Posts Tagged ‘العنصرية اللبنانية’

عنصرية الدولة لا الشعب

13/03/2013

خضر سلامة

لا يمكن أن تمر نفحة عنصرية في البلد، دون أن يكون للإعلام اللبناني يد فيها، جريدة اليمين اللبناني الرسمية، النهار، تنطحت بالأمس لإعداد تقرير مصور مع عدد من مواطنين تم انتقاء ردودهم جيداً، واختيروا من منطقة واحدة معينة، لافتعال أزمة مباشرة بين المواطن السوري واللبناني في لبنان، فيديو استثار موجة غضب لبنانية وسورية، واتهامات شملت الشعب اللبناني بشكل عام بالعنصرية.

الفيديو يظهر إذاً عينة من شباب لبناني بأعمار صغيرة، يحملون اللاجئين السوريين مسؤولية أزمات الأمن والاقتصاد والسير في لبنان! ويظهرون مخاوف مزعومة – تستر طائفية كبرى أيضاً – من الانتشار السوري الضخم نسبة لمساحة وعدد سكان البلد، فما حقيقة الموقف اللبناني العام من اللجوء السوري؟

لا شك أولاً، أن عقلية الكيان اللبناني قامت منذ منتصف القرن الماضي على فكرة التفوق اللبناني على المحيط، عقلية رعاها الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي قبل الحرب الاهلية، الذي ربط لبنان بالثقافة الغربية، لا الشرقية، هذه العقلية التي عززتها اقتصاديات الخدمات والتجارة ما قبل الحرب، واقتصاديات التهجير المتعمد للكفاءات المهنية والفكرية ايضاً، بدأت بالانحسار مع كوارث الحرب الأهلية وما بعدها، وإن بقيت بالإرث الطائفي المحمول بين الطوائف وانعكاساتها الطبقية من جهة، وأيضاً، ثقافة اللون والعرق والهوية الموروثة. ولكن، ماذا عن السوري تحديداً؟lebanon

أزعم هنا، أن معظم الشعب اللبناني لا يتعاطى بعنصرية مع الوافد السوري، وأن ما يعلو على الإعلام، ليس سوى خطاب سياسي إعلامي عالي اللهجة يحاول التمترس بالتجييش العنصري لغايات انتخابية جماهيرية لا أكثر، كحال اليمين المسيحي (عون مثلاً)، وأن العينات المأخوذة لا تعبر سوى عن أزمة طبقة معينة وجهل شديد، متمركز في أطراف المدن، لا ضواحيها ولا مركزها، فمثلاً، لا يمكن أن نقبل أن نعترف أن هناك عنصرية بالمعنى الجاد للكلمة، في شمال لبنان أو في البقاع، هاتين المنطقتين، متصلتين تاريخياً بالعمق السوري، بل ومنتمية اجتماعيا واقتصاديا لسورية على مدى العقود الماضية، أكثر من انتماءها للبنان، بسبب السياسة الرسمية العلنية بإهمال هذه المناطق، تتصل العشائر ببعضها، والعائلات، واقتصاد الزراعة والتهريب، ما لا يسمح بنشوء أي عنصرية بين اللبناني والعنصري في تلك المناطق تحديدا، لذا نراها الأكثر استيعابا للاجئين السوريين من الطبقات البسيطة الأدنى، لما من علاقات تاريخية بين سكان تلك المناطق تحديدا.

في بيروت، ومراكز المدن بشكل عام والمساكن الفاخرة، ينتشر السوريون أبناء الطبقات البرجوازية العليا وما فوقها، كالحمرا مثلاً، وهناك، لا نلاحظ أي عنصرية، وهي هنا تفسيرها واضح: الغاية الربحية عند التاجر هي فوق أي انتماء عنصري أو عرقي أو هوياتي، فالسوريون النازحون إلى تلك المناطق هم التعويض العلني عن غياب السائح في هذه الأزمة الكبيرة التي تعيشها المنطقة.

ونعود إلى مثال فيديو النهار، الفيديو العنصري الذي يظهر عينات مختارة إذاً، اعتمد على منطقة معينة، يقطنها أيضا سوريون ينتمون إلى الطبقات الوسطى تحديدا، لهذه المنطقة كبعض المناطق الأخرى في البلد، تاريخ سيء مع الوجود السوري تمتد إلى الحرب الأهلية ومواجهات اليمين والجيش السوري أيام حافظ الأسد، مرورا بالخطاب العنصري الذي تعزز بعد الحرب ضد الجندي السوري على سوريته، لا على انتماءه العسكري، ومن ثم، مشاركة هذه المنطقة الفاعلة في 14 آذار وما حوتها هذه الظاهرة السياسية من خطاب ما فوق عنصري تجاه أي وجود سوري وتحميله مآسي البلد كلها.. إلى أن وقعت في حضن الخطاب الإعلامي المتجدد اليوم لغايات طائفية سياسية معلنة ومستترة، ولا نستثن من هذا الاتهام بزرع العنصرية، الخطاب الموجه إلى مناطق أخرى، حول المخاطر الأمنية للاجئين السوريين من حيث تحميلهم وزر نوايا غير مثبتة إلى الآن، بالتحول إلى وقود لحرب أهلية جديدة على أساس تعويض النقص الديمغرافي في فكرة المقاتل السني تحديدا، وما أنتجته من ردود فعل حذرة ومتوجسة، وأعني لدى الشيعة، عوضها إلى الآن، قدرة الضاحية مثلا، على استقبال أكثر من مئة ألف سوري تبعا للعاطفة السياسية التي تصل الشيعية السياسية اللبنانية بالعمق النظامي في سورية وشعور مستمر إلى الآن، بالشكر لوقفة الشعب السوري أيام حرب تموز. كل هذه المراحل العنصرية الناشئة او المتقدمة، الموجودة لا شك، سواء ببعد ثقافي او تاريخي او انفعالي طائفي او خوف مستقبل، علاجها يكون علاجا تاريخيا ثقافياً لا صداميا: سبب أزمات البلد هو البلد نفسه، دولته والسياسيون الذين اخترتم، أزمة الاقتصاد أزمة ثقافة الفساد فيكم، ازمة السير يومية، أزمة الأمن مسؤولية قواكم الأمنية المتراخية.. الخ.

إذاً، العنصرية في لبنان موجودة ولا شك، وتبلغ أقصى قمتها في عنصرية اللون مثلاً، ولكنها لا يمكن أن تكون صفة شمولية ولا معممة في حالة العلاقة مع سورية مثلاً، يستقر اللاجئ السوري في لبنان في القرى والمدن دون حوادث جماعية يمكن أن تتحول إلى مادة حقيقية للعلاج، لا بل وأن بعض الخطاب الاعلامي الذي يحاول إدعاء عكس ذلك، هو متهم بمحاولة افتعال ردود فعل عنصرية “بالقوة” غير موجودة إلى الآن. العنصرية الوحيدة التي يمكن تشخيصها، هي العنصرية الرسمية: عنصرية السلطة الحاكمة معارضة وموالاة، والتي تظهر من خلال إهمال الحكومة لدورها في القيام بالواجبات التي تنص عليها الشرعات الدولية بحق اللاجئين من جهة، ودور بعض المعارضات في التحريض الطائفي واستثمار العامل السوري لغايات خلق توازن قوة، عنصرية قوى الأمن، عنصرية الإعلام الذي يحاول خلق مشكلة ليخلق خبراً، وأيضاً، تظهر العنصرية البغيضة في رفض المنظمات الدولية إلى الآن تحمل واجباتها المعتادة، لغايات في نفس مموليها على الأغلب.

وأزيد على ذلك: لا لاجئين سوريين في لبنان، بل أخوة تاريخ وجغرافيا، ومن يراجع تاريخ هذه القبائل والعشائر والطوائف اللبنانية، سيفهم أنها متصلة سواء دينيا او اجتماعيا او قبلياً بسورية، ومن يراجع ولادة هذا الكائن اللبناني السياسي ككل، لا شك سيكتشف عمقه السوري واستحالة حياته الاقتصادية والسياسية بدون الظهر السوري، لذا، فلنكن على مستوى التحدي الغرائزي الذي يراد له أن يكون مفتاح تفجير المنطقة، ولنجعله واقعاً أكثر منطقية: السوري واللبناني مجبوران بزواج لا فكاك منه.. واسألوا المواطن السوري – اللاجئ مار مارون!

مدونة جوعان على الفيسبوك

ليليث

20/02/2013

خضر سلامة

ليليث هي المرأة الأولى في التوراة، قبل أن يخلق الله حواء من ضلع آدم، خلق ليليث من طينه، فرفضت أن تنصاع لآدم لأنها اعتبرت نفسها مساوية له، فغضب الله عليها وخلق حواء من ضلع مخلوقه، لتكون منصاعة لآدم.. ومن حينها أصبحت ليليث تمثل المكر، وأصبحت رمزاً لبعض الحركات النسوية.. أما في منطق المدينة، فالضاحية، كل ضاحية، هي ليليث، بكل طباعها.

لماذا لا يجيد أحد أخذ صورة فوتوغرافية جيدة للضاحية؟ لماذا يفشل الشاعر في قطف القافية المناسبة لأصوات أبواق الصباح، ويفشل الشاتم في انتقاء الشتيمة المناسبة لزحمة المساء، ويفشل الموسيقي في اختراع اللحن المناسب لرقص سلال الخضار وأقفاص الفقراء؟ لماذا تقف اللغة، أي لغة، عند أبواب الضاحية، كل ضاحية؟ يتقن الجميع عقد ضفائر المدن، وأخذها في نزهة فوق ورقة، أو لوحة، المدينة امرأة سهلة الطباع، حواء مطيعة خاضعة لعصا بوسايدون حين يقفل بموجه باب شرفها، تذوب كأي خد بين شفتي عاشق ماهر، وتضع اسماء الأغنياء وشما على شوارعها، أما الضاحية فليست حواء، كل ضاحية هي ليليث، هي المرأة الأولى الممنوعة من الصرف في قصص الأطفال، والتي يلبسها شيوخ الإعلام ما يلبسه شيوخ التوراة لليليث، هي المرأة الغابة، التي عمر حولها كفار المال سياجاً من شوك، لأنهم يخافون على الباطون والاسفلت من ورد شرفاتها.

ضاحيتي هي ليليث، تدخن في الليل لفافة خضراء مع مارلي وتغني أغان لا يعرفها غير صغار العشاق، قبل أن يحرجها آذان الفجر فتخفي قناني الكحول من أيدي شياطينها الصغار، مخافة من عيون الأمهات لا من أسلحة ولا من لحى، هي هذه الشقية الصغيرة، شعر فتاة يقيسه كل بحسب حظه في الشارع، قد يختبئ في ظل عباءة تبشر بالحزن العتيق، قد يكتنز أنوثة تحت حجاب ضيق كباقة فل مقفلة على عطرها، وقد يطل من نافذة قوس قزح، معلق فوق جبين امرأة لا تخجل بليلها الطويل.

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف هوياتها القاتلة، أعرف المسافة بين الشارع والشارع كيف تقاس باسم القرى، ضاحيتي عنقود القرى، لم تصنع بؤسها، بل أُلبسته بقوة نظام سافل، كانوا يغتالون القرى بقناص اسرائيلي حيناً، وبقناص سياسة أحياناً، يتركونها للغول يأكلها قتلاً، جوعاً أو قذائف، ومن فرط ما تعبت قرانا من هم بلدنا الظالم، تقيأت أوتار عود على صدئ المدينة، فنبتت ضواحينا… ضاحيتي عنقود القرى، قطفتها يد الإهمال والعنصرية.Picture

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف شهداءها، أعرف من قاتل في خلدة، حين هربت المدينة بحروبها الكثيرة من وجه المحتل، وأعرف من قاتل على ابواب حي السلم، حين سالم الجميع وسلّم، وأعرف من كان يحمل غلة كتبه، ليجول على البيوت يقرأ فيهم آيات الثورة باسم لينين وباسم سعادة وباسم الصدر وباسم الخميني، تتكاثر الأسماء حولهم، ربما، لكن وقودهم واحد في هذه الأرض، وقودهم من عجن بألعاب الشارع في طفولته، وبأوساخ الوطن في مراهقته، وبطين الانتماء في شبابه، أعرف أسماء شهداءها، كلهم مروا من هنا، بعضهم قتل بجانب ما تبقى من حقول لم يكنسها العمران، وبعضهم علق على مشنقة الدولة حين كانت لا تدخل إلا بدباباتها وأسلحتها، وبعضهم قتل وهو ينظر في وجه العلم الرث: لم تسقط الضاحية بعد، لا ببارجة الأسطول السادس، ولا بحريق ساعر أيضاً.

لا أعرف من الضاحية غير وجه أفتقده، وجه معفر بالتراب، أخفته قشرة المال الذي انفجر كعبوة ناسفة قبل سنوات، ألبست الفقر ثياباً فاخرة، وبقي الجسد متسخاً بإرث ثقيل من الحقد الطبقي والمناطقي وقد يجوز، الطائفي، لأن هذا البلد لا يترجم الصراخ والبكاء والمظاهرات إلا باللغة الطائفية الفصحى، عمروا حول المبان المتهالكة مبان تخفي قلب الضاحية وصورتها.. أخفوا السيارات المتعبة بالعمر الطويل، خلف صفوف السيارات الحديثة التي تحاول عبثاً، أن تعوض على العاطل عن العمل، وعلى المحتاج وعلى المديون، نظرة الكوكب إليه.. ليليث هنا، تكمن خلف عواميد الإنارة المحكومة بالاعدام منذ عقود، تقفز إلى كرسي فارغ بين كراسي الشباب الموزعين خلف أراكيلهم عند ناصية الشارع.. ليليث ليست كافرة، ليليث ليست آلهة شر ولا شيطان، ليليث هي إقليم طالب بحق له عند ربه، ولما غضب الاله وظلم، كسرت كأي طفلة تحف الجنة وهربت إلى الأرض.. وعلى هذه الأرض بصمات ليليث وثورتها، وخيباتها وبؤسها، وفتنتها وشهوتها وتجاعيد عمرها أيضاً.

عشوائيات حي السلم والأوزاعي، سوق حي معوض المخملي، زحمة حارة حريك ووهرة الأمن الذي لا يرى فيها، سهرات الخمر الخجول من الناس في حي ماضي، خبز قرى الشياح لما يجمع الأقحوان من أغاني البؤساء، رائحة السلاح الذي لا يراه أحد، ويحبه الجميع، جماهير تسير إلى الجنة أو إلى النار، طوعاً، نساء يتخفون في دين أو لا يتخفون، أحزاب لا يختزلها أحد، صراخ بعكس التيار الطاغي لم يجابه يوماً بإرهاب حزبي، صور لرئيس ولسيد ولإمام ولمغن ولمناجل ومطارق بقيت على الحائط، مساجد تتكاثر كما تتكاثر المقاهي، مجمعات ثقافية تطرق واقع المنطقة وتبشر بغد أجمل.. ضاحيتي خالية من محلات الكحول، وفي الليل تأخذ بيد أبي نواس إلى “أم جورج” في الحدث لانتقاء كأس الليلة..

ضاحيتي هي ليليث بكل تناقضاتها، بكل جنونها، بكل كذبها وحقيقتها: كل ضاحية هي الأجمل، إلى أن تتوب المدينة عن نفطها.

هكذا أحب الضاحية: شهية كرغيف خبز، ساخنة كامرأة، ك”ليليث”!

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الصورة بعدسة الصديق احمد قمح

مسرحية الاستقلال اللبناني

22/11/2012

خضر سلامة

حدث في مثل هذه الايام من عام 1943، قامت القوات الفرنسية (بالحقيقة كانت قوات سنغالية مرتزقة تنوب عن الفرنسيين في لبنان، ولكن اللبناني لا يهون عليه ان يعترف بذلك ويفضل ان يدعي ان من احتله “أبيض”)، قامت هذه القوات، باعتقال صندوقة بطاطا لبنانية فيها رؤوس كثيرة: بشارة ورياض وسليم وعبد الحميد وعادل وكميل، اقتيد الزعماء (اثنان موارنة، اثنان سنة، واحد كاثوليك وواحد شيعي) دون تمثيل درزي إلى راشيا، بسبب انشغال وليد جنبلاط ليلة الاعتقال بمقابلة مع مارسيل غانم.

على كلٍ، اعتقل القادة اللبنانيون تحت ظروف قاسية، قطع الفرنسيون كونكشن الانترنت عن القلعة وصادرو آيباد الزعماء، واوقفوا خدمات البلاكبيري، فلم يستطع رياض التواصل مع اصدقائه الانكليز، وتم تعذيب الرئيس بشارة نفسياً بمصادرة قبعته والباسه حطة وعقال، ما جعله يشعر لوهلة انه عربي، اما فتى العروبة الاغر، كميل شمعون، فتم وضعه في زنزانة واحدة مع ثلاثة فلسطينيين، ما جعله يعترف بكل شيء، كما لم تسمح ادارة السجن للمعتقلين بمشاهدة آخر حلقة من مسلسل مهنّد، ما دفع منظمة الصليب الاحمر الدولي لمناشدة الفرنسيين بتطبيق معاهدة جنيف، والسماح لمريم نور بزيارة المساجين.

بعد هذه التصرفات الهمجية من الاحتلال الفرنسي، قامت مجموعة من الشباب الوطني اللبناني، بتشكيل أن جي أو، وقدموا طلب تمويل الى الUs aid، نظموا على إثرها ندوة ضخمة، أرعبت القوات المحتلة، أتبعوها بمداخلة على قناة الجزيرة، فضحوها فيها الجنرال ديغول وعرضوا صور عارية له، لم تقتصر المقاومة اللبنانية فقط على تشكيل أن جي أو، بل قامت مجموعة شباب أخرى، بفتح مجموعة على الفيسبوك، دعوا فيها لمقاطعة برج ايفل، والتصويت لمغارة جعيتا، الفنانون اللبنانيون لم يغيبوا عن الحدث، إذ أدت الفنانة صباح ديو مع الفنان انريكيه اغليسياس، ولبس الفنان عاصي الحلاني جعبته العسكرية وركب حصانه وصور فيديو كليب وطني قلن فيه انو لبناني.

Special-PrizeAres-Cuba

بعد هذا التوتر في البلد، وبخطوة تضامنية من الاشقاء العرب، ومع استمرار اعتقال القادة اللبنانيين، قام الملك السعودي عبد الله عبر قناة روتانا، بعد كليب هيفا مباشرة، بتهديد فرنسا بمقاطعة أمراء آل سعود لكازينوهات باريس، واطلقت المخابرات السورية تحذيراً الى السفارة الفرنسية بدمشق من “اعتصام عفوي” يقتحم السفارة فجأة ويحرقها، أما المجلس العسكري المصري فأعلن عن اعتقال اربع اصابع خارجية، وست أيادي خفية، تعبث في الوضع اللبناني.

أما في لبنان، تعرض الرئيس امين جميّل لحالة اغماء لأن الفرنسيين لم ينتبهوا لوجوده ونسوا اعتقاله، واجرى النائب السابق مصطفى علوش، ورئيس حزب البعث فايز شكر، مناورة عسكرية مباشرة على قناة الام تي في، كتحذير للقوات الفرنسية، أما رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن، فقد دعا إلى اضراب عمالي اذا لم يتم الافراج عن القادة، ولكن تدخل المفوض السامي الفرنسي نابي برّي، اجبر غصن على الغاء الدعوة، ومع تدهور الاوضاع، قامت فرقة خاصة من رواد بارات الجميزة، بالتعاون مع رابطة رواد المعاملتين، وادارة كازينو لبنان، بعملية كوماندوس، احتلوا على إثرها اذاعة نوستالجي، وبثوا منها اغان لعبد الحليم حافظ.. أمام هذا التصعيد، أعلن الاحتلال السنغالي، الفرنسي، الاحكام العرفية، وقرر بهمجية منقطعة النظير، معاقبة الشعب اللبناني عقاباً جماعياً عبر… اطلاق الزعماء وتسليمهم الحكم، واستلموا منذ حينها، هم وسلالاتهم، حكم الوطن لبنان، حراً سيداً مستقلاً.

أخيراً، يستطيع المعجب بمسرحية الاستقلال، وهذه الكذبة التاريخية الكبيرة، أن يشتري أي نسخة من كتاب تاريخ لبنان، ثم يبله بمياه ساخنة، ويشربها صباحاً على وقع النشيد الوطني، وابحثوا ايها اللبنانيون، في تاريخكم المزور، عن من ينصف المقاومين الحقيقيين الذين اغفلهم لبنانكم هذا: ادهم خنجر، ملحم قاسم، صادق حمزة.. وغيرهم، ممّن استبدلهم التاريخ الكاذب، بحفنة بذلات رسمية، وعملاء وتجار

مدونة جوعان على الفيسبوك

انتصار العشيرة على الدولة

16/08/2012

خضر سلامة

إذاً، أعلن رسمياً بالأمس فشل مشروع الدولة في لبنان ككيان سياسي ينظم علاقات الفئات والعامة ببعضهم، ضمن أطر النظم القانونية والاقتصادية والسياسية، رغم المحاولات الحثيثة لانعاش هذه الفكرة منذ استقلال 43 حتى اتفاق ما بعد حرب 58 مرورا بطائف ما بعد الحرب الاهلية وصولا إلى الترويكا ومن ثم اتفاق الدوحة، فشلت كل هذه المحاولات في إنقاذ "دولة" لبنان، فكان لا بد، أن ننتظر اليوم التي تعلن فيه العشيرة، كمؤسسة، انتصارها على الدولة، كمؤسسة.

فإذا كانت الدولة هي النظم الاقتصادية لعلاقات حياتية مكون يسمى مجازاً "شعباً"، فهذه الدولة فشلت في وضع اقتصاد واحد وطني، وبقي الاقتصاد قائم على بنوك "عشائرية" أي عائلية، متوارثة منذ مئات السنين، مملوكة لعائلات محددة، وتدير هذه البنوك سياسات قائمة على القروض والديون، التي كان يمكن أن تنفجر وسط شح السيولة وانقراض الطبقة الوسطى، لولا نظام العائلة القاسي في الدول المشرقية، ومنها لبنان، الكفيل بانقاذ اصحاب القروض، أضف إلى خصوصية لبنان من حيث أعداد المغتربين الكبير نسبياً في كل عائلة وكل بيت، ما يسمح بقيام اقتصاد مواز بديل، قائم على اقتصاد الكازينو، أي تبييض الأموال وتهريبها بالاضافة إلى التحويلات، التي تشير بعض التقديرات إلى كونها تشكل حقيقة أكثر من 75 بالمئة من المدخول الوطني اللبناني! أي أننا فعلا لا ننتج شيء اقتصادياً في لبنان، بل نتلقى من علاقاتنا "العشائرية" ثلاثة أرباع دخلنا وسيولتنا.

وإذا كانت الدولة هي النظم السياسية التي تدير الشكل البنيوي للكيان الجغرافي الجامع، من رأس الهرم إلى قاعدته، فيكفينا مثالا أن الأحزاب اللبنانية الحاكمة المؤثرة فعلاً وذات الشعبية الكاسحة (سلطة ومعارضة) هي أحزاب قائمة على إما توارث عائلي، وإما على شخصية حاكمة مسيطرة على الحزب ومتحكمة بمقدراته المؤسساتية والاعلامية والشعبية، حتى تلك الأحزاب التي يفترض أنها تغييرية وطنية (قومي – شيوعي..) توزع حصصها على المنتفعين والاقارب والمحسوبين، على شخص "القائد".

Ashira

وصولاً إلى المبدأ الأسمى لقيام الدولة، منذ عصر الزراعة مروراً بعصر النهضة والاستكشافات ثم الاستعمار والحروب العالمية والأهلية، كانت الدولة عنوانها الأهم، حسب ماكس فيبر هي الكيان "الذي يحتكر العنف الشرعي"، أي الكيان المعنوي الوحيد الذي يملك حق القمع والقتل والتعذيب والاحتجاز "قانونياً"، واستعمال السلاح وتشريع حمله، وإذا استثنينا حالة سلاح المقاومة منذ السبعينات إلى اليوم، فقد أثبتت جمهورية الطائف عدم قدرتها على ضبط السلاح المنتشر (تاريخياً) في مناطق الأطراف خصوصا، وفي الأحياء الشعبية في المدن الساحلية أيضاً، والذي يستنفر عائلياً دائماً (راجع حوادث باب التبانة، الضاحية، البقاع…) أو طائفياً، وحيث أن السلاح الطائفي نفسه، لا يتحرك إلا لحسابات عائلية (كون العشائر اللبنانية، العائلات، مقسمة حزبياً تبعاً لاستقطاب الأحزاب القائم على تنافس العائلات الكبرى في القرى) يسجل إذاً انتصار جديد للعشيرة، العائلة، القبيلة، على مشروع الدولة.

إذاً، في هذه المناظير الثلاثة، سريعاً، يبدو لنا واضحاً وجلياً، فشل مشروع الدولة، وانتصار مشروع العشيرة، كركيزة أساسية لشكل المجتمع اللبناني، وهذا ليس بالضرورة تسليم بالواقع بقدر ما هو دعوة للعقلانية في التعامل مع الأزمة العشائرية وعدم اعتبارها "طارئة هجينة متخلفة" بقدر ما هو مطلوب، التعامل معها على أنها جذر المجتمع الشرقي وغريزته الأولى، وليس المطلوب التصادم معها وذمها، إذ أنها حالة تعيش على السلبية في التعامل لشد عصبها والحفاظ على استمراريتها.

أيها الأعزاء، ربما لم تكن العشائرية يوماً مشكلة، بل كانت المشكلة تكوين الدولة المضاد للعشائرية والقائم على إما إلغائها وإما احتوائها ككيان مستقل داخل الكيان الرسمي وصراعهما كمؤسستان حضاريتان متوازيتان.. ومع الإعلان الرسمي في الشهر الفائت عن فشل مشروع دولة لبنان ما بعد الطائف، أعتقد أن الوقت قد حان، للبحث عن شكل جديد للدولة، ضمن فكرة المؤتمر التأسيسي الجديد، يفكك مركزيتها، ويسمح بإنشاء مشروع سياسي اقتصادي عسكري حقيقي جديد نوعي، لكيان يقوم على شروط المجتمع وظروفه التاريخية والتكوينية ويأطرها في “الدولة”، لا على استيراد نظم جاهزة للاستعمال، كما اعتادت السياسة العربية.

مدونة جوعان

من قتل علي شعبان؟

09/04/2012

خضر سلامة

من قتل علي شعبان؟ من أطلق الرصاص؟ لا أعلم، لكني أقرأ من اغتاله ألف مرة أخرى بعد ساعات، بيانات استنكار كثيرة، لا صدق فيها، لم أصدق أي بيان ولن أصدق، فأهل البيانات اثنان، تجار دم، و.. تجار دم أيضاً، ولو اختلف المزاد والسعر.
علي شعبان قُتل على الحدود السورية، المسؤول عن أمن الحدود اللبنانية السورية، دولة لبنان ودولة سورية، أين كان الجيش اللبناني؟ هل أعلن الجيش اللبناني رسميا أن لا سلطة له على وادي خالد، وأن السلطة هناك للعصابات وللآخرين على الجهة المقابلة؟ ثم، من قال أن أزمة سورية، تعفي دولتها من مسؤوليتها عن أمن الزوار لحدودها؟ بحال صدقنا روايتها، لماذا لم يُستدع سفير واحد؟ لماذا لم تُغلق شاشات هذا البلد كما تُغلق كلما فطس خنزير من حظيرة آل سعود؟ لماذا لم تجتمع الحكومة؟ لماذا لم يعلن الحداد؟
رخيصون أنتم يا شعب هذا البلد، وأرخصكم العادي فيكم، أرخصكم من لا يعمل أزعراً عند بغل من بغال الدولة.
أنا لن أتهم أحداً بالرصاص كما فعل الآخرون، لن أتهم عصابات مسلحة، ولن أتهم الجيش الأسدي، ولكن أتهم الواضحين، أتهم وزير الاعلام اللبناني الأقل من أن يخرج ليدين بالاسم وبالعلن القاتل، لو كان علي شعبان مادة دسمة للقمع، لسن قانونا خاصا به، ولأعلن الحداد كما تحد حكوماته سابقا ولاحقا على كل داعرٍ نفطي يفطس، أتهم الرؤساء الثلاثة ببياناتهم اللغوية، وعدم قيامهم مرة واحدة بحركة حقيقية من أجل حماية رعايا دولتهم، أتهم الجيش السوري بالتقصير، والجيش اللبناني بالجبن، والاعلام اللبناني بالسفالة، ومؤسسة الشهيد الاعلامية بالتجارة العلنية على الهواء. مزاد علني دمكم يا أبناء أمي، مزاد علني.Untitled
يتباكون عليك يا علي، وستصبح غداً تراب، فمن يبكي عليك بعد غد؟
يتاجرون بدمك يا علي، يتهمون فلاناً، يشتمون آخر، يدينون أخير، يحولوك بلحظة من ضحية إلى سلعة، لا تصدقهم يا علي، أنت مجرد ضحية، مجرد رقم يضاف إلى سلة الدم الذي لا ينتهي في سورية، ورقم جديد على لائحة قتلى الذل الوطني في لبنان، عرس وطني ذلك يا وطن، يرقص فيه الرؤساء الثلاثة رقصة العهر، ومعهم قيادات ميليشياتهم وعصاباتهم وجيشهم ومجالسهم، لا تصدقهم، مُت، ودع لنا داء النسيان بعد قليل.
يا سادة يا نواب، يا أحقر من أحقر ما أنتجت الديمقراطية من بذات رسمية، يا أتفه من أتفه ما أخرج شعبي من تفاهات، هذا خبر اليوم، تاجروا به واستثمروه جيداً، اغزلوا فوقه حبائل خبثكم كله، أدينوا فلاناً وألصقوا التهمة بفلان، اصرخوا على الشاشة أو ابكوا قليلاً، لا فرق، فعليّ اليوم مقتول، مذبوح جداً على مقياس ريختر للذل الوطني، يا ذلنا، ويا أناقتكم.
يا سادة يا أباطرة الاعلام الوطني، أطربونا اليوم بالكذب، جربوا بكل ما أوتيتم من مليارات أن تقطفوا الحدث، أن تحولوا الدم إلى فيلم هوليودي ممضوع ألف مرة، معلوك بفم كلبٍ يسمّى جمهوراً، جمهوراً لا يعرف إلا أن يتأثر بالصياغة الجيدة للكئابة، ثم ينسى بعد ذلك دم ابنه، حين يبدأ البرنامج الآخر في السهرة.
يا سادة يا تجار المعمورة، هذا دمنا يُعرض للبيع، اغرفوا ما شئتم من أشلائنا، أرخص من أرخص دخان نحن، جثثنا تليق بلفافات تبغكم، هات سيجارك يا زعيم أعبئه من دم علي، هات رغيفك يا زعيم أرش فوقه رماد عساف*، هات جيبك واملؤه صدفاً بحرياً من دموع قتلانا على حدودنا المفتوحة للعبث، على قلوبنا المفتوحة للقصف، للحقد، لجهنم يوقدها قادة العالم في أمعائنا الخاوية، ثم يحصدون نتاجها قمحاً لخزائنهم.

مدونة جوعان

فقط في لبنان

02/04/2012

خضر سلامة

فقط في لبنان، وزير عمل يكون مع حقوق العمال، والاتحاد العمالي يكون ضدها!
فقط في لبنان، الهاربون طوعاً واختياراً الى دولة عدو، هم “مبعدون”
فقط في لبنان، تنتهي سلطة رئيس الجمهورية عند باب قصره.
فقط في لبنان، تصرف اربعين مليار دولار على قطاع الكهرباء، وتظل بحاجة الى خمسين دولار شهريا اشتراك مولد الحي.
فقط في لبنان، يختلف المواطنون على ادانة تعدي دولة جنوباً او دولة شرقا، على الحدود الوطنية.
فقط في لبنان، تحتاج الى توازن طائفي حتى في تنفيذ احكام الاعدام!
فقط في لبنان، نفس الذين سحلوا وقتلوا وعذبوا العمال السوريين في الخمس سنوات الماضية، مع حرية الشعب السوري اليوم.
فقط في لبنان، 70 بالمئة من الأراضي الوطنية لا تزال بنظر السلطة “اراضي ملحقة” بالعاصمة.
فقط في لبنان، تدعم الدولة قطاع التعليم الخاص بضعفي دعمها لقطاع التعليم الرسمي18536-1
فقط في لبنان، مصروف الدولة على محكمة دولية لمواطن واحد، هو نفس مصروفها على قطاع الزراعة الذي يعنى به 15 بالمئة من المواطنين.
فقط في لبنان، تُصرف تعويضات الدولة عن العدوان الاسرائيلي بعد ست سنوات من العدوان.
فقط في لبنان، يدخل الأوروبي والأميركي بدون تأشيرة إلى البلد، ولا يحق للفلسطيني المقيم زيارة حدود بلده.
فقط في لبنان، يمنع جمهور كرة القدم من حضور المباريات لتجنب المشاكل الطائفية، ويُسمح بانشاء تنظيمات سلفية تكفيرية!
فقط في لبنان، تفتخر اجهزة المخابرات باعتقال عميل بعد تعامله لعشرين عاماً مع العدو، وتسمي ذلك انجازاً.
فقط في لبنان، يُجاهر البعض برفضهم تجريم العنف ضد المرأة، فيصفَق لهم!
فقط في لبنان، التحدث عن المقاومة والعداء لاسرائيل، يعني احتسابك حكماً على طرف طائفي، والتحدث عن الحرية والدولة، يعني احتسابك على طرف طائفي آخر.
فقط في لبنان، يعرف الأزلام أن الزعيم سرق، وأن الزعيم قتل، ويسبحون بحمده ويستغفرونه.
فقط في لبنان، يُعجب الجميع بفحولة من يحمل رشاشاً، ويسخرون ممن يحمل كتاباً.
فقط في لبنان، تحتاج إلى تبرأة نفسك من صفة مثقف، ويختال الأزعر بصفته.
فقط في لبنان، ترتفع صور الزعيم، ويأكل الزمن من ألوان صور الشهداء.
فقط في لبنان، يختلف الشعب على حسابات التاريخ وحسابات الجغرافيا، ويتفق الزعماء على حسابات الرياضيات.
فقط في لبنان، الأبنية المهددة بالانهيار يشغل بال الرأي العام لأسبوع، والاغذية الفاسدة تشغل بال الرأي العام لأسبوع، وزيادة الأجور تشغل بال الرأي العام لأسبوع، وأزمة الكهرباء تشغل بال الرأي العام لأسبوع، فقط في لبنان: الرأي العام على قفاه ختم مدة صلاحية لأسبوع فقط!

 

أخبار جوعانية متفرقة

26/03/2012

خضر سلامة

ضمن مسلسل الأغذية الفاسدة، عثرت القوى الأمنية على مئة وثمانية وعشرين نائبا فاسدا مرميين على جانب طريق الوحدة الوطنية السريع، وقامت باعادتهم إلى أصحابهم.

قام مجهولون بسرقة متجر صغير، واستطاعت الجهات المختصة القبض عليهم بعد ساعات، في هذه الأثناء، قام معروفون، بسرقة وطن، وقبضوا على الجهات المختصة.

اصطدم موكب رسمي بمواطن، ما أدى لاصابة كرامته بجروح بالغة، الموكب المذكور أكمل طريقه صوب العاصمة بيروت، بينما أوقفت القوى الأمنية كرامة المواطن على ذمة التحقيق.telapathy

أصيبت ثلاثة كفاءات علمية بحالة ذعر بعد تعرضها للإهانة من ميليشياوي طائفي في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول، ما أدى لفرارها إلى الخارج، والبحث لا زال جارٍ عنها.

تعرض مواطن لبناني لعملية خطف من قبل منظمة ارهابية في دولة أجنبية، وطالبت المنظمة بفدية من الدولة اللبنانية، التي ردت بالتبرع بعشر مواطنين زيادة دعماً لأعمال المنظمة، وعرضت المخابرات اللبنانية على المنظمة افتتاح فرع لها في لبنان.

برعاية السفير السعودي، وبحضور آل الحريري والداعية الإسلامي نجيب ميقاتي ورابطة “داوخهم جنبلاط”، سيتم إطلاق حملة “فجرني أرجوك” للأعمال الخيرية، تشمل النشاطات المزمعة ألعاب نارية في مناطق المسيحيين والشيعة، إقامة الصلاة في كازينو لبنان، وإعادة عرض للحرب الأهلية – بما لا يخالف شرع الله.

انتقلت السيدة ضريبة على القيمة المضافة، والمعروفة باسم T V A إلى رحمة البنك الدولي، بعد عمر قصير لم يتجاوز الساعات في جيب المواطن العادي، أسرة مدونة جوعان تشد يدها على يد المواطن، ووزارة المالية تمد يدها على جيبه.

خرجت المدعوة دولة لبنانية من اتفاق الطائف ولم تعد، المفقودة في التاسعة والستين من عمرها، مصابة بحالة فقدان ذاكرة وطنية شديد، وعجز عن القيام بأي من واجباتها، جوعان يطلب من من يعثر على الدولة أن يتصل بأقرب مكب نفايات.

جوعان اون فيسبوك

يوميات مرحلة حساسة

12/03/2012

خضر سلامة

توقظني الدولة صباحا على وقع منبهها الرسمي المعتمد لإيقاظ الشعب: أبواق السيارات في الزحمة اليومية في مدينة الباطون والاسفلت، بيروت، أتقلب مثلما يتقلب ليبراليٌ في مواقفه: مع – ضد – مع – ضد.. ثم يصفق للملك، فأخرج من سريري كما يخرج الجيش العربي إلى معاركه: نصف نائم، وأسحل نفسي كما تسحل الحكومة حقوق العمّال، إلى نفس الوجهة أيضاً: الحمّام، الماء مقطوعة، ولكن الكهرباء هنا، من أسرار هذه الدولة التي لم يفكها أحد بعد، لماذا لا يمكن أن نحصل على كهرباء وماء سوا؟ يا أخي شو لبن وسمك؟

أغسل وجهي بأي شيء، أتيمم على نية الاغتسال، علني أستيقظ، وبعد فنجان قهوة مرٍ كمرارة حقيقة أن يكون الحريري شهيداً وابنه زعيماً ومساعده رئيساً سابقاً، أستيقظ، فأرى فوضى تشبه فوضى العالم العربي بشكل مرعب: ثياب متسخة كالأنظمة البالية، أطباق أكل فيها الضيوف كما أكلت الأجهزة الغربية من بلادي، مقالات وأوراق مبعثرة نصف مقروءة ونصف منتهية، كما انتفاضاتنا وثوراتنا منذ الأزل، أرى فوضى العالم في بيتي، وأتمنى لو أنني لا زلت نائماً. (more…)

إلى صديقي السوداني

22/01/2012

خضر سلامة

اسكب كوباً آخر من الشاي يا صديقي، فبرد بيروت لا يرحم، وشعبها أيضاً، هذه النار في كبد الابريق تلسعني وتلسعك، أما سياط عيون الناس وصراخهم وشتائمهم القذرة، وسفالة رجل الأمن المقفل بقفل الأجهزة العنصرية، تلسعك وحدك، اسكب كوباً من الشاي، في بخار الشاي سراباً يشبه صورة الوطن الجميل الذي يتلاشى مع كل نشرة أخبار لبنانية جديدة، وفيه أيضاً، طبول بلاد النوبة، تذوب في هذا اللون الأبيض السام الذي يحاصرني، ويحاصرك.

صديقي السوداني، هو المبتسم لفتاة صغيرة لأنه يرى فيها أحلام أخته الصغيرة التي تركها تنتظر حصتها من رغيف الحزن في قريته النائية، والفتاة تبكي، لأن رجلاً قبيحاً برتبة والد، خوّفها من رجل أسود يخطف الصغار الكسالى، ولأن أمّها المتبرجة بأمراض العصر، حذرتها من الفقراء الغرباء الطيبين، صديقي السوداني، هو الموشوم بمذكرة اتهام دائمة، على أي حاجز أمني، يقوده ضابط يطأطأ الرأس ككلب منزلي مطيع للّص القابع خلف مكتبه، ولا يقوى إلا على الحزن الأسمر المجرّد من انسانيته، لأن عورة وطني لا تنتصب إلا بساديّة تمزّق تعب نهار كامل لعامل أجنبي، لم تفلح الصدفة في إعطاءه جواز سفر أوروبي، كي تخر الحكومة كلها سجوداً له عندها.

19_6_orig

صديقي السوداني، هو المثقف جيداً، والعارف بشؤون العرب وشجونهم، هو المتمسك بصورة السودان كما يراه، معسكر منذ ستين عاما للعمل الفدائي، والمتأبط أغاني العرب كما درسها في مدرسة حقول القطن، وطنٌ أبنيه مع صديقي السوداني، أجمل بكثير من وطنٍ يبشرني به دعاة السلام الخائب، صديقي السوداني، هو الذي ترميه حقائب التهريب على شواطئ أوروبا، أو في شوارع لبنان، أو في عتمة أمريكا، فيرفض أن يكون أقل من عامل يعيد رسم ملامح الأوطان ويبنيها، ثم يود لو يشتري لأبيه تذكرة حج إلى مكة، فيرد قليلاً من الجميل الجميل.

هو الهارب من موتٍ في بناء منهار، ليجد نفسه في أقبية الأمن العام العار.

هو الخارج مصابا من حادث عمل، فيرميه رب العمل لكلاب الداخلية ووزارة الصحة.

هو حارس العمارة من غدر اللصوص اللبنانيين جداً، وهو من يقدم لأمك ربطة الخبز، لأنك أجبن من أن تواجه برد العاصفة، أو حر الصيف، وهو من ينظّف فناء الدار من قذارتك البدائية برمي نفاياتك في الشارع، هو طبيب تجميل لصورتنا القبيحة، لكسلنا الكثير، لخجلنا بمهنة نفضل عليها البطالة، هو عامل البناء في أغنية الشيخ امام.. أما المقاول الأبيض فـ “كان ليه الشطارة”.

صديقي السوداني هو كل الرائع، في وطن لا شيء يغريني للبقاء فيه، هو آخر العمّال هنا، ويحمل في نفَسه آخر روائح الفلاحين في أرضي، صاحب الذوق الرفيق في انتقاء موسيقى العود، ليكنس خطايا روتانا من ذاكرتي، هو المتلحف بغطاء الإهانات المستمرة من حيٍّ لا يرى فيه إلا “فحمة”، وأرى فيه ضوءً لم تخطفه بعد عتمة الطغيان المتحكمة بكل أسرة، كل مدرسة، كل حزب، كل يسار وكل يمين، في هذا البلد البشع.

اسكب الشاي يا صديقي، هذا الشتاء البيروتي طويل، بيروت الجالسة على كف رجل أبيض ينهبها، تخاف فيك كل شيء مختلف عن عواء ذئابها الفاشيين، كل شيء لا يشبه استسلام أهل البلد للمال، واستسلامهم للسبات، كل شيء فيك يقنعني، أن لا زال في هذه الأرض ما هو لي ولك، للانسان فينا، للعامل يخرج لكسر هذه الطبقية التي تتهمك باللون، أو بالفقر، أو بالثياب الرثة أو برائحة العرق، يخيفهم ما فيك من كدٍّ وعمل وكبرياء، لأنك متعب، والمتعبون، يخيفون الكسالى.

صديقي، لا تسامحهم، حكومة وشعبا ومؤسسات، إنهم يعرفون جيداً ماذا يفعلون.

مدونة جوعان على الفيسبوك

قصة مبنى ينهار كل يوم

16/01/2012

الرحمة والشفاء لضحايا انهيار مبنى الأشرفية.
خضر سلامة

مبنى متصدع، يعود الى ما قبل منتصف القرن الماضي، يسكنه شوية ناس فقراء، شوية لبنانيين ع شوية عمال اجانب، بظروف سيئة، من أسس المبنى رفض الاعتناء به وتطويره وصيانته، وسكان المبنى كانوا لا يفعلون شيئاً غير الشكوى لمؤسس لا يكترث لهم، ويهمه فقط ما يدفعونه آخر الشهر، المبنى المتصدع، شهد انهيارات موسمية، سقطت شرفة قبل فترة، تظهر شقوق جديدة كل مدة في الأساست، هوت حوله منشآت قديمة وتقام أعمال بناء لمنشآت جديدة، ما جعل حاله يضعف أكثر وأكثر.

هل انتم متأكدون أن هذا وصف مبنى الأشرفية فقط؟

كان مبنى غير صالح للسكن، آيل للسقوط في أي لحظة، والجميع متفق على هذه الفكرة، الأشقاء والأصدقاء والرفاق ونواب المنطقة ونقابة أعضاء البلديات ورابطة المخاتير وتجمع النواطير والمدنيون والعسكر ومروان، بالأخص مروان، ومروان هذا مسؤول أمني معروف جداً في مجال مكافحة الدراجات النارية و”فيميه” السيارات، حسناً، فشل في بعض التفاصيل ككشف مطلقي صواريخ، أو مفجري مقاهي، أو عصابات اصولية سلفية، أو أزمة سير وطنية، لكنه نجح مثلا في مجال التوقعات، كان يتوقع قال، ولا زال يتوقع، قال. انهيارات جديدة. مسؤول وطني جداً، والأكثر وطنية منه، وزراء يتناطحون على الظهور على الكاميرات، واعلام يقطع البث عن وضع الضحايا لينقل تصريح لنائب سافل، ووزير تاجر، ولصٍ فاجر، وبين ذلك، تعابير اعلامية تميز بين القتيل والقتيل لأن فلاناً لبنانياً وفلان سوداني او فيليبيني او مصري، حتى في شؤون الموت كلاب، حتى في المأساة عنصريون سفلة.

time-bomb-puzzle

ماذا يفعل هؤلاء؟  مبنى متصدع، آيل للسقوط، سكانه لم يفعلوا غير التذمر بصوت هامس، مديروه غير مكترثين لأي شيء، وضحاياه لهم الله ووعد الحكومات المتعاقبة، هل قلتم وعد الحكومات؟

بالمناسبة، عزيزي المواطن الساكن في المبنى اعلاه، أين أصبحت تعويضات حرب تموز بعد ست سنوات من انتهائها؟ والتحقيقات بالطائرة الأثيوبية بعد سنتين من وقوعها؟ وتحقيقات طائرة بنين بعد ثمان سنوات من كارثتها؟ أين أصبح ملف مفقودي الحرب الأهلية بعد اثني وعشرين سنة على انتهائها؟ لا بل أين أصبح التحقيق في مجزرة جسر المطار ومجزرة حي السلم ومجزرة مار مخايل؟ أين أصبح التحقيق في الاعتداء على مظاهرة 7 آب الشهيرة، ومظاهرات عوكر؟ أين أصبح التحقيق في مقتل معروف سعد مثلا قبل اربعين سنة؟ أين أصبح التحقيق في مجزرة معمل غندور؟ ومجزرة الريجي، قبل ذلك بسنوات.

هل قلتم وعد الحكومات؟

ملاحظة مهمة جداً: وصف المبنى اعلاه، لا ينطبق على المبنى المنهار في الأشرفية فقط، الوصف أعلاه، هو وصف لمبنى ينهار كل يوم: مجتمع يستمر في الانهيار، اقتصاد يستمر في الانهيار، دولة تستمر في الانهيار، من قال أنه سيهمنا مبنى بالزايد او الناقص؟

هل قلت مبنى متصدع؟ يعود إلى ما قبل منتصف القرن الماضي؟ آيل للسقوط، يسكنه فقراء لبنانيون وبعض العمال الاجانب؟ ومدير المبنى لا يرد على شكاويهم؟ ويشهد انهيارات بين الحين والآخر.

هذا المبنى يسمى مجازاً: لبنان، الجمهورية المثقوبة، وحين تنهار، ستنهار على رؤوس الجميع، بطوائفكم وأحزابكم ووزرائكم وصناديقكم وقصائدكم وأغانيكم.

صفحة المدونة على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: