Archive for the ‘نشرت في مجلة الرأي الآخر’ Category

لا صوت يعلو فوق جرحنا

05/05/2013

خضر سلامة
مجلة الرأي الآخر

لو تأملت جيداً، لو أنك تعلمت لغة الأرض وشكل الماضي في “كان ليَ بيتٌ وأهل”، وبناء المستقبل في “سوف نقاتل”، وفعل الحاضر في “أصبح عندي بندقية”، ولو أنك قرأت عن حركات “النصب” الصهيونية ومسيرات “رفع” النعوش ودويّ دائرة “السكون” العربية، ولو أنك تعرف خديعة النائب عن الفاعل في الجملة وكيف تصبح الضحية المفعول بوطنها فاعلاً لفعل القتل في نشرات الأخبار، ولو أنك تعمّقت في قوة الجزم عند انفجار الرفض في الحناجر المحشوة بأخوات لا الناهية عن الخيانة ولام الأمر بالثأر لطفلةٍ سرقوا منها واو العطف في الجلال والجمال والسناء والبهاء.. بالانتقام لمن نشلوا من جواز سفره علامة الاستفهام عن وطنٍ.. هل يراه؟ سالماً منعماً وغانماً مكرما.. لو أنك فتحت يوماً جمجمة عربيٍ نسيته شرعة حقوق الانسان على قارعة المجزرة وتحت بورصة المجنرة، كي تطّلع على حروف الجر إلى المقابر الجماعية والأسماء المجرورة التي تنوب عنها الأرقام، ولو أنك أطلقت عينيك للبحث عن الضمير المستتر في مطارات العالم الموبوءة بفكرة المستثنى عن لائحة الانتظار والباحث خلف كوفيته عن حرف نداءٍ يدعوه لركوب جناح نورسٍ يكون هو المبتدأ وتكون العودة إلى كرمه الخبر، لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

34369_10150192136900024_797630023_12997120_5345137_n

ولو أنك درست علم النبات وتعمقت في دراسة التحليل الزيتوني للوجود، لو أنك سجلت أسماء الورود التي تخرج من فوهات بنادق الفدائيين لعرفت كيف أن الرصاصة شكل آخر لوردة يقدمها العاشق لأنثى شيدوا فوق ضفائرها مستوطنةً جديدة، وكيف أن الحزام الناسف للخرافات صورة مستعارة لزهرة بنفسج حزينة سباها نبوخذ يوم النكبة إلى صحراء المخيم فصار لها الحق بأن تطلب أن تموت داخل مزهرية فيروز على شرفةٍ مطلةٍ على جذع شجرةٍ تحفظ للقدس هويتها، لفهمت، لو أنك حللت التربة التي زُرعت فيها أغنية الصاروخ لعلمت أن القذيفة تستحيل فيها إلى نخلةٍ خضراء تمحو عار اللغة العبرية وتثبت فكرة العروبة الفصحى، لو أنك سكبت في كوب المنفى الجماعي نكهة النعناع والزهورات التي وضعتها الجدة في حقيبة الوطن قبل سفره إلى معاد المزاد العلني وأوصته بالقراءة والكتابة والصلاة والبكاء، لأنشأتَ جمعيةً لحماية الأوطان من سماسرة التراب، لو أنك لم تحرق البيارات ثم اكتشفت كيف أن الليمون يحفظ لكوكب الأرض شكله الكروي ويجعله مجرد طابة تتقاذفها أقدام الأطفال الذين يصبحون ملائكة قبل النوم وآلهة بعد الموت، لأحببت شكل القنبلة اليدوية في كف مقاوم، لو أنك أحببت الأرض وما فيها من ثمار، لعرفت الفارق بين حقل الألغام وحقل الزيتون، لتفهمت أن ثمة ما يستحق أحياناً أن تحيا من أجله، أو تموت من أجله ان عزت الحياة.. لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

ولو أنك سمحت لأذنيك أن تغرقان في عود زرياب واكتشفت مخارج الأحرف العربية المقاتلة في أوتاره المتفجرة غيظاً تحت الجدار الفاصل، وحاولت أن تتمدد على عتبة البزق وسألت أين سترحل هذه القبور إذا صودرت الأرض وصودرت العواطف، لو سلّمت دموعك لربابةٍ تنعي من سلمناهم لأنظمة الملح شعراءَ مقاتلين مواطنين فأعادتهم لنا الأنظمة في التوابيت، لعرفت الآثار السلبية للقمع على مواسم القمح في الشعر، ولو أنّك حملت غيتاراً في لحظة غضبٍ ولحّنت قصيدةً غاضبةً للوركا تستفيض في شتم الفاشيين، لأصبحت يسارياً، ولو أنّك درست التوازنات الموسيقية في وتريات مظفر البذيئة لقدّرت بذاءة المرحلة وبذاءة الصحافة، ولعرفت أن الوطن البديل هو وطن بليد في كراسات التلامذة الذاهبين إلى الموت كل صباح، لو أنك أحببت الموسيقى للبست كفنك وتزعمت جبهةً ثورية جديدة تخطف الطائرات وتبادلها بالحقول..

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

لو أنّك قبلت يد أمك مرة، لقبلت تراب الأرض مرات، ولو أنك انتسبت في طفولتك إلى صفوف الحليب والزيت أمام وكالات الغوث أو انتسبت إلى حملة شهادات الفقر في مخيمات الصفيح ونقابات الرسم على الحيطان، لعرفت قيمة القتال من أجل رغيفٍ نريده أن يأتينا من تنورٍ لم تحمله قافلة النزوح من غربة الموت إلى الموت في الغربة، يوم لم يقْبل جدنا أن يبع داره لشذاذ الآفاق فأعدموه رمياً بالخوف، لعرفت قيمة القتال من أجل وجبة سمكٍ يحملها موج يافا على كتفي موجةٍ تركض خلف الصياد وتقسم عليه أن يترك لها قدميه في خدها رمزاً للهوية النقية.. لو أنّك فقط.. لو أنّك أنتَ أنا، أو أنتَ شهيق مقاتلٍ أو زفيره، لو أنك خصلة طفلةٍ مكتوبةٍ كقصيدةٍ أو ضفيرة، لو أنك لكَ أنتَ وطناً ممنوعاً من الصرف.. لفهمت قضيتنا.. لتطرفت ولرفضت ولسميت نفسك شاعراً متفجراً غيظاً وثورة.

لو أنك فقط تسمع.. أيها العالم.. لو أن لك أذنين على شكل زنبقة : لسميت الأشياء باسمنا: مقاومة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

صباح الخير يا بيروت

23/03/2012

خضر سلامة

صباح الخير أيتها القديسة المغتصبة بالمال… صباحك يا بيروت.

لا

للمرابطين في شوارع ستينات القرن الماضي يلوحون من خلف البحر لعبد الناصر وينتظرونه صنماً عربياً على قمم الأرز، مأخوذين بعاطفة العروبة وعقل القضية.. صباح بسيط كبساطة أحلامهم.

وللذين شرّعوا قبيل التقاتل نافذة الفجر على كوفية فدائي ومسحوا جراح الخارطة الفلسطينية بالنقش على الحيطان أنشودةً وصراخاً… صباحهم أيضاً.

صباح تل الزعتر والنبعة وشاتيلا… وشارع صبرا المتكيء على أشلائنا المأخوذة بالتاريخ، صباح الويمبي وصيدلية بسترس، صباح الشوارع وذاكرتها التي لا تنَسى، ولا تسامح، فالمسيح في بيروت أقسم هذه المرة من فوق صليبه ألا يغفر لمن يدرون أو لا يدرون، فحذروا طوائفكم من بيروت.

أي شيءٍ يخرج من قهوة الماغوط على شرفة البحر؟ وأي شيءٍ يعود مع حنجرة مظفر البذيئة في هذا الزمن البذيء؟ ولماذا تصفعين عينيّ بالدمع كلما قرأت نزار، أو قلبت في وجه درويش بحثاً عن ملامحك الحزينة يا بيروت؟

لست مأخوذاً بفيروز اليوم، ولا حملني إليك عشقٌ ولا شوق.. بل حملني جلد الذات، يا بيروت التي أحرقناها غضباً مرة، وأحرقتنا بالحسرة مراتٍ مرات.. ندمٌ إن عرفنا أنّا أسقطنا من يديكِ قلماً، وحمّلناكِ بغباءٍ دفتر شيكات.. نندم إن رأيناهم يشدون عليك ربطة عنقٍٍ تخنقنا بصور الحطة والعقال الساقطتين عن كتف انتمائنا… ما أقبح وجهنا في مرآة البحر على رمالك.. ما أقبح بيروت التي لا أظننا نعرفها، ما أجمل بيروت التي نشتاقها عندما يأخذنا الخمر إلى خط ماجينو… هزَمَنا المال، وهزمتنا الرجعية التي تتقي بقشرة الحضارة.. والعولمة!

صباح الخير والزعتر، صباح الكنيسة التي لا زال خادمها يقرع جرسها ولم يُستبدَل بعد بجرسِ «ديجيتال»، صباح الجامع الذي يعتلي مؤذنه الشمس ليصدح باسم الله ولم يسجل صوته بعد على مذياعٍ ينشّز ازعاجاً.. صباح الله أيتها المؤمنة التقية.. صباحك أيتها الداخلة الى فراش العز والمجد والشعر.. وبعض الشعر تأريخ.

صباح الخير لوجوه الفقراء الآتية من ساحة البرج، لا ساحة الطوائف، للأبيض والأسود في حكايات والدي عن بائعي الخضار وماسحي الأحذية المأخوذين بحلم المخمل على أكتاف الطبقية… صباح الخير لوسط المدينة وفيه باصات الأرياف تنتظر الباحثين عن كسرة خبز فيك، لا وسط فيه كلاب الأمن وقردة الاستهلاك البشع. صباح المدينة التي ألبسوها فرح الأضواء لتخفي غصباً ليل الجائعين، والتي يكنسون عن وجنتيها الورديتين عرق النازحين من التعب إلى التعب، وهي، كطفلةٍ مكسورة الخاطر، تبحث عن بكارتها تحت رؤوس الأموال المتكدسة عفناً وعهراً… وأسمعها تبكي وإن زوروا بكاءها بالضحك، أو بربيع «الازدهار».. مثلاً.

لكم أنتم بيروتكم ترقص مع اللصوص على جثث الهاربين الى وطنٍ آخر، ولي أنا بيروت أخرى لا زالت ترقص على نغم «هنا جيش الدفاع الاسرائيلي، لا تطلقوا النار… نحن منسحبون».. لا.. بل مندحرون!!

لكم بيروتُ أخرى، يزني بها النفط العربي والدولار الأميركي، ولي أنا بيروت تتأبط معولاً، وتنصب للجنوبيين خيمةً ثم تمضي للقتال إن نادتها يافا.

لكم مدينة أخرى في بلاد أخرى، ترتفع بالاسمنت بوجه الشمس وتتكبر… ولي أنا مدينةٌ من عمر الزبَد، لا زالت تعانق الأرض وتحْضِر ماءً لفلاحٍ في البقاع وزوادةً لآخر في عكار، وتكابر لا تتكبر!

لكم الموفنبيك والفينيسيا، والملاهي الليلة، ولي أرجوحة العيد الصدئة، وكورنيش البحر وصنارة الصيد.

لكم بيروت التي تتجشأ طرباً وأفخاذاً وتزدحم بالأثداء والجنس، ولي بيروت التي تسهر مع قلمٍ ودفتر، ومقعدٍ عجوزٍ في حديقة الصنائع يهتف حباً وقمراً ووطناً وبكاء.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح».

تلك بيروت، فلا بيروت تجدها في الشفاه الغليظة للمستقبل القاتم، ولا هي تلك التي تطلع في صفحات الأخبار ونشرات الاقتصاد.. بيروت في القلب، وفي الذاكرة أيضاً.

بيروت، وإن كنتِ حرفاً على ورقة، لك من ناجي العلي كل يومٍ ريشة ووردة… وصباح جديد، أيتها الفاتنة الخارجة من رحم الفينيق كثقب قصيدةٍ خطيرةٍ في جدار الانحطاط.. أيتها المنكوبة بالدمار مرة، وبالإعمار مرة.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح»

روحٌ من أرواح المتنبي الألف.. عربية!

مدونة جوعان على الفيسبوك

صباح الخير يا بيروت

25/08/2009

خضر سلامة

صباح الخير أيتها القديسة المغتصبة بالمال… صباحك يا بيروت.

hanzala 240x320 للمرابطين في شوارع ستينات القرن الماضي يلوحون من خلف البحر لعبد الناصر وينتظرونه إلاهاً عربياً على قمم الأرز مأخوذين بعاطفة العروبة وعقل القضية.. صباحهم.

وللذين شرّعوا قبيل التقاتل نافذة الفجر على كوفية فدائي ومسحوا جراح الخارطة الفلسطيني ة بالنقش على الحيطان أنشودةً وصراخاً… صباحهم أيضاً.

صباح تل الزعتر والنبعة وشاتيلا… وشارع صبرا المتكيء على أشلائنا المأخوذة بالتاريخ، صباح الويمبي وصيدلية بسترس، صباح الشوارع وذاكرتها التي لا تنَسى، ولا تسامح، فالمسيح في بيروت أقسم هذه المرة من فوق صليبه ألا يغفر لمن يدرون أو لا يدرون، فحذروا طوائفكم من بيروت.

أي شيءٍ يخرج من قهوة الماغوط على شرفة البحر؟ وأي شيءٍ يعود مع حنجرة مظفر البذيئة في هذا الزمن البذيء؟ ولماذا تصفعين عينيّ بالدمع كلما قرأت نزار، أو قلبت في وجه درويش بحثاً عن ملامحك الحزينة يا بيروت؟

لست مأخوذاً بفيروز اليوم، ولا حملني إليك عشقٌ ولا شوق.. بل حملني جلد الذات، يا بيروت التي أحرقناها غضباً مرة، وأحرقتنا بالحسرة مراتٍ مرات.. ندمٌ إن عرفنا أنّا أسقطنا من يديكِ قلماً، وحمّلناكِ بغباءٍ دفتر شيكات.. نندم إن رأيناهم يشدون عليك ربطة عنقٍٍ تخنقنا بصور الحطة والعقال الساقطتين عن كتف انتمائنا… ما أقبح وجهنا في مرآة البحر على رمالك.. ما أقبح بيروت التي لا أظننا نعرفها، ما أجمل بيروت التي نشتاقها عندما يأخذنا الخمر إلى خط ماجينو… هزَمَنا المال، وهزمتنا الرجعية التي تتقي بقشرة الحضارة.. والعولمة!

صباح الخير والزعتر، صباح الكنيسة التي لا زال خادمها يقرع جرسها ولم يُستبدَل بعد بجرسِ «ديجيتال»، صباح الجامع الذي يعتلي مؤذنه الشمس ليصدح باسم الله ولم يسجل صوته بعد على مذياعٍ ينشّز ازعاجاً.. صباح الله أيتها المؤمنة التقية.. صباحك أيتها الداخلة الى فراش العز والمجد والشعر.. وبعض الشعر تأريخ.

صباح الخير لوجوه الفقراء الآتية من ساحة البرج، للأبيض والأسود في حكايات والدي عن بائعي الخضار وماسحي الأحذية المأخوذين بحلم المخمل على أكتاف الطبقية… صباح المدينة التي ألبسوها فرح الأضواء لتخفي غصباً ليل الجائعين، والتي يكنسون عن وجنتيها الورديتين عرق النازحين من التعب إلى التعب، وهي، كطفلةٍ مكسورة الخاطر، تبحث عن بكارتها تحت رؤوس الأموال المتكدسة عفناً وعهراً… وأسمعها تبكي وإن زوروا بكاءها بالضحك، وبربيع «الازدهار».. مثلاً.

لكم أنتم بيروتكم ترقص مع اللصوص على جثث الهاربين الى وطنٍ آخر، ولي أنا بيروت أخرى لا زالت ترقص على نغم «هنا جيش الدفاع الاسرائيلي، لا تطلقوا النار… نحن منسحبون».. لا.. بل مندحرون!!

لكم بيروتُ أخرى، يزني بها النفط العربي والدولار الأميركي، ولي أنا بيروت تتأبط معولاً، وتنصب للجنوبيين خيمةً ثم تمضي للقتال إن نادتها يافا.

لكم مدينة أخرى في بلاد أخرى، ترتفع بالاسمنت بوجه الشمس وتتكبر… ولي أنا مدينةٌ من عمر الزبَد، لا زالت تعانق الأرض وتحْضِر ماءً لفلاحٍ في البقاع وزوادةً لآخر في عكار، وتكابر لا تتكبر!

لكم الموفنبيك والفينيسيا، والملاهي الليلة، ولي أرجوحة العيد الصدئة، وكورنيش البحر وصنارة الصيد.

لكم بيروت التي تتجشأ طرباً وأفخاذاً وتزدحم بالأثداء والجنس، ولي بيروت التي تسهر مع قلمٍ ودفتر، ومقعدٍ عجوزٍ في حديقة الصنائع يهتف حباً وقمراً ووطناً وبكاء.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح».

تلك بيروت، فلا بيروت تجدها في الشفاه الغليظة للمستقبل، ولا هي تلك التي تطلع في صفحات الأخبار.. بيروت في القلب، وفي الذاكرة أيضاً.

بيروت، وإن كنتِ حرفاً على ورقة، لك من ناجي العلي كل يومٍ ريشة ووردة… وصباح جديد، أيتها الفاتنة الخارجة من رحم الفينيق كثقب قصيدةٍ خطيرةٍ في جدار الانحطاط.. أيتها المنكوبة بالدمار مرة، وبالإعمار مرة.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح»

روحٌ من أرواح المتنبي الألف.. عربية!

مجلة الرأي الآخر
منتدى الصوت الحر

Bookmark and Share


%d مدونون معجبون بهذه: