Archive for the ‘نشرت في جريدة الأخبار’ Category

خالد صاغية منتصراً

20/08/2011

خضر سلامة

على أمل أن يقبل، من بقي من قلة من الأصدقاء الزملاء، في جريدة الأخبار، رأيي برحابة صدر.

قلنا، حين دفنا جوزف سماحة، "رحل قليلاً.. انتظروه"، ولم نكن نتوقع، أن تأتيه في موته طعنة أخرى، تخرسه، هذا المشاغب الصغير، الذي اعتاد تجريح النظام العربي بطفولة عاشق، ولم يخجل من كشف عورات المعسكرات المتقاتلة، مهما كبرت الشعارات وتجارها، يخسر اليوم معركته الأخيرة أمام كاتم الصوت، بفعل اغتيال.

قطاع الكلمة يسطون على صحيفة الأخبار، هذا المشروع الجميل، الذي زرعه سماحة سنبلة قمح في جفافنا الفكري، وأرادها شباكاً لهذا الشعب الذي أقفل عليه المال النفطي كل شبابيك العصر، اليوم، يعلن ابراهيم الأمين في منبره، (أو مخفره ربما؟) انتهاء مشروع جوزف سماحة، بمغادرة خالد صاغية، الساخر الأنيق، الواضح المباشر في السياسة، لعدم إيمان الأخير بعمليات تجميل النقد، أو تقنيات التحوّل إلى مخبر، فيما يخص الحراك الشعبي الثوري في سوريّة، سوريّة التي خلعت عن جسدها ثوب البعث الممزّق بأربعين عاماً من القمع، وأسقطت أيضاً، في لبنان، أوراق التوت عن كل تقدمييه ومناضليه.

Untitled

خالد صاغيّة خارج الأخبار إذاً؟ أظنها الأخبار أصبحت خارج خالد صاغيّة وما يمثّل، خارج منطق عدم التملق للحلفاء، وعدم الارتهان للمساهمين، خالد صاغيّة، القامة التي تضمن الاختلاف والخروج عن الروتين الإخباري الممل، إلى ضرورة تحريك العقل بصورة الواقع البشعة، حسم إبراهيم الأمين الأمر، واختار إيقاف العقل النقدي، وإنهاء الاختلاف، والمصارحة، وانتقى من تاريخ الصحافة، صحف النظام، ليصلي على رئيسها وآله، يؤلمني اليوم، وأنا ابن الصحيفة، أن أرى في مقالة الأمين نعيٌ واضح للأخبار، وتنكيل أخير في جثة جوزف.. جوزف، لو أنّك لم ترحل، موتك خيانة وغدر، أيها الصديق.

"شبيحة" الصحافة في بيانهم التأسيسي، أزاحوا خالد صاغية عن الصحيفة، دون أن ينتبهوا إلى أنه نصّب أميراً في عيوننا الباحثة عن تكسير الأصنام الكثيرة التي تشوه المشهد، هؤلاء الذين يخرجون ليطبلون ويزمرون لأي قلم جديد يُكسر، ولتخوين كل مختلف برأيه عن رأي الصحيفة الرسمية للحزب، للطائفة، للشخص المقدس، هؤلاء، يسقطون حين تنتهي هذه الصحراء الطويلة، ويسكتون حين يخرج صوت الموسيقى ليبشر بانتهاء زمن الضجيج الشعاراتي الفارغ، هؤلاء الشبيحة، موقوتون في طغيانهم الفكري والأخلاقي، كقنبلة دخان، تكسرها شمس الحرية.

خالد صاغية، حين تخرج آخر أغراضك من مكتبك، بذقنك المشذبة، وابتسماتك الخفيفة، وهدوئك المزعج لمحبيك وكارهيك على حد سواء، خذ صورة جوزف سماحة، امسح عنها انعكاس جريدة "تشرين"، واعتذر من أصدقاء قلائل بقوا في الصحيفة، إلى أن يشاء الطاغية.

وداعاً جوزف سماحة، إلى اللقاء خالد صاغية.

سلامٌ إلى غزة – طريق الجليل والجلجلة

24/12/2009

 

سلامٌ إلى غزة … طريق الجليل والجلجلة
خضر سلامة

يحدها من الغرب بحرٌ عربي، من الشرق أرضٌ عربية ومن الجنوب عمقٌ عربي (ولو كره الخائنون)، يحدها من الضفيرة الخضراء صوت طبول تبشر بالواحات وبالزيتون وبالشعر الفصيح، ومن الضفيرة السوداء أعراس نصر تدمن الفرح ولا تعرف الحداد، فالحداد للمهزومين، ويحدها من ضفيرتها الحمراء وجوه كثيرين ممن لم تتسع العولمة لأسمائهم فأصبحوا مجرد أرقام، ومن الضفيرة البيضاء طير حمام، يلغم غصن الزيتون ويكتب فوق الحيطان الإقليمية للمخيّم: «لا تصالح على الدم حتى بدم!»، لذا، كان لقبها غزة، فصار لقبنا غزة.. قيل مئة، بل سبعمئة، بل ألف قتيل، قلنا ونحن نرقب يديه تقتسمان معولاً وبندقية: «لن يقتلوا الشعب ولا التراب، سيظل لنا في الغد صبية جميلة، تتسرب من فوهة المدافع وتتساقط كحبيبات الندى من جبين السماء على حطام الوطن ــــ الحلم، تطرح ثوب عرسها على وجه الأحزان وتصرّح: لن نسحب قيأنا عن نجمة إسرائيل».kid&olive
غزة، نشرة أرصاد جوية: ثلجٌ يسقط على سرير أوروبا، رياحٌ تهز أسواق أميركا وتتلاعب بالدولار وبعباده، مطرٌ يداعب ثغر أفريقيةٍ تشحذ ماءً في زمن الملح، وقذائف يحملها الغيم من حيث ندري إلى حيث نعشق، بكت المذيعة دمعتين وابتسمت إرضاءً للجمهور، وبكينا ستين عاماً ومتنا خجلاً من فضيحة القبور.
غزة هذا الصباح، امرأةٌ تتعطر بقصائد الرثاء وبرقيات التعزية، تحصي من بقوا فوق الأرض، وتتأكد من أن الآخرين الراحلين ما زالوا يرابطون تحت الأرض حراساً لجذور القضية، أو في برادات الجثث يحرسون دماءهم من لصوص الدم، يسألها مراسلٌ أجنبي يبحث عن خبرٍ يليق بالصفحة الأخيرة في ضمير العالم: «ماذا عن المرأة الحامل المذبوحة من النهد إلى النهد؟ أجنينها مدنيّ أعزل؟» تقول: بل فدائي، كان سيولد غداً، يصنع بسنّه الأول خنجراً متمرداً، يطعن به قلب وزارة الحرب الإسرائيلية ويغنّي: «لن نكون شعب هنودٍ حمر».
غزة، فتىً يتزيّن بالحجارة فوق دكة المسرح، فتىً يهرّب السجائر من عينيّ أمه المتمزقتين تحت عجلات القذائف، هل يستحق الوطنُ الذي يرسمه الفتى بدخان السجائر على جدران الهواء عناءَ الموتِ فداه؟ قالَ: يستحق!
أرصفة غزة تمسمر يدي غاصبها بالركام، تطلعك على آخر إنجازات إسرائيل، 1ــــ «اعتقلت قواتنا منشوراتٍ سريةٍ تبشر بالمسيح، وتزعم أن في عينيه زرقة السماء قبل قدوم الطائرة، وأن في زنده سمرة الطفل اللاهث خلف موعد اغتياله بأحدث ما أنتجت الحضارة من حقد». 2ــــ «قبضت قواتنا على أربع فتياتٍ أصررن على ملء جرارهن من غبار الشوارع المدمرة، ويزعمن أن في هذا الغبار سر الخلود لأمة تقوم من ألمها بعد كل صفعة». 3ــــ «اغتالت قواتنا عصفورين كانا يحضران لغارة حبٍ في بالٍ شريدٍ لشعب ما زال يصر على أنه شعبٌ شاعر رغم المقابر».
من غزة، إلى غزة، عن غزة، ظرف المكان ومنبع الزمان، وخبر الحدث وزحمة الحديث، كنت هناك عند الك تابة على صوت قذيفة، وبعد الكتابة بثلاثين شهيداً أو أكثر «كثيراً».
يا هذا الدم، لا تسامحنا إذا ابتعدنا عنك، ولا تنكرنا إذا اقتربنا منك، فلنا في المأساة أرصدة لا تنضب ولو حاصروها قليلاً. يا أمماً تتقاذف الإدانات، غزة صحيفة أعمالكم، تخرج إليكم من فطرة التمسك بثدي الأرض، تغتالكم برمح الكرامة، وتبقى بعد أن تذهبوا إلى أسفار خرابكم.
وتبقى، فوق صدوركم، شاهرةً عنوان القضية البريدي: غزة، على كتف يافا، طريق الجلجلة والجليل، بعد الضفة بثلاثة أنبياء، دولة فلسطين العربية.

مدونة مواطن جوعان

هكذا تُصنع الحضارة

28/09/2009

خضر سلامة

ما زالت تصرّ، بلكنة فرنسية فاشية، على أن أول حضارةٍ كتبها الإنسان ولدت في أول قبّعة أوروبية. وأصرّ أنا على أن أوّل حضارةٍ هي تلك التي جبلها من الرمل طفلٌ عربي في ظل خيمةٍ سقطت من فم الله في يد نسيمٍ مسافرٍ بين بحر بيروت وجبل قاسيون وأبواب بغداد.. ثلاث قممٍ لدلتا التاريخ: كل ما ولد خارج هذا المثلث سراب.

اسمعي جيداً:

أول رسالة حب أظن كتبها شاعرٌ هاربٌ من رماح القبيلة في صحراء نعرف كيف نحيلها جنةً من نخيلٍ ومن كتابة حين تستيقظ رائحة اللون الأخضر في عروقنا كل صباح كما في أعلامنا. كتب إلى ليلى يخبرها أن العشق والموت سيّان في دفتر شفتيها. كلاهما لا توبة عنه، وأن الموت الساطع في عينيها الخائفتين من سوط أبيها يشبه الحبّ القادم من سيفٍ يمزق كبد فارس لا يخاف إلا من الوحدة. أول رسالة حبٍ لا بدّ كتبت بالعربية الفصحى، كفاتحةٍ لأي عملٍ قادم، كمقدمة لقصيدة تركها ميكوفسكي قبل موته، أو كشرحٍ مفصّلٍ لعمل من أعمال ريمبو، لا بدّ أنّ المؤرّخين اعتمدوها دليلاً حضارياً قاطعاً على أن بغداد أجمل امرأة، ولو اغتصبها هولاكو، وأن دجلة الخير سرير آمن لعاشقين يصنعان في الليل بياناً ثورياً غاضباً ضد أي ديكتاتورٍ يصادر الحبر والحب، وأن القصص الموزعة على حيطان الشوارع سلاح الأعزل في زمن الحرب.

وحين سرق بروميثيوس شعلة الحياة، أعتقد، استعار الآلهة من ريزون عاصمته وعقدوا في دمشق مؤتمرهم العاجل. على ضفاف بردى اخترعوا الأنثى الأولى، رسموها من كحلٍ عربيٍ فيه سر الليل، واختاروا ضفائر شعرها من ديوانٍ للمتنبي، ثم وضعوا في شفتيها خمرةً من عباءة أبي نواس.. أول أنثى لم تكن من ضلع آدم، بل كانت من ضلع ياسمينة صابرة متبسمة في أرض الدار، في أصابعها حكمة قوسٍ يعرف كيف يفتك بالقلب. عند أقدام قاسيون خرجت من رحم الأحزان أمّ لنا، وزّعت أبناءها في الحارات وعلّمتهم حياكة الأمجاد وفن الخنجر والبارود وعلوم القصائد، وسمّيناها وفاءً للتراب الذي يبدع في امتطاء الأرض: دمشق.

وفي بيروت، عقد شيخ طاعن في السن وفي الحكايات قران النخلة الأولى، والحب الأول والأنثى الأولى، على أول موجة صفعت وجه اليابسة لتقنعها بأن تثمر حرفاً، أو تثمر قنديلاً من العوسج. في بيروت يجمع الغرباء براعم الولادة في سلالٍ من مواعيد الرحيل المستمر إلى الربيع، ربيع بيروت والحرية، وتخيط الفراشات المقاهي والمرابع والساحات والجوامع والكنائس ثوب عرسٍ لموسم تزاوج الحضارات الذي يحضر كلما غنّت الشوارع أغنية كتبها في بيروت لبيروت، فدائيٌ من زمنٍ جميل، أو مناضلٌ يحتمي بفوضى الحروب المكررة.

بين بغداد ودمشق وبيروت، «أكزدر» يا عزيزتي. هويتي تتمدد كفتاةٍ سمراء بين المدن الثلاث، تبسط حسنها بساطاً لأرض واحدة، وتاريخ واحد، وسيوف وكتب واحدة. أسمعتِ بذاكرة الأماكن؟ برائحة الأماكن؟ بغضب الأماكن وحزنها وفرحها؟ بترابط مصيرها واتصال العناوين في خرائطها بمصير مشترك؟ يا عزيزتي، لولا مدني، لكانت الحضارة الإنسانية شبه خاوية إلا من عظام المادة. ولولا مدني الأطفال، لبقي الإنسان متعباً محروماً من مقاعد الدراسة، من ورود الحب الحمراء، ومن قصص الأبطال.

من هذه الهضاب والبراري والبوادي والصحارى الضاحكة، من الأبجدية الموغلة في النثر من ألفها الأخضر إلى يائها اليعربي، ترضع الحضارة.

الأخبار

عدد السبت ٣١ كانون الثاني ٢٠٠٩

من يملك مفتاح البحر؟

27/08/2009

 

خضر سلامة
لو أن الصورة لها رائحة، ولو أن للصورة صوتاً، لحملت معي بحر صور هديةً لمن يبحث عن غرفةٍ من زمرّد: كل بحار العالم تسقط موجاً بين الشاطئ والشاطئ، إلا بحر هذه المدينة الداخلة كسيفٍ من سكينةٍ في ثغر الجنوب، موجه بين العين والعين، والقلب أيضاً، يحمل نفسه على مرايا الماء، ويرمي بالحكايات عند قدميك، فاركع قليلاً أيها الزائر، ولتؤمن بشيء، أيّ شيء، صلِّ لإلهٍ بثيابٍ رثّةٍ يخرج من زندٍ أسمر في قارب صيد، صلِّ لزنبقةٍ هاربةٍ من زحمة ما تركت في العاصمة، صلِّ لصور، لأسطورة فينيقيةٍ كسرت عنق التاريخ وحبسته في زجاجةٍ من حبر، من بحر، ثم ارسم باللون الأزرق سماءً أجمل من تلك المثقلة بالضوء:
«لا تحتاج للضوء كي تتحسس نهدي امرأةٍ جميلة.. صور، أنتِ امرأة جميلة»

2946288329_49efa07a84
كيف يعلّمك البحر درساً وحشياً في الحب؟ الرمل على كتفيك تاجٌ لأميرٍ ضاع في صحراء عيني أنثى، وما سقته من قبلة، والملح يشبه طعم الفراق والمسافة، وصفعات الموج على وجنتيك توقظ ما بقلبك من حنين وتؤذن للشعر، «حيّ على الثمالة بصوتها، حيّ على أجمل حب».. الذكريات كالزبد، تتكسر كل ثانيةٍ وتذوب، ليعاجلك البحر بأخرى تشبهها..
سجّل على ورقةٍ من حزن، أنت لا تستطيع أن تقنع امرأةً من نرجسٍ أنك لا تكتب إلا لها ولو كنت في سريرٍ آخر، ربما وجوه الإناث كالماء، لا يختلف بعضها عن بعض، إلا وجه التي تحبها، صنعه الخالق من معدن البحر، والبحر فريدٌ كفرادة لمستها، والكلمة وفيّة، لا تقبل أن تدخل في جملةٍ مزوّرة، أتراها تصدّق الآن أني أكتب لها، وحدها؟
اتركها كي تنام، وعد أيها القلب ــــ الطفل إلى لعبتك، سأعمّر قصراً من طين مع الأطفال الغاضبين من الموج العاتي.. «وإن دمّر الموج حلمك؟».. عندها سأركض خلف طيارةٍ من ورق تسرقني من السبات الصيفي والشتوي إلى يقظةٍ من فيروزٍ فوق جناح الشمس، وأسمّي نفسي نيروناً مجنوناً.. «وإن هزمتك اللعنات وأحرقت عرشك؟».. لن أحزن، سأقفز فوق حائط القلعة، وأسرق حجراً من آثار صور كما يفعل كل الأطفال في عمري، وسأهرب من غضب الحراس ممتشقاً طيشي، كهنيبعل.. «وإن هزمتك روما وجيوش روما وأنظمة روما؟».. سأسامحهم من فوق صليب الحروب الجميلة، وأدخل في صنارة صيدٍ عند المغيب، وغداً أنفض عن شفتيّ رماد التعب، وأخرج من جديدٍ إلى البحر كطير فينيقٍ، تعرفه صور جيداً.
أنا في صور. البحر من أمامي، والبحر من ورائي. البحر في رئتيّ يستنزف كل أحزاني، وصور جزيرةٌ يحيطها الفرح من كل ناحية، ويحكمها الصمت في حضرة شاطئها، والمجد: كل الغزاة تركوا دماءهم ممزقةً على أشرعة الصيادين، ممزقةً على أصوات باعة الخضر وتعب أبناء الفقر ورحلوا طغاةً مهزومين أمام زئير السهول التي تنتظر أمر حقول الموز اليانعة. كل الحروب والحصارات والمجازر مجرد شائعة في صور. لا شيء أكثر حقيقةً من طفولة جنوبية سمراء تتراقص على إيقاع أغنيةٍ تعني شيئاً لنا.. من يملك ريّ ظمأ السائل بخبث عاشق: البحر بيضحك ليه؟
.. من يملك مفتاح البحر؟

جريدة الأخبار
عدد السبت ٣٠ آب ٢٠٠٨

Bookmark and Share


%d مدونون معجبون بهذه: