دموع الرجل الأبيض

18/01/2015

خضر سلامة

Le sanglot de l’Homme blanc

دموع الرجل الأبيض، أحد أشهر كتب الفرنسي باسكال بروكنر.. في هذا الكتاب اعتذار بإسم جيل كامل من اليساريين السابقين الأوروبيين موجه إلى الثقافة الأطلسية عام 1983، الكتاب يمثل عصارة تجربة بروكنر وآني كريغل وبرنار هنري ليفي وفينكلكراوت وجيرار شاليان وغلاكسمن وغيرهم من نجوم الثمانينات الذين جمعهم قاسم مشترك واحد: الاعتذار.

اعتذرت النسخات الأوروبية من الشيوعيين اللبنانيين السابقين “النادمين” على الصدام مع الفاشيين واسرائيل سابقاً، قبلهم بكثير، بل ربما أن الاعتذارات الأوروبية آنذاك هي التي خلقت متأخرة، التجارب الثقافية العربية ليساريين سابقين تابوا “ع بكير” واعتذروا.

ما الذي يجمع هذه الأسماء بهذه التجارب؟ هذا الكتاب يمكن أن يجيب عن السؤال، فبروكنر يحمل العالم الثالث مسؤولية تخلفه: القبائلية والطائفية والفساد وغيرها من الصفات التي نعرفها، هي سبب تخلف العالم الثالث، وهي أسباب عضوية، وتالياً على الرجل الأبيض أن يكف عن ذرف الدموع.. وهذا الكتاب كان قصفاً مباشراً على ما تبقى من اليسار السوفييتي الأوروبي في تلك الفترة وهو يتراجع أمام تفتت شرق أوروبا ومسألة القوميات.

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

إذاً، في الثمانينات ولد “الفلاسفة الجدد” وأصبحوا تياراً مؤسساً لثقافة جديدة.. هذه الثقافة تحمل الناس غير البيض مسؤولية دمهم وجهلهم وتخلفهم، يصبح القتل في شرق المتوسط أسبابه محلية تحت شعار “ما نحن كلنا داخلنا داعش صغير”.. أما القتل في شمال المتوسط، أسبابه خارجية، إرهاب خارجي، مهاجرون عرب عالمثالثيون متخلفون… وتتعطل فجأة الحجج المحلية (فقر بطالة تمييز قانوني وبوليسي ووحظوظ أقل بمرتين ونصف في التوظيف إذا كان اسمك عربياً)

هكذا.. عليك أن تذرف الدموع إذا ضرب يهودي في شارع أوروبي، ولا تكترث لخمسين حادث عنصري ضد المسلمين في ثلاثة أيام بعد حادثة شارلي إيبدو، ويجب أن يدب الذعر في جسد الثقافة العالمية إذا قطع رأس صحافي أميركي، ولا تسمع أحد يعترض حين يقصف الأميركي موكب صحافي في العراق عام 2007 ويقتل الاسرائيلي 17 صحافيا في أسابيع الحرب على غزة،  ويعتبر حادث أمني في باريس أو لندن أو غيرها خبراً أولاً، فيما مجزرة بسبعين قتيلا في اليمن أو مئة في العراق أو ألفاً في سورية، خبراً عادياً بالنسبة لأخبار “هكذا بلاد”، والقمع البوليسي للسود في أميركا والفوضى الأفريقية المصنعة بشركات السلاح والبشر في أفريقيا طبيعية، لأن العالمثالثي لا يجب أن يفك الطوق عموماً.

الفلاسفة الجدد كانوا تياراً عام 1983، كالعرب الجدد اليوم، وكانوا يعتذرون من الرجل الأبيض على حماقاتهم حين ناصروا شعوب العالم الثالث الذي يتحمل مسؤولية تخلفه ولا حل أمامه إلا بتقليد أخلاق وسياسات وعلاقات الغرب العامة ومعاييره الديمقراطية والاقتناع بالحرية الشخصية لا بمصير الجماعة، اليوم أصبحت الفلسفة الجديدة سلوكاً يومياً ومزاجا عاماً، يعرف أن هناك جوع وفقر وحروب، ولكن مسؤوليتها ليست على البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاستعمار وجرائمه السابقة وصناعته لدول عاجزة وتجارة الأسلحة والمخدرات وكارتيلات الغذاء والدواء.. كلا، المسؤولية هي على هؤلاء العالمثالثيين الجاهلون.

يعتذرون من بلادنا، من تحت ركام القصف اليومي والذبح اليومي عن جريمة في باريس.. ويبكون عليها ويضيؤون لها الشموع، ويحملون المسؤولية لهؤلاء “المهاجرين” “ذوي الأصول غير الشقراء”، ذوي الأسماء غير اللاتينية الذين طبعا، بداخلهم “داعش صغير” لا يوجد داخل الرجل الأبيض (يوجد داخله ميكي ماوس ربما).. هل انتبهوا إلى نازية وعنصرية هذه الكلمات مثلا؟.  يعتذرون ويقفون بالصف ليعزوا بقتلى، يبررون قتل مثلهم في بلاد أخرى بحجج سياسية أخرى، ويعترضون على العنصرية ضد وافدين في مجتمعات أخرى، فيما يدعون إلى ممارستها ضد “الأصول العربية” في بلاد “الرجل الأبيض” من أجل حمايته من أشرارنا.. نحن المتخلفون.

دموع الرجل الأبيض في عيون اليسار الجديد في  الفلسفة الجديدة.. الساخر في هذا العنوان هو أنه عنوان جدي، وأن ثمة من يصدق هذه الدموع.

Advertisements

العرب الخائنون وأفريقيا في مظاهرة باريس

12/01/2015

خضر سلامة

أثارت مظاهرة “الإرهابيين الي بيلبسو بدلات” في باريس ضد “الإرهابيين الي بيلبسو دشداشة” الكثير من الأسئلة حول شكل التوازن العالمي القادم وبوصلة خطابه السياسي.
الصورة التي انتشرت ملايين المرات لهولاند متوسطاً مجموعة من الزعماء معبّرة، خصوصاً لناحية تقدم نتنياهو المسيرة إلى جانب أولاند.. وبينهما رئيس دولة أفريقية اسمها مالي، إبراهيم كيتا.

لم ينتبه الإعلام العربي إلى هذا التفصيل في المشهد: المدهش هو أن مالي يفترض انها قطعت العلاقات مع اسرائيل منذ 1973 ملتزمة بقرار المجموعة الأفريقية بعد تهديدات نفطية وإغراءات استثمارية عربية… طبعاً لم يصدق أي منها.

هولاند - ابراهيم كيتا - نتنياهو

هولاند – ابراهيم كيتا – نتنياهو

إلا أن خطاب الرئيس المالي السابق تراوري العام الماضي في أديس أبابا الذي هاجم فيه الدول العربية بعنف واتهمها بالنفاق في موضوع الإرهاب في بلده، كان جرس الإنذار الأخير.. تراوري اتهم الأنظمة العربية علناً بخيانة مالي  فيما انقضت من بعدها صحافة مالي على مهاجمة الدول العربية التي تدعم الإسلاميين ومهاجمة القضايا العربية عموماً، خصوصاً مع تلكؤ السفراء العرب في إدانة الأعمال الإرهابية في أقاليم الشمال أو التحرك لرعاية حملة حقيقية لإظهار الموقف بوضوح من الإرهاب في البلد الغرب أفريقي.

لم يدعم العرب أفريقيا ولم يردوا لها جميلها واستثمروا في بنوك أميركا وملاهي أوروبا عوضاً عن إدارة أموالهم في أفريقيا التي تحتاجهم كما يحتاجونها.. عوضاً عن ذلك، تفرغت الدول العربية (السعودية خصوصاً) لانشاء مدارس وهابية وإرسال شيوخ الفتنة إلى مسلمي أفريقيا، خربوا ما خربوه في الصومال ونيجيريا ومالي.. وها نحن نرى “المثال السعودي” يطبق في كل أنحاء القارة ويتمدد.

بحجة الصومال، وخطر الاسلاميين فيها.. أصبحت أثيوبيا أهم زبون للتقنيات العسكرية الاسرائيلية ثم أوثق حليف لتل أبيب في المنطقة، كذلك تسربت إسرائيل إلى التبادل العسكري والاقتصادي مع كينيا بنفس الحجة، قبل أن تدخل السوق النيجيرية بحجة مساعدة نيجيريا على محاربة الإرهاب، ومنذ العام الماضي والصحافة الاسرائيلية تدعو نتنياهو إلى دخول مالي سياسياً وعسكرياً مع نمو العداء تجاه العرب هناك بناء على دعمهم للإرهاب.

لقد خسرت الجامعة العربية أفريقيا في وقت قياسي، استطاعت السعودية في أقل من عشرين عاماً أن تدمر كل محاولات منظمة عدم الانحياز “في عزّها”، وأن تدفع بمعظم أفريقيا إلى تل أبيب التي تلقفت كل من نفر من “العرب الإرهابيين”… المثل الأفريقي مهم جداً لأنه يمثل التقاطع المخيف بين نمو الإرهاب الجهادي السلفي حول العالم، واستفادة اسرائيل منه بتطبيع علاقاتها وحشد العالم ضد إسلاميين آخرين (حماس وحزب الله).. لن يميز الزبون البعيد سياسيا وثقافيا عن المنطقة، بينهم وبين من يعاني منهم.

أما من لم ينتبه بعد لما يحدث في أفريقيا والهزائم العربية المتتالية هناك، فما عليه إلا أن يلاحظ تراجع نفوذ ودور الجاليات العربية لا سيما اللبنانية والسورية والفلسطينية في دول غرب أفريقيا وصعود دور الجاليات والشركات الاسرائيلية في الحرب الباردة التي تدور منذ سنوات.
إبراهيم كيتا متأبطاً نتنياهو… هذا المشهد هو أهم ما في الصف الأول بالأمس.

ميا خليفة للجمهورية

06/01/2015

خضر سلامة

مدد يا ميا خليفة

Untitled

Mia Khalifa for presidency

تحتل مواقع الأفلام البورنوغرافية مراتب متقدمة في أكثر عشرين موقعاً يُزار في بلادنا، أما البحث عن الكلمات المتعلقة بالسكس على غوغل، فهي ضمن قائمة المئة “ترند” اليومية.. في وقت تشير احصائية ميديا ميتركس إلى أن 70 بالمئة من مستخدمي الانترنت في العالم يعترفون بأنهم مدمنون على مشاهدة هذه الأفلام، من بينهم 10 إلى 28 بالمئة من النساء.
وطبعاً.. لظروف اجتماعية وثقافية معينة، أتوقع أن تكون هذه النسب أعلى في بلادنا… في هذه البلاد التي إذا قيست علاقات شعوب العالم بنفسها عبر شتائمها، للاحظنا أن أكثر الكلمات رواجاً في مزاحهم أو تخاصمهم هي العضو التناسلي للمرأة والرجل على حد سواء.

من جهة أخرى، الإعلام اللبناني الذي يهاجم ميا خليفة، هو نفس الإعلام الذي تستجدي مواقعه الرسمية على الانترنت وضع أي كلمة عن السكس لتسول الزوار الذين يشدهم ذلك (عناوين مواقع وسائل اعلامية على الانترنت ومعظم المواقع الأخبارية الأخرى) أما الأم تي في، فهي تتميز عنهم كلهم أن الإغراء الجنسي من مواصفات التوظيف الأساسية،  ومجمل هذا الإعلام يفضل النكات الجنسية الفجّة في برامجه الكوميدية وينبش مواضيع جنسية غريبة عجيبة في برامجه الاجتماعية، لأن جمهورها واسع.

هذا طبعاً إذا لم نفتح باب الأسرار المغلقة في حلقات التحرش الجنسي بالأطفال في الأديرة (كفضيحة المنسنيور منصور لبكي) وفي المدارس الإسلامية (أغلق الناس آذانهم عن فضيحة المقاصد مثلا)، ونقاشات لا زالت موضع أخذ ورد حول مواضيع الدعارة الشرعية وتزويج القاصرات والاعتداءات الجنسية داخل المنزل الواحد.. سواء على الاطفال أو العاملات المنزليات أو حتى الاغتصاب الزوجي

الحقيقة الساخرة هي أن البلد الذي هرع لشتم ميا خليفة صباحاً، يحتفظ بصورها ليستمني ليلاً.

أفلاطون لا زال يحلم

17/12/2014

خضر سلامة

لقد أراد أفلاطون وضع الفلاسفة (مثقفي اليونان) أعلى سلم المجتمع في مدينته الفاضلة، لكن ذلك لم يكن ممكناً لا في عصره ولا في العصور اللاحقة.. لم يتمكن الفلاسفة في أي مرحلة من مراحل الحضارة البشرية من الوصول إلى مربع السلطة المطلقة، كما تمنى أفلاطون في أحلامه.

حتى مرحلة متقدمة من التاريخ (التسعينات)، كان الجو العام للمثقفين على يسار العالم، معارضين شرسين للرأسمالية. الفيلسوف الأميركي الليبرتاري روبرت نوزك نشر واحداً من أشهر أعماله الأخيرة أواخر التسعينات ليجاوب على سؤال “لماذا يعارض المثقفون الرأسمالية”، وفي عمله هذا يرى نوزك أن السبب هو التميز الذي يحظى به المثقف في مؤسسة الدراسة، والذي يبدأ بفقدانه ما ان يدخل سوق العمل حيث لا يبقى لثقافته ومعرفته الواسعة، أي إضافة في عملية الانتاج.

ورغم أن هذه النظرية شاعت.. إلا أن ناقدها كان عالم الاجتماع الهولندي الراحل ارنست فان دن هاغ، الذي نقض النظرية موضحاً أن الشهرة في المؤسسة الدراسية، لا تكون عادة من نصيب من يحبه الأساتذة، بل نقيض ذلك تماماً.. وأن المثقفين لا يفقدون، على الأقل في بدايات هذا القرن الصاخب، دورهم ورونقهم في عملية الانتاج، بل بالعكس، في القرن الواحد والعشرين، قد لا يجد المثقف دوره إلا في قلب الرأسمالية.

Alexander Medvedev - Russia

Alexander Medvedev – Russia

كيف هذا؟
لقد تغيرت الأحوال، في بدايات القرن العشرين كان المثقف ملتحماً بالجماهير، بسبب طبيعة الأحزاب الايديولوجية لا سيما الماركسية بتنوعاتها، الصاعدة من رحم الريف (كالصين) أو من رحم المدينة (كالسوفييت)، كان دور المثقف يصبح أكثر وضوحاً حين يكون في حزب جماهيري، يؤمن له التميّز.
إلا أن الرأسمالية، كعادتها.. تملك حلولاً لكل شيء: استفاقت المصارف على حقيقة مهمة بعد الحرب الثانية، لماذا لا نستثمر في مؤسسات الثقافة نفسها؟ وبدأت الصحف تتحول إلى مجالات استثمارية، ومراكز الدراسات تفرّخ (ومعها أسطورة أنها تصنع مزاج البلد السياسي)، التلفزيونات بقيت كما هي منذ نشأتها: شركات للإيجار.. وتكاثرت.
أصبح للمثقف مهنة: باحث، صحافي، عامل اجتماعي أو محلل أو خبير في مجال ما.. مصدر رزقه مرتبط بالمؤسسة التي يعمل فيها، والخاضعة لنظام استثمار رجال الأعمال فيها.

هل يكره المثقفون الرأسمالية اليوم؟
لا شك أن المثقفين في عصرنا – من خارج الأطر الماركسية العقائدية الصلبة – مدهوشون بالرأسمالية، ومعجبون فيها.. الأزمة في كتاب صحف النفط ومواقعه ليست في القرار السياسي لصاحب الصحيفة بعدم انتقاد أميركا مثلاً، الأزمة هي أن هؤلاء، وبعضهم رفاق سابقين، معجبون حقاً بالرأسمالية، فالعلاقة معها علاقة أكثر من مادية فقط كما يرى خصومهم.. العلاقة مع الرأسمالية هي علاقة دور، لقد قدمت لهم الرأسمالية دوراً في المجتمع، أقنعتهم على أساسها أن لهم دوراً في القرار السياسي، كما كان يشتهي افلاطون.

وهنا يأتي دور المهرجانات الثقافية التي يرعاها أمراء الصحراء، واللقاءات الدورية مع معاهد أبحاث ودراسات (تنتج أفكاراً يريد المستثمر ترويجها)، والزيارات إلى مساعد حاجب مدير مكتب أمير ما أو ضابط استخبارات، وبهارات اللغة الانكليزية وملح الخبراء الأجانب والمستشارين الاعلاميين المستوردين أو الوظائف ذو التسمية الأنيقة والمكاتب الفاخرة لصحف لا يقرأها أحد: اقناع المثقف أنه صاحب دور، ليستشرس أكثر في الدفاع عن رأي ليس مقتنعاً به بالضرورة.. لكنه معجب بأناقة أصحابه ولا شك.

AUB LEAKS

19/11/2014

خضر سلامة

– روابط تحميل آخر النص –

لم تكن إدارة الجامعة الأميركية في بيروت  يوماً صديقاً جيداً للطلاب، فالجامعة تشتهر بأقساطها التصاعدية عاماً بعد عام دون أسباب واضحة في تعليل الزيادات، ودون استجابة للاعتراض الطلابي ضد نهب جيب الطالب سنوياً، برفع الكلف الدراسية وقصقصة المنح، إلى جانب التعامل بقبضة حديدية مع كل ناشط سياسي داخل حرم الجامعة خصوصا في القضايا “المُحرجة” لإدارة الجامعة الأميركية.. كفسادها مثلا.

ولكن الزميل حسين مهدي من صحيفة الأخبار اللبنانية تفرّغ لفكفكة “الأساطير المؤسسة” للفساد الجامعي داخل الأميركية، وكشف في حلقات متتالية (2) بالأدلة والأسماء، ما يثبت ما يعرفه الطلاب بمعظمهم: الفساد ينهش في الAUB، والجشعون لا يشبعون من أكل حقوق الجامعة وطلابها.

Corruption in AUB

Corruption in AUB.

*يذكر أن الصحيفة نفسها (الأخبار) كانت قد نشرت قبل عامين في مقال للزميل حسن شقراني، معلومات عن تقرير قدمه رجل الأعمال نبيل الشرتوني “المقصيّ” من مجلس أمناء الجامعة، يعرب فيه عن “قلقه البالغ من احتمالات الفساد، سوء الإدارة، التبذير، ضعف الحوكمة، السرقة وصراع المصالح في الجامعة”

القضية وصلت إلى المدعي العام في نيويورك الذي سيستلم التحقيق في ما كشفت جريدة الأخبار سابقاً، مدونة جوعان تضع بين أيدي القراء بعض المراسلات البريدية بين إداريين وموظفين في الجامعة، تثبت تورط الجامعة في فساد ضخم، يدفع ثمنه الطلاب، ويحصد ملايينه منتفعون وفاسدون

حمّل الآن المراسلات البريدية التي تثبت فساد إدارة الجامعة الأميركية في بيروت، والتي تحاول الجامعة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، الضغط لمنع تداولها..

DropBox

Googledocs

المجتمع المدني: أنطونيو غرامشي أو البنك الدولي

10/11/2014

خضر سلامة

(أنطونيو غرامشي: مفكر ومناضل ماركسي – شيوعي إيطالي قُتل في سجون موسوليني ومناقش نظرية التحكم بالثقافة كإحدى وسائل السلطة الرأسمالية*)

المجتمع المدني، كلمة فضفاضة تستعمل في كل مكان، في الأحداث السياسية وفي المؤتمرات الاقتصادية وفي الحملات الحقوقية، معظم الوصف الحكومي السائد يجاري التوصيف البريطاني: المكان “بين الدولة والقطاع الخاص”، فيما يُسلم جدلاً في الخطاب المتداول بأنه خليط من منظمات غير حكومية إلى جانب منظمات غير ربحية (تتشدد اسرائيل – على عكسنا – في التمييز بين الاثنين).

في المجتمعات الرأسمالية، حيث تحكم علاقات التجارة العالمية، يكون المجتمع المدني غالباً لجمعيات غير حكومية ممولة عن طريقين رئيسين: إما متمولين محليين (بنوك، عائلات سياسية، أعمال خيرية لشركات تغسل ضرائبها) وإما، في البلدان الأقل نمواً، بتمويل أجنبي (مؤسسات دولية، وكالات أميركية وأوروبية وأممية للتمويل)، وهذا الفتات من الملايين سنوياً لكل بلد يكون عادةً تعويض اللصوص البيض لنا، عن الغائنا الضرائب على بضائعهم وفتحنا مصارفنا لهم. ويكون خطاب هذه المنظمات “غير الحكومية” دائماً مطالباً بتحقيق قيم ليبرالية غالباً (وهذا ليس ذماً ولا مدحاً بهذه القيم) كالانتخابات الديمقراطية (على الطريقة الغربية) والحقوق الفئوية (الجندرية، الجنسية، الأقلوية) والحريات الفردية، وتغيب عن خطاب الحرية الجماعية (الاصلاح الحزبي، التحرير السياسي، التغيير الدستوري)

أما في المجتمعات المحافظة اقتصادياً، والأقل تضرراً من البنك الدولي، فإن المجتمع المدني غالباً هو مؤسسات بخطاب أكثر محلية، ويشمل الاتحادات العمالية والنقابات والمنظمات التطوعية والكشفية والتربوية والطلابية، ويتعداها إلى الروابط الاقتصادية الحرفية والخدماتية أحياناً، ويكون خطابها حقوقي جماعي غالباً، من ناحية مطالب تحسين شروط المعيشة والتحكم بالأسعار وقوانين العمل، بالإضافة إلى انخراطها في معظم الأمثلة في الصراعات الوطنية التحررية ضد أي تهديد خارجي (ولو من “الشرعية الدولية”).

أوليغ درغاشوف - كندا

أوليغ درغاشوف – كندا

في كتاب “المجتمع المدني: تاريخ نقدي لفكرة” لجون اهرنبرغ، يشير إلى حقيقة مرعبة، وهي أن ما يُعرف اليوم ب”اليسار الجديد”، أي اليسار المقتنع بجدوى الخطاب الليبرالي بعد تسليمه بالهزيمة أمام رأس المال بعد الثمانينات، هذا اليسار الجديد بالذات التي يتملكه اقتناعٌ بامتلاكه التفوق الأخلاقي والثقافي والانساني والحقوقي على جميع الاتجاهات الأيديولوجية، يقوم على سوء فهم تاريخي!

وهنا، يستعين اهرنبرغ بغرامشي.. هذا العبقري الإيطالي، الذي يتحجج معظم هذا اليسار بالذات به، اختلف غرامشي حقيقةً مع ماركس في تقييم مؤسسات المجتمع المدني، اقترح غرامشي في نظريته أن المجتمع المدني يملك دوراً حاسماً في تأمين الرأس مال الثقافي للنظام الرأسمالي، ولكن هذا لا يجعله مشكلة (كما رأى ماركس) بل يجعله “ساحة صراع ضد الرأسمالية”.

سلّم اليسار الجديد أن قصد غرامشي هو أن المجتمع المدني – بعلاته – هو أداة في الحرب ضد الرأسمالية. ولم ينتبه هنا للقصد الدقيق لغرامشي: يجب النضال ضد الثقافة الرأسمالية في المجتمع المدني، من أجل تجفيف منابع النظام الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أدق: أنت لا تستطيع أن تطعن دباً (الدولة الرأسمالية) بوسادة (المجتمع المدني حين يكون تحت سيطرة رأس المال الحاكم).

وتالياً.. وقع الخلط، وصارت لازمة “المجتمع المدني” موجودة في كل خطاب، ويتم تقديم المجتمع المدني على أنه صنم جديد لا يمكن تجاوزه ويعبر دائماً عن الخيار الشعبي.. رغم أنه عملياً، يلتزم في حركته بأجندة ثقافية تلتزم تمويلاً مشروطاً ضمن هوامش متفق عليها، كما يقول غرامشي وماركس وهيغل ودو توكفيل، بين النظام الحاكم ورعاته الماليين.

سواء كان أصحاب المال محليين، كنورا جنبلاط وليلى الصلح حمادة وعصام فارس وغيرهم من واجهات المال العائلي و البنوك والشركات “الطيبة”، أو كان أصحاب المال دوليين كاليو أس أيد والأوروبيين وكل من يأتي كهدية ترويجية من قبل البنك الدولي، فإن ذلك لا يغير من حقيقة واحدة: وهي أن المجتمع المدني الحقيقي السليم، هو ذاك الذي يتم اغتياله يومياً، من عمل نقابي واتحادات طلابية ومنظمات تطوعية مجانية خيرية تسعى لتقديم المطالب بحقوق الناس (كجماعة لا أفراد فقط) إلى الدولة مباشرة، لا عبر أشخاص أو مؤسسات محلية أو دولية.

المجتمع المدني (ضمنه المؤسسات الإعلامية كشركات مستثمرة اليوم) كما كان منذ مئتي عام ولم يتغير. لا زال مساحة لاستثمار المال للترويج للثقافة السائدة الحاكمة، والمعركة ليست لالغاء دوره أو استئصاله أو الكفر به، لأنه حاجة وهو مهم وكذلك نقاط التقاء كثيرة بين المصلحة العامة وشعاراته، إن المعركة المطلوبة هي تحرير المجتمع المدني من تحكم المال به وبقراراته وهوامش خطابه، قبل الاعتماد عليه لمحاربة سياسات هذا المال.

الإرهاب: أبعد من جرود عرسال

20/09/2014

خضر سلامة

ابن حمية تطوع بالجيش، الجيش اللبناني الي مدرب كيف يستعمل بارودته للضرب بالمظاهرات، بحال المظاهرة طبعا ما كانت محمية سياسيا، ومش مدرب يستعملها ضد عدو الوطن.
فات عالجيش ابن حمية، لا لأنه مآمن بمشروع الدولة، ولا لأنه قاري عقيدة الجيش، ولا لأنه الجيش اللبناني أقوى جيش بمجرة درب التبانة (وهو جيش مش قادر يفوت ع شارع بباب التبانة)، ابن حمية وغيره، فات عالجيش لأنها وظيفة دولة، ومضمونة، والتقديمات الصحية والاجتماعية بحدها الأدنى، بتضل أحسن من حياة التعتير والفقر بجرود بعلبك او بجرود عكار، لهيك بيبقى عندك خيارات قليلة:
– تطوع بالجيش
– تفوت ع حزب
– تصير طافر وتعيش مع الوحوش بالجرودات
– تجيب فان ونمرة عمومي وتشتغل عالخط

ويمكن، حمية شاف انو شغلة الجيش اسهل شي.. بالأخير الجيش اللبناني ماكسيموم بينتشر، وأوقات كتير بداهم بعد ما تكون الاحزاب المحلية حضرتله المداهمة، وأحيانا بيشتل شجر او بطفي حرايق، بس بالأخير ما ح يفوت بمعركة حقيقية.. واذا أنت عزيزي اللبناني مصدق أنو عنجد، في جيش عديده 40 ألف (مع اللوجستي والموظفين) بيقدر يواجه تنظيم عالمي مثل داعش، بتكون عم تسمع برنامج الجندي أكثر من اللازم.

ابن حمية فات عالجيش، ومات، بس ما مات بمعركة، لاء، مات اعدام على يد ناس معروفين، عندن حلفا معروفين، مات على يد جبهة النصرة، وهي منظمة عسكرية مرتبطة بالقاعدة لديها صحافيين لبنانيين تعاملوا معها ونسجوا علاقات مع قياداتها على مدى السنوات الماضية باسم الثورة وتغطية الحرية الجايي، وعندها سياسيين لبنانيين بيناتهم على الأقل ثلاث نواب ووزير واحد حالي وآخر سابق ورئيس حكومة سابق، أمنوا الغطاء السياسي الها، مات ابن حمية وسلاحه مش معه، بعد ما تدخلت مجموعة خراوات اسمها هيئة العلماء المسلمين ليأمنوا خروج سالم للارهابيين مع المخطوفين قبل أسابيع، وغدروا بوعودهم.. بوقت دولة رسمية عندها سفارة بلبنان، مثل قطر، تفاوض علنا الارهابيين، ودولة ثانية عندها سفارة بلبنان، مثل تركيا، أصبح من المؤكد والمسلم عالمياً، أنها راعية داعش الاستخباراتية.img_1358223259_936

ابن حمية ما مات سكتة قلبية، ولا مات بطل، ولا مات شهيد، مات متل ما بموت أي مواطن رخيص، لأن جان قهوجي بدو يعمل رئيس جمهورية وما بدو يعمل قائد جيش حقيقي لمرة واحدة، ولأن تمام سلام متعاطف سياسيا مع الحدود التي رسمتها السعودية في عرسال، ولأن أشرف ريفي يرعى مشتقات النصرة أمنياً، ولأن صحفجيو قطر مصرين يقنعو الناس انه داعش مش موجودة، مع أنهم هني وياها بيقبضو من نفس المحل.

ابن حمية ما مات شهيد، ابن حمية مات ميتة رخيصة، قدام عيون اللبنانيين الي جزء كبير منهم، بس لنكايات شخصية وسياسية وعقد هزيمة فردية وفراغ سياسي وتعصب طائفي (ديني أو سياسي لا فرق)، مصرين أنو النصرة وداعش قد يكونو حلفاء لهم يوما ما ضد خصومهم السياسيين، وجزء تاني منهم، غير مكترث أصلا أنو في منطقة أكبر من مزارع شبعا، محتلة اليوم من قبل مجموعتين ارهابيتين عالميتين بعلاقات محلية عشائرية – دينية – عسكرية واسعة.

ابن حمية مات، لأن لا زال ثمة من يمتعض ويغط على قلبه انسانيا اذا تم التعرض لأحد معتقلي داعش لدى الجيش او غيره، بينما لا تتحرك مشاعره المدفوعة الأجر بووركشوب او مؤتمر، لما ينقطع رأس جندي أو ينقتل مواطن، على يد نفس “االبشر” الي متضامن معهم.. لأن لما تخالف الجو العام والسائد، بتكون كول أكثر، طبعاً

ابن حمية مات، والقاتل ليس جبهة النصرة فقط، بل كل العكاريت الذين أصروا على مدى السنوات الماضية، أن لا قاعدة في عرسال، وأن رئيس بلدية عرسال لا يعمل مع المسلحين، وأن جرود عرسال ما فيها قواعد ارهابية، وأنو النصرة كيوت وداعش كذبة والخ، ولم يعتذروا يوما، عن استهبالنا.

أول حالة إصابة بفيروس الإيبولا

25/08/2014

خضر سلامة

“إنه الإفلاس الروحي للرأسمالية التي تتحرك دون هامش أخلاقي أو اجتماعي”

هذه الجملة لم يقلها ماركس قبل مئتي عام، ولا غيفارا قبل خمسين عاماً.

هذه الجملة قالها الدكتور جون آشتون، رئيس كلية الصحة العامة في المملكة البريطانية المتحدة قبل شهر في مقال له في جريدة الاندبندنت معلقا على تجاهل العالم لفيروس إيبولا.

في وقت يستمتع فيه الجميع، لا سيما في بلادنا، بتقليد الأغنياء والممثلين والمطربين ولاعبي كرة القدم في تنافسهم على المشاركة في “ترند” حملة سطول الثلج الهادفة للتوعية من مرض نادر جداً لا يعرفه معظم المشاركين، غير فيروسي، لصالح جمعية بدأ الحديث عن شبهة فساد فيها، برعاية مشاهير يتبرعون بمئات آلاف الدولارات ليتم إعفائهم من ضرائب بملايين الدولارات..

في هذا الوقت، قُتل أكثر من ألف وخمسمئة أفريقي بفيروس الإيبولا في الأشهر الأخيرة، دون ضجة كبيرة، لم يهتم المشاهير به بعد، فإذاً لم يهتم الإعلام به، إذاً لم يهتم الناس الاستهلاكيون به، طالما أنه يضرب قارة منسية اسمها أفريقيا، ولم يقترب بعد من العالم الأكثر حظاً، وطالما أنه لم يحصل على حصته من وقت الممثلين وعارضات الأزياء.

الفيروس الذي لا تهتم به شركات الأدوية لأن زبائن دوائه لا يستطيعوا أن يدفعوا ثمنه، والمساعدات لا تزال أقل بكثير من مما يدين به العالم لأفريقيا على جرائمه فيها، وحملات المكافحة تقوم على جهود منظمتين دوليتين فقط، وبضع مئات من المتطوعين الأفارقة.. ومنهم كان الدكتور السييراليوني شيخ عمر خان.

0

خبر إصابة الدكتور شيخ عمر خان بفيروس إيبولا قبل وفاته لاحقاً

شيخ عمر خان بطل محليّ في سييراليون بسبب جهوده في مكافحة الأمراض، لعب دوراً مهماً في مكافحة حمى لاسّا الشبيهة بالإيبولا، وهو الخبير السييراليوني الوحيد في أمراض الحمى النزفية، لكن ذلك لم يجنبه أن ينضم لمئة عامل صحي أفريقي قتلوا بالإيبولا حتى الآن.

“إذا كان جيداً للأميركيين، كان ليكون جيداً لأخي” علّق راي شقيق الدكتور شيخ عمر لرويترز على خبر شفاء أميركيين اثنين أصيبا في ليبيريا ونُقلا للعلاج في موطنهما، محتجاً على نكران العالم حتى اللحظة وجود علاج للإيبولا أو الكشف عن أي تقدم في البحث يمكن أن تنقذ غرب القارة.

دانييل باوش الخبير في الفيروس قال قبل أسبوعين تقريباً، أن هناك تقدم كبير في العمل على محاربة المرض، لكن “الاقتصاد” يقف في وجه الباحثين.

مات البطل الوطني السيراليوني الذي لا نعرفه، لكن الأميركيّين عولجا، وابتسما للصحف المحلية الملونة، وقبل ساعات قرأت خبراً عن أن مريضاً بريطانياً نُقل أيضاً من أفريقيا إلى بلده للعلاج..

الإيبولا تعض أفريقيا، وشركات الأدوية الغربية تجري حساباتها المالية، ووزارات الخارجية الغربية تجري حساباتها السياسية، وباقي البشر يسكبون سطول الثلج على رؤوسهم ويلعبون.

كم نحن لا نفكر بغيرنا، حين لا يكون أبطال التلفزيون في صفّهم،

لا طائرات تتسع للأفارقة.

*أعتذر على العنوان غير المتعلق بالموضوع مباشرة، لكنه محاولة للفت نظر القراء إلى الموضوع

بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

22/08/2014
 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك

سميح القاسم يخرج من معتقل أوشفيتز

20/08/2014

خضر سلامة

إلى سميح القاسم

من حُسن حظي أن خالي، وهو صديقي الشخصي منذ فتحت حساباً في مصرف الذاكرة، كان طالباً في الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، وكان حريصاً على تصيد الكتب العربية الثمينة في ما بيع آنذاك من أرشيف دار التقدم ودار العودة وغيرها من الدور المدعومة من المحور الشرقي، في شوارع موسكو بعد الانهيار الكبير.

وكان منزلنا في بيروت، منزل العائلة كلها تقريباً، لذا كان بيتنا مكتبة المغترب أيضاً، حيث حرص على جمع عشرات الكتاب التي كان يُحضرها في كل زيارة، وفي جو “جامعة باتريس لومومبا” في موسكو، وتحت ضربات حفلات الشعر الثوري المسجلة وحفلات أغاني السبعينات والثمانينات، ربيت، فعرفت أن بوشكين أميراً، قبل أن أعترف بإمارة أحمد شوقي، وقرأت واقعية دوستويفسكي الحالمة، قبل أن أتفتح على أحلام كنفاني الواقعية، وبين أوستروفسكي وينسين ومايكوفسكي وغيرهم، قرأت عن بلاد جميلة، وأحلام جميلة أيضاً، وجدت أسباباً مقنعة لأحزن على مقتل لوركا في اسبانيا، وعرفت أسماءً لم تعد رائجة في عالم الحياة، كوديع حداد وجورج حبش وسانكارا وسلام عادل ومهدي عامل وبن بركة وغيرهم..

ولكن في رزمة الكتب المكدسة في المكتبة الخشبية المهترأة التي استغنينا عن خدماتها حين لم تصبح صالحةً لسياحة الزوار لدينا، كان هناك كتاب مأكولٌ من غلافه، كأن ثمة من “نتش” منه، لم تكن هناك كلمات كثيرة: “ديوان سميح القاسم” فقط.
الكتاب صادر عن دار العودة سنة 1973، اقتناه خالي في أوائل التسعينات ربما من مصطبة تبيع كتباً لتشتري خبزاً.. وهو من ثمانمئة صفحة، صدر في ذروة غليان العالم الثوري من تشيلي إلى الجيوش الحمر في أوروبا إلى انتفاضات أفريقيا وقيامة آسيا واشتداد فكرة التحرير الوطني في فلسطين، وهو مجموعة قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم حتى تاريخه، أي في الرابعة والثلاثين من عمر المناضل الفذ.
أنغولا، شيكاغو، فييتنام، موسكو، الكونغو، برلين، بيروت، عودة إلى حيفا سيراً على اليدين كغزال تائه يبحث عن وطن، هكذا مشيت مع سميح، أذكر كل صفحة وأنا أقلب في الكتاب اليوم بعد عشر سنوات تقريباً على قراءة الديوان، هل هو المسؤول عن نحت جزءٍ من القلب؟ لا أعرف..

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

أعرف أني عرفت بالصدفة عن موته بالأمس، كنا نرسم في الشارع لوحةً عن الطفل محمد أبو خضير، الذي قتله النازيون نفسهم في قصيدة القاسم، في نفس نسخة أوشفيتز التي وصفها.. قالوا أنه مات، ثم أكملوا الحديث، عُدت لأتوقع أن أفتح الشاشة لأمل من خبر موت شخص أحبه كالعادة، بفضل الجرعات الزائدة من النواح، لا الحزن، على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنتخطى الخبر كالعادة بموت آخر غداً ربما، أو زواج فنانة شهيرة.
ولكن، لم أجد الكثير عنك يا سميح، لم يحزن كثيرون… بعد أربعين عاماً من ديوانك هذا، لم تعد نجماً ثورياً، ربما فاتك أن تنتبه، لكن الكثيرين اليوم في العشرين من عمرهم، أو في الثلاثين من عمرهم، لم يسمعوا بسميح القاسم، وربما يخطؤون في معرفة مكان الناصرة على الخريطة، والليمون صار يباع في أسواق أوروبا، على أنه من بساتين اسرائيل.. هذه أمور تحدث يا سميح، لم ينتبه كثيرون أنك مت، ولم يكترث آخرون.
ولكني اليوم، أجلس مع ديوان سميح القاسم نفسه، بعد عشر سنوات ربما على قراءتي الأخيرة لديوان له صدر قبل أربعين عاماً، كان سميح القاسم نفسه، صاحب آخر مداخلة شعرية في قصة حب طويلة عرفتها، وكتابه الأحمر المقضوم من رأسه، في يديّ الآن، أقلب في صفحاته حزيناً، لأن أحداً لم يحزن على الشاعر الميّت، كي أمل الحزن ولا أفكر في انقراض مرحلة من عمر بلادنا الأدبي والسياسي والثوري، دون أن تمتلك حق التوريث لجيل ضائع بين روتانا وداعش.

في الكتاب، أقرأ من قصيدة يوسف لسميح القاسم:
“أحبائي أحبائي، إذا حنّت عليّ الريح
وقالت مرة: ماذا يريدُ سميح؟
وشاء أن تزوّدكم بأنبائي..
فمُرّوا لي بخيمةِ شيخنا يعقوب
وقولوا إنني من بعد لثم يديه عن بُعدِ
أُبشّرهُ أبشّرهُ، بعودة يوسف المحبوب!
فإن الله والانسان..
في الدنيا على وعدِ!”

لا أعرف هل اهترأ الكتاب في المكتبة في فترة السقوط السريع في التسعينات للذاكرة الثورية، أو أن خالي كان قد اشتراه من على رصيف في شارع في موسكو بغلافه المقضوم هذا.. لكني أتخايل الآن، أن جائعاً للإنسان في تلك السنوات اللئيمة، قضم من شعر سميح القاسم في ليلة برد قارسة..
صورة جميلة في البال، أبتسم.

مات سميح القاسم، لكنه لن يختفِ، لا يُمكن لأحد أن يهزم ميّتاً لم يعد لديه ما يخسره، وشعره لا زال في الأرجاء، بين الكتب التي نجدها في أرشيف المدينة، وتكون الكتب الأجمل…
شعره لا زال في الأرجاء، كذلك وطنه.

سميح القاسم تحرر من سجنه، الحاكم العسكري النازي الذي تحدث عنه دائماً، يكمل إدارة المعتقل.. لكنه سيسقط، و”روما أبقى من نيرون” يا سميح.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: