Archive for the ‘نشرت في مجلة الحوار المتمدن’ Category

دولة أيـ – لول

05/09/2011

خضر سلامة

دولة في أي Lol !

ماذا نصنع بخُمس الوطن، ورُبع الشعب، ونصف السلطة؟ نصنع منها دولة؟ هذا لسان حال أبو مازن، الرجل الذي أعيى الإمبريالية بقدرته على اجتراح المؤامرات ضد شعبه، وأعيى الاسرائيليين بقدرته على التنازل عن كل شيء، وأعيى السماسرة بقدرته على بيع القضايا والأغاني والشهداء والتاريخ والجغرافيا، سيذهب الرجل، ومعه الجامعة العربية العرجاء، إلى الأمم المتحدة الشمطاء، لطلب الاعتراف بشبه دولة فلسطين على قرابة العشرين بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، وبمواطنين هم المقيمين في الداخل، تاركاً فلسطينيي حق العودة، في مربع المجهول، عالقين وسط البنود الغامضة، تبعاً لمزاج الرئيس الأقل من عادي، في لحظة فوق العادة

الأزمة الكبرى، هي أن هذه الدولة، مشروع اغتيال لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل بعدها النضالي والدوليّ، والأهم، مشروع اغتيال للقضية المركزية، وهي تحرير فلسطين (تحريرها الانساني بالدرجة الأولى)، وإقامة الدولة الديمقراطية العادلة لجميع أبنائها، على الأرض التاريخية، بالاسم التاريخي، وأخيراً، إدخال ديموغرافيا هائلة، في حائط دولة غير قابلة للحياة، اقتصادياً بالدرجة الأولى، ومن ثم غير قابلة للحياة في إطار الموارد المائية والحياتية، وغير قادرة على أن تكون ذات سيادة كونها ممزقة بخنجر أراض ستصبح مشرّعةً اسرائيلية، بما يرفد ذلك من تبعية أكيدة لسلطة الاحتلال أو في أحسن الحالات، للدول المحيطة كالأردن ومصر.

c14_2707

موقعنا الطبيعي، هو في رفض هذا المشروع المشبوه، سواء عبَر استحقاق الأمم المتحدة أو لم يعبره، لأن في ذلك إخراجٌ لفيلم سياديّ سيء النص ورديء الحبكة، وولادة لجنين قبل موعد ولادته، فلسطين لا يمكن أن تقوم، بكل المعايير، الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والحياتية، إلا على كامل التراب، وإلا بكامل العديد الديموغرافي، وضمن سلة اصلاحات سياسية ومصالحات تاريخية، عدا ذلك، فإن التنازل الضخم لا يوازي في بلاهته إلا التطرف الضخم، والخشبية في السياسة توازي الخشبية في الشعارات، لذا، هذا ما نراه، استحقاق أيلول هو نكتة سمجة، من سلطةٍ مخصية تفرّغت للعب دور الكومبارس بعد أن هرمت، وتخلّى عنها عشاقها… لا دولة لمن لم يعمل لأجل إنشاء الدولة، لا دولة لفتح، وهي لم تستطع بعد أن تنفض عنها العث الذي يأكل من تاريخها، ولم تخرج بعد من أمجادها لتدخل في ضرورة الحديث عن المستقبل، ولا دولة لحماس، وهي تسمسر المقاومة وتسعّر الشهداء وتبيع الخنادق والسلاح للغات العالم كله، ولا دولة للمخيمات، وهي لم تجد بعد الطريق إلى الخروج من الهامش والعودة إلى الحدث، وغرز الشوكة في عين الأنظمة الحاقدة، ولا دولة للأطفال، لأنهم أطفال، ويستطيعون غداً، حين يكبروا، أن يصنعوا دولةً أجمل، ووطناً أكمل، يتكامل.

في أيلول، لا دولة إلا لأبي مازن، وحاشيته، وللمتحاربين الأخوة، المتقاتلين على كسرة خبز، وخلفهم بساتين يافا وحقول الجليل وبحر حيفا.. لا دولة في أيلول، دولة فلسطين، مشروع مؤجل إلى حين… إلى أن ينتهي هذا الزمن البذيء ربما.

بين الغزالي وابن رشد

24/08/2011

خضر سلامة

قبل ثمانية قرون، انتصر الغزالي على ابن رشد، كانت المعركة بين معسكر “تهافت الفلاسفة” التكفيري ومعسكر “تهافت التهافت” المنتصر للعقل على أشدها، حين خرج ابن رشد بعد عشرات السنوات من وفاة الغزالي، ليقود حملة كسر الموروث وانقاذ أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم ممن ترجموا ثم طوّروا، من سيف ال”بدعة” الذي رفعه الغزالي على رقابهم، هُزم ابن رشدٍ في الشرق بسمّ الأفعى نفسها الذي خرج في صيدها، كُفّر ثم مات غمّاً، وحكم الغزالي بلادنا، ولا زال: الغزاليّ اليوم صاحب بئر نفط، يضع أسعار المعارك والحروب والسلام ويشتري الثورات ويبيع البلاد ويستأجر الأقلام والحبر، الغزاليّ صاحب فضائيّتين اثنتين، تتنازعان على عرش الحقد والفتنة وصناعة الخبر لا نقله، ونخر الرأي العام لا ترميمه… الغزاليّ سائق سيارة أجرة عاديّ في مدينة لم تتعلم أصول المدنية بعد، يشتم سائقاً آخراً قادم من الريف، وهو طفلٌ يرشق عاملاً أفريقياً بالحجارة، لأن لون بشرته لم يعجبه، الغزاليّ هو الطاغية، يحكم أربعين عاماً، بأربعين جهاز مخابرات، وأربعين ألف معتقل وأربعين مليون حلمٍ مقتول، ثم يسأل: لماذا يكرهني شعبي؟ هو الجريدة الرسمية للطاغية، تخوّن كل فلاسفة الحرية وتلامذتهم، وتهدر دم كل كل فلاسفة لقمة العيش، الغزاليّ هو أن يكون النظام الحاكم هو الثابت لا المتحول، أما المعارضة فهي المتحولة دائماً.. إلى جثثٍ، أو خدَم.

ابن رشد - خضر سلامة

وضمن لائحة المسروقات الوطنية، وما نُهب من متحف البلاد، كان ابن رشدٍ، دخل الغرباء ليل حروب القبائل والعشائر باسم “الحق في الحكم” (للصدفة؟!) قبل ألف سنة، وصادروا فيما صادروا، عمامة ابن رشدٍ وما فيها، وابتسامته التي شغلت بال رجال الدين المسعورين طويلاً، وضعوها في مختبر الحداثة، وصنعوا منها الفلسفة الحديثة بكل ما قادت عالمنا إليه، من حقوق انسانٍ وأنظمة رعاية وعناية، وسلطة قضائية رقيبة مجتهدة في القوانين لا جامدة، إلى جمهوريات متصاعدة لا تقف عند جمود الجمهورية الأولى، أما نحن، فتركوا لنا جيفة الغزاليّ لنعلق في نتانتها، فكانت مستنقعاً لا ينبت في أحسن حالاتها إلا كتاباً أخضراً سخيفاً! وفي أسوأ حالاته، آل سعود وزبانيتهم.

الغزاليّ هو النظام العربيّ اليوم، وهو المسجد اليوم، وهو اتصال الاثنين الذي يجعل من الكتابة جنحة، ومن الصوت جريمة، واتصالهما، تحت عباءة الغزاليّ، هو شريعة الدم، وصورة فوتوغرافية لـ”تهافت الانسان”، فيصبح القتل حدثاً عادياً، والمجزرة خبراً يومياً، والتعذيب والذلّ إعلاناً مبوّباً في بيانات الأحزاب والعشائر والطوائف، وبينهم جميعاً، في خطاب الحاكم المقدّس الذي لا شريك ولا معارض، له.

يا ابن رشد، تعال و”افصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، عُد إلى بلادٍ تُسقط اليوم خريفها كفرسٍ تنفض عنها وحل الغابة، قتلنا بعدك أكثر من ابن رشد، بالرصاص وبالسكاكين وبأحكام التكفير وبالسكوت للنظام ولرجاله، وبمزاج مخبرٍ عابر، كثيرون قُتلوا في الطريق إلى العدالة والحرية والفكر الحر والعقل، وبقي الغزاليّ يحبسنا كعفريتٍ في قمقم المأساة.. اليوم نراكْ، شاهراً حبركَ، وصوتك الصارخ في وجه الممانعين والمعتدلين وما بينهما، مؤسساً لعقلٍ جديدٍ، لا يسجنه الغزاليون بين خيارات الذلّ والمحتل، وبين الموت والموت.

تعالَ يا ابن رشد، هذه الصحراء لا بد تنقرض.

إلى من أقرأه ولا أعرفه: زياد ماجد

12/06/2010

خضر سلامة

يعتذر جوعان من السيد زياد ماجد عن ورود بعض المعلومات المغلوطة في الكتابة المتسرعة للنص بشكله الأول، وقد تم إعادة تصحيح المقال، مع الاعتذار.

لا أدري كم يحمل زياد ماجد، من الماركسية التي أمجّد، ولا أدري كم تبقى من اليسار الديمقراطي يساراً، وديمقراطية، لكني أعرف جيداً، أن ماجد قلمٌ عربي مهم، أتفق معه حيناً، أختلف أحياناً، لكني أقرأه، وهو الصديق الرفيق لمن نحب، والمقتول بتهمة الحب، سمير قصير، بكل الحالات، أتابع كتابات زياد ماجد، وأخاف عليه من وثنية بغيضة، هي وثنية الثقافة الصنمية غير متحركة، إلا انحداراً.

كتب ماجد مؤخراً، مهاجماً الرفاق الذين يتحركون ضمن إطار ما يسموه وأسميه معهم، محاربة التطبيع مع الكيان الصهيوني، الموجود غصباً على الساحة السياسية، والممحي بحق وبصواب، من الأدب العربي، ومن أفكار الكثيرين من تقدميي العالم وأحراره، بل كلهم، الذين يرون في ثقافته وأدبه، مرآة لإثنوقراطيته البغيضة العنصرية، ولمشروعه الذي يمثل آخر قاطرة في قطار الاستعمار السياسي العسكري المباشر البائد للرجل الأبيض في أرض الكرة الأرضية، زياد ماجد إذاً، يكتب من موقع الخائف، أو الحارس، كما يطرح نفسه، للثقافة الوطنية وحق القارئ والمستمع بالاطلاع، متماهياً بصورة مخيفة مع يمين لبناني منقرض، يطرح كذبة ويصدقها، هي وجه لبنان الحضاري، متغافلاً عن قفاه البربري المهزوم المحتقر.

ares

(عدّل هذا المقطع لضعف الدقة في النقد الذي سبق أن كتب للرفيق زياد ماجد في بعض أسطر هذه التدوينة) المهم، كتب ماجد، معارضاً المعارضة التي وجهت ضد ادراج اسرائيل في جائزة سمير قصير والدعوى القضائية التي رفعت بوجه المؤسسة المعنية – ولو معنوياً – في لبنان عنها، اسرائيل التي لا نعترف بها في خريطة فلسطيننا الواحدة من بحرها لنهرها، من بحرنا لنهرنا، وهو الذي كتب أيضاً متذمراً من الحملة على جاد المالح، الحملة المزورة العام الماضي بالكثير من حججها، ولكن التي أوافق عليها من منطلق واحد، هو منطلق الكرامة الوطنية التي نطالب بها.

لم يخدم المالح في الجيش الاسرائيلي، وأكاد أجزم أنه لا يحمل الجنسية الاسرائيلية، لكن الأكيد أنه صرح بما صرح به من غزل تجاري سمساري باسرائيل وشتاتها الملقب بالشعب، وللإضافة، مؤخراً، لم تقم فرقة بلاسيبو مثلاً بارتكاب المجزرة ولا دعمها بشكل مباشر، بل أقاموا حفلة في لحظة تاريخية سياسية ضيقة على الفن، هي الوقاحة الهمجية للصهيونية ومحاولاتها للملمة صورتها أمام العالم، شن نفس الرفاق حملة على بلاسيبو أثناء زيارتها للبنان في اليوم التالي، كل ذلك في ظل ما نراه استمراراً للصراع الاسرائيلي العربي، بل الاسرائيلي العالمي، صراع لم يك العرب وحدهم طرفاً فيه، بل شارك فيه العالم كله، من آسيا إلى أفريقيا إلى أوروبا إلى أمريكا، مقاتلون أتوا ليقاتلوا، أدباء كتبوا فاضحين زيف المحاولات المستميتة لتصوير الصهيوني بصورة انسانية، فنانون قاطعوا وضحوا من أجل الترفع عن تدنيس الفن العالمي باشراك الصهيونية فيه، فأين موقعنا نحن، وأنت يا رفيقي، من هذا الصراع؟ وأين الرمزية القاتلة التي نراها مهينة لقصير، قبل أن تهين عقل المثقف الطليعي النخبوي في موقعه في القتال ضد العدو، في وجود اسم اسرائيل على جائزة، ينبغي للأوروبي أن يحترم فيها رمزيتها وشخصيتنا الوطنية وثوابتنا، كي تلائمنا، لا أن يمننا بها، وشهداؤنا أرفع من ذلك.

لن أتهمك  بالجهل والنفاق، وأنت التي رميت بهذه التهم في سلة كتابتك، لكني سأعرض كأي مواطن يشارك في الحد الأدنى، في التصدي للاقتحام الصهيوني الامبريالي لعالم الإعلام والكتابة، بعدما سقطت الحدود السياسية الأمنية، يا رفيقي، إن أسس الكرامة الوطنية تقوم على فرض هذه الكرامة على العالم كله، بشروطنا، لا بشروط مجتمعه الدولي المشوه المزور الكاذب، من شروط هذه الكرامة أن يحترم العالم كله قتلانا، وأن يحترم خطوطنا الحمراء، أن لا يأتي المغني ليطربنا، بعد أن أطرب عدونا، أن لا يتحدث عن جمال بلادنا بعبارات استهلكها في جمال مجتمع عدو، من شروط هذه الكرامة أن يقف القادم دقيقة حداد حين نأمره بذلك، لا أن يحسبها في ساعات تجارته، ومن شروط هذه الكرامة، أن يحترم العالم رأينا، ويعتذر حين يجرحنا أو يحرجنا، كما تفرض اسرائيل ذلك على كل مثقفي العالم الذين يودون زيارتها، أما مثقفونا، للأسف، فينحدرون في ذلك، متذرعين بالانفتاح والليبرالية البشعة، ليفتحوا الحدود الكلامية أمام من أهاننا ولو عن غير قصد، آيباك تحاصر في الولايات المتحدة كل وسائل الاعلام، أما ممثلونا، فتحاصرهم وسائل الاعلام نفسها لأنهم أوهن من أن يغلقوا الثوابت الوطنية على أي مساومة، بحجة واهية هي حجة التحرر والليونة والتفهم وتقبل الآخر.

كلا يا رفيق زياد، بناء الدولة التي أرادها قصير، وتريدها أنت، ونريدها نحن، تمر من بناء الشخصية الثقافية التي تعوض غياب السياسي، بناء الدولة تمر من أن يقف أبناء قصير نفسهم ليرفضوا ارتباط اسمه ولو شكلياً باسم اسرائيل وبشطب فلسطين، بناء الدولة مفهوم يمر من بوابة الخشبية نعم، خشبية تنهال على رأس من يستهين بعقولنا، ويخاف من غضب الاسرائيلي، موقناً أن غضبنا يتحول ولهاً بصورة الرجل الأبيض، "يستسوح اللبناني" أمام أي صورة كاذبة للانفتاح حتى على العدو، أما العدو، فيشتد ضراوة أمام أي مستهين بما يراه حق له ونراه انتهاكاً لحقنا، فيكسب العدو احترام الأجنبي أو خوفه ومراعاته لمشاعره، أمام نحن فنستمر في سقوطنا الدائم إلى الفراغ.

أخيراً يا رفيقي، عن الترجمات والتعاونات الأدبية سواء المباشرة أو الغير مباشرة، تعال ندخل في الأدب الصهيوني من باب الناقد الناقض، لا باب القارئ المنفتح على الاحتمالات، أما عن المثقفين والجوائز الثقافية، فتعال نغلق جيداً حدودنا الثقافية على مثقفي العالم بجوازات سفر تشترط اقتناعهم بحقنا وصورة عدونا الدموية، بعد كل هذا، نقف على ضريح سمير قصير، نضع وردة حمراء، ونقول له، شعبنا أكبر من العسكر يا قصير، شعبنا أكبر من الرجل الأبيض، شعبنا هو شعبنا، شهداؤنا وحقنا وكرامتنا، شعبنا لا يموت، لا يزور نفسه، لا يتغير ولا يتلون، بل يلون الكوكب بألوان علمه.

يحتفون بريما ويتآمرون على سميرة

26/05/2010

خضر سلامة
مجلة الحوار المتمدن 

بغض النظر عن أي تقييم أو بعدٌ ساخر (سبق أن نال الموضوع منا ما نال من سخرية مبررة في هذا المقال سابقاً)، فلنكن واضحين، حققت ريما فقيه خطوةً فارقة في حياتها الشخصية حين فازت بلقب ملكة جمال الولايات المتحدة الأميركية، السخرية كانت لا تتوجه إلى شخص ريما، الفتاة التي تقوم بعمل طبيعي جداً، وهو المنافسة على عرش جمالي تستحقه، السخرية كانت تستهدف هذا الإعلام الوطني المريض، والذي يحول أي لبناني في الخارج إلى بطل، سياسة من جهة هي نتيجة لتربية السيئة التي تستهدف إفهام الشباب اللبناني بضرورة الهجرة لأن الخارج هي بلاد الأحلام، ولأن ثروة لبنان الحقيقية هي في مغتربيه! أو من جهة أخرى، هي عبارة عن غباء سياسي وإعلامي ناتج عن عقدة نقص يعيشها الانتاج الثقافي المحلي، وأخيراً، نظرية مؤامرة قريبة من المنطق، تقول بسياسة معتمدة من قبل مديري الاعلام وهم يمثلون الاوليغارشية الاقتصادية المتحكمة أيضاً بالحكومات المتعاقبة، هذه النظرية تقول باتجاه الاعلام الطائفي دوماً لتحويل المواطن الى مستهلك، مستهلك لخبر الترفيه وخبر ابداع "الآخر" ومستهلك لجمالية الوضع اللبناني، واللعب على عامل اللا وعي من أجل تطويب السياحة، قطاعاً قديساً في نظامٍ ثقيل على القلب والجيب.ares

 

 

 

وطنٌ احتفى بريما، بإعلامه وسياسييه وزقزقة جمهوره فرحاً وطرباً، يحق لريما أن تفخر بلقبها، ويحق لهذا الوطن أن ينتحر اليوم أمام وجهه الحزين في المرآة، امرأة كسبت لقباً شخصياً، فأقام النظام الأعور الدنيا، في هذه اللحظات، كان ثمة امرأة أخرى تخرج دامعة العينين، خسرت سميرة سويدان دعواها، أمام القاضية ماري المعوشي، من أجل حق أبنائها من زوج اجنبي، بالجنسية اللبنانية السيئة الذكر، لم يكترث الكثيرون، ثمة دائرة ضيقة من النخب المعنية مباشرة بالقضية لا أكثر، اكترثت وتحدثت وحاولت الصراخ، ولكن صوت التلفاز الذي ينقل آخر أخبار ملكة الجمال العشتارية في الولايات المتحدة كان أثقل، كان النظام اللبناني مشغول عن سميرة، بتسويق صور الانتصار اللبناني المذهل بتاج ريما.
ماذا جنى لبنان بفوز ريما؟ لا شيء.. إلا القليل من الأخبار السخيفة والتعليقات الأسخف، والاهتياج الجماعي على حمى التفوق اللبناني والوطن الفريد (الأطرش) وبذرة العبقرية التي تضعها كل أم في شنطة كل ولد مهاجر، عجت الصحف والصفحات بالتعليقات المهنئة لريما، والمشيدة بلون الأرز المائل إلى الأخضر، ولون الحمص المائل إلى الأصفر، ولم يتحدث أحد عن أحمر قانون موجود في المنطقة، قانون يطبقه قضاء يحميه الدستور الأعرج من أي نقد ونقض!

سقطت سميرة سويدان في امتحان القضاء، وسقط القضاء اللبناني في امتحان الحضارة والانسانية، وسقط الإعلام اللبناني، والنظام اللبناني، والسوق اللبناني، في مرحاض الاستهلاك البشع لأي شيء، وفي تهمة التآمر ضد شعبه، ضد أخلاقه، ضد أي شيء جميل يجعلنا بشراً، مواطنين، رسب النظام اللبناني رغم نجاح ريما، وانتصرت سميرة في لعبة الفضيحة، عرّتنا من ورق التوت، القضية ليست في تحرير المرأة، ولا في تحرير الرجل، القضية الأساس هي أن انساننا المحلي، أقل من مواطن، يعلقه النظام بين سندان الهجرة، ومطرقة الاستغلال البشع.
نظامٌ يحتفي بريما، ويتآمر على سميرة، نظامٌ حثالة.

لن نسكت: فليسقط النظام اللبناني

25/03/2010

خضر سلامة

أحب القصص الخرافية، كقصص الساحرات والأقزام والجن، وقصص الحرية العربية! ومن هذه القصص، قصة الحرية في لبنان، لدينا رئيس جمهورية، مجلس نواب، حكومة.. لا ينقصنا إلا… دولة! دولة تضمن حقوقاً مدنية، تضمن قداسة أكبر من قداسة الرئاسة وهيبة الجيش وقداسة الطوائف، قداسة يقال لها: حرية التعبير، تكون خارج مصيدة القانون البدوي للمطبوعات والإعلام، وخارج قناع ديكتاتورية المذاهب والمصارف والمخافر، حرية تعبيرٍ على حجم القرن الواحد والعشرين، لا على حجم جزمة ظابط، أو عمامة رجل دين.

يقال في كل العالم، أن ثمة ملاك حارس لكل مواطن، إلا في بلادنا، ثمة لكل مواطن مخبر حارس، لا أعرف من صاحب الفضل عليّ في أوّل استدعاءٍ رسميّ إلى مركز مخابرات عربية، بعد أن جربت الفرنسية سابقاً، ولكنني الآن أستطيع بوضوح أن أحدد مكمن الخلل في لبنان: لا عجب أن الأمن الوطني غير ممسوك، فالمخابرات اللبنانية مشغولة بمسك المواطن من أذنيه، كي لا يقلق نوم الرؤساء على جماجم الفقراء.

إنزعج بعض زبانية القصر الجمهوري البعيد عن أجواء عتمة المنازل ليلاً، وفراغ أمعاء الأطفال نهاراً، وعطالة نصف شبابنا عن العمل، إنزعجوا من بعض ما كتبت مدوناً، ربما كنت بحجة الغضب قاسياً في بعض مقالاتي، لاذعاً، ساخراً، وأحياناً كثيرة شاتماً، قيل لي في التحقيق ذلك، ولكن المؤسف، المضحك، أن المحقق لم يقل لي أني كنت مخطئا، فلان سرق، فلان قتل، فلان ذبح، فعلى ماذا أندم؟ ولماذا أعتذر؟ لا أعتذر. ثم بالله عليك يا زميلي في الجوع إلى الحرية، إلى الوطن، إلى الرغيف، أيها القارئ: علام أخاف؟ على أن يحرموني في الزنزانة نعمة التأمل في جمال الخريطة اللبنانية الآخذة في التصحر؟ أو على حريتي في قول ما أشاء كي تفعل بعدها سكاكين الطوائف وميليشياتها فيّ ما تشاء؟ أو أخاف على فرص العمل المفتوحة أمامي منذ سنين لحد الحيرة؟ إلى ماذا سأشتاق إذا حدث ما هُدِّدت به من ملاحقة قضائية؟ أأشتاق إلى وطنٍ مسروق معروض للبيع في سوق النخاسة المصرفية؟ أو أشتاق إلى مساحة رأيٍ يحدها من الشرق قضاءٌ أعوج ومن الغرب هراوة شرطي أهوج؟ أو أشتاق إلى أبٍ وأمٍ منشغلان عن عاطفة العائلة البدائية، بتأمين مصروف المنزل رغم سيف رب العمل المحمي من حكومة وحدةٍ متفقة على أكل أحلام الفقراء؟

قيل قديماً، لو كان الفقر رجلاً لقتلته، وأقول اليوم، لو كان في النظام اللبناني رجلاً واحداً، لقتلته! لو كان هناك رجلاً واحداً لا حاجة له أن يختبأ خلف أجهزة أمنية، أو خلف زعران طائفته، أو خلف مرجعية روحية، أو خلف تحريض مذهبي، كي يضمن استمرارية فساده السياسي، لكان ممكناً الحديث عن تفاهمٍ مع النظام، ولكن، 1_freespe هيهات! هذا النظام نظام فوضى، لا يمكن إصلاحه، لا يمكن التحاور معه، لا حل مع أنيابه إلا بتكسيرها، ولا معادلة رياضية تنفع مع أزلامه، إلا معادلة الضرب، بقلمٍ من حديد، لا يُكسَر!

إليك يا سيدي الظابط، يا صديقي المخبر، يا عزيزي العماد: الجندي الحقيقي، هو الذي يحييه المواطن احتراماً، لا خوفاً.

إلى الناشطين السياسيين والإعلاميين: إن خلاصة هذه المرحلة البذيئة، من قمع مظاهرة السفارة المصرية، إلى ملاحقة الصحفيين، وصولاً إلى استدعاء المدونين: في هذه البلاد، أجهزة الأمن تحرس أمن السفارات، والسفارات تلهو بأمن البلاد.

إلى المواطن العربي المريض سياسياً: لا تقلق إن كان ضغطك واطياً، ثمة أنظمةٌ وأجهزة بأمها وأبيه، واطية!

على الأشجار نكتب، على خشب البواريد ، على حيطان الزنازين ، على أعواد المشانق، على بلاط القبور، على عبسة جبين المخبر، على كلّ شيءٍ سنكتب، لنبقى أحراراً، ضد النظام، ضد الفوضى.

أخيراً: وزارة الجوع تحذّر: القمع والتهديد يؤديان إلى نتائج خطيرة ومميتة

إذا أعجبتك المدونة والتدوينة صوّت لمدونة جوعان في فئة أفضل مدونة في مسابقة بوبز العالمية

بيان تجمع المدونين في لبنان عن الحادثة – مع وصلات لمقالات متضامنة
جوعانيات 1جوعانيات 2

عن الطائفية الحزبية

09/03/2010

عن الطائفية الحزبية

خضر سلامة
مجلة الحوار المتمدن

لبنان والمشرق، بشكل عام، بؤرة تاريخية للطائفية الدينية، بتنوع المذاهب التي تتعايش (مجازاً.. أما فعلاً فهي تتذابح) في هذه الرقعة الضيقة، ودور الاستعمار التاريخي، والأنظمة الوليدة من رحمه، في تذكية التعصب الديني للاستفادة من الثغرات في الأديان التي يمكن للمصالح السياسية المحلية والدولية النفاذ منها، لإذكاء الخلاف بين أبناء الجنس الواحد، والعرق الواحد، والوطن الواحد.

في لبنان، تتجسد هذه الطائفية المذهبية في التوزع المناطقي المغلق لأبناء الملة الواحدة، وفي العداوة أو الحذر على الأقل، في التعامل مع "الآخر"، وفي الحصص الممنوحة حكومياً وإدارياً، وفي التمثيل الدبلوماسي وفي.. حتى الأحكام بالإعدام!

ما هي الطائفية؟

تاريخياً، وصمت دويلات الأندلس باسم دويلات الطوائف، حين انقسمت سياسياً، الطائفة هي إذاً، كل دائرة مغلقة، منعزلة عن التواصل مع جماعة تختلف عنها بتفصيل معيّن.. دائرة مغلقة اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، تلك هي الطائفة، ولو أن الاستعمال الحديث لها، أعطاها بعداً دينياً كونه الأقوى والأكثر تأثيراً، في شكل السياسة.. وفي النتائج الدموية أيضاً.

ولكن، بعد عنوان الطائفية الدينية، الأشد قسوة كما ذكرنا، تمتاز بلادنا بطائفية حزبية أيضاً، فلنبدأ من أبناء الدين الواحد، المذهب الواحد، تشتد فيها عداوة الأحزاب اليمينية المذهبية بين بعضها، لتأخذ طابع الطائفية الحزبية الضيقة، فينغلق الحزب تعاملاً وزواجاً وتواصلاً على نفسه، وجغرافياً أيضاً، ومن الأمثلة مثلاً العلاقة السيئة بين القوات اللبنانية والتيار العوني، أمل وحزب الله، البيت الجنبلاطي والبيت الأرسلاني.. إلخ، يذهب بعض العناصر والمسؤولين إلى حد التقوقع الحزبي عائلياً إلى حد يقطع التواصل والتبادل حتى مع أبناء ملته.. لخلافات سياسية.

وخارج إطار الدين، تأتي أزمة اليسار، اليسار العربي الذي قدم نفسه في مرحلة معينة على أنه حالة تقدمية تغييرية لكل هذا الواقع السيء، وحمل لواء الفكر كرابط مشترك للأديان، ونظام حكم يخلص الأجيال من إرث الإقطاعية الاجتماعية والعشائرية.. فشل اليسار في الخروج من العشائرية، وتحول إلى استقطاب عائلي محدود، قامت القوة التقدمية العربية نفسها، على نفس أسس الرجعية.. ما أوصلنا إلى حالة نعالجها اليوم: الطائفية اليسارية.

ساهم في إذكاء انعزال اليسار على نفسه، تآمر اليمين ضده عزلاً وتكفيراً، والارتكابات الدموية ضد قواه، ومرحلة الإبعاد التي طرد فيها من المناطق المختلطة في مرحلة تصفية القضية الفلسطينية والوطنية اللبنانية.. لا ننكر ذلك، لكن، كان من السهل إيجاد حلول تضمن بقاءه بين الناس، بين قاعدته..

على كلٍ، هذا هو واقع اليسار اليوم: مركزية بشعة، تجمع شبابه ومناضليه ، في باقة ضيقة من العلاقات تقتصر على الرفاقة الحزبية والإيديلوجية، ضمن منطقة ضيقة في كل مدينة، بعيدة عن الواقع الحقيقي الاقتصادي والمعيشي للناس الحقيقيين، للفقراء، للعمال، للكادحين، بعيداً عن الضواحي، بعيداً عن الأرياف.. وبعد هذا الانعزال السيء، تأتي نظرة اليساريين لخصومهم المفترضين، أو على الأقل للناس العاديين، البعيدين عن جوهم، من الاحتقار إلى الاستغباء إلى غيره.. متناسين دورنا المفترض في التواصل مع هؤلاء، مع العاديين، في فهمهم، في فهم واجبنا تجاههم، لتأتي النقطة الطائفية الثالثة، وهي تقديس المؤسسة الحزبية، أو تقديس القيادة، ليصبح من حقنا مثلاً، انتقاد قيادات الأحزاب الخصمة جميعها، دون أن نقبل نقد أي "آخر" لحزبنا، دون الاستعداد للدخول في نقاش وفي حوار تواصلي ومد جسور، مجرد انغلاق وتعصب لرأي، لا يشبه أي فكر يتبعه أي حزب يساري، ويكون الرد الجاهز لأي نقد: تخوين أو شتم أو سخرية.

ربما المشكلة تكمن في استغناء الأحزاب اليسارية منذ عقود، عن واجباتها تجاه عناصرها، تخلت عن ضرورة الدورات التثقيفية، تخلت عن عناوين الأخلاق التي تضمن انضباطاً وسلوكاً يكون مرآة النفس أمام النفس، قبل أن يكون مرآة النفس أمام الآخر.. ربما تكمن المشكلة في قيام القيادات المتلاحقة – عن قصد – بإهمال ضرورة بناء الفرد، للوصول إلى فكرة الجماعة، وفي نشر سلوك الفساد في رأس الهرم، ما يجعل الفساد يأكل القاعدة أيضاً، على كل المستويات.. أو ربما المشكلة تكمن في عدم القدرة على الخروج من العشائرية المطبقة.. أو ربما، المشكلة في كل ذلك.

لأن أي وطن سليم، لا يقوم إلا على يسار سليم.. فلنخرج من دوائرنا المغلقة، لنذب في شعبنا، ولنعد إلى أماكننا الطبيعية، مراكزنا المتقدمة بين الكادحين وبين العاطلين عن العمل وبين اليائسين وبين المتخسين بغبار التعب، بين كل هؤلاء، لنعد إلى فواتير المطاعم الرخيصة الشعبية، وإلى تحمل الشتم وتحمل الإهانات من أجل ايصال فكرة.. لتكن علاقاتنا بأي "آخر"، طبيعية جداً، لا موضع خجل.. ليكون اليسار من الشعب إلى الشعب.. لا من مجموعة مغلقة إلى الفراغ.. ولا شيء إلا الفراغ.

نحن أبناء أحزاب الشعب، مكاننا الطبيعي، الشعب.

"يا سنديانة حمرا"

15/10/2009

خضر سلامة

وأقسم عليك يا رفيقي.. بمنجلٍ وقدوم… أقسم عليك ألا تتوب.. أن لا تسلّم أو تسالم!

عاد عيدك… فصار الواجب اليوم أن أنحني لأقبل الثرى، وأطوّبك الحدث، وأكللك تاجاً للتاريخ العابر تحت جناحيك.

أدمنت عليك.. فصرت أخاف المسافات بيني وبين النسيم العابر من علمك صوبي..

أخاف الطريق الذي لا يوصلني إلى اللون الأحمر.. وأخاف الوجوه التي لا أقرأ فيها مهدي عامل، فرج الله حلو، محمد يونس، سهيل طويلة، و حسين مروة وغيرهم.. أخاف الكف التي لا تحاصرني بأنوثة لولا ويسار .. والدفء في عيونهما عند الموت.
أخاف الصوت الذي لا يعزفه مارسيل ولا يغنيه خالد ولا يسكب فيه زياد سخريته..
أخاف في عيدك.. وأنت العيد، أن لا يكتظ الزمن العابر بحكايا عن بطولات، عن أمجاد.. عنك أنت.. وأنت في وجه الأيام أيقونةٌ جميلة، لفارسٍ يحمل ثقل أعوامه الخمس والثمانين، ليطرق باب التغيير بثبات دون ملل، يحمل على كتفه جيلاً لشبابٍ هم "ضد".. ضد المرحلة البذيئة، ضد الزمن الوسخ.

لك في عيدك كأساً من عرق الكادحين، من دماء الشهداء، فاسكر بمجدك وانتصر.. واسمع:

أنت مبتدأ الفكر… وعيدك اليوم الخبر… ووفائنا نعتٌ نعلقه على تجاعيد وجهك الجميلة، لا زلت جميلاً، يا "حزب الشعب"، جميلاً كصفصافٍ يحبو حول عنق الوزاني، ويوشوش الريح: من هنا عبروا يوماً.
لا زلت خطيراً كحركةٍ سرية، لا زلت تخيف الطوائف وتقلق نومهم فوق عظام المسحوقين… لا زلت توشّح الأرز بلون الجوري، وتغرز قلماً في عين عدوِّك إن عزّ السلاح، لا زلت عنوان العالم كله، سلةً للجائعين الى حبر، الى كلمة، للجائعين الى رصاصةٍ او رغيف.. لا زلت سقفاً للحالمين بقصيدة، بحرية، غيماً للباحثين عن مطر الفرح.شيوعي communist

وأنت الطلاب
وأنت العمال
وأنت الفلاحين
وأنت أنت العيد.
وأنت الأب الشرعي لكل المقاومين وكل الأحزاب
وأنت أنت.. كما أنت… شيوعي رغم أنف الحاقدين، متمايزاً رغم الناقدين، واحداً أحداً، لا مثيل لك!، وكل مرتدٍ عنك ساقط.

يا متهماً باللغة الخشبية… خشبيون نحن لا زئبقيون، لذا نعترف

يا متهماً بالتناقض والتراجع.. أوفياء لك ملء الحب والتاريخ والثقة!

يا متهماً بالثورة.. عشت وعاشت الثورة، يانعة في احمرارها، ناضجة كنضوج الرمح في صدر فاشي أو طائفي، حمراء حمراء كالتفاح البري، يعانق الأرض ويزرع فيها لونه.

يا متهماً باليوتوبيا.. لا زلت حلماً ينبت كالورد في مفاصل صخرة، عصياً على الانكسار

يا متهماً بالإلحاد.. كافرون نحن، بكل أصنامهم.. بكل ما يحاصرنا من كآبة.

من رعشة الدمع في أحداق "أجمل الأمهات".. من ايقاع المطارق على جدار المستعمر والمعتدي.. من عصف المناجل في عنق الجهل وفي صدور المتساقطين… لك يا حزب الفقراء.. وحزب الشعراء… وحزب العشاق.. أجمل الأحرف.. وعهداً بالوفاء.

كل عامٍ وأنت ثابت.. رافضٌ وممانع، "يا أحلى سنديانة"

بكل عناد: عدونا لا زال منذ ثمانين عاماً ونيفٍ: الرجعية والصهيونية والامبريالية وأعوانها.
كل عامٍ وأنت كالياسمينة… عصيّ على المتطاولين، أميراً للأحزاب، أميناً على الذاكرة.

تضامناً مع الشيوعي السوداني ضد الظلامية الدينية

02/09/2009

تضامناً مع الشيوعي السوداني ضد الظلامية الدينية

من الطيب صالح إلى إمامٍ طالح

خضر سلامة

تعيش المؤسسة الدينية الاسلامية منذ عقود، في كهف محكم الإغلاق، وبعد أن تصدت لحى المشايخ المنافقين طويلاً لحظر أي تجديد أو اصلاح يمسح الغبار عن وجه دين، كان يوماً ما، تجربة تقدمية، نسبياً، دخلت هذه المؤسسة، على الأقل بوضوح، منذ عصر ابن تيمية في تجربة التكفير، مصطلح تطور مع الزمن وتحول من قوة بيد السلطة السياسية المتحكمة بالسلطة الدينية، إلى قوة بيد مؤسسة كنسية دينية، شيعية أو سنية، تملك مصالح اقتصادية وسياسية، تماماً كما الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، تلتقي مصالح المؤسسات الدينية الاسلامية، والمؤسسة الرسمية سيما في بلادنا العربية، كثيراً من الأحيان، وفي بعض الأحيان، تكون المؤسسة الاسلامية على قدر من القوة، واليد المطلقة، ما يمكنها من اصدار هكذا حكم بالاعدام، دون عودة لمرجعية سياسية… بفضل التضخم المرضي خلال العقد الأخير، للراديكالية الاسلامية.

ignorance_2

عزل وقتل الشيوعيين الكفرة! هذا جديد ما يسمى مجازاً بالرابطة الشرعية لعلماء المسلمين في السودان، دعوة صريحة، من سلفيين، متعصبين، همج وجهلة، إلى قتل وابادة فصيل سياسي عريق في بلد كان يشكل خزان الوعي الثقافي والأممي والأدبي العربي، هذه الرابطة، التي تشكل إحدى الفضلات الباقية من جماعة الهجرة والتكفير التي رعتها بعناية، كما رعت باقي الحركات الاسلامية، المخابرات البريطانية ومن ثم الأمريكية، ومولتها بالعتاد والجهل اللازم لغسل أدمغة الشباب، لضمان احتلال انسان الوطن، اذا ما عجزوا عن احتلال ارضه.

أما لمن لا يعرف الشيوعيين السودانيين، فيكفيه علماً سيرة عبد الخالق محجوب، الذي شنقته رجعية النميري المدعوم من الأنظمة الخائنة، محجوب، ابن الأرض السمراء، الذي قاد الحزب الشيوعي السوداني إلى التمايز عن اخطاء باقي الشيوعيين العرب الذين سارعوا الى استنساخ التجربة السوفييتية دون مراعاة المجتمع المحلي، قام الحزب الشيوعي السوداني بمحاولات لامعة لانتاج تجربة شيوعية سودانية مستقلة عن التبعية لموسكو في تلك الفترة، وعن الصراع الصيني السوفييتي، ونجح الى حدٍ بعيد، ومن أبرز علامات هذا التميز، أن يقوم أعضاء المكتب السياسي للشيوعي السوداني في تلك الفترة، بعقد اجتماعاتهم في المسجد بعيد صلاة الجمعة! أو يقوم أحد أهم الأعضاء، بإمامة المصلين! ليكون رداً كافياً حينها، ضد الدعايات التي سوقتها المخابرات الأميركية، عبر المؤسسة الدينية الاسلامية السياسية، بكفر الشيوعية وارتباطها ضرورة بالالحاد.

من هذه البيئة نشأ الحزب الشيوعي السوداني، قبل أن يباد أعضائه بمعظمهم على يد الجلاد النميري، كما أبيد معظم المفكرين الشيوعيين في مصر وفي لبنان وفي سوريا على كل حال… هذا الحزب الذي نشأ في مدينة أتبره السودانية، حيث يجبل القدوم الحديد على يد العمال الكادحين، وتحول الحزب شيئاً فشيئاً، إلى منارة تثقيفية، وضعت نصب أعينها محو الأمية من السودان، الخطوة الأولى إلى بناء وطن: تعلموا! من ثم النضالات الطويلة، التي ضاعت لاحقاً، إما بسبب تخاذل الورثة للحزب، وإما بفضل التآمر من قبل الجميع، على هذه التجربة المزعجة، للرجعيين.

إذاً، في بلاد الطيب صالح، الأديب الذي فجر أهم رواية عربية في القرن المنصرم ناقداً التجربة الاغترابية العربية، وموجهاً سهام الاصلاح الى مجتمعه الأصل.. في هذه البلاد الطيبة اليانعة التي تعاني من الحروب والفقر والجوع بفعل الأيادي الأمريكية والصينية والأوروبية، وبفعل النظام الديكتاتوري المخيف، وبفعل العملاء الصغار، وحماتهم من رجال الدين… يقفز أحد المنعوتين بصفة شيخ من جحره، ليدعو إلى عزل وقتل الكفار الشيوعيين وملاحقتهم، وتحريم الزواج منهم، وحجته أسخف من فعله: "المذهب الشيوعي هو الإلحاد، الشيوعيون يؤمنون بماركس ولينين وستالين، والشيوعية لم تجلب إلا الدمار والخوف…"

ومن المفروغ منه، سقوط هذه التهم منذ زمن طويل، فما يسمى بالمذهب الشيوعي، هو مذهب اجتماعي اقتصادي، لاديني، واقرأوا كتب الشيخ الأحمر حسين مروة لمزيد من المعلومات، أما إيمان الرفاق بماركس ولينين وستالين، فتعبير ساقط لغوياً، فالثلاثة، هم رموز فكرية وسياسية لا غير، قابلين للنقد غير منزهين، وعلى كلٍ فشخصية ستالين مثلاً، لا زالت موضع نزاع بين الأفرقاء الشيوعيين، أما ما جلبت الشيوعية للعالم، فقد جلبت حركات تحرير وثورة، ونقلات فكرية وثقافية عارمة، لا زالت إلى اليوم ملهمة الكثيرين، وإذا ما وجدت تجربة خاطئة، بالطبع، لحكم سياسي شيوعي مر، فلنضعها أيها الشيوخ، في نفس السلة التي تضعون فيها تجارب الحكم الاسلامي الفاشل والدموي منذ ألف عام ونيف، أو تجربة الاسلاميين بشقيهم في العراق وأفغانستان، مثلاً!

وضمن ذلك كله، وإذ نتبنى رد الحزب الشيوعي السوداني بتفاصليه بما في ذلك من اتهام للحزب الحاكم بالوقوف وراء هذه الجماعات ودفعها لتقسيم المعارضة الوطنية، وإذ نتضامن مع هذا الحزب العريق بنضالاته وشهدائه وأعلامه، فلنغتنم هذه الفرصة لدعوة الشيوعيين العرب، للوقوف لمرة واحدة أما مرآة الواقع، ولاجراء نقد ذاتي لثمانين عاماً من التجارب والصراع مع التابوهات الدينية، ولصياغة موقف واضح موحد يوضح المسافة التي يقف الشيوعي العربي فيها، من الدين، لنتجاوز سويةً سيوف الظلامية الفكرية، والعفن الدماغي الذي يجتره رجال الدين من حولنا، ضد كل من يهدد سيطرتهم على العقول والأفكار.

ولتسقط الرجعية، والطائفية، والصهيونية الفكرية بكل أشكالها، في اسرائيل، وفي بلادنا أيضاً.

الحوار المتمدن

Bookmark and Share


%d مدونون معجبون بهذه: