Archive for the ‘قراءات سياسية’ Category

جورج عبد الله: مواطن من هذا الكوكب

18/02/2014

خضر سلامة

قبل أشهر، ضج البلد بخبر حصول الوزير السابق وبطل فضائح ويكيليكس، الياس المر، على منصب رئاسة الانتربول – من أجل عالم أكثر أماناً، التي تبين أنها مؤسسة وهمية شكلية، ورغم ذلك، ضج البلد بالخبر، نفس البلد الذي سبق واستقبل كارلوس سليم، الملياردير اللبناني العالمي، الذي رفع رأس لبنان.. كيف؟ بعصر الفقراء المكسيكيين واستغلالهم… قبل أن يصرح أنه لا يرغب بالاستثمار في لبنان بل.. في اسرائيل!

البلد الذي ينشغل بمعركة وطنية كمعركة أكبر صحن حمّص، وينتدب الشيف رمزي شخصيا لتحمل أوزارها، ثم ينتصر في معركة الليموناضة، إلخ، معروف بأنه من البلاد "الضعيفة" أمام أي خبر أو منصب عالمي، يكفي أن يكون ثمة "عالمية" أو "دولية" في أي شيء، ليصبح الشعب منكباً على متابعة تفاصيل الحدث، كما معركة العجائب السبعة الجديدة، التي تبين لاحقا أنها خدعة كبيرة، ومحاولة نصب "عالمية" أيضاً.. هذا البلد بالذات، لم يسمع طبعاً، بجائزة فرانز فانون، ولا بفرانز فانون، وربما، بعضه لم يسمع بصاحب الجائزة هذا العام: البطل اللبناني ال"عالمي" جورج ابراهيم عبد الله.29597_556029957747071_373273749_n

فرانز فانون، ابن جزر المارتينيك ولادة، بالنسب الأفريقي الأصيل، وبالأوراق الجزائرية عند وفاته، الطبيب النفسي الذي انتقل إلى "معسكر الارهاب" في الخمسينات والستينات، وانتمى للثورة الجزائرية، وصار منبرها وصحيفتها: وحده، توكّل بالرد على الترف الثقافي الفرنسي، وحجج اليسار قبل اليمين، في رفض مطالب الشعب الجزائري، كان فانون مقتنعا أن المعركة هي معركة مصطلحات: نزع حصرية الحضارة والثقافة ومعايير الحرية والارهاب، من يد المستعمر، ولنصنع عالمنا الثالث كما نريد! أصبحت أفكار فانون مصدر وحي للثوار في فلسطين، في التاميل، في الفهود السود بالولايات المتحدة وفي جنوب أفريقيا.

مات فرانز فانون بعمر السادسة والثالثين، تاركاً ورائه كماً كبيراً من الغضب ضد كل عنصرية، سياسية أو ثقافية أو عرقية أو طبقية، وقبل سنوات، اطلقت جائزته، التي ذهبت بادئ ذي بدء لستيفان هيسل، المناضل العتيق ضد النازية، والتائب عن اسرائيل والمناصر للشعب الفلسطيني، الذي لوحق وحورب بتهم متنوعة آخرها كان "الخرَف"، قبل أن تذهب لاحقا لموميا أبو جمال، أو ويسلي كوك، الأميركي الأفريقي الجذري في إيمانه بحقوق شعبه وبالعنصرية الظاهرة والباطنة في النظام الأميركي، الذي حُكم في الثمانينات بالإعدام بتهمة قتل شرطي، شاب التهمة وأدلتها والمحاكمة ككل، حملات عالمية ضد التآمر على المتهم للتخلص منه، ولا زال معتقلاً إلى اليوم.

بعد موميا وهيسل، جورج عبد الله بطل "فرانز فانون" الجديد، الرجل الذي ترك طوائف لبنان وحروبه الداخلية وضياع بوصله، وخرج ليلاحق العدو في كل مكان ثأراً لكرامة لا يكترث لها أحد، يكاد يطرق جدار العقد الرابع من اعتقاله في فرنسا، لا قانونيا ولا دستورياً ولا انسانياً، دون أي تحرك سياسي أو حزبي حقيقي، ينال جائزة ثقافية لا تقدر بصيتها، بل بقيمتها الانسانية الثورية: هذا الاتصال بين من ثار في الجزائر ضد الكذب الفرنسي وعنصرية الديمقراطيات، ومن ثار ضد العنصرية النازية، وضد عنصرية رأسالمال بواشنطن، وضد عنصرية الصهيونية في كل مكان.

جورج عبد الله ينال جائزة انسانية بحتة، لن يدبّل مارسيل غانم بعينيه وقهقهته الشهيرة كلما استقبل مليونيراً، لن يطبل طوني خليفة للمكرّم، لن يهنئ الرئيس اللبناني شعبه بإنجاز لا جميل له ولا لشعبه فيه، لن يطلق أحد المهيّجين النار ابتهاجاً، لأن جورج عبد الله ليس من هذه المزرعة، لم يكن يوماً، هو من وطن كان ولا زال فكرة، لأن جورج عبد الله، ملعونٌ كما كل من يقرر يوماً، الخروج عن السائد، والغضب لنفسه وشعبه، قبل الغضب لسفيرٍ أو شيك أو فتوى.

جورج عبد الله.. كل الحب.

Advertisements

أسئلة سئيلة

18/11/2013

وليس لكل سؤال، جواد..

خضر سلامة

– كيف فيك تقنع وزير الداخلية أن الأزعر زياد علوكي عنده صلاحيات أكثر منه؟

– كيف فيك تقنع رئيس الجمهورية أنو هوي مش أنجلينا جولي ومش مطلوب منه ينط كل يومين ع بلد؟

– كيف فيك تقنع شرطي بالدرك، أنو يقوم بواجبه وقت يكون في إشكال، مش يتصل بالجيش؟

– كيف فيك تقنع مواطن عادي، أنو الاشارة الأورنج يعني تمهل، مش أسرع قبل ما تصير حمرا؟

– كيف فيك تقنع سائق عمومي أنو الناس مش برغش، ولا يجوز شرعا الدعوسة عليهم وعلى كرامتهم؟

– كيف فيك تقنع الأم تي في أنو الشيعة مواطنين لبنانيين مش مساقبة جايين زيارة عالبلد؟

– كيف فيك تقنع سعد الحريري أنو لبناني مش سعودي؟

– كيف فيك تقنع غدي فرنسيس أنو مبلا، بتغلط أحياناً، لا بل كيف فيك تقنعها أنو قليل لتحكي شي صح أصلاً؟

– كيف فيك تقنع النيو تي في أنو الإعلامي مش ضروري ينافس بروس ويليس بالتمثيل؟

– كيف فيك تقنع جريدة الجمهورية، أنو ما حدا عم يقرأها؟

– كيف فيك تقنع إذاعة صوت المدى، أنو الفكر العوني مش منتشر بكل الكوكب، ولا بكل المنطقة، ولا بكل لبنان، ولا بكل كسروان حتى

– كيف فيك تقنع جمهور حركة أمل أنو رئيس مجلس النواب هو منصب رسمي لبنان، مش الاسم الثلاثي تاع نبيه بري؟

– كيف فيك تقنع سالم زهران أنو كل الناس عرفت أنه سني، مش ضروري يضل يذكرنا بالموضوع، وحدا يعمل تاغ لمحمد سلام بالسؤال

– كيف فيك تقنع تيار ثوري أن الديمقراطية لا تضمن حق شريك بالوطن بالدعوة لقطع رأس شريك ثاني، بالوطن؟

– كيف فيك تقنع صديق، أنو اذا عنده خمسة آلاف صديق عالفيسبوك افتراضياً، مش يعني صار عم ينافس هيفا وهبي بالحشد الجماهيري فعلياً؟

– كيف فيك تقنع وزارة الأشغال أنو مش ضروري تعتذر عن ازعاجنا بسبب الأشغال، بس ضروري تنهي هالأشغال يوماً ما؟

– كيف فيك تقنع مواطن أن قراءة كم كتاب ما بتعني أن باقي البشر صاروا برغش، إذا هيك القراءة، بلاها يا أخي؟

– أخيرا، كيف فيك تقنع ابن الجيران، أنو اذا جارته حطمتله قلبه، أهالي الحي ما بيعنيهم الموضوع وما مضطرين يسمعوا معو آخر أعمال هاني شاكر؟

مدونة مواطن جوعان على الفيسبوك

هزيمة 1967

13/11/2013

خضر سلامة

يلومني بعض الأًصدقاء، على أنني أعود دوماً بأي حديث، إلى هزيمة 1967، وأعلّق عليها حكايات الهزائم والخزي اللاحق كله، فأزيد: بل وخطايا السابق أيضاً، عصارتها في تلك الهزيمة.

أولاً، دعوني أعود إلى تعريف من لا يقدر حرب 1967: هي حرب الستة أيام، التي شنتها اسرائيل على ثلاث دول عربية، سورية والأردن ومصر، وكانت نتيجتها احتلال اسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية وغزة، ومقتل 17 ألف جندي عربي، مقابل بضع مئات اسرائيليين، وتدمير 500 طائرة حربية عربية، مقابل اربعين طائرة اسرائيلية.

المهم في تلك الحرب، أنها أتت في ذروة صوت المذياع العربي: الوعود بالانتصارات الكثيرة القادمة، والوحدة القومية، ومصير العالم الثالث الواحد وشعوب العالم التي تزحف زحفاً، للتصفيق لزعمائنا، فجأة، في بضعة ساعات، استفاق العرب على صوت القصف، وحين مسكوا الصحف الرسمية، وجدوا أخبارا من نوع: جيوشنا على مشارف حيفا، طيراننا يدمر مطارات العدو، زعيمنا المقدس يتنزه في تل أبيب ويفرك وجه بن غوريون بالوحل، وحين نفذت الصحف، أتى راديو الغرب ليخبرنا بنبأ مؤسف: ضعف فلسطين سقط أيضاً، وقواتكم لم تعد من المعركة، بقيت جثثهم عند بن غوريون نفسه.

لماذا أرى أن هذه الهزيمة هي الأهم، هي الأسوأ، هي وأنظمتها مسؤولون عن كل ما يحدث؟ سأبدأ من قبل الهزيمة وأسبابها، وأصل إلى نتائجها وخيباتها:Untitled

– الهزيمة كانت الناتج الطبيعي للكذب كله، لا يمكنك أن تذهب إلى حرب الحرية، بجيش من العبيد، والحديث هنا ليس عن ضرورة الديمقراطية، الحرية ليست شرطاً من شروط الديمقراطية، الحرية بمعناها الاجتماعي الثقافي، كان نظام الوحدة العربية قد عرفنا على نمط جديد من أنماط التعامل مع الشعب، مدرسة عبد الحميد السراج التي حكمت باسم القاهرة، سورية أثناء الوحدة، وبدأ عهد الابداع البوليسي العربي، بعد عهد القمع الملكي، أصبح شرط الثقافة والشعر والكتابة، فلقتين وجلسات كهرباء وذل ما بعده ذل، باسم الوطن، وباسم الاشتراكية، وباسم الثورة. بدأ التراجع لدى النخب يظهر في مصر وسورية وباقي الدول (الحليفة أو المتخاصمة) عن الشعارات المقدسة، وبدأ حلف التقدمية حينها، يشوبه غياب الثقة والشك المتبادل بين أطرافه.

– الهزيمة، كانت الناتج الطبيعي للثقة المطلقة بالاتحاد السوفييتي حينها، أي، الثقة المطلقة بحليف دولي، دون أخذ السياسة بعين الاعتبار: متى سيتخلى لمصلحة خاصة ما، عن أحلامنا؟ متى سنجد أنفسنا ضحايا الصفقات والأرباح؟ وحين وقعت الواقعة، وجدنا أن الوعود الخائبة التي أطلقها الحلفاء، عرّتنا.

– الهزيمة، كانت الناتج الطبيعي لتطويع الفن، لسان الشعب وصوته، أصبح كل فناني البلاد المعروضون على الشاشة، والاذاعة، فنانو أنظمة، واضطر المنتقد، إلى أن يتفنن في السجن، غاب الحس النقدي، غاب الوعي اليومي، وصار مطوعا بأن يفهم كل شيء، من وجهة نظر كاتب الفن، النظام نفسه، ومع تعطل النقد، تعطلت الرقابة، فعم الفساد في كل مكان، في الصحافة والثقافة والادارة، ثم وصل إلى العسكر نفسه. وحين وصل إلى العسكر، وولدت ظاهرة عبد الحكيم عامر، لم تعد الميكروفونات تكفي.

– الهزيمة أيضاً، كانت نتاج احاطة الزعيم لنفسه في كل البلاد، برؤساء الفساد السابق، وزير دفاع ووزير اعلام ووزير ثقافة، إلخ، وأصبحت مخابرات الزعيم موجهة ضد أهله وناسه وشعبه، وغفلت عن مخابرات العدو التي تفلح في جسم الدولة، أحاط نفسه برموز ورؤساء هذه المافيات، لماذا؟ لأن الزعيم كان يريد أن يحمي ظهره بأن يضع كل الوسخ خلفه، ولم يحسب حساباً أن هذا الوسخ سيكبر، ويقع على مسيرته كلها، وقعة هزيمة.

هكذا إذاً، تجلى الحكم العربي على مدى عقدين، في حرب من ست أيام فقط، ولكن، ماذا تتحمل إذاً من آثام لاحقة؟

– أنور السادات والسلام مع اسرائيل، هو نتيجة حرب ال1967، أي أن نظام الاستسلام لاسرائيل، كانت نتيجة نظام الحرب على اسرائيل، للأسف، لأن نظام الحرب دمر كل البدائل الصالحة الخيرة (التي تشبهه، فتنافسه) فلم يعد من وريث يشبهه، ولأن نظام الحرب، أحاط نفسه بالفاسدين، فقفزوا على جثته.

– صحافة النفط في بلادنا، وتلاميذ اليو آس ايد، والمطبلون لأنظمة الذل الخليجي والأقلام الهاتفة بالمجد لأهل البداوة في السياسة والباحثة عن أي حجة لتقتل المقاومة، هم نتيجة 1967 أيضاً، فهم الجيل اللاحق لجيل انهزمت شعاراته حينها، فكفر بالشعارات لا بالنظام فقط، وارتكب الخطيئة، لم يميز بين عداء اسرائيل وبين النظام الذي يتاجر به، فتخلى عنه، لم يميز بين الحرب على الرجعية العربية، وبين الأنظمة التي ادعتها، فصادقها. فأتى المال إليه، فتحول كفره بالإله الوطني إلى إيمان بالشيطان الآخر، فقفز إلينا بئر البترول، ليشتري الخنادق.

– الانحطاط الفني والثقافي، هو نتيجة هزيمة 1967، فأهل الهزيمة كانوا قد جعلوا الفن فن نظام، والثقافة ثقافة نظام، والتلفزيون الوطني تلفزيون نظام، وحين انهزم النظام، وانهزم معه أهله من فنانين وموسيقيين واعلاميين، جُن الجمهور وصار يعادي كل ما يأتيه من كل ذلك، فأتى الفن الهابط، والثقافة الرخيصة، لتعطيه بديلاً آخراً، صار وحيداً بعد أن توفي الفن الملتزم بجلطة في القلب.

– أسلمة المنطقة وارتخائها في يد يمين الدين، كانت لأن النظام حارب كما قلنا البدائل المنافسة، خصوصا بعد هزيمة 1967 حين شعر بالتهديد والضعف، وحين أتى الورثة الخائنون، قضوا عليها تماما، لم يعد هناك من أحزاب علمانية وتقدمية ووطنية لتنافسه، فأهلها في السجون وأبطالها في المقابر، وحاكموها في قصر الملك، الذي مول ورعى قيام الاسلاميين كي يضعهم حجة على الغرب: لا بديل عني إلا الارهابيين الملتحين، فتأسلمت وتطرفت الشوارع، لأن الاسلاميين كانوا السلعة الوحيدة في سوق الأفكار.

هذا غيض من فيض ما يمكنني أن أتحجج به لحقدي على هذه الهزيمة، وعلى من لم يجرؤ على تسميتها هزيمة، فصار يسميها نكسة، وحين أتت النكسات الأخرى، صار يتهم الآخرين بها: لم تكن الاجراءات التي أعرف أنها صادقة، بعد 1967، كافية، ولا صائبة في بعض الأحيان، فولدت هزائم أخرى، سياسيا ونفسيا ومعنويا، ولم يتحمل الجميع مسؤولياته جيداً ويذهب للمشاركة في النقد وبناء بديل.

هزيمة 1967 أبشع ما فعلنا في تاريخنا: هي إعادة تمثيل لحرق مكتبة بغداد على يد هولاكو، واعادة تمثيل لسقوط الشام في يد الفرنجة، وهي إعادة تمثيل لحرب البسوس بين القبيلة والقبيلة، وهي إعادة تمثيل لتقديس مجرم بالشعب متفاوض مع العدو كصلاح الدين، وهي إعادة تمثيل لتحويل أي صحابي جيد، إلى نبي جديد.

مدونة جوعان

هندسة العواطف

04/10/2013

خضر سلامة

"مشاعل الحرية" كلمة يعرفها كل من يتخصص في العلاقات العامة أو في البروباغاندا الإعلامية، لصاحبها إدوارد بيرنيز، من هو بيرنيز؟ كان بيرنيز، ابن أخت سيغموند فرويد، عضو في لجنة مسؤولة عن الترويج للدور التحرري الذي لعبته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، وحين زار الرئيس الأمريكي وقتها، ويلسون، اوروبا، استقبلته المظاهرات الحاشدة وأثبتت نجاح هذه اللجنة في "الدعاية"، عندها شعر بيرنز بأن نجاح الدعاية السياسي يمكن أن يستثمر في التجارة أيضاً، فاخترع كلمة "علاقات عامة" وأنشأ مكتباً لها استشارياً للشركات. استخدم بيرنيز أفكار خاله فرويد عن اللاوعي والسلوك والدوافع الخفية والرغبات البشرية، في وضع سياسات عمله، وفعلاً، أصبح رمزاً من رموز ما سيعرف لاحقاً: هندسة الموافقة.

ما الذي يجمع النازي غوبلز، بالرئيس الأمريكي كولدج، بشركة بروكتر وغامبل العالمية، بمحطة سي بي أس التلفزيونية، بشركات التبغ والسيارات مثلا؟ يجمعهم بيرنيز نفسه!

ولعل مثال "مشاعل الحرية" هو المثال الأبرز، ففي العقد الثاني من القرن العشرين، كان التدخين حكراً على الرجال، فيما ينظر المجتمع بريبة إلى المرأة المدخنة، جورج واشنطن هيل، رئيس الشركة الأميركية للتبغ، كان يعرف الربح الذي ينتظره اذا وسع سوقه ليشمل الجنس الآخر أيضاً، لذا، استعان بخدمات المستشار في مجال البروباغاندا، ادوارد بيرنيز، الذي اطلق حملة "مشاعل الحرية"، اذ استأجر عارضات أزياء، وسار بهنّ في مكان عام وهنّ يدخنّ واتصل بالصحافة وقال لهم أن هناك تحرك نسوي حقوقي، وفعلاً، انتشرت صور التحرك على أنه "تحرر نسوي" من القمع الذكوري لحق المرأة في التدخين، وسمّى السجائر في فم النساء المشاركات: مشاعل الحرية، فانتشرت الكلمة على أنها رمز "الثورة"، وفي نفس العام الذي نجحت فيه حملته، ارتفعت نسبة استهلاك النساء للسجائر من خمسة بالمئة، إلى إثناعشر بالمئة.

عمل إذاً بيرنز على استثمار كلمة "حرية" وعرف وقتها، أنها كلمة مقدسة مجرد وضعها في عنوان لحملة، ستصبح حقاً لا جدال فيه، وفعلاً، تحولت القضية من قضية تدخين، إلى قضية حرية وتحرر، رفع أرباح الشركات، وحول بيرنيز إلى أسطورة.

بيرنيز نفسه، كان قد أدخل قبل ذلك بسنوات قليلة، فكرة جديدة إلى عالم السياسة، الرئيس كولدج الذي كانت شعبيته تنهار، استعان ببيرنيز الذي خرج بفكرة بسيطة، وجهنمية، جمع 34 نجماً من نجوم الفن الأميركي، وقاموا بزيارة كولدج، وانتشر الخبر ما رفع في شعبيته، ولاحظ، هذه السياسة لا تزال مستخدمة إلى اليوم في السياسة الأميركية والحملات الانتخابية، حيث يظهر الفنانون والممثلون إلى جانب المرشحين، ليضيفوا إليهم ثقة جمهور قد لا يعرف السياسة، لكنه معجب بالفنان لحد اعتبار رأيه، حتى في السياسة والاقتصاد و..، صائباً!

بيرنيز نفسه، شارك في اسقاط حكومة غواتيمالا عام 1954 الى جانب السي آي ايه وشركة المتحدة للفاكهة (شيكيتا براندز انترناشيونال حالياً)، التي أتى من فسادها وتسلطها على غوتيمالا مصطلح جمهورية الموز. تم اسقاط الحكومة الاصلاحية الاشتراكية المنتخبة ديمقراطياً عبر حملة اعلامية تحريضية شاملة قاد سياستها بيرنيز نفه.

وقس بهذه الأمثلة، على أمثلة أخرى، لتسويق سلعات كمالية، تصبح مع تدخل المحلل النفسي في سياسة التصنيع والمواصفات، تصبح ضرورية بنظر الجمهور، القطيع، الذي يتحول إلى استهلاكي بجهد ال"بيرنيزيين".

كان بيرنيز، لا يثق بالجماهير، متأثراً بوجهة نظر والتر ليبمان الذي سماهم "القطيع المرتبك"، وحين حكى بيرنيز عن نظرية هندسة الاجماع، او هندسة الموافقة، شرح كيف أنه لا يثق بالجماهير، وأن وسائله في استغلال رغبات الناس، ودفعهم للاستهلاك، هي وسيلة قيادة سياسية واقتصادية.

هندسة الموافقة، كلمة خرج بها بيرنيز، من أفكار فرويد، تحولت هذه العبارة، إلى ركن من أركان العمل السياسي البروباغاندي حول العالم، فإذا كان النازيون قد شرحوا علناً كم تأثروا ببيرنيز، فإن الشركات الأميركية، وأمبراطوريات الإعلام التي تصنع الخبر الذي نهتم به ونستهلكه دون غيره، تحب بيرنيز جداً.

الآن، فكّر جيداً في كل الصور، والمشاهد، والإعلانات، والشعارات،  التي تُزرع يومياً في رؤوسنا، ونتحول إلى مستهلكين جيدين لها، وكيف أن بيرنيز مرجع من مراجع الدراسة، والسياسة سوياً، وأجبني، كيف لا أشك في كل شيء يأتيني مع جريدة الصباح وشاشة المساء.

مدونة جوعان على الفيسبوك

عن المأساة العكارية

27/09/2013

خضر سلامة

تعليقاً على غرق 16 عكاري في بحر أندونيسيا أثناء تهريبهم إلى استراليا

فكرة الدولة اللبنانية، قامت منذ عام 1943 على أن الدولة هي بيروت وما حولها من جبل لبنان، فيما تكون مناطق الأطراف: البقاع، بلاد بني عساف (الشمال)، بلاد جبل عاملة (الجنوب)، مناطق تابعة للدولة المركزية وتعمل على مدّها بالضروري لرخاء طبقاتها الأرستقراطية (ملاكو المصارف، تجار المرافئ، اقطاعيو الأراضي)، أي اليد العاملة والضرائب. وتالياً، تغيب الدولة تماماً عن واجباتها في تلك المناطق (تعليم، مرافق صناعية وزراعية، أمن)، وتحضر في حقوقها (ضرائب، اعتقالات جرمية، إلخ). تفتش في المدينة عن أهل الأطراف، فتجد معظمهم معلقون على حائط المشاعات في البناء، أو الأبنية الآيلة للسقوط، تجدهم على سيارات الأجرة والباصات تصعد أنفاسهم وتنزل مع تسعيرات البنزين الجديدة كل أسبوع، تجد بعضهم في وظائف تكبلهم إلى انتماءات حزبية تارة، وحربية تارة أخرى، باسم الطائفة أو الدين أو أي تحريض آخر، يجد وقوده في الفقر والنقمة على الواقع.image

هذه الدولة لم يغير شيء تاريخياً من عقلية سياسييها، الحرب الأهلية التي خرج إليها البعض بحجة مساواة الريف بالمدينة، حوّلها مع الوقت إلى نار تأكل من مقاتلي الأطراف، وسلام الطائف الذي قال بالإنماء، حوّل الانماء إلى شركات خاصة للأحزاب، تقنّن الإنماء في الأطراف باسمها الشخصي بما يناسب بقاء الفقراء مرتهنين لها، وحتى الزعماء الذين خرقوا احتكار المدينة للسياسة بعد الحرب ووصلوا إلى المجلس والحكومة، فهموا اللعبة واستغلوا سلطتهم ليربطوا علاقة الأطراف بالدولة، بعلاقة الأطراف التبعية لهم أولاً كوسيط بين الفقراء ودولتهم (ميقاتي، بري، سكاف، إلخ.)

من يتحمل مسؤولية موت قرابة عشرين عكّارياً اليوم في بحر أندونيسيا هرباً إلى أستراليا، طبعا يجب أن نبدأ من الحديث عن أن تجارة تهريب البشر هي ثالث أكبر التجارة اللاشرعية في العالم بعد المخدرات والسلاح بحجم يتخطى ال35 مليار دولار، وضحاياها بالآلاف سنويا سواء في المتوسط أو في الهادئ أو على الحدود الأوروبية والأميركية، ولكن المسؤول دائما يكون، هو من دفع هذه الآلاف إلى انتقاء الخيار الأصعب بالتكوّم في سفينة أو في حاوية، هرباً، هرباً من ماذا؟

المسؤول في لبنان، هي الدولة اللبنانية كمؤسسة فاشلة أولاً يجب نعيها وإعادة تأسيسها، ونواب المنطقة الذين سيحضرون مراسم التعزية دون بيان رسمي عن ماذا فعلوا خلال خمس سنوات من ولايتهم لمنطقتهم في المجلس النيابي، غير الخطاب الطائفي والتحريضي، وطرفي الصراع السياسي في البلد الذين يتحملان الجمود الحكومي والأمني والاجتماعي، وأخيراً، سياسة إعادة الإعمار التي أعطتنا الطرقات السريعة، وأخذت منا نقاباتنا واقتصادنا وصناعاتنا وزراعاتنا كلها.

لا يمكن اصلاح هذا النظام، هذا النظام الذي قام على استخدام الفقراء في تطويعهم كحرس للأغنياء لا يمكن إصلاحه، يمكن نسفه واعادة بناء لبنان آخر، وإلا، فإن الهوة ستستمر بالاتساع، ونزيف البلد هجرةً تارةً وتهجيراً تارة أخرى، سيستمر. يقول فيبر، أن الدولة هي الكيان الذي يحتكر العنف، صحيح، ولكن لبنان، هو مثال الدولة التي تقوم من مجموعات سياسية، تحتكر عنفاً آخر: عنف الإفلاس والإفقار والتجويع، ثم تختبأ على الشاشة خلف حماية الطائفة وتمثيلها وكشفها لمؤامرات المجموعات الأخرى.

غرق العكاريون في بحر أندونيسيا.. فمتى يحل الطوفان على هذا النظام الذي أرسلهم، فيغرق منقرضاً؟

في المسألة الطائفية

17/07/2013

خضر سلامة

يروى أن القائد الشيوعي الراحل جورج حاوي التقى في لقاء عام بأحد مسؤولي القوات اللبنانية (اليمين المسيحي) الذي بادره بالقول: نحن مش حزب طائفي، وبالدليل عندنا 90 شهيد مسلم، فأجابه حاوي: لو لم تكن طائفياً لما عددتهم.

حركة أمل، الطائفية الشيعية، حركة مبنية على بيان تأسيسي يدعو لالغاء الطائفية، تيار المستقبل، الطائفي السني، هو تيار متنوع بانتمائات أعضائه الدينية، الحزب الاشتراكي، الطائفي الدرزي، حزب يحمل في عقيدته لواء الاشتراكية العالمية، حزب الوطنيين الأحرار، الطائفي الماروني، كان قائد جناحه العسكري في الحرب مسلماً شيعياً، إلخ. فهل الطائفية حقيقة، هي في “مصلحة أبناء المذهب؟”

الطائفية هي الانتماء السياسي لخيارات تخدم مصلحة جماعة (طائفة) معينة، عادة ما تكون تمثل البرجوازية الاقتصادية لهذه المجموعة (قد تكون دينية، أيديولوجية، غيره). وتالياً، الاسقاط الديني على كلمة طائفية في الشرق، ظالم (في جزء كبير منه)، الطائفية لا تستقي منابعها في أغلب الأحيان من نصوص شرعية دينية، بل من خطاب شعبوي شعبي من نوع أمن الجماعة، والجماعة، وهي أيضاً تعني فقط المنتمين لهذا الخيار من هذه الطائفة، فيكون الخارجون عن هذا الخيار الأكثري ضمن الطائفة، لا تغطيهم شعارات "أمن الطائفة" "المظلومية" وغيره.d8a7d984d8b7d8a7d8a6d981d98ad8a9-2

وعلى المثال اللبناني مثلا، تجد أن اعتقال الشرطة لمواطن " من طائفة أكس" صاحب خيار سياسي يوافق الصوت الاعلامي الاعلى للطائفة أكس، يثير امتعاضا شعبيا في هذه الطائفة لا يثيره اغتيال مواطن من نفس الطائفة إكس معارض لهذا الخيار، في الحالة الأولى يبدأ الحديث عن استهداف للطائفة، ومظلومية، وتهميش، وفي الحالة الثانية، خبر عادي.

وهذا يعني أن الطائفية ليست الانتماء الديني، بل الانتماء السياسي باسم المذهب، الانتماء السياسي لصالح الخطاب الاعلامي التحريضي الذي يتكلم بأمن الطائفة وشرفها وكرامتها، لا بمصالح أخرى سواء خصمة أو ما يسمى، معتدلة. طبعا تدخل بعض الاستثناءات حين يكون الحزب او المنظمة، قائمة نفسها على شعارات دينية ماورائية، عندها يصبح الانتماء الطائفي شبه متكامل من ناحية: انتماء حزبي، انتماء سياسي، انتماء ديني.

وتالياً، تلاحظ أن الطبيعة العشائرية السياسية في المشرق، لم تكتف بتحويل الدين إلى طائفة (اسلام مسيحية) المذهب الديني إلى طائفة (سنة شيعة)، وأحيانا العشيرة إلى طائفة (عشيرة آل فلان)، وأحيانا العرق إلى طائفة (كرد عرب) بل حتى أن الأحزاب التقدمية (شيوعيون، قوميون..) تحولت إلى ما يشبه الطائفة أيضاً، تحصر علاقاتها العاطفية والمهنية والاجتماعية ضمنها!

الطائفية إذا، هي الابن الشرعي للنظام السياسي القائم منذ الفتح العربي لبلاد الشام إلى يومنا، الذي قام على الحكم عبر وهب المناطق للقبائل مثلا في بعض المراحل، ومن ثم اعطاء الامتيازات القبلية والأميرية والبكواتية في المرحلة التركية، ومن ثم دخول الأحزاب من باب استقطاب العائلات وقيام الأحزاب المنافسة باستقطاب العائلات المنافسة "لحمايتها"، كما أن الطائفة ابن شرعي، لسياسة الأنظمة المتوارثة أيضاً منذ مئات السنين، بضرب الأقليات بشكل يهمشها مناطقيا بشكل مغلق، ينتج عنه نظام اقتصادي اجتماعي شبه مستقل.

حديث ربما يطول، ولكن يجب فهمه بشكله التاريخي الكامل، والاجتماعي الكامل أيضاً، ربما للبحث عن مخرج في مأساة خطر تحويل الإرث الطائفي الطويل إلى فلسفة دينية ماورائية، تحول النزاع الذي يقوم على جذور اقتصادية دولية، واقتصادية محلية، واجتماعية مناطقية، إلى نزاع "مقدس" باسم الدين، بعضنا يخدمه بالتسليم بكونه كذلك.

مدونة جوعان

الحرية الأميركية: وان واي

10/07/2013

خضر سلامة

تريد أن تعرف عن الديمقراطية اﻷميركية؟

وتعتقد أن ذكريات قصف فييتنام وقنبلتي اليابان النوويتين ودعم الديكتاتوريات في جنوب اميركا والحركات الارهابية ضد الانظمة الوطنية في نيكاراغوا وأفريقيا، وأخبار القصف والمجازر والاحتلال التخريبي في افغانستان والعراق واليمن وليبيا وتغطية الاحتلال الاسرائيلي أصبح روتيناً اخباريا مملا؟

ولا تتابع أخبار التعذيب في معتقل غوانتنامو وقمع الإضراب عن الطعام، ولم تعِ على مشاهد الإهانة والاعتقال التعسفي في معتقل أبو غريب، ولم يمر خبر رحلات التعذيب التي ينقل الأمريكيون بها سجنائهم إلى سجون مخابرات “صديقة” ليحققوا معهم؟

ولم تسنح لك الفرصة لمتابعة قضية الجندي المعتقل برادلي ماننغ لتسريبه فيديو عن مجزرة ارتكبها طيران الجيش الاميركي بحق صحفيين عراقيين؟ (ثلاث سنوات من الاعتقال العسكري ومحاكمته لم تنته بعد)DSC_0143_01-300x300

ولم تسنح لك الفرصة بمتابعة قضية جوليان أسانج بطل ظاهرة ويكيليكس، والملاحق والمحصور بإقامة جبرية والذي رفضت دول كثيرة استقباله لئلا تغيظ واشنطن؟ ورفضت حتى الاعتراف بحقه في اللجوء السياسي في ظل عدم وجود تهم واضحة (سياسية على الأقل) ضده.

ولم تسنح لك الفرصة بمتابعة قضية حركة أوكوباي ومعرفة ان 7700 اعتقال تم خلال سنتين، منهم 700 في يوم واحد من مظاهرة واحدة؟

عليك اذا بمتابعة قضية إدوارد سنودن، الاميركي المتعاقد مع وكالة الامن القومي الذي سرب تفاصيل برنامج بريسم التجسسي للصحافة وهو قابع في منطقة ترانزيت مطار موسكو اليوم، ورغم ان معلومات سنودن المسربة تضر بهيبة أوروبا نفسها في بعض تفاصيل التجسس الاميركي على مراسلات العالم البريدية وشبكات التواصل الاجتماعي ومحادثات الفيديو والصورة والاتصالات الصوتية عبر الانترنت، إلا أن اوروبا منعت حتى تحليق طائرة موراليس رئيس بوليفيا فوق أراضيها للشك في انه ينقل سنودن المطلوب في أميركا، والتهمة؟ تعريض الأمن القومي للخطر بتسريب معلومات أمنية حكومية… فماذا عن الأمن الشخصي والجماعي لمن هو ليس أميركيا؟ أو ليس منضوٍ في النظام الاقتصادي الأمني الأميركي الرسمي؟ وبرنامج بريسم وطائرات الجيش وجشع الشركات مثلاً، يدمّر حياته اليومية؟ طبعاً، هو مجرد أضرار جانبية في الإعلام، وغالباً، ضحية بدون اسم.

الديمقراطية الأميركية تحديدا، هي فن قائم بحد ذاته، فن تشريع بعض الديكتاتورية وقوننتها، وإيجاد مواد قانونية تجعل العمل الاخلاقي احيانا، عملا جرميا، وتجعل العمل اللاأخلاقي، عملاً حكومياً.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأخوان يدفعون الفاتورة

06/07/2013

خضر سلامة

مطلع القرن التاسع عشر، سافر لبناني مهاجراً إلى الغرب، وحين توقفت باخرته في مارسيليا، قصد مطعما، ولم يكن يجيد الفرنسية، قدم النادل إليه حساء العدس مرحباً، وكون الرجل لا يفهم الفرنسية، نظر إلى زبون مجاور كان قد أنهى للتو طبق سمك، قال الزبون الفرنسي للنادل: Encore. فأحضر النادل له طبقا ثانيا من السمك. عندها اشتهى اللبناني السمك، وقال للنادل: Encore. ظناً منه أنها المرادف الفرنسي للسمك، فأحضر له النادل حساءً ثانيا من العدس، تكررت الحادثة مرة واثنين، وكلما أراد طلب سمك قال: Encore فيحضر النادل عدساً. مل اللبناني من العدس وصرخ بالنادل: وبعدين معاك؟ ليش أونكوره سمك وأونكوري عدس؟

ما يحدث اليوم مع الأخوان، يشبه هذه الحادثة، يعايرون منافسيهم بتطبيق الديمقراطية في أوروبا أو أميركا، من احترام لتداول السلطات، فيما أن أونكورهم عدس، الديمقراطية ليست صندوق اقتراع كما روّج الليبراليون في العامين الماضيين، الديمقراطية هي رزمة متكاملة، تشمل الشرعة القانونية والتقديمات الاجتماعية والاقتصادية، والحرية الاعلامية وضبط المال السياسي، وعدم التساهل مع الاصوات النازية الدينية (التنظيمات التكفيرية التي رعاها مرسي) ولمّ شمل التنويعات السياسية في هيكل الدولة (لا السلطة بالضرورة). أونكور الديمقراطية الذي يطالب به الأخوان، لا يشبه أي أونكور في دول بنيت اجتماعيا وقانونيا، بطريقة تضمن عدم استئثار فكري ومالي لأي طرف، وتالياً، سيأكل كل من لا يحترم هذه الضرورات السياسية، العدس طويلاً.9998347396

فعلياً، ما يسميه الأخوان انقلاباً، كانوا طرفاً فيه سابقاً: المجلس العسكري السابق أزاح مبارك وحكم مكانه مباشرة، وحين اعترض الثوار، غدر الأخوان بهم وتفاهموا مع العسكر وشاركوا هم في فترة الحكم العسكرية، لا بل تفرغت قنواتهم وصحفهم لتشويه صورة المعارضين للمجلس العسكري. أما اليوم، في 30 يونيو، أزاح العسكر مرسي، ولم يحكموا! بل احترموا التسلسل المدني للسلطة وسلموا المحكمة الدستورية الحكم، والمدهش، أن أبطال النفاق السياسي، الأخوان، اعتبروا ما حدث غير شرعي. رغم أن شرعيتهم نفسها، مستمدة من حكم انقلابي عسكري مباشر، سابق.

على كلٍ، حدث ما حدث، وانهار المشروع الأخواني، وعلى نظرية شمشوم التوراتية، يريد الأخوان أن لا ينهار مشروعهم فوق الخراب الذي زرعوه فقط، بل فوق كل ما تبقى من أوطاننا بعد عامٍ من تخريبهم لأحلام الثورة والتحرر في تونس ومصر وسورية، بقوة المال القطري وصفقاتهم مع أميركا، أميركا نفسها، التي وصلوا للسلطة بشعارات عدائها، وعداء اسرائيل، ومطالب العدالة الاجتماعية، وحين وصلوا، احترموا كامب ديفيد، وحموا السفارة الاسرائيلية والاميركية، واستقبلوا رموز واشنطن، ,ومارسوا ما مارس النظام السابق مع المظاهرات ضد حكمهم، وأضافوا عامل التكفير واباحة الدم، وبالنسبة للعدالة الاجتماعية، أخرجوا إلينا أحمد عز آخر (خيرت الشاطر)، وعمقوا الخطابات الطائفية في مصر إلى حد اختراع خطاب مذهبي شيعي سني أيضاً لم تعرفه مصر من قبل بهذه الحدة، وادعوا على باسم يوسف، وسجنوا أحمد دوما، ولم يتسامحوا مع معتقلي الثورة التي أتت بهم للحكم!

وبعد أن فعلوا كل هذا صرخوا: أين أونكورنا الديمقراطي!

في اللحظة التي تعيشها مصر، صفحات الأخوان تقول أن هناك مؤامرة على بلادنا، صحيح، هناك مؤامرة، وأنتم، أدواتها!

مدونة جوعان على الفيسبوك

نهاية جمهورية الطائف

28/06/2013

خضر سلامة

ملاحظة: المارونية السياسية، السنية السياسية، الشيعية السياسية، هي تعابير ترمز إلى تكتل سياسي بحمى قوة اقليمية ذات شعار طائفي معين قد يحوي هذا التكتل شخصيات من طوائف أخرى، ولا ترمز إلى الطائفة كعقيدة دينية نفسها بالضرورة.

نهايات عام 1974، وفي ظل تصور عن تراجع عام للمشروع الأميركي في المنطقة مع الانتفاضات الطلابية والثقافية العارمة في الغرب، وهزيمة فييتنام، ومعركة أوكتوبر، والهزات الانتفاضية العربية، قام الخطاب الكتائبي وما يمثله من ما عرف ب”مارونية سياسية” بتعويم الخطاب الهادف لعزل المقاومة الفلسطينية، أولاً بقضية المظلومية المسيحية والعصب الطائفي الوجودي، وثانياً بقضية البعد اللبناني القومي وتحييد لبنان، طبعاً، محاولة عزل المقاومة الفلسطينية انقلبت كارثة على الوجود المسيحي السياسي والديمغرافي، بهزيمة ماحقة في الحرب الاهلية بعد تخلي الحليف الاميركي في منتصف المعركة عنهم وتقهقر الاسرائيلي، وتركهم لقمة سائغة للقوة السورية المنقلبة على تحالفاتها السابقة، أضف إلى ذلك، تخندق باقي الطوائف سياسياً (سنة – شيعة – دروز) خلف الفصائل الفلسطينية (حتى أوائل الثمانينات على الأقل) وبعض الأحزاب الوطنية. الذي أدى إلى عزلة مسيحية أفرزت حالة التهميش السياسية في جمهورية الطائف لاحقاً بشخصيات وهمية مخابراتية. images

اليوم، هل يمكننا مقارنة المغامرة الكتائبية، بالمغامرات في الساحة السنية؟ القوى السياسية السنية، تحتمي بشعارات من نوع “أمن الطائفة” “مظلومية الطائفة” “تجاوزات الطائفة الأخرى” الخ، لتغطية ارتباطاتها بما تمثله السعودية وقطر من “سنية سياسية” متصالحة، حتى لا نقول متعاونة، مع اسرائيل، أو لا مشكلة لديها الآن مع اسرائيل على الاقل (التحديث في الخطاب الأخواني ما بعد السلطة، الخطاب السلفي العقائدي أصلاً الذي يؤجل المعركة مع اسرائيل الى ما بعد التخلص من ال”كفرة”) الخ. ارتباط هدفه الأبرز ضرب خاصرة المقاومة (المصادف تاريخيا أنها تمثل “شيعية سياسية” في هذه المرحلة) في حديقتها الخلفية، تغطية هذا الارتباط يعمل على تغذية العصب السني، متناسين خطر “الخوف” من الاكثرية، الذي يدفع الاقليات عندها للارتباط (مشروع سليمان فرنجية الجد في السبعينات مثلاً بتحالف الاقليات ضد الاكثرية)، وما سيؤدي حينها، على المستوى اللبناني على الأقل، إلى عزلة طائفة جديدة، نحصد نتائجها في الأربعين عاماً القادم أيضاً.

مشكلة السياسة العربية الخليجية، أنها لا تتعلّم، أو أن أسيادهم (الأميركيين) أغبى من أن يفهموا التفاصيل السوسيولوجية لهذه الشعوب في منطقة سورية الطبيعية تحديداً، التخلص من فصيل مقاوم، يعني تفريخ مقاومة أعتى فكرياً وأصلب عقائدياً، من جهة، لأن التوازنات العالمية لن تسمح بهدوء أميركي في محيط فلسطين (أيام البترول، فكيف اذا اضفنا عامل الغاز) وأيضاً، لأن الطبيعة الحضرية لهذه المنطقة، لا تتقبل فقه البداوة السياسي والديني والأخلاقي، من تطويع وطني كامل.

أرجو أن لا تُعاد المسرحية الأميركية السوداء التي أودت بالخيارات المسيحية إلى الكارثة، بنسخة سنية هذه المرة، هذا الرجاء، لا يمكن أن يتحقق، بدون خرق تاريخي استثنائي في الشوارع الطائفية، إما بظهور مشروع متكامل وطني، يكون مقدمة لمؤتمر تأسيسي للجمهورية الثالثة ناسفا تسويات الطائف الساقطة بعد سقوط التفاهم السعودي السوري ودخول العامل القطري والايراني، وإما، بانتظار تحولات مصر السياسية، التي إن رست على عودة للعقلانية السياسية وضبط “الخزان الثقافي” الأهم للمنطقة، ربما، تعيد تفاهماً طائفيا لم يتعكر جذرياً منذ دولة محمد علي إلى اليوم. ما يعيق التفتيت الفتنوي.

لا نملك الا الرجاء، وسط حفلة الجنون في الخارج، جنون تكفيري دموي من جهة، وجنون خطاب اعلامي تحريضي، لا يتوخى المصالح العليا للوجود الاجتماعي والأمني الوطني، ولا وجود عدوٍ، لم يعد على لائحة أولويات الشعوب.. ولعله يشاهد خطب الجمعة والفتاوى والاشكالات، بصمت، ويبتسم.

مدونة جوعان على الفيسبوك

كوكب مزور

17/06/2013

خضر سلامة

لنكتشف سوية بعض مفاهيم تُلقننا إياها الصحف والإذاعات، دون أن يتسنى لنا كشفها على مجهر الحقيقة:

· مجتمع دولي: تضم الصين، روسيا، الهند، أميركا الجنوبية، جنوب شرق آسيا، أفريقيا جنوب الصحراء، معظم سكان الكوكب، ورغم ذلك، حين يتحدث مثقفو الإعلام المأجور، وأزلام السفارات، عن "المجتمع الدولي" فهم لا يقصدون إلا القرار الأميركي والأوروبي (الملحق بطبيعة الحال).

· الشرعية الدولية: تالياً، الشرعية الدولية هي التي تعطيك إياها القوى النافذة في العالم، المسيطرة، بالدرجة الأولى واشنطن، ويليها رضا أربع أعضاء مجلس الأمن المتبقين، طالما نلت اعتراف هؤلاء، تتحول في الاعلام وفي التسويق السياسي والخطابات المحلية والاقليمية، إلى قوة سياسية أو حتى إلى فكرة أو مشروع أو خطاب، شرعي.

· ديمقراطية: أثبت تشافيز، بوتين، وغيرهم، أنه لا يكفي أن يتم انتخابك ديمقراطيا، وأن تحترم أصول اللعب الدستورية داخل بلدك، ليراك العالم رئيسا ديمقراطيا، مجرد أن تكون ضد السياسات والمصالح الأميركية، فإن الاعلام سيصورك على أنك طاغية، ديكتاتور، متطرف، وسيسوق الرعاع لهذه الفكرة والصورة، ولا نقاش في ذلك!532897_322593411202137_963811212_n

· حرية التعبير: هي أن تُكسر قدماك ويداك في مركز الشرطة إذا تظاهرت ضد الحكومة في الدول التي تسمى الديكتاتورية، وأن تُكسر قدماك ويداك من كثر المشي دون أن تغير شيئاً من قرارات الحكومة، في الدول التي تسمى ديمقراطية. في الأولى، تُمنع أن تسعى لتغير شيئاً، وفي الثانية، يُسمح لك بأن لا تغير شيئاً.

· الإرهاب: هو ما يرهب مصالح الطبقة الحاكمة في الدول الكبرى، وما يشكل خط ردع عسكري بيد خصوم هذه المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية، قد يأخذ أحيانا شكلا دمويا، وأحيانا شكلا انسانيا مقاوما، المهم الفكرة: تصبح إرهابيا حين ترهب حكام هذا العالم، فيما تستطيع قذيفة واحدة من طيارة واحدة، أن تقتل ألفاً، دون أن يعين هذا القتل إرهاباً، أو يضاء عليه كما قتل شخص أو جرح جندي محتل، إرهاب المجموعة المعادية للنظام العالمي عار، وإرهاب الدولة المُرضى عنها فيه وجهة نظر.

· حقوق الانسان: هي حقوق بعض الانسان، لا كله، تحظى بها إذا كنت إبن النظام السياسي والمالي، وتحرم منها ولو في مسقط رأس الشرعة في باريس، اذا كنت خارجا عليها، يصبح ضربك في المظاهرة مشهداً عالياً، اعتقالك على خلفية رأي عادي جداً، حرمانك من حق العيش لصالح حق المصرف عليك، عادي جداً، خصخصة ضرائبك وتعبك، عادي جداً، واعتراضك، جنحة قانونية مسجلة، أما حين تخرج من عرينها الأبيض، إلى خارج الكوكب، يصبح قتلك، مسألة إحصائية لا أكثر.

· مساعدات دولية: هي أن يعطي الاتحاد الأوروبي مثلا لموريتانيا، مئة مليون دولار كمساعدات لمحاربة الفقر، فيما تكون أرباح شركاته سنوياً من الحديد والنحاس والجبس والفوسفات الموريتاني، قرابة خمسين ضعف هذا الرقم! المساعدات الدولية هي أن آخذ منك مالك، ثم أعطيك ما تبقى منه بعد أن أتخمت، فلا تستطيع أن تشتري رغيفاً واحداً.

· الضمير العالمي: مستتر في العالم الثالث، تقديره خبر عابر، متصل في العالم الأول بأرباح الشركات وتفوق الأغنى على الأفقر، ومرفوعٌ بخبر عاجل. الضمير العالمي، هو أن تحك شاشة التلفزيون رأسك حين يريد ناشر الإعلانات أن يحكه، وأن تطفئك وتلهيك، حين يريد ناشر حقوق بعض الانسان، أن يلهيك.

لماذا كل هذا؟ لأن رجلاً حكيماً صاحب قلمٍ بشكل بندقية علمنا يوماً أن "هذا العالم يستحق العدل بحقارة كل يوم!". كل ما فيه وجهة نظر، إلا حقك بأن تكون ضد السائد، ضد الحقيقة التي يمضونك عليها غصباً في الإعلام المأجور. هذا العالم المستبد بقناع اللطف، يستحق أن يُنسف من قفاه، بكل انسانية طبعاً!

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: