وثقافة تفكر بجذب انتباه الكاميرا أكثر من جذب انتباه المجتمع أو مراكز القرار والتأثير على الأقل.
ولكن هذا التنكيل الذي يحصل بحق التجربة الجيدة نوعاً يتطلب ملاحظة، قد لا يؤخذ بها، مش مهم بقى.
الدولة لن تكترث لتسكير البلد على أهله، وفي الأفضل الأحوال ستصرف جهداً ضئيلاً على فض اعتصام هنا أو هناك لا يملك مفاتيح القوة (العمل المباشر، العنف، الحشد)، الدولة ستكترث لو تعرضت سمعة شركة كبرى كسوكلين للضرر الجدي، أو مصالح البنك الذي تتعامل معه للضرر الجدي، أو …. ولكن أن يغلق تيار “مدني” الطريق على الناس، فستترك الدولة العمل للناس غالباً..
الناس ليسوا أعداءكم، وخطاب “نحن وأنتم” معيب، والناس ليسوا “حمير”-أغلبهم عالأقل يعني- والحركة الاحتجاجية في أي بلد بالعالم غير مرتبطة بالعدد بل بالفعالية وأدوات الاحتجاج المفصّلة على قياس المجتمع الموجودين فيه، لا المنسوخة من وسائل تدريبية تليق بدول تملك نظاماً طبقيا وانتاجيا “معروف ربه”…
مشكلة النفايات متل أي مشكلة ثانية في البلد، هي مشكلة مع الشركات والبنوك ومراكز القرار، ليست المشكلة مع الشارع، الشارع في لبنان ليس ناخباً وليس رأياً عاماً -هيديك بأوروبا يمكن-
من هي الشركة الخصم؟ مع أي بنك تتعامل وينظم لها وارداتها ونفقاتها؟ من هي الشركة التأمين التي تغطيها؟ ما هي ظروف عمل العمال الأجانب فيها وأوضاعهم القانونية والصحية؟ من هم أصحابها وما هي ميزاتهم وشبكة علاقاتهم؟
ربما تحرك مباشر (مستمر لا “مرقة طريق”) يعطل أعمال هذه الكتلة من المؤسسات المتصلة ببعضها، ستضطر الدولة إلى التحرك أكثر من محاولة إحراجها أمام شعب تبين أنها لا تكترث لمعدل سرطاناته ولا سلامة غذائه ولا مائه.
عموماً، كما عودتنا التجربة سيلجأ بعض المهزومين إلى تحميل المسؤولية بالتدرج للناس، لبعض اليسار، لناشطين آخرين، للإعلام… ولكن لن يخرج أحد ليقول لمرة في تاريخ العمل الشبابي: لقد فشلنا، فشلت أساليبنا، فشلت طريقتنا في الكلام مع الناس، ربما يجب أن نجرب شيئاً آخراً غير الغرور وتربيح المجتمع “جميلة” الثورة التي لم تجر أحداثها يوماً.

الأوسمة: , , , , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: