Archive for the ‘كتابات نثرية’ Category

الطاعون في بلادنا

04/01/2016

خضر سلامة

في رواية “الطاعون” لألبير كامو، تموت الجرذان في شوارع مدينة وهران الجزائرية لسبب غامض، يدب الذعر ويبدأ الناس بالموت من بعدها بعوارض متشابهة، إنه المرض وقد تفشى بسبب عدم كفاءة السلطة وسوء إدارتها للناس، انتشر الطاعون ببطء تحت ستار من جهل الدولة وفسادها وانشغال الناس بشؤونهم اليومية.

العلاج المتوفر لا يكفي الجميع ويكفي فئة معينة فقط، سيمكنها من النجاة لأن حظها سمح بذلك، فيما يكتشف الناس أنهم جميعاً صاروا مرشحين للمرض وينتظرون عوارضه لتظهر.

تسقط المدينة شيئاً فشيء بين أنياب الموت الأسود كما سمّاه الرواة الدنماركيين أو الموت العظيم حين قتل ثلث سكان القارة العجوز في القرن الرابع عشر (أكثر من 80 مليوناً على الأقل) ثم تقفل السلطات التي تصل متأخرة كالعادة بوابات المدينة وتعزلها، تبدأ هنا علاقات الناس المعزولين عن العالم بالتغيّر ويصبح الطاعون لاعباً أساسياً في المجتمع، يُصبح الموت رخيصاً ويتم تشييع الموتى سريعاً ودون مشاعر ومجرد عدٍّ للقتلى بالطاعون.

بعضهم يحاول الفرار خارج المدينة ويخاطر بنقل الطاعون إلى بلاد أخرى، بعضهم يعتبره عقاباً إلهياً وامتحاناً سماوياً، بعضهم يحتكر التجارة أو يجني ربحاً عبر استغلال يأس الناس وبيع حبال النجاة، وبعضهم يضحّي بالبقاء والصمود، ويتجه إلى التكتل والتعاون والأهم: المقاومة.Banksy Graffiti Artwork Appears In London

ينتهي الطاعون أخيراً، ويعود الناجون إلى حياتهم، يموت الذين نحبهم كالعادة، بعضهم يُجَن وبعضهم يكتب عن المعركة.

بعيداً عن الرواية، لقد قتل طاعون القرن الرابع عشر في أوروبا حين ضربها الكثيرين بسبب المرض كما ذكرنا، لكن التعصب والتطرف دفع إلى اتهام الأقليات، كالغجرية واليهودية آنذاك، لأن الجهل افترض أنهم سبب غضب الرب، وقد قتل الطاعون حتى القرن التاسع عشر مئات ملايين الناس في مصر والسلطنة العثمانية والصين والهند في موجات متعاقبة. وتأخر العلماء كثيراً حتى اكتشفوا أن القوارض الصغيرة هي سبب العدوى.

وأظننا اليوم، أننا لم نأخذ حذرنا من الجرذان في مكتبتنا الوطنية: تقضم كتب الدين وتصنع رواياتها وتفسيرها للحديث، تعشعش في كتب التاريخ وتمنع البحث والتدقيق وتعتمد على الأقوال ونقل الإشاعات ودعايات الخلفاء من قرن لقرن. لم نأخذ حذرنا من الجرذان في الجامعة تجعل التعليم مجموعة معاملات ورقية واستثمار مصرفي هائل، من الجرذان في مقرات الأحزاب تهتك زمن كتاباتها وأفكارها التي لم يفكر أحد في طباعتها على حاسوب حتى، فخربت، من الجرذان في إدارات الدولة الرسمية تعض جيوب الناس وكراماتهم… لق أساءت السلطة الفاسدة إدارة نفاياتنا وتوجيهنا، وقد انتشر الطاعون على شكل الخراب في كل شيء وبعضنا يدفع الثمن غالياً، بفوضى أمنية أو مجزرة أو ديون مبرحة أو فساد مطلق، وبعضنا يحاول النجاة والهرب، وبعضنا يصمد ويقاوم الوباء، وآخرون يتاجرون بخوف الناس، ويربحون.

والطاعون باقٍ ويتمدّد إلى حين، في ثقافتنا ونكاتنا ومعارض كتبنا وفي نشرات الأخبار وأحوال الطقس والسجون والمشانق والأنظمة.

ولكن، ماذا يجب أن نفعل بعد انتهاء الطاعون يا كامو؟

Advertisements

لا زلنا هنا

01/03/2015

خضر سلامة

ملاحظة: أختم المقال بفيديو أنصح الأصدقاء ال”سميعة” بضرورة مشاهدته.

“بالله إن متُّ شوقاً.. بأدمعي غسّلوني”

أيها العالم الذي يتفرج علينا من فوق، نحن هنا… نحن الذين نلوّح من فوق الأطلال كي تنتبه الحضارة لنا: انسوا مجموعة المختلين الذين ترميهم مطارات الدول الكبرى في بلادنا، انسوا مجموعة ربطات العنق التي ترميها مصارف أسواق المال في بلادنا

نحن هنا، نحن الذين نلوّح بموّال عراقي حزين، بموشح حلبي قديم أو بقصيدة عربية فوق خراب سد مأرب.. نلوّح بعقالات رعاة الإبل المخيطة بالعرق لا عقالات الأمراء المخيطة بالذهب، بعباءات النسوة التي جُمعت على عجلٍ كي نخرج في تغريبتنا الأولى في فلسطين قبل سبعين عاماً.. وتغريباتنا الألف في العراق وسورية ومصر وغزة وليبيا، نلوّح لكم كي تنتبه كاميرا واحدة لأغانينا وأدياننا ولغاتنا الأصيلة، التي لا تتسع لها شاشة روتانا ولا تويتر داعش ولا مقالات الحداثيين ومن بعدهم.

نحن الذين ثقب أبناء تيمية دفوفهم في بوادي الجزيرة قبل مئتين وخمسين عاماً ثم أتوا يتصيدون طبول أعراس جبالنا، نحن الذين كسر مقاتلو الحرية أعوادهم في قندهار قبل ثلاثين عاماً ثم أتوا في طلب آخر عود يعزف طرباً في ملجأ العامرية رغم أنف الطيارات الأميركية، نحن الذين دخل سنداغو التتري مرة أخرى إلى موصلهم وخذلها طغاتها مرة أخرى.. نحن الذين تركنا حناجر الحدائين تصدح وحدها في براري الشام، حين أقفلنا آذاننا عن مقامات الموسيقى وانشغلنا بخطابات المنابر.

نحن الذين أخطؤوا حين لم يتعلموا كار الفلاحة من أجدادهم، فصارت بساتينهم مفتوحة على احتمالات الصحراء.. وكذلك مكتباتهم… نحن الذين جرحوا مشاعر ابن رشد حين فتشوا .عن دولة في ورشات عمل الآخرين

نحن الذين لم نفهم أن الدين يكتبه من يحكم.. كيفما يريد، وأن الأنبياء لا يملكون بطاقات هوية، بل أن الأنظمة تسميهم كما تشاء: ذباحين أو رحماء، قتلة أو قتلى، حبّاً أو فتنة بين الناس.

نحن أبناء الناجين من محارق الاحتلال الانكشاري والانتداب الأممي والوصاية الدولية والهبات النفطية وصحف الغاز.. نحن أبناء البسطاء الذين يحبون الله بصدق، كما لا تريد داعش، ولا تريد أميركا.

نحن المهددون بالانقراض.

الفيديو: جلسة طرب بين منشد عراقي ومنشد حموي وغيرهم، يغنون قصيدة هيمتني لمولانا الشاعر الحمصي أمين الجندي (القرن التاسع عشر) الذي اشتهر بالقصيدة التوسلية التي كتبها بعد أن أصيب بالفالج وفيها يتوسل إلى النبي محمد للعطف عليه، وصولا إلى “على العقيق اجتمعنا” لمولانا السهروردي (القرن الثاني عشر) المقتول حرقاً بعد أن جُوِّع، مروراً بقصيدة مولانا ابراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي (القرن الرابع عشر) “يا رسول الله خذ بيدي”.. فمن بعدها مقتطف من قصيدة للشاعر الدمشقي الشاب الظريف التلمساني (القرن الثالث عشر)

هذا تاريخنا، هذه أرضنا، موسيقانا وأدياننا وأنبياؤنا وناسنا وكتبنا وشعراؤنا وفلاحونا ومقاتلونا المرابطون أمام وحوش العالم وهي تصدّر إلى بلادنا، ومؤامرات الثقافة وهي تحاك ضدّنا في حلف الغبار والدولار. هؤلاء نحن، باقون هنا.

صندوق الفرجة

20/02/2015

“صندوق الفرجة”
*
يدور صاحب صندوق الفرجة في القرى، يركن عربته تحت شجرة في ساحة القرية كما يركن الغجر سيركاً كاملاً كأنه كامنٌ في صندوق… وكون “صندوق العجب” من وسائل الترفيه النادرة آنذاك، كان أطفال الضيعة يتهافتون صوبه كلما سمعوه قادماً:
“شوف تفرج يا سلام.. شوف احوالك بالتمام.. شوف قدامك عجايب.. شوف قدامك غرايب.. تعا تفرج يا سلام.. على عبلة ام سنان.. هيدا عنتر زمانو.. شوفو راكب ع حصانو.. هيدي هيي الست بدور.. قاعدة جوا سبع بحور.. الأركيلة من كهرمان.. وسريرها من ريش نعام”.

صندوق الفرجة

**
كانت التعريفة خمس قروش (فرنك واحد).. يحصل من يدفع مالاً على حظ الجلوس على الدكة الخشبية، أما من يدفع برغيف خبز أو بيضة أو فواكه، فكان يضطر أن يتابع القصة واقفاً منحنياً. ثم يبدأ “العمّ” (وكان غالباً من أبناء قرى إقليم التفاح) ببرم البكرة التي تحمل رسومات عن عنتر العبسي قاهر الفرسان والزير سالم بطل المعارك والشاطر حسن ربيب الغيلان والست بدور الأمينة على عز البرامكة، وعلي الزيبق صيّاد الجن وغيرها من الشخصيات الشعبية، فيما يضع الأطفال رؤوسهم في الكوّات الخمس أو الست وهم يتفرجون على الرسومات بترتيب مرورها على كل كوّة من اليمين إلى اليسار.. و”العمّ” يحكي لهم القصة و”يشوبر” بيديه ويعزف بمزمار أو بوق ليدخلهم في جو المعارك المحتدمة.. داخل الصندوق.
وحين ينهي عرضه، يجر بائع الفُرجة صندوقه خارج القرية متجهاً صوب أطفال آخرين وهو يكمل أغنيته بوصية للأطفال: “الدُنيا صندوقة فرجة، لا تغرّك فيها البهجة، من يوم ما خلقت عوجة، لا تبكي عليها ولا تنوح”.
***
مع الوقت، لم يعد بائع الفُرجة يزور ساحاتنا، ربّما لأن بلادنا وُضعت على عربةٍ حتى صارت ساحاتها هي “الفُرجة”، وصار العالم كله يسترق النظر من كوة نشرات الأخبار على أوطانٍ تُهتك باسم ألف خلاف وموت واحد، ولم نعد نحن الأطفال بحاجة لعربة عجَب كي نندهش، فيومياتنا أعجب من العجب… أما المعارك، فرسوماتها صارت تأتينا زحفاً وهي تطرق أبوابنا حاملةً أبطالها صرعى باسم الحضارة.

****

قد يكون صدري آخر صناديق الضيعة يا صغيرتي، عنتر العبسي يحفر أشعاره فوق شريان يضرب به الزير سالم أعداء البلاد، ويكتف به علي الزيبق كل الجنّ الذين لا يجيدون الرقص.. تسقي به الست بدور جنائن بابل المعلّقة، ويمده الشاطر حسن حبلاً للجميلة العالقة بين أنياب الوحش.

صدري آخر صناديق الدنيا: فادفعي ما تريدين من دفء في صقيع الوطن هذا، ثم ضعي رأسَكِ في كوّة القلب وتفرّجي على صور الناس: سأحكي لكِ كل القصائد وكل الأساطير وكل القصص التي أعرفها وأخاف أن تضيع…

سميح القاسم يخرج من معتقل أوشفيتز

20/08/2014

خضر سلامة

إلى سميح القاسم

من حُسن حظي أن خالي، وهو صديقي الشخصي منذ فتحت حساباً في مصرف الذاكرة، كان طالباً في الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، وكان حريصاً على تصيد الكتب العربية الثمينة في ما بيع آنذاك من أرشيف دار التقدم ودار العودة وغيرها من الدور المدعومة من المحور الشرقي، في شوارع موسكو بعد الانهيار الكبير.

وكان منزلنا في بيروت، منزل العائلة كلها تقريباً، لذا كان بيتنا مكتبة المغترب أيضاً، حيث حرص على جمع عشرات الكتاب التي كان يُحضرها في كل زيارة، وفي جو “جامعة باتريس لومومبا” في موسكو، وتحت ضربات حفلات الشعر الثوري المسجلة وحفلات أغاني السبعينات والثمانينات، ربيت، فعرفت أن بوشكين أميراً، قبل أن أعترف بإمارة أحمد شوقي، وقرأت واقعية دوستويفسكي الحالمة، قبل أن أتفتح على أحلام كنفاني الواقعية، وبين أوستروفسكي وينسين ومايكوفسكي وغيرهم، قرأت عن بلاد جميلة، وأحلام جميلة أيضاً، وجدت أسباباً مقنعة لأحزن على مقتل لوركا في اسبانيا، وعرفت أسماءً لم تعد رائجة في عالم الحياة، كوديع حداد وجورج حبش وسانكارا وسلام عادل ومهدي عامل وبن بركة وغيرهم..

ولكن في رزمة الكتب المكدسة في المكتبة الخشبية المهترأة التي استغنينا عن خدماتها حين لم تصبح صالحةً لسياحة الزوار لدينا، كان هناك كتاب مأكولٌ من غلافه، كأن ثمة من “نتش” منه، لم تكن هناك كلمات كثيرة: “ديوان سميح القاسم” فقط.
الكتاب صادر عن دار العودة سنة 1973، اقتناه خالي في أوائل التسعينات ربما من مصطبة تبيع كتباً لتشتري خبزاً.. وهو من ثمانمئة صفحة، صدر في ذروة غليان العالم الثوري من تشيلي إلى الجيوش الحمر في أوروبا إلى انتفاضات أفريقيا وقيامة آسيا واشتداد فكرة التحرير الوطني في فلسطين، وهو مجموعة قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم حتى تاريخه، أي في الرابعة والثلاثين من عمر المناضل الفذ.
أنغولا، شيكاغو، فييتنام، موسكو، الكونغو، برلين، بيروت، عودة إلى حيفا سيراً على اليدين كغزال تائه يبحث عن وطن، هكذا مشيت مع سميح، أذكر كل صفحة وأنا أقلب في الكتاب اليوم بعد عشر سنوات تقريباً على قراءة الديوان، هل هو المسؤول عن نحت جزءٍ من القلب؟ لا أعرف..

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

أعرف أني عرفت بالصدفة عن موته بالأمس، كنا نرسم في الشارع لوحةً عن الطفل محمد أبو خضير، الذي قتله النازيون نفسهم في قصيدة القاسم، في نفس نسخة أوشفيتز التي وصفها.. قالوا أنه مات، ثم أكملوا الحديث، عُدت لأتوقع أن أفتح الشاشة لأمل من خبر موت شخص أحبه كالعادة، بفضل الجرعات الزائدة من النواح، لا الحزن، على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنتخطى الخبر كالعادة بموت آخر غداً ربما، أو زواج فنانة شهيرة.
ولكن، لم أجد الكثير عنك يا سميح، لم يحزن كثيرون… بعد أربعين عاماً من ديوانك هذا، لم تعد نجماً ثورياً، ربما فاتك أن تنتبه، لكن الكثيرين اليوم في العشرين من عمرهم، أو في الثلاثين من عمرهم، لم يسمعوا بسميح القاسم، وربما يخطؤون في معرفة مكان الناصرة على الخريطة، والليمون صار يباع في أسواق أوروبا، على أنه من بساتين اسرائيل.. هذه أمور تحدث يا سميح، لم ينتبه كثيرون أنك مت، ولم يكترث آخرون.
ولكني اليوم، أجلس مع ديوان سميح القاسم نفسه، بعد عشر سنوات ربما على قراءتي الأخيرة لديوان له صدر قبل أربعين عاماً، كان سميح القاسم نفسه، صاحب آخر مداخلة شعرية في قصة حب طويلة عرفتها، وكتابه الأحمر المقضوم من رأسه، في يديّ الآن، أقلب في صفحاته حزيناً، لأن أحداً لم يحزن على الشاعر الميّت، كي أمل الحزن ولا أفكر في انقراض مرحلة من عمر بلادنا الأدبي والسياسي والثوري، دون أن تمتلك حق التوريث لجيل ضائع بين روتانا وداعش.

في الكتاب، أقرأ من قصيدة يوسف لسميح القاسم:
“أحبائي أحبائي، إذا حنّت عليّ الريح
وقالت مرة: ماذا يريدُ سميح؟
وشاء أن تزوّدكم بأنبائي..
فمُرّوا لي بخيمةِ شيخنا يعقوب
وقولوا إنني من بعد لثم يديه عن بُعدِ
أُبشّرهُ أبشّرهُ، بعودة يوسف المحبوب!
فإن الله والانسان..
في الدنيا على وعدِ!”

لا أعرف هل اهترأ الكتاب في المكتبة في فترة السقوط السريع في التسعينات للذاكرة الثورية، أو أن خالي كان قد اشتراه من على رصيف في شارع في موسكو بغلافه المقضوم هذا.. لكني أتخايل الآن، أن جائعاً للإنسان في تلك السنوات اللئيمة، قضم من شعر سميح القاسم في ليلة برد قارسة..
صورة جميلة في البال، أبتسم.

مات سميح القاسم، لكنه لن يختفِ، لا يُمكن لأحد أن يهزم ميّتاً لم يعد لديه ما يخسره، وشعره لا زال في الأرجاء، بين الكتب التي نجدها في أرشيف المدينة، وتكون الكتب الأجمل…
شعره لا زال في الأرجاء، كذلك وطنه.

سميح القاسم تحرر من سجنه، الحاكم العسكري النازي الذي تحدث عنه دائماً، يكمل إدارة المعتقل.. لكنه سيسقط، و”روما أبقى من نيرون” يا سميح.

مدونة جوعان على الفيسبوك

لماذا تكرهنا المدينة؟

23/01/2014

خضر سلامة

كيف تصبح مدينةٌ ربّيتها أنتَ منذ طفولة شوارعها، عدوة؟ كيف تصبح المدينة التي ربيتها منذ وحل أزقتها وثقوب الرصاص في أبنيتها، حتى كبرَت بين يديك وعادت من صحراء الحرب إلى شاطئ البحر، ترقُص عاريةً على كف الرمل، تبيع الذرة على الصخور، تبدل وجوهها كممثلة في مسرحية يابانية قديمة، لتُسعد كل زائر، عدوة؟ تمشي في شوارعها وتحاذر أن ينفجر شيءٌ منها في وجهك.

مدينةٌ كانت تفجّر قافيةً في يد نزار، صارت تنفجر بعاشقين يعرفان قصائده جيداً، فتختم القصيدة.

مدينةٌ كانت تفخّخ قصائد درويش، ليفتح في جدار الحصار فجوة للخبز والأغنيات، صارت تفخّخ البنادق التي كانت موجهةً إلى صدر الفاشستي يوماً، وصارت تجرّح صدور الأطفال القادمين.

مدينةٌ كانت تلغّم الأرض بصور قديمة، لساحة البرج القديمة، لتشتل القراءة والكتابة رغم أنف التصحّر الكبير بالمال، صار ثمة من يلغّم ترابها بالخوف من أيّ شيء، من كل شيء، من كل وجه.

لماذا كرهتنا بيروت فجأة؟ نمشي في شوارعها، ونترقب التقاط صورة سريعة لموت سريع، ماذا يريد هؤلاء، من مدينة لم تُبقِ ديناً لم تدفعه، قاتلت اسرائيل حين كان الجميع يسجد لريغان سلاماً سلاماً… قاتلت العالم بمارينزه ومظلييه، حين كان العرب يتعلمون الانكليزية ليفهم العدو صلاتهم، قاتلت جنون الطائرات، بالمدفع، انتزعت الجنوب من فك آلة الموت، دفعت ثمن الحرب دماً، وثمن السلام مالاً، ماذا يريد هؤلاء، من فتح ثقباً أسوداً، ليخرجوا إلينا من قرونٍ بائدة، ويحرضوا المدينة ضد أهلها.

لا يخيفني الموت، فالموت ليس مشكلة الضحية، بل مأساة الأحياء، الموتى لا يفكرون بما تركوا خلفهم، لا وقت لديهم، فالحزام الناسف يكون في عجلة من أمره لانتزاع النفس من زبون النار، لأن لديه عمل آخر يكمله في بغداد وفي دمشق وفي سيناء وفي صنعاء، لا وقت لدى الموتى لكتابة وصية، أو لابداء رأي في أسباب موتهم، أما الأحياء، فمأساتهم أكبر، يدفعون ثمن الموت هم: سأخسر أباً، أماً، أختاً أو صديقاً، يصنعون لي حجة كي لا أترك المدينة، أو يداً ربما، تعينني على قضاء نصٍ أو قصيدةٍ، أفرغ فيها عتبي على الاسفلت.

حسناً، صارت المدينة فجأة، عدوة، زحمة السير سببٌ كافٍ لقراءة الوجوه في سيارات الجيران، حاجز الجيش مخدّر ضروري كي تطمئن الصغيرة في حضن أمها، أن ثمة دولة في مكان ما، لا شيء خطأ في ذلك، أخبرها أبوها سابقاً أن ثمة بابا نويل أيضاً، وصدّقت، فلتخبرها البذة العسكرية أيضاً قصة الدولة، الطفلة طريفة، تصدّق أي شيء.

هذا ليس خوفاً، لا خوف في التنبؤ بالموت، هذه دهشة مطلقة: لماذا كرهتني المدينة فجأة، وصارت تتوعدني بأشكالٍ من القتل، أعطيناها شعراً، فأعطتنا لحى مثقوبة من أعلاها، كمدخنة سوداء، أعطيناها القصص الجميلة عن جنة الأرض، فأعطتنا أوراق النعي الجاهزة بحجة جنة في السماء، لم يعد يوما منها ميتاً ليخبرنا عنها، أعطيناها الصوت والأغنية، وقهوة الصباح والصبر على ثقافة الباطون، وذكريات القبضة المزغردة لأرنون، والصادحة للعراق، والغاضبة لغزة، فأعطتنا يداً لا تكتب، لا تزغرد، لا تهتف، لا تقاتل قتال الأقوياء، يداً جل ما تعرفه، أن تضغط على زر تفجير، لتدفع المدينة أكثر وأكثر، للفّ نفسها بالسواد، كي تخرج إلينا في نومنا كشبحٍ في قصص الأطفال، فتفسد لذة النوم في مدينة، كنا نريد يوماً، أن نعيدها إلى بيت طاعة الأبجدية.

خفّي قليلاً يا بيروت، لا تصرخي، لا تنفجري، لا تموتي، ولا تتسرعي في اغتيال أبنائك، هذا المرض الذي يُنهك يومك، طارئ، أعيدي زحمة السير، وأعيدي الباعة المتجولين واكتظاظ الأسواق وقرع الفناجين في القهاوى وسمفونيات التبغ وشتائم السائقين لبعضهم، واحملي قليلاً من الورد بيديك، وانتظري… ثمة عالم آخر ممكن، لا تحكمه فاتورة المطعم، ولا حزام الارهابي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

أمسك عيني لأرسم

09/09/2013

خضر سلامة

وحين فشلت في حصة الرسم قبل سنوات كثيرة، في أن أتجاوز مستوى رسمة بيت من قش، وشمس تبتسم، وشجرة مرسومة على عجل، وتلال سهلة النحت في الورقة، قررت أن أستعيض عن الريشة، بفكرة، ورحت أرتّب خلايا العين كأقلام تلوين، وأجرّ الحاجب كيدٍ تمسك البصر لتكتب فوق المشهد ما تريد، قررت أن أرسم:

أرى بيتاً، بابه من خشبٍ داكن اللون يُشبه بقايا شجرة ٍهاربةً من المغول في بغداد، أفتحه بمفتاح صدئٍ قليلاً كما مفاتيح القدس المخبئة في قلادة فوق صدر الجدة، أدخل بعد أن أقرأ آياتٍ من آيات الشيخ إمام بلا عود، فالعود تركته يحرس زاوية المدخل، كي لا يدخل غير اللغة العربية إلى المنزل، أتجاوز صندوقاً قديماً بداخله رسائل وحكايات وألعاب صغيرة، تستقبلني كي تذكرني بكلمة السر لصنع الأسرة: أحبك. لوحة لأشياء مبعثرة على وجه المدينة، مكتبة تشبه أرشيف أجهزة الأمن، كتبٌ تحفظ ذاكرة القراءة، وكتب تنتظر على محطة قطار المساء، تحف أقتنيتها لأجلها من سوق الكوكب، وألفت بها قصةً عن كل بلد، بكل لغة، مزهرية تحرص سيدة الفكرة على نفض العمر عنها بوردة طازجة كلّما تعبت الوردة القديمة واستقالت من لونها، غراموفون لم يجد من يصلحه لأن آخر عجوز كان يذكر قيمته، استعجل بالرحيل، أوراق لقصائد لم تنته، وأعقاب سجائر تغير مكانها كل قليل، وأنثى دافئة تتعرى أمامي وتفرك خدها في خدي ثم تخجل، كما يتعرى البحر كل مساء ويفرك ظهره بعواميد الإنارة.. فالبحر يخجل أيضاً.536262_569244523103960_1176403767_n

أرى سريراً يكبر كلما سقطت فيه نائماً، محاصراً بالشَعر في بحره الطويل والشِعر في بحره القصير، وأرى سقفاً كلما طرقته عينانا، فتح لنا نافذة سماء الليل حتى نعدّ النجوم لنغفو، وأرى حلماً يتسلل من خزانة ثياب الشتاء ليتلصص على شهيقنا وزفيرنا وعضة الشفة أيضاً.

حين فشلت بالرسم، قلت أرسم بما أرى في غد الضحكة، وأمس الدمعة وحاضر الانتظار: أطفال أخذوا حصتهم من أسماء التاريخ وحكايات الأغاني، وما سمح به الدهر من عيون أمهم وصوتها، وقلم والدهم وحبه، ثم يركضون في حديقة نصب فيها إله الخصوبة مرجوحة، كي يستريح الربيع قبل مشواره برمي الجميلة في الهواء ثم التقاطها، عشبٌ لا يشيب، وتراب لا ينضب، وأصدقاء المراحل كلها يتباركون برائحة القهوة حين يريدون زيارة التاريخ في بيته: قصص وكتب وأغان وموسيقى وحديقة وقناعة بما قسم الله لنا من عطاياه: زهر الغاردينيا والحل الأسهل بين الضيعة والمدينة، أحلامنا.

فشلت بالرسم، في عصر الأشواق المدفوعة الأجر، قلت أكتب، فبكم تشتري أيها العتب لوحتي لتبتسم؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

رسالة حب حربية

06/09/2013

خضر سلامة

كيف يحب المواطن العادي في هذه البلاد؟

وبحرها لا يصلح للشعر، ﻷنه مصاب ببارجة أميركية

وسماءها لا تصلح للفكرة، ﻷنها مؤجرة لصاروخ بالستي

وشوارعها لا تصلح للمشي، ﻷن فيها الخوف من عبوة

وورودها لا تصلح للهدايا، ﻷنها برسم القبور القادمة

وبيوتها لا تصلح للحلم، ﻷنها تنتalessandro-gattoظر قذيفة الهاون التالية

واغانيها لا تصلح للغرام، ﻷنها منشورة في ألبوم موسيقي لبئر نفط.

كيف يحب مواطن عادي، في بلاد غير عادية؟

كيف أحب، من أين أبدأ، كلما أردت أن أسترق النظر إلى صدرك، أستعين ببندقية قناصة كي تصيب عيني الهدف بدقة، فلا أضيع ثانية من عبور خفيف لصدفتك، كلما عاتبت كيوبيد لما أعفاني من سهام الحب وتركني يتيماً، أشار إلى درعٍ مضاد للرصاص وللعواطف، يوزعونه علينا في نشرة الأخبار، كلّما سألت عينيك عن ذاكرة الورد وكيف تُنسى رائحته، وجدتك وقد وضعك النظام في قناع كيماوي، كلّما حاولت أن أتقصّد لمس يديك، وجدت سيفاً من عصر الجاهلية مزروعٌ كوشمٍ في يدينا، فتقاتلنا وفاءً لإرث القبائل.

بارجة للقصف، دبابة للقصف، طائرة للقصف، وأنا أشتهي ولو مسدس ماء الطفولة يقصفني إليكِ.

عبوة ناسفة، حزام ناسف، قذيفة ناسفة، وأنا أخجل أن أستيقظ قطعةً واحدة، ولم ينسفني انفجار القلب أشلاءً لتصدقيني.

يتنصتون على كتاباتي على حائط صمتك، يتنصتون على هاتفي المضاء باسمك، يتنصتون على شهيقي من هواء الوطن الذي تتنشقين، وأنا لا يحق لي أن أتنصت كغيري على صوتك عندما تغنين لأحدهم: صباح الخير.

فكيف أحبك دون أن ألبس ثيابي العسكرية؟ ودون أن أضع خوذة كي لا تهرب أفكار القصائد الجديدة فيك من رأسي، خوفاً من الغارة التالية؟ أو دون أن أفخخ سيارتي كما يفعل أي مشاغب، كي تنفجر بي إذا فكرت أن أعبر من شارعك؟ عليّ أن أفعل كل هذا، كي أستحق أن أحيا: محارباً في منطقة لا تؤنث المنطق، بل تدعه ممنوعاً من الصرف، كي أستحق أن أحيا وسط جنون السلاح، والفواصل الإعلانية عن جديد سوق الذخيرة المفتوح في الشرق، كيف أحيا دون أن أكون مخبراً، يفضح أسرارك كلها أمام أمن الدولة: كيف يميزون الضحكة الكاذبة من الحقيقية، كيف يفتحون أذنيك بأغنية صوفية عتيقة، كيف يجرون فمك للكلام بإغراء قصة بلاد تحترق. أو سأكون حارساً مدججاً بالتراب، كي أحمي شارعك من عبث المتسللين كالنمل إلى شهد ما تحبين في هذه البلاد.

لعلّ الخطّاط الذي رسم حروفنا في دفتر القدر، أوقع راءً منه في آنية الحب فصار حرباً، وما عدنا نفرّق زقزقة الطيور عن دوي المدفع، ولا قصائد الحب عن تقارير المخفر، ولا رائحة البارود عن رائحة الياسمين، أو لعله كان بابلياً حتى وضع الجنس والحب والجمال.. والحرب، في محفظة عشتار واحدة، توازن في خلقنا بين جسد الرصاصة ورأس قلم الرصاص.

كنت أريد أن أحبّك على أغنية للشيخ إمام، فهل سأحبك الآن على خطاب للرئيس الأمريكي؟

كنت أريد أن أراقصك على صوت الجاز، فهل سنركض الآن كعصفورين خائفين من صوت المدافع؟

كنت أريد أن أصبّح عليكِ بمكتوب حب، فهل ستصبح علينا سوية غارة جوية؟

كيف يحب المواطن العاديّ، دون أن يكون مقاتلاً؟

ربما لا يحب.. فالحرب وجبتنا السريعة، نأخذها من مطبخ مجلس الأمن، ونؤديها كفرض مدرسيّ كلما اختٌبرت كرامتنا. نحن شعب لا يعرف أن يحبك، سيدتي، دون أن يحب بلاده فيك أيضاً.

مدونة جوعان

قلبي سجّادة الوطن

01/08/2013

خضر سلامة

أنتَ سجّادة بيت الوطن، كلّما قفزَت شمسٌ لتمحو غيمة، أو سقط مطرٌ ليكنس صيفاً، أمسكتك الأنثى من أذنيك، لتعلّقك في صندوق الشرفةِ مَعرَضاً لعيون الناس الباحثين عن قصة، يتسلون بها حين تنقطع أخبار الحرب، تنفض عنك بعصا فلقت بحر موسى، وجدفت بسفينة نوح، وقبلت يد المسيح، ورعت غنم محمّد، تنفض عنك بها غباراً تركته السيارات على نقوش الاسفلت في قلبك، ودعسات الشرطة على كرامتك الناعمة، وأوساخ الأطفال الذاهبين من الطفولة إلى السجون.

من نسج عروقك؟ أفي زاوية من زوايا شيراز جلس شاعر صوفي يخفي في شرايينك فن التوحّد بالنار ناراً؟ أو خبّأ فيك عجوز صيني كل أدوية القلب وأقفلك بعشبةٍ بحريةٍ كي لا تبوح بأخبار الموتى؟ أو دفن فيك تاجر من اسطنبول حكاية وطنٍ حقيبة يحملها صيّاد القصص، كي لا يشعر بالوحدة في الطريق من شفةٍ إلى شفة؟ من نسج عروقك، وأنت سجّادة البلاد، تعرق الصحراء من تحتك فتكتظ رائحة النخل المقطوع بغارةٍ في لغتك، ويحمل الهواء إليك بتلات الزهر الراكب في الريح، فتُزهر مثل أي طير يصدّق أن فوهة البارودة تصلح لقبلة.

ماذا تنزف، حين تنفضك النساء؟Alessandro_Gatto_Italy

تُسقط حرفاً، يفتح احتمالات الكلام، ألفٌ تحيّر اللفظ بين الأمل والألم، باءٌ تضيعك بين البسمة والبكاء، ياء تدوخ بين اليوم واليأس، هاء تغفو في الطريق بين الهوى والهوان، واوٌ ترميك بين الوعد والوداع، واحتمالاتٌ كثيرة، حروفٌ لا تعرف أي قصيدة تختار لك، من ديوان عمرٍ يركض مسرعاً صوب تكرار مملٍ للجريمة، جريمة العين بحق القلب.

تُسقط نوتة، تفتح احتمالات الغناء، آهٌ تكاد تكون موالاً بغدادياً حزيناً، أو أهزوجة عرسٍ فلسطينيٍ جديد، وترٌ يصحّ في عود زرياب ليطرب القصر، ويصحّ في عود الشيخ إمام ليبكي التاريخ، جرسٌ في كنيسة ليعود المؤمنون إلى كف الله، أو جرس إنذار ليعود القتلى إلى قبورهم إن عادت الطيارات، نوتات لا تعرف إي أغنية تختار لك، من سهرات الليل المضاءة بالرقص أو المطفأة بالوحدة.

ماذا تنزف، وأنت سجّادةٌ نُسجت بخيط الخلْق على مهل، تارة تكون ممسحة الأم، تديرك بين الزاوية والزاوية لتلم أوساخ الحياة، وتارةً تكون سجّادة صلاةً يعلّقك الواقفون على شرفة الله خلخالاً لأقدامهم الراكعة، وتارةً لزوم الزينة في كوكبٍ يحب ما لا يلزم، ومجرّد إضافة تجميلية للشهيق والزفير في كل ثانية، وأخرى، سجّادة شتاءٍ تخفف البرد عن وجه المدهوش بصوت المطر، حين لا يجد يداً يمسكها، ولا كأساً يشربه.

ما أصعب أن تكون على الأرض، لا تراك الأعين إلا نقوشاً جميلاً، ولا الأقدام إلا ممراً إلى الدفء ومداساً حنوناً، ولا الأيادي إلا كومة غبارٍ وجب صفعها.

سجّادة للوطن، بكل ما فيه.

مدونة جوعان على الفيسبوك

مع يهوذا على كأس

29/07/2013

خضر سلامة

ولسوف أتريث قبل أن ألعن يهوذا هذا.. فالله وحده يعلم ماذا يكمن في قلوب السكارى – دوستيفسكي (رواية الأبله)

ندخل الدنيا ونحن نبكي على أنفسنا، لأننا سنشتاق الراحة والصمت، ونخرج منها فيبكي الآخرون على أنفسهم، لأنهم سيشتاقون ضجيجنا والصوت. الحياة أنانية شخص، والموت أنانية الآخرين، والمسافة بين حائط الولادة وهاوية القبر، مسيّجة بالبكاء: هل يولد الانسان حزيناً، فيكون الفرح استثناءً طارئاً؟

رأسي قجّة الآلهة، يسقط الأول فيها مصروف يومه من اللهو بأقدار البشر، ويسقط آخر فيها ما في جيبه من فكّة الأسماء التي سأحفظها، ويأتي الأخير بصورٍ وأحاديث وقصائد، يخبّئها من عين حبيبته في رأسي، قجّة الآلهة.
وحين تجوع السماء، ستفتح رأسي، لتأخذ ما لها، وتترك ما لي: أفكار لم أفرغها في محبرة اليوم العادي جدّا.

لم أبع مسيحاً واحداً، من أنا لأبيع ابن الله؟ سرقت ثلاثين من الفضّة من يد أميرٍ كان يرشّ البؤس على الرعية، وهربت، وحين رآني الصحابة في حانة الشيطان، أتناول الكأس بسرعة من لا يعجبه طعم الدواء ولا وجع الداء، وأرقص مثل أي حزينٍ يقلّد الكوكب في دوخة سُكره، قالوا أني بعت نبيّهم. لم أبع نبيّكم، رأيته في الصبح يركب حماره ويرمي اللعنات على شعوب الظلّ ويقول: “كانوا يعلمون، كانوا يعلمون، لا تغفر لهم”. رأيته يكوي صليبه بدموع أمه، ليعود إلى السماء أنيقاً، وحين تسلّق على سلّم أوليمبس، ووصل إلى كتف والده، شتمنا كأي طفلٍ انتظر هدية الميلاد ولم تأتِ.

لم تراعوا الطفل في نبيّكم، فلماذا تتهموني ببيعه؟132

سُكْرٌ سُكْرٌ سُكر. هذا العالم محكومٌ بالسُكر وبالخمر، وكلّما استفاق رجلٌ من سُكره، صلبتموه، ثم صلبتم الساقي لأنه أطلق سراح عقل القتيل حين عفاه من الكأس الأخير.

لماذا أدفع وحدي، ثمن هرب ابن الإله من هذا الخراب الكبير؟ أحيى الميّت منكم، فلبستم ثوب الأموات، أبرأ الضعفاء من أمراضهم، فتقيّأتم أمراض شروركم، أعفى يد حزينٍ من شللها، فقطعتم أيديكم وأرجلكم. لم أسلّمه بقبلة في بستان جسيماني، قبلته لأودعه، فأغاظكم فعل الحب، وقتلتمونا. كان يجب أن يرحل، رأيته أسمراً كبحر يافا حزيناً، بعيون سوداء كشال مريم على الجلجلة، فصنعتم منه رجلاً أشقر بعيون زرقاء، لترضى روما.

كيف يزوّر تاجرٌ إلهاً!

أنا الذاهب إلى مشنقتي بقدمين من كمّونٍ وملح، لأجمّل خمرة الأرض فتصبح أشهى، دعوني بسُكري، وقولوا ما شئتم في كتبكم، سأقول في موتي، أني لم أبع مسيحكم ومعلّمي، تجارتكم الرابحة، وخسارتي لنفسي في نفسه، لم أبع شيئاً، أنا شيطانٌ آخر، ستلبسوه ثوب الخطية لتأخذوا صك البراءة، وتأشيرة الهبوط إلى دركٍ آخر من التراب.

ماذا يكمن في قلوب السكارى؟

سيكتبون أني بعت، وسيحكون أني خنت، وستخيف الأمهات أبناءهن باسمي: يهوذا على الباب جاء يبيعكم للطغاة وللصليب، أغمضوا عينيكم قليلاً، وخافوا، لن أبيعكم، ولكن خافوا مني: سأحيط بكم كحقيقةٍ لا خلاص منها، وسأصرخ في أذن الليل كلما حاول أن يحميكم النوم من غضبي وثأري: يهوذا لم يخن، والتُجار سيُسحلون.

يا ابن الانسان وابن الله، لم أبعك، باعك من وجد في الصليب حطباً جيداً ليدفأ أبناء الأفاعي، وحين انتفضتُ على كذب كتبة التاريخ، قلعوا بصمة شفتيك عن خدي كي ينكرون حبّك للطفل فيّ، واتهموني بالخيانة. فصرت خوفهم اليومي: خوف القاتل فيهم من عناوين الجريدة.

هذه خطيئتي، لا تسامحني، لا أريد منك أن تسامحني، ولكن، اسمعني.

لا تغلق الباب

22/07/2013

خضر سلامة

أتعلم، لقد ضاق رحم أمك يوماً بك فبصقك، واليوم تضيق أنت بالكوكب، فكيف تبصقه؟

ماذا سيحدث إن قفزتَ يا صديقي عن الشرفة؟ هل ستهشّم رأسك باسفلت الشارع، فتعطيه انتصاراً على رأس، وهو المهزوم بأقدام العابرين؟ ماذا سيقول الطبيب بعد أن يعاين روحاً متعبةً بهموم الأرصفة ودموع الشبابيك ودماء الذكريات القتيلة، هل سيجد عناوين الصحيفة في عينيك الداميتين؟ فيقول، أصيب بشظايا الوطن المتفجّر كدمع بائعة وردٍ، لم يهدها أحدٌ يوماً وردة؟

ماذا سيحدث إن زرعتَ رصاصةً بين عينيك عيناً ثالثةً علك ترى العالم من ثقب جديد؟ ستحزن الجيوش قليلاً لهدر رصاصة على قتيل مات قبل موعده، وسترتبك مواعيد الرحلات إلى الجنازات اليومية، وستدخل أنت إلى الجريدة، ثلاثة أسطر وصورة، بالأبيض والأسود، كالعلم الوطني تماماً.

ماذا سيحدث يا صديقي، إن قطعت وريدك بسكين، من سيعيد لصقه، كي لا تنجّس الجحيم ببؤسك، ولا تخيف الملائكة من منظر اليد الذبيحة؟ هل سألت نفسك، كيف يذهب كافرٌ قطعت رأسه، إلى جهنم؟ هل يحمل رأسه في حقيبة معاصيه، ويقدمها كتهمةٍ أوجبت قتله، وأوجبت حرقه بعد ذلك؟ لا تقطع وريدك، وهو أمانة والد في خزانة جسدك، اجمع ألمك ومللك من الابتسامة المصلوبة بثلاثة مسامير على كل وجه، كأنوف بعض النساء هذه الابتسامات: ثمة طبيب تجميل سيء، عجنها على الوجوه.

تعال قبل أن تغلق حسابك في مصرف الكوكب، أحدثك عن البلاد قليلاً، ثمة وفرة في انتاج كل شيء وسوء في توزيعه أيضاً، وجدنا النفط بوفرة، فانتفع منه القلة وجاع كثيرون، صنعنا القانون، فاستغله البعض وجُلد به آخرون، أخذنا الحرية، فقام المتحررون باستعباد البقية.29

وحده الموت، لم يميز بيننا، من لم يمت بقذيفة، ومن لم يمت حزناً، ومن لم يمت تحت التعذيب، ومن لم يمت انتحاراً، ومن لم يمت جوعاً، لا بد مات تخمة.

نعم، قد لا تحدث فرقا كبيرا يا صديقي ان مُت الليلة بجرعة حزن زائدة، لن ينتبه الناس للفرق اللغوي بين نومك وموتك، وسيحكي عنك والدك لأهل الحي كم انت تطيل السبات كأي دب قطبي يوشك ان ينقرض، وستظن غانيتك أنك فعلا “تموت فيها” كما قلت، لا اكثر، وسيقول رفاق السهر أنك أفرطت قليلاً بالخمرة وأفرطت بفرك العين والقلب، لن ينتبه الناس، ولكن، أعتقد أن السجان الذي يدير هذا الكوكب سوف يغضب عندما يحصي مساجين الأرض ليلا، ويعرف أنك هربت.

لا تُغضب السجّان، زيّن قضبان حبسك برسمة تزعم أن ثمة شجرة في مكان ما، وعلّق على حائط أنفاسك الباردة صورة فنّان لم يبعه المستمعون ولم يشتره الزمن، ونظّف أرض فمك من الشعارات المتّسخة بسماسرة السلام والحقول.

وبعدها، يا صديقي، خذ رأسك عن كتفي، أنا متعبٌ بأصغر شيء، فكلّما انكسرت مدينةٌ بمدافع أبنائها، وضعت رأسها على كتفي وبكت، فصرت عامود إنارة، وكلّما اتفق الشرق على اغتيال امرأةٍ، خبّأت شعرها في فمي، فصرت عصفور دوريٍّ يُطرب اللغة، وكلّما مرّ البكاء على صدر الوطن، أحرقت سيجارة، فصرت منفضة سجائر الرفاق… خُذ رأسك عن كتفي، فأنا أكاد أضيق برأسي.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: