Archive for the ‘كتابات نثرية’ Category

هنا الضاحية

09/07/2013

خضر سلامة

في كل فتنة.. ابحثوا عن اسرائيل

آرييل شارون قصف الضاحية، وجوني عبده فجّر في الضاحية، هي نفس السلالة سواء تكلموا العبرية أو العربية، قلت سابقاً أن هذه الجميلة لم يقصفها إلا صهيوني، التاريخ يسجل هذه الحقيقة بوضوح: لم يستطع عدو الضاحية أن يفهم شعبها، هي نفس الشوارع والبيوت المكدسة كأكياس الطحين التي ملأت براميل البارود بعزم الفدائيين، ورمتها في وجه اسرائيل، تارة تحت راية فلسطينية، وتارة تحت راية لبنانية، وكلما اخترع عدوها مجزرة جديدة، اخترعت ألف سببٍ للحياة الكريمة، أو الموت العزيز.

الضاحية قصفها كل صهاينة المنطقة، ولم يدخلها أحدهم ابدا، في 82 سقطت بيروت كلها، ولم يسقط محور الليلكي والمدينة الرياضية امام الاسرائيلي، وحين تكلم أمين الجميل بالعبرية، طردت هذه الجميلة عسكره، ثم أتى الاسطول السادس، فأخرجت بنادقها البسيطة لتمسك أسطول واشنطن من أذنيه، وحين قصفتها البارجة الصهيونية، بصقت بوجهها وأغرقتها.Untitled
لم يكره هذه الجميلة إلا صهيوني.. ولم تُسلّم لأحدهم… كل مكتشف جديد لصهيونيته، يحاول أن يثبت تلموديته بدمائها، فلا يخرج قبل ان تحنّي عروس التاريخ وجهها بهزيمته، وضحكتها.

ومن يشعر بالغربة في الضاحية، لن يجد وطناً في كل الكوكب، ومن يكرهها ويرسمها بالأسود دون أن يعرف فرحها وحزنها وغضبها ورقصها وصلاتها وخمرها، يكره صورته العادية في المرآة، هنا الضاحية، وكل حقد الأعداء يحج إليها، لتطهره وتحيله حباً.

أما بعض الشماتة، فهو طبع الجمال حين يجرّ الغيرة. كيف لا يغار منك عدوك، وثمة فيك من يخرج من النار مبتسماً رافعاً إشارة النصر، لا لشيء، إلا كي لا يفرح عدوه، وكي لا تعتب أمه عليه إن انكسر.
من كل وطن يقول “لا” للسائد والمستكبر: هنا الضاحية

في كل فتنة.. ابحثوا عن اسرائيل

اقرأ أيضاً: الضاحية – ليليث

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

فوضى في رأسي

22/05/2013

خضر سلامة

الحكومة لا تعترف باسمك، تعرّف عنك في حياتك برقم ضمانك الاجتماعي، برقم هاتفك، برقمك المالي، برقم زنزانتك، وحين تموت، تعرّف عنك برقمٍ في مجزرة.

وحين تقول أنّك لست رقماً، وتحاول شد العالم من أذنيه ليهجئ حروف اسمك، يصادف أن لا يلفظ اسمك إلا بالعبرية الفصحى.

الكوكب صهيوني جداً، وإلا، كيف نفسر هذا القتل اليومي، والنهب اليومي، إلا بكونه فعلٌ صهيوني؟

الفعل الصهيوني الأقسى، هو وقوفك أمام المرآة: في وجهك هزائم العرب كلها، طوائفهم كلها، حروبهم منذ البسوس على ناقة قبيلة إلى يومنا على خرقة خريطة. تحتاج إلى غسل وجهك جيداً من كل هذا، وحين يُضيء وجهك بالوعي، سيرجمك الجهلة من الأمة.

لا بأس، إذا كانت الخمرة لا تُثملك، والجنس لا يُرضيك، والحب لا يُسكرك، قد يُعينك حجرٌ في الرأس، على الرقص كصوفي من هول الألم.

ينقصنا قليلٌ من الصوفية في هذا العصر الوهابي، لعلنا نشفى بالموسيقى394506_325227664272045_176779228_n:

لم نعد نسمع منذ زمن إلا أصوات القذائف، ونواح الثكالى، وبكاء الجياع، وشكاوى المتصلين على البرامج الإذاعية، ووعود اللصوص، وأدعية اليائسين.

ولأن التلوث الصوتي مزعج للفيلات الفاخرة، أصبح الطرش سياسة رسمية: حكومة لا تسمع، برلمان لا يسمع، جمهورية لا تسمع، عندها قرر الشعب خجلاً أن يرد بإعلان سياسة الصمت الشعبية، ليحافظ على ما تبقى من كرامته.

فماذا أفعل؟

وصحفنا لا تصلح للكتابة، ولا حتى للفّ السندويشات، لأنها صحف مسمّة

ومساجدنا لا تصلح للصلاة، لأنها موصولة إلى جيب رجل الدين لا إلى أذن الله.

وشوارعنا لا تصلح للمشي، لأن ثمة من سيمشي على لسانك إذا أزعجت نوم زعيمه.

ومدارسنا لا تصلح للطفولة، لأن المنهج الإرهابي يكافئ الطالب الجيد بحزام ناسف، والمنهج الأمريكي يعاقب الطالب السيء بغارة.

وجيوشنا لا تصلح للانقلاب، لأنها كلما قلبت كرسي الحكم، أجلستنا عليه مقلوباً.

ربما، يجب أن أركل الوطن من خصيتيه، فهي أعز ما يملك، بعد أن انتهى صلاحية عقله، وانتهت رخصة ذراعيه، واهترأت أقدامه من الركض هرباً من أبنائه.

حسناً، سأركل الوطن من خصيتيه، لربما يصرخ، صار من الضروري أن يشعر بالألم، بالخطر، بالحر، بالبرد، أن يشعر بأي شيءٍ، قبل أن يشعر المتعبون بضرورة الهرب نحو أقرب سفارة

وإني ادعو لله يا رفيقي، أن لا تكون عندها قد أصبحت أقرب سفارة إلى منزلك، السفارة الاسرائيلية.

مدونة جوعان على الفيسبوك

فلسطينُ كوكباً

15/05/2013

خضر سلامة

هذه الأرض الحبلى بالعجائب، مفتاح الجنة، وهذا العلم الملطّخ بالتاريخ، مفتاح الهوية، وهذه اللغة المكسورة بلهجة عجوز، مفتاح المعجم، وهذه الملايين المشرّدة في مطارات العالم، مفتاح شرعة حقوق الانسان، ونحن، لا ينقصنا، إلا مفتاح العودة، نضع كل عامٍ في حقائبنا كل ما يلزمنا، ألعاب الطفولة كي نعطي للقادمين ما لم تعطنا الأنظمة من حقنا باللعب في سهول الجليل، صور بالأبيض والأسود كي تعرفنا الحقول وتميز وجوهنا من وجوه الأعداء، سلالٌ فارغة كي يطمئن قلب الليمون، فينضج ويلد يافا جديدة، تبلع تل أبيب ولا تبلعها، أقلام تلوين كي نعيد جمع الألوان في جبل الكرمل، ليشدّ على كفّ حيفا وهي تطعم الحمائم الذاهبة إلى بلاد العرب، مفتاح العودة يمجّده الصدأ، يحميه من مزاد السلطة لبيع العرض، وتعوّذه أهازيج العجائز المطرِبة، والمذهبة للعقل والمُشدّة للزند، من لعنات فتاوى الصحابة الجدد وفقهائهم.

كل دولة فيها اسرائيل، نقول، هي الفاشية في قمتها، والعنصرية في تألقها، والموت في لعبته، ونقول أيضاً، كل كفٍّ يقلب تراب العالم، فيه فلسطين، وكلّ عين تبحث عن أفقٍ ترسم فيه البصر، فيها فلسطين، وكلّ قضيّة مؤجلة في أدراج مجلس الأمن، فيها فلسطين، كل طفلٍ يولد في العراء، فلسطين، وكلّ بندقية تصنع الريح ليرفرف علمٌ وطنيّ، هي فلسطين، هي أن تكون انساناً، مقاتلاً، عاملاً، أباً وأماً، هي القاعدة في الإعراب، وكل الإحتلال استثناء، لا أكثر، فلسطين هي الحرّية، أما السلام، ففاصل دعائي للمصارف والأنظمة، يسكت فيها النشيد قليلاً، ليلقّم الشهيد كفنه، راية، ويلقّن الجدّ حفيده، حكاية.

pal1

فلسطين هي أن يُسقط الثائرون طاغيةً خلف البحار، ثم يلتفتون لعدّ الطغاة المتبقين في هذه المجرّة، فيسجّلون اسم طاغيةٍ أوروبيٍ شرقيٍ صغير، سرق بيّارة زيتونٍ، فلسطين، هي أن يأخذ عاطلٌ من العمل حقه من عنق المحتكرين في بلاده، ثم يتذكّر ليلاً، أخوةً له في الكوكب، عاطلين من الوطن، وهي أن تغطّي امرأةٌ في زاويةٍ من الكوكب، أطفالها ليلاً، ثم تُرسل في البريد غطاءً، لخيمةٍ تعيد امرأةٌ أخرى بنائها فوق ركام منزلٍ أكله المغول بين النهر وبين البحر، هذه فلسطين، انسان يشبك عينيه بعيني آخر، قضيّة تحوي في سيرتها، ألف قضيّة أخرى، وحدودٌ لا تقدر أن تغلقها الجيوش، بل يفتحها الشعور كل صباح.

نحن، من تبقى وما تبقى، من كل ما أخذته العولمة من جياب الشعراء، نحن الرمال التي لم تكنسها بعد عصا تجّار القضايا، نصنع شطآناً من الحب، ونتكدّس في موانئها، وعداً بالسفن، أخرجتنا القذائف من عمّان، ثمّ من بيروت، ومن تونس، فصرنا نحن الموج، نصفع وجه بن غوريون كل يومٍ، فيتآكل خوفاً من الزبَد، قتلتنا الخناجر العربية بالغدر ألف مرّة، فسَموْنا إلى السماء شكلاً جديداً للنسور، وحُمنا، نحمل الأجنحة مخرزاً في عيون الطيارات الحربية، ونكبّل بالأغنية، كل الإذاعات الرسمية، ثم نصنع من موشحات الأندلس، قسماً بأن لا تسقط غرناطة مرة أخرى، بل ترتفع، حدّ العودة.

– ثم يسألوننا بعد هذا، ما الذي يعيدنا إلى فلسطين كل مرّة؟

– بداهة الربيع!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الصورة “جوعان” بريشة وقلب الصديق والرفيق ح. رمّال

حصتي من الحب

11/05/2013

خضر سلامة

يوقظني ناقوس الخطر، ثمة دائماً من يدقه على الشاشات، أسير على حافة الهاوية التي اعتادت السلطة أن تأخذنا إليها كلما شعرنا بالملل، أخاف على المرحلة الحساسة من حساسية الربيع سيئة الذكر، وكلّما حدثوني عن الوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، ووحدة المصير، والوحدة الوطنية، يزداد شعوري بوحدتي بين عقارب الساعة، في مدينتي، مدينتي التي كلما كبرَت، صغُرَ حلمي، حتى أصبحَت مدينتي كبيرة جداً، وحلمي لا يُرى: حلمي أن أحتفظ بما في بالي من صوَر…

أعرف ماذا أحتاج، أريد أن أُلبس المدينة أغطيةً بيضاء كتلك التي تغلّف الغرف المسكونة بالخوف في الأفلام، علّها تخفف بعض الغبار عن وجه لغتي، أغطي مبناً مهدداً بماكدونالد جديد، كي لا تعرف المطرقة الطريق إليه كما عرفت الهراوة الطريق إلى كتف متظاهر، وأغطّي حديقةً من شر بلل الإسفلت الذي يزحف فوق وجه الفصول، كزحف الأحزاب فوق الدماء، سأحفر قرب وسط المدينة خطاً طويلاً من التراب، كي يستدلّ المطر الأعمى على السبيل إلى الأرض ولا يستمر بالركض كثائرٍ أضاع الراية، مدينتي ليست حجراً ولا صورة، مدينتي هي ما أرى بعين قلب الحلاج وحين أسألها من أنتِ تقول أنتَ، وما أسمع بأذن بيتهوفن حين يعرف أنه ليس أصمّاً بل دهشة الموسيقى أسكتت ضجيج العالم، وما ألمس بكفّ لوركا حين ألمس شجرة الزيتون عند قتلي بفاشست الملل فأبتسم، وما أشم في خد جدتي من ياسمين فأصبح فلاحاً.532897_322593411202137_963811212_n

مدينتي هي ما أرى: بحرٌ لم يُردم، بل لملم موجه كي لا يتنجّس بالركام وبأكياس التعب المرمية على كتفه، وعاد إلى القعر، وقعرٌ لا ينام، بل ينتظر أن تُطفئ المدينة أنوارها، كي يُخرج نسائمه الباردة لترقص عاريةً على ما تبقى من الرمل ليلاً، وليلٌ قبل أن ينتهي، يكنّس ما تبقى من سُكارى الشارع، وشارعٌ يقف في الصف أمام وزارة المال، كي ينهي معاملات الضرائب على نصيبه من حزننا.. وحزننا على ما نراه ولا نراه، في المدينة.

مدينتي هي ما أسمع: قرع الطيور لطبولها في حفر الرصاص في ما تركت فوضى الإعمار من فوضى الدمار في المباني، وعزف المباني بمنافض السجاد لحن المسافة بين الشتاء والصيف، وصيفٌ يعمّر رقصات الدبكة التي تعوّض الجرعة الزائدة للمدينة في طباعنا القروية، والجرس القروي لبائع الكعك الذي لم ينقرض، بل أضناه المشي، فتقاعد العجوز واستحال رصيفاً للسيارات، وعويل السيارات من ألم كماشة الوقت في مأساة زحمة الخلق بين ذراعيّ حزننا.. وحزننا على ما نسمعه ولا نسمعه، في المدينة.

لست أمارس الحنين إلى ماضٍ لم يدركني منه سوى الفاصل بين الأبيض والأسود في الصورة، ولم يغرني صوتٌ متقطّع لتسجيل رديء لشاعرٍ مرّ حين كانت البيوت تتكلم العربية الفصحى، أنا ردّ الفعل العادي جداً، على فعلٍ غير عاديٍّ بالثقافة: أقلامٌ يغمسها أصحابها في النفط الأسود، وأعلامٌ يعاد تلوينها بالدم الأحمر، متاريس تُنصب في المدارس بين صف التاريخ وصف الجغرافيا، فتسقط التربية الوطنية قتيلة، أطفالٌ يُمسكون السلاح بأسلوب الرجال في القتل، ورجالٌ يمسكون الوطن بأسلوب الأطفال في اللعب، مدينتي في البال، ردّي الشعري على اللاشرعي من المدينة: لمدينتي موعدها مع بائع غزل البنات، ولا موعد لها مع حرب قادمة، ولمدينتي عدالة الميزان بين أبنائها، وليس لها خبث الشرطي في اصطياد الفقراء، لمدينتي نافذتها على البحر، وكل ما سد السماسرة به رئتيها، مؤقّت.

هكذا سأنقذ ما تبقى من الأنوثة في المدينة: سأعطي عيني للدين الأعور، أذني للزعيم الأصم، كفّي لكتاب القصور المكتفين، قلبي للمتقاتلين فوق الفقر، أنفي لمن لا تخيفه رائحة البارود، وسأعطي أصبعي الأوسط للسلطة وللمصارف.

مدونة جوعان على الفيسبوك

لا صوت يعلو فوق جرحنا

05/05/2013

خضر سلامة
مجلة الرأي الآخر

لو تأملت جيداً، لو أنك تعلمت لغة الأرض وشكل الماضي في “كان ليَ بيتٌ وأهل”، وبناء المستقبل في “سوف نقاتل”، وفعل الحاضر في “أصبح عندي بندقية”، ولو أنك قرأت عن حركات “النصب” الصهيونية ومسيرات “رفع” النعوش ودويّ دائرة “السكون” العربية، ولو أنك تعرف خديعة النائب عن الفاعل في الجملة وكيف تصبح الضحية المفعول بوطنها فاعلاً لفعل القتل في نشرات الأخبار، ولو أنك تعمّقت في قوة الجزم عند انفجار الرفض في الحناجر المحشوة بأخوات لا الناهية عن الخيانة ولام الأمر بالثأر لطفلةٍ سرقوا منها واو العطف في الجلال والجمال والسناء والبهاء.. بالانتقام لمن نشلوا من جواز سفره علامة الاستفهام عن وطنٍ.. هل يراه؟ سالماً منعماً وغانماً مكرما.. لو أنك فتحت يوماً جمجمة عربيٍ نسيته شرعة حقوق الانسان على قارعة المجزرة وتحت بورصة المجنرة، كي تطّلع على حروف الجر إلى المقابر الجماعية والأسماء المجرورة التي تنوب عنها الأرقام، ولو أنك أطلقت عينيك للبحث عن الضمير المستتر في مطارات العالم الموبوءة بفكرة المستثنى عن لائحة الانتظار والباحث خلف كوفيته عن حرف نداءٍ يدعوه لركوب جناح نورسٍ يكون هو المبتدأ وتكون العودة إلى كرمه الخبر، لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

34369_10150192136900024_797630023_12997120_5345137_n

ولو أنك درست علم النبات وتعمقت في دراسة التحليل الزيتوني للوجود، لو أنك سجلت أسماء الورود التي تخرج من فوهات بنادق الفدائيين لعرفت كيف أن الرصاصة شكل آخر لوردة يقدمها العاشق لأنثى شيدوا فوق ضفائرها مستوطنةً جديدة، وكيف أن الحزام الناسف للخرافات صورة مستعارة لزهرة بنفسج حزينة سباها نبوخذ يوم النكبة إلى صحراء المخيم فصار لها الحق بأن تطلب أن تموت داخل مزهرية فيروز على شرفةٍ مطلةٍ على جذع شجرةٍ تحفظ للقدس هويتها، لفهمت، لو أنك حللت التربة التي زُرعت فيها أغنية الصاروخ لعلمت أن القذيفة تستحيل فيها إلى نخلةٍ خضراء تمحو عار اللغة العبرية وتثبت فكرة العروبة الفصحى، لو أنك سكبت في كوب المنفى الجماعي نكهة النعناع والزهورات التي وضعتها الجدة في حقيبة الوطن قبل سفره إلى معاد المزاد العلني وأوصته بالقراءة والكتابة والصلاة والبكاء، لأنشأتَ جمعيةً لحماية الأوطان من سماسرة التراب، لو أنك لم تحرق البيارات ثم اكتشفت كيف أن الليمون يحفظ لكوكب الأرض شكله الكروي ويجعله مجرد طابة تتقاذفها أقدام الأطفال الذين يصبحون ملائكة قبل النوم وآلهة بعد الموت، لأحببت شكل القنبلة اليدوية في كف مقاوم، لو أنك أحببت الأرض وما فيها من ثمار، لعرفت الفارق بين حقل الألغام وحقل الزيتون، لتفهمت أن ثمة ما يستحق أحياناً أن تحيا من أجله، أو تموت من أجله ان عزت الحياة.. لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

ولو أنك سمحت لأذنيك أن تغرقان في عود زرياب واكتشفت مخارج الأحرف العربية المقاتلة في أوتاره المتفجرة غيظاً تحت الجدار الفاصل، وحاولت أن تتمدد على عتبة البزق وسألت أين سترحل هذه القبور إذا صودرت الأرض وصودرت العواطف، لو سلّمت دموعك لربابةٍ تنعي من سلمناهم لأنظمة الملح شعراءَ مقاتلين مواطنين فأعادتهم لنا الأنظمة في التوابيت، لعرفت الآثار السلبية للقمع على مواسم القمح في الشعر، ولو أنّك حملت غيتاراً في لحظة غضبٍ ولحّنت قصيدةً غاضبةً للوركا تستفيض في شتم الفاشيين، لأصبحت يسارياً، ولو أنّك درست التوازنات الموسيقية في وتريات مظفر البذيئة لقدّرت بذاءة المرحلة وبذاءة الصحافة، ولعرفت أن الوطن البديل هو وطن بليد في كراسات التلامذة الذاهبين إلى الموت كل صباح، لو أنك أحببت الموسيقى للبست كفنك وتزعمت جبهةً ثورية جديدة تخطف الطائرات وتبادلها بالحقول..

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

لو أنّك قبلت يد أمك مرة، لقبلت تراب الأرض مرات، ولو أنك انتسبت في طفولتك إلى صفوف الحليب والزيت أمام وكالات الغوث أو انتسبت إلى حملة شهادات الفقر في مخيمات الصفيح ونقابات الرسم على الحيطان، لعرفت قيمة القتال من أجل رغيفٍ نريده أن يأتينا من تنورٍ لم تحمله قافلة النزوح من غربة الموت إلى الموت في الغربة، يوم لم يقْبل جدنا أن يبع داره لشذاذ الآفاق فأعدموه رمياً بالخوف، لعرفت قيمة القتال من أجل وجبة سمكٍ يحملها موج يافا على كتفي موجةٍ تركض خلف الصياد وتقسم عليه أن يترك لها قدميه في خدها رمزاً للهوية النقية.. لو أنّك فقط.. لو أنّك أنتَ أنا، أو أنتَ شهيق مقاتلٍ أو زفيره، لو أنك خصلة طفلةٍ مكتوبةٍ كقصيدةٍ أو ضفيرة، لو أنك لكَ أنتَ وطناً ممنوعاً من الصرف.. لفهمت قضيتنا.. لتطرفت ولرفضت ولسميت نفسك شاعراً متفجراً غيظاً وثورة.

لو أنك فقط تسمع.. أيها العالم.. لو أن لك أذنين على شكل زنبقة : لسميت الأشياء باسمنا: مقاومة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

يوم رمادي

01/05/2013

خضر سلامة

تنشر على المدونة بالتزامن مع نشرها في صحيفة السفير

أتعلمين يا صديقتي، ماذا يعني الأول من أيار من كل عام للعامل؟
كل ما يعنيه في هذا اليوم، أنه أول الشهر، أي موعد "معاشه".
كئيب أصبح عيد العمّال، يعبس في وجه الرزنامة كأي طفلٍ أسمرٍ يشعر بالوحدة في أرض الجيش الأبيض. يأتي رمادياً كآخر غيمة نستقبلها، قبل أن تقفل بيروت شتاءها. لا أقواس قزح ليلعب أبناء الكادحين عليها، بعد أن عزت ألعاب الأطفال القديمة. لا مطر يغسل العيون المرهونة للمصارف في عصر الديون التي تشتري كل شيء، حتى الإنسان. لا رعود تهزّ عروش الهيئاتSE4food الاقتصادية، ولا رايات تخفق وتتوعد الجاثمين على الجماجم.
أبشع الأعياد، الرمادي منها، وعيد العمّال أصيب باللون اللعين.
خذيني بكرّاسة الزمن الجميل المهاجر صوب الذاكرة، لأضيء شمعةً في مدافن الحق قرب المأسوف على صوته، الاتحاد العمّالي. خذيني على براق القبضات المكسورة بالشوق، لأطفئ ضوء البيانات المهترئة في غرف اليسار النائم فوق إرثه. خذيني يا صديقتي بأشرطة الكاسيت البالية، لأوثق كيف يكمل العود والغيتار والدف، تدهوره الدارويني إلى أقل من برميل نفط. خذيني، كي أنزع عن شجرة العمّال ما تبقى من غصون يابسة. بعض الأشجار لا تنهض إلا بالتشذيب، بقوة المقص. سأقص التجار والسماسرة!
عيد العمّال هو الثقب الأكبر في ثوب السنة العادية. هو بيان الاتهام السنوي لما تبقى من الإنسان فينا. هو سجلّ العاملات السمر المنتحرات من دون أن يُحسبن ضمن أحزان العمّال. هو رائحة عرق الزنود الباحثة بين هموم لبنان، عما يعوّض عن نكبات سوريّة. هو المعول الأخير في البقاع، الذي لم تبعه سياسات الإعمار للبنك الدولي. وهو المطرقة الأخيرة التي نجت من نهضة البنوك على ظهر الوطن كله، وصفق الشعب معجباً مفلساً.. عيد العمّال هو اتهامنا بكل هذا: بنقص حاد في الذاكرة، بجهلٍ مطلقٍ في الاقتصاد، بكسل ثوري، بسوء أمانة مع حارسات منازلنا، بقلة وفاء مع أرضنا وأهلها.
لا شيء جديداً في الأول من أيار. مقالات كهذه ستكتب. بيانات حفظناها ولم نعد نميز الجديد منها عن القديم. مسيرات تصغر كل عام، ونقابات تمتعض وتستنكر فتدين وتشجب ثم تغفو. لا شيء جديداً في الأول من أيار. والمتعبون، بعضهم سيفضل أن ينام حتى الظهيرة في يوم إجازته ولن يهتم للفلكلور السنوي. وبعضهم سيبحث عن حرش عيد لم تبتلعه سوليدير. عن مدينة ملاه لم تسعّر رسمها منظمة التجارة العالمية. عن فسحة على البحر لم يمنع المحافظ فيها فعل الفقر. عن قهوة أخيرة لم تستبدل حبر القلم على الفاتورة بأنياب الغلاء. عن شجرة واحدة لم تستسلم للباطون ولم تصبح فرعاً جديداً لرأسمال جديد. ولن يجدوا كل ذلك. لن يجدوا في بيروت اليوم، مساحة واحدة للعامل العادي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

شباب السفير

عازف الدودوك

24/04/2013

خضر سلامة في ذكرى 24 أبريل: الإبادة الجماعية للشعب الأرمني الدودوك هي آلة نفخ موسيقية أرمنية – معزوفة دودوك من على جبل آرارات، أتأمل وجه أرمينيا المطل على الشرق ببطاقة هوية تاريخها 24 نيسان من كل عام: صبية كاملة الأنوثة في الثامن والتسعين من عمر وشم المجزرة على كفّها، تصلّي لإلهٍ تأخر عن موعد عودته، حين خرج مع الناجين من بندقية المحتل، ونصب خيمة في الشتات وظل يبكي. من آرارات، أحصي من بقي ليروي القصة، أسمع مشدوتس يعلم الأطفال أبجديتهم، وأراقب فرح المسيح بعرشٍ على أرضٍ أدفأ من الصليب، وأحاول أن أفهم كيف لم يتعب القتيل بعد من موته، ولم يخجل القاتل من فعلته. مليون شجرةٍ في أرض الأرمن، في الهضاب النائمة خوفاً من صوت النار وزحمة الجزارين، مليون شجرةٍ بين الأناضول ويريفان، مزروعة بخناجر الفلاحين، بأهازيج الأعراس الشعبية، بأجراس الكنائس، بألعاب الأطفال التي تُركت على عجل، بصندوق اللغة المقفل على الحنين في مدن الشتات، مزروعة أشجار أرمينيا بالصبر، بالمخرز في عين المتّهم تهمةً: أنت قاتلي! أسمع الدودوك، على قارعة نشيد الثورة، أسمع الدودوك، حزيناً كزهر البنفسج يتنزه فوق خد بحيرة سيفان، حزيناً كتاريخ البلاد، كالأياد المقطعة في المجزرة، والتي لم تلوح للراحلين إلى المنفى، كالنساء المصلوبات من جفونهن المفتّحة على الحقول كزهر الزنبق في نيسان، حزينٌ هذا العزف في أرض الأرمن، ثمة من يبكي دوماً في أرمينيا… ثمة دائماً من يبكي بين يريفان والقدس.399776_506088499445130_494125372_n يا عازف الدودوك في أرمينيا، غنِّ لشعوبٍ تعيش على غيظ المحتل من صورته في مرآة الجريمة. غنِّ لعلّ المعلقين في الصحراء منذ مئة عام، ينزلون عن خشباتهم، ويلبسون فستان العيد ويمسكون درب الرجوع. غنِّ، لعلّ العالم يستحِ قليلاً، فينصف من لا يريد إلا أن يعزيه أخوته بقتلاه، ولا يسألونه عن لون دمهم. غنّ يا عازف الدودوك، فأنتَ بعضٌ من علامات الربيع في كل سنة: لا زالت أرمينيا على الخريطة، لا زال الأرمن يزينون بلاد الشرق بالأمل والطيبة، لا زلنا أحياء، والقضية أيضاً! تركيا ليست دولة، ليست كياناً، ليست وطناً، تركيا هي فكرة النظام وصورة كل دولة، هي فرع من فروع المسلخ الممتد من زوايا الأرض إلى زواياها، تركيا هي البشري القاتل في فظاظته، في ابتهاجه بحفلة الذبح، وهي غرور المنتصر على جسد، والمهزوم أمام الذاكرة، هي هذه وأقل قليلاً: مسلخ الشعب وخصم التاريخ الذي لا يبالي

مدونة جوعان على الفيسبوك

أنا حائط مبكى

16/04/2013

خضر سلامة

لأن ثمة من يريدون الجنة، جعلوا الأرض جحيماً.. ولأن ثمة من يريدون النفط، جعلوا البلاد بئراً.. ولأن ثمة من يريدون المجد، جعلوا الهوية ذلاً.. ولأن ثمة من يريدون السفر.. جعلوا الأرض غربة.

وأنا، لم يعد يغريني شيء، ولا يفرحني شيء، لم يعد يحزنني شيء ولا أكترث لشيء، لست حجراً، ولكنني لست قلباً، أنا حائطُ مبكى بلادي، عجنني الناجون من القذائف بالشظايا، ولونني الزاحفون إلى القتال ببول الجنود العابرين: لم يعد يعنيني أي شيء، أقف على شرفة المذاهب وأصيح بأمتي: ويح غدكم من عار حاضركم.

أنا ظلٌ من ظلال القصف، ولأن الطيور المهاجرة لم تعد، واختارت اللجوء العاطفي في بلادٍ أكثر حظاً، استبدلناها بطائرات الحرب، ولأن الزهور لم يطرقها ربيعٌ واحدٌ منذ ألف عام، استبدلنا عطرها برائحة البارود، ولأن قوس القزح فقد ساقه بنيران صديقة، استبدلناه بالرمادي في المواقف وفي القضايا وفي الشعارات، أنا ظلٌ من ظلال القصف، يرقص الموت حولي، والموت راقص بارع، على عود عراقي، بزيٍّ فلسطيني وبدبكة سورية.Ares_Cuba_2

لم يعد يغريني شيء، المجزرة تأتي في سلة أغراض يومية: القهوة وفيروز والصحيفة.. والمجزرة! لا شيء جديد تحت الشمس، طالما أن الشمس تأتينا على لوح إعلانات في الشارع، لا أحزن لأي موت عابر في الغرب، لماذا يحصل قتلاهم على خبر عاجل على التلفاز، وقتلانا يأتون مكبلين بكلمة “هذا وقد قتل”.. لماذا يحصل حريقٌ في مستوعب نفايات على بث مباشر للحدث، ولا يحصل حريق الشرق ومستوعبات جثثه على عبء قطع برنامج فكاهي واحد؟ لماذا يدخن الغرب سجائره، ثم ينفخ في وجه جنوب الكوكب، فنختنق نحن بدخانهم؟

يا أيها العالم الملعون بعين واحدة، أنا لست برميل نفط، فلماذا تركل جثتي ككرة قدم خارج التاريخ وتتركني أحلق كطائرة ورق، سرقتها الريح من يد طفلٍ شقي، ورمتني لهاوية الغلاف الجوي، أنا لست برميل نفط، لي كبدٌ لم يأكله الخمر بعد، ولي رئة لم يصبها وباء الهم، لي جهاز هضمي ككل الناس، يهضم الحكومات والأحزاب والشعارات والأخبار، ثم يجترها ككل حروبنا، لي جهاز تنفسي أتنفس به فأغص ككل الناس بمخبرٍ في الجو، يا أيها العالم، لا تركلني خارج أجندات الرفق بما تبقى من انسان فيك، أنا لست برميل نفط، لست حجراً، أنا حائط مبكى شعراء أمتي، وفقراء أمتي، ومجانين أمتي، وكل وجوه المقتولين في بلادهم، بنار بلادهم، محفورة كوشم على وجهي.

لست برميل نفط، فهل تتسع الشاشات التي تصنف البشر بشراً، لاسمي كاملاً، حين أُقتل برصاص طائش؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

بلادي كأغنية بلوز

08/04/2013

خضر سلامة

لكل الكوكب مزبلة تاريخ، إلا نحن، يكاد تاريخنا نفسه يصبح مزبلة: هزائم، نكبات ومجازر، فتاوى قتل واغتصاب، طوائف وتقسيم، سلفيون وعسكر وجواري، هل هذا هو الحقل المعجمي للعرب؟

وحملت دجلة على كتفٍ، والنيل على كتفٍ أخرى، تأبطت بردى والعاصي، وانتقيت من خريطة بلادي واحاتها، أشجارها وشطآنها ونهود المرضعات حباً وعسل، وحين أصبحت مكتمل الربيع، حاصرتني الصحراء، واتهمني أمراء الجفاف أني بدعة!

أين أهرب منكم؟ في كل زاوية من زوايا الأرض أجد إعلاناً عن ضفيرةٍ سوداء برسم البيع، في كل شاشة أجد نقلاً مباشرة لرجم الأنوثة، على كل عامودٍ أجد ملصقاً عن عرضٍ قريب لمجزرةٍ جديدة، في كل حاوية، أقلامٌ عربيةٌ مكسورة، ورؤوس شعراءٍ مقطوعة، وأقدام مناضلين مبتورة، وعيون نساءٍ مثقوبة، على كل باب سفارة من سفاراتكم، تقف الفضيحة رجل أمن، وملاك الموت موظف استقبال، والحزن يختم جوازات السفر. تلاحقني سيوفكم وحناجركم كدورية شرطة، يصطادني غبار عمائمكم من سريري، ويرميني ككيس جماجم، في حفرة من حفر النار.. كلا يا سارتر، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو نشرة أخبار واحدة برعاية بئر نفط، خطبة جامع واحدة تكتب بأهداب النساء وأشلاء الشعب وحبر الطغاة، فتوى جديدة واحدة تأتينا من بقايا النياندرتال فينا، نجمة واحدة على كتف ضابط سلمّوه مفتاح الأعمار والحقيقة، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو بعضهم، بعضنا.Ares_Cuba

هل تعرفون ماذا يرى نيرون حين يقف أمام المرآة؟ كل نيرون، بربطة عنق أو بعمامة، بحزام ناسف أو بمدفعية، بضريبة جديدة أو بخطاب كاذب، أراهم جميعهم، كل نيرون، يقف أمام المرآة، لا يرى إلا وجهه، تصغر الغرفة وتذوي، لا يرى جدراناً، لا يرى ألواناً، لا يرى سماءً خلفه ولا أرضاً تحته، يرى انعكاس وجهه، لا يشعر بالحزن على قتيل، ولا بالأسى على مأساة، يتفادى أن يعرف عدد الضحايا، عدد الفقراء، عدد الجياع وعدد المصلوبين، لا يشعر بالحزن، لأنه لا يرى إلا وجهه، لذا، يشعر بالوحدة، وكل وحيد، خائف، يشعر بالخوف.. أقدم الغرائز. يخاف من وجهه، من عبوسه، لا ترضيه صوره مبتسماً في منازل الرعية ولا في الادارات، لأنه يعرف وجهه جيداً، يخيفه وجهه، لأن وجهاً بلا ملامح، أقرب إلى تابوت، كل ما فيه، مخيف.

وبعد حفل الدم، تتكاثر الكنائس والجوامع، والسلاح أيضاً، ربما قومي يحبون الله، ولكنهم بالتأكيد لا يحبون بعضهم.

فيا وطني، سأصنع لك تاجاً من رائحة الأرض، فقل لاسفلت شوارعك أن يترك قليلا من التراب كي نلعب.

سأهديك قلادة ياسمين، فقل لدبابات طغاتك أن تخفف الوطء كي ألملم وأيتامك بعض زهرك.

سأسميك رفيقي وصديقي، وسأدلك على أجمل حانات البلد، كي تلهو بخد امرأة جميلة، فقل لعصابات الصحابة أن يكفوا السيف عن عنق الزجاجة.

يا وطني، اعطني كل مخافر البلاد، وخذ من قلبي ذاكرة تعذيب الابطال ومشانقهم، تعرّ من كل وصايا القتلة لأتباعهم، وتعال البس مدرسة جديدة، ارمِ مدافع الطوائف والمذاهب والعشائر في وجه التلفاز، وتعلّم من المتنبي ركوب الخيل فوق ظهر الريح، وتعلم من ابن رشد ركوب الحرف صوب النور.
لا تكن جحيماً، كفى ناراً، كن نوراً يا وطني.

سامحوني على حزني.. إني أسمع أنين بلادي كأغنية بلوز.

مدونة جوعان على الفيسبوك

ليليث

20/02/2013

خضر سلامة

ليليث هي المرأة الأولى في التوراة، قبل أن يخلق الله حواء من ضلع آدم، خلق ليليث من طينه، فرفضت أن تنصاع لآدم لأنها اعتبرت نفسها مساوية له، فغضب الله عليها وخلق حواء من ضلع مخلوقه، لتكون منصاعة لآدم.. ومن حينها أصبحت ليليث تمثل المكر، وأصبحت رمزاً لبعض الحركات النسوية.. أما في منطق المدينة، فالضاحية، كل ضاحية، هي ليليث، بكل طباعها.

لماذا لا يجيد أحد أخذ صورة فوتوغرافية جيدة للضاحية؟ لماذا يفشل الشاعر في قطف القافية المناسبة لأصوات أبواق الصباح، ويفشل الشاتم في انتقاء الشتيمة المناسبة لزحمة المساء، ويفشل الموسيقي في اختراع اللحن المناسب لرقص سلال الخضار وأقفاص الفقراء؟ لماذا تقف اللغة، أي لغة، عند أبواب الضاحية، كل ضاحية؟ يتقن الجميع عقد ضفائر المدن، وأخذها في نزهة فوق ورقة، أو لوحة، المدينة امرأة سهلة الطباع، حواء مطيعة خاضعة لعصا بوسايدون حين يقفل بموجه باب شرفها، تذوب كأي خد بين شفتي عاشق ماهر، وتضع اسماء الأغنياء وشما على شوارعها، أما الضاحية فليست حواء، كل ضاحية هي ليليث، هي المرأة الأولى الممنوعة من الصرف في قصص الأطفال، والتي يلبسها شيوخ الإعلام ما يلبسه شيوخ التوراة لليليث، هي المرأة الغابة، التي عمر حولها كفار المال سياجاً من شوك، لأنهم يخافون على الباطون والاسفلت من ورد شرفاتها.

ضاحيتي هي ليليث، تدخن في الليل لفافة خضراء مع مارلي وتغني أغان لا يعرفها غير صغار العشاق، قبل أن يحرجها آذان الفجر فتخفي قناني الكحول من أيدي شياطينها الصغار، مخافة من عيون الأمهات لا من أسلحة ولا من لحى، هي هذه الشقية الصغيرة، شعر فتاة يقيسه كل بحسب حظه في الشارع، قد يختبئ في ظل عباءة تبشر بالحزن العتيق، قد يكتنز أنوثة تحت حجاب ضيق كباقة فل مقفلة على عطرها، وقد يطل من نافذة قوس قزح، معلق فوق جبين امرأة لا تخجل بليلها الطويل.

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف هوياتها القاتلة، أعرف المسافة بين الشارع والشارع كيف تقاس باسم القرى، ضاحيتي عنقود القرى، لم تصنع بؤسها، بل أُلبسته بقوة نظام سافل، كانوا يغتالون القرى بقناص اسرائيلي حيناً، وبقناص سياسة أحياناً، يتركونها للغول يأكلها قتلاً، جوعاً أو قذائف، ومن فرط ما تعبت قرانا من هم بلدنا الظالم، تقيأت أوتار عود على صدئ المدينة، فنبتت ضواحينا… ضاحيتي عنقود القرى، قطفتها يد الإهمال والعنصرية.Picture

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف شهداءها، أعرف من قاتل في خلدة، حين هربت المدينة بحروبها الكثيرة من وجه المحتل، وأعرف من قاتل على ابواب حي السلم، حين سالم الجميع وسلّم، وأعرف من كان يحمل غلة كتبه، ليجول على البيوت يقرأ فيهم آيات الثورة باسم لينين وباسم سعادة وباسم الصدر وباسم الخميني، تتكاثر الأسماء حولهم، ربما، لكن وقودهم واحد في هذه الأرض، وقودهم من عجن بألعاب الشارع في طفولته، وبأوساخ الوطن في مراهقته، وبطين الانتماء في شبابه، أعرف أسماء شهداءها، كلهم مروا من هنا، بعضهم قتل بجانب ما تبقى من حقول لم يكنسها العمران، وبعضهم علق على مشنقة الدولة حين كانت لا تدخل إلا بدباباتها وأسلحتها، وبعضهم قتل وهو ينظر في وجه العلم الرث: لم تسقط الضاحية بعد، لا ببارجة الأسطول السادس، ولا بحريق ساعر أيضاً.

لا أعرف من الضاحية غير وجه أفتقده، وجه معفر بالتراب، أخفته قشرة المال الذي انفجر كعبوة ناسفة قبل سنوات، ألبست الفقر ثياباً فاخرة، وبقي الجسد متسخاً بإرث ثقيل من الحقد الطبقي والمناطقي وقد يجوز، الطائفي، لأن هذا البلد لا يترجم الصراخ والبكاء والمظاهرات إلا باللغة الطائفية الفصحى، عمروا حول المبان المتهالكة مبان تخفي قلب الضاحية وصورتها.. أخفوا السيارات المتعبة بالعمر الطويل، خلف صفوف السيارات الحديثة التي تحاول عبثاً، أن تعوض على العاطل عن العمل، وعلى المحتاج وعلى المديون، نظرة الكوكب إليه.. ليليث هنا، تكمن خلف عواميد الإنارة المحكومة بالاعدام منذ عقود، تقفز إلى كرسي فارغ بين كراسي الشباب الموزعين خلف أراكيلهم عند ناصية الشارع.. ليليث ليست كافرة، ليليث ليست آلهة شر ولا شيطان، ليليث هي إقليم طالب بحق له عند ربه، ولما غضب الاله وظلم، كسرت كأي طفلة تحف الجنة وهربت إلى الأرض.. وعلى هذه الأرض بصمات ليليث وثورتها، وخيباتها وبؤسها، وفتنتها وشهوتها وتجاعيد عمرها أيضاً.

عشوائيات حي السلم والأوزاعي، سوق حي معوض المخملي، زحمة حارة حريك ووهرة الأمن الذي لا يرى فيها، سهرات الخمر الخجول من الناس في حي ماضي، خبز قرى الشياح لما يجمع الأقحوان من أغاني البؤساء، رائحة السلاح الذي لا يراه أحد، ويحبه الجميع، جماهير تسير إلى الجنة أو إلى النار، طوعاً، نساء يتخفون في دين أو لا يتخفون، أحزاب لا يختزلها أحد، صراخ بعكس التيار الطاغي لم يجابه يوماً بإرهاب حزبي، صور لرئيس ولسيد ولإمام ولمغن ولمناجل ومطارق بقيت على الحائط، مساجد تتكاثر كما تتكاثر المقاهي، مجمعات ثقافية تطرق واقع المنطقة وتبشر بغد أجمل.. ضاحيتي خالية من محلات الكحول، وفي الليل تأخذ بيد أبي نواس إلى “أم جورج” في الحدث لانتقاء كأس الليلة..

ضاحيتي هي ليليث بكل تناقضاتها، بكل جنونها، بكل كذبها وحقيقتها: كل ضاحية هي الأجمل، إلى أن تتوب المدينة عن نفطها.

هكذا أحب الضاحية: شهية كرغيف خبز، ساخنة كامرأة، ك”ليليث”!

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الصورة بعدسة الصديق احمد قمح

%d مدونون معجبون بهذه: