Posts Tagged ‘المجتمع المدني في لبنان’

المجتمع المدني: أنطونيو غرامشي أو البنك الدولي

10/11/2014

خضر سلامة

(أنطونيو غرامشي: مفكر ومناضل ماركسي – شيوعي إيطالي قُتل في سجون موسوليني ومناقش نظرية التحكم بالثقافة كإحدى وسائل السلطة الرأسمالية*)

المجتمع المدني، كلمة فضفاضة تستعمل في كل مكان، في الأحداث السياسية وفي المؤتمرات الاقتصادية وفي الحملات الحقوقية، معظم الوصف الحكومي السائد يجاري التوصيف البريطاني: المكان “بين الدولة والقطاع الخاص”، فيما يُسلم جدلاً في الخطاب المتداول بأنه خليط من منظمات غير حكومية إلى جانب منظمات غير ربحية (تتشدد اسرائيل – على عكسنا – في التمييز بين الاثنين).

في المجتمعات الرأسمالية، حيث تحكم علاقات التجارة العالمية، يكون المجتمع المدني غالباً لجمعيات غير حكومية ممولة عن طريقين رئيسين: إما متمولين محليين (بنوك، عائلات سياسية، أعمال خيرية لشركات تغسل ضرائبها) وإما، في البلدان الأقل نمواً، بتمويل أجنبي (مؤسسات دولية، وكالات أميركية وأوروبية وأممية للتمويل)، وهذا الفتات من الملايين سنوياً لكل بلد يكون عادةً تعويض اللصوص البيض لنا، عن الغائنا الضرائب على بضائعهم وفتحنا مصارفنا لهم. ويكون خطاب هذه المنظمات “غير الحكومية” دائماً مطالباً بتحقيق قيم ليبرالية غالباً (وهذا ليس ذماً ولا مدحاً بهذه القيم) كالانتخابات الديمقراطية (على الطريقة الغربية) والحقوق الفئوية (الجندرية، الجنسية، الأقلوية) والحريات الفردية، وتغيب عن خطاب الحرية الجماعية (الاصلاح الحزبي، التحرير السياسي، التغيير الدستوري)

أما في المجتمعات المحافظة اقتصادياً، والأقل تضرراً من البنك الدولي، فإن المجتمع المدني غالباً هو مؤسسات بخطاب أكثر محلية، ويشمل الاتحادات العمالية والنقابات والمنظمات التطوعية والكشفية والتربوية والطلابية، ويتعداها إلى الروابط الاقتصادية الحرفية والخدماتية أحياناً، ويكون خطابها حقوقي جماعي غالباً، من ناحية مطالب تحسين شروط المعيشة والتحكم بالأسعار وقوانين العمل، بالإضافة إلى انخراطها في معظم الأمثلة في الصراعات الوطنية التحررية ضد أي تهديد خارجي (ولو من “الشرعية الدولية”).

أوليغ درغاشوف - كندا

أوليغ درغاشوف – كندا

في كتاب “المجتمع المدني: تاريخ نقدي لفكرة” لجون اهرنبرغ، يشير إلى حقيقة مرعبة، وهي أن ما يُعرف اليوم ب”اليسار الجديد”، أي اليسار المقتنع بجدوى الخطاب الليبرالي بعد تسليمه بالهزيمة أمام رأس المال بعد الثمانينات، هذا اليسار الجديد بالذات التي يتملكه اقتناعٌ بامتلاكه التفوق الأخلاقي والثقافي والانساني والحقوقي على جميع الاتجاهات الأيديولوجية، يقوم على سوء فهم تاريخي!

وهنا، يستعين اهرنبرغ بغرامشي.. هذا العبقري الإيطالي، الذي يتحجج معظم هذا اليسار بالذات به، اختلف غرامشي حقيقةً مع ماركس في تقييم مؤسسات المجتمع المدني، اقترح غرامشي في نظريته أن المجتمع المدني يملك دوراً حاسماً في تأمين الرأس مال الثقافي للنظام الرأسمالي، ولكن هذا لا يجعله مشكلة (كما رأى ماركس) بل يجعله “ساحة صراع ضد الرأسمالية”.

سلّم اليسار الجديد أن قصد غرامشي هو أن المجتمع المدني – بعلاته – هو أداة في الحرب ضد الرأسمالية. ولم ينتبه هنا للقصد الدقيق لغرامشي: يجب النضال ضد الثقافة الرأسمالية في المجتمع المدني، من أجل تجفيف منابع النظام الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أدق: أنت لا تستطيع أن تطعن دباً (الدولة الرأسمالية) بوسادة (المجتمع المدني حين يكون تحت سيطرة رأس المال الحاكم).

وتالياً.. وقع الخلط، وصارت لازمة “المجتمع المدني” موجودة في كل خطاب، ويتم تقديم المجتمع المدني على أنه صنم جديد لا يمكن تجاوزه ويعبر دائماً عن الخيار الشعبي.. رغم أنه عملياً، يلتزم في حركته بأجندة ثقافية تلتزم تمويلاً مشروطاً ضمن هوامش متفق عليها، كما يقول غرامشي وماركس وهيغل ودو توكفيل، بين النظام الحاكم ورعاته الماليين.

سواء كان أصحاب المال محليين، كنورا جنبلاط وليلى الصلح حمادة وعصام فارس وغيرهم من واجهات المال العائلي و البنوك والشركات “الطيبة”، أو كان أصحاب المال دوليين كاليو أس أيد والأوروبيين وكل من يأتي كهدية ترويجية من قبل البنك الدولي، فإن ذلك لا يغير من حقيقة واحدة: وهي أن المجتمع المدني الحقيقي السليم، هو ذاك الذي يتم اغتياله يومياً، من عمل نقابي واتحادات طلابية ومنظمات تطوعية مجانية خيرية تسعى لتقديم المطالب بحقوق الناس (كجماعة لا أفراد فقط) إلى الدولة مباشرة، لا عبر أشخاص أو مؤسسات محلية أو دولية.

المجتمع المدني (ضمنه المؤسسات الإعلامية كشركات مستثمرة اليوم) كما كان منذ مئتي عام ولم يتغير. لا زال مساحة لاستثمار المال للترويج للثقافة السائدة الحاكمة، والمعركة ليست لالغاء دوره أو استئصاله أو الكفر به، لأنه حاجة وهو مهم وكذلك نقاط التقاء كثيرة بين المصلحة العامة وشعاراته، إن المعركة المطلوبة هي تحرير المجتمع المدني من تحكم المال به وبقراراته وهوامش خطابه، قبل الاعتماد عليه لمحاربة سياسات هذا المال.

Advertisements

المجتمع اللبناني: قاضي مجرم

27/03/2014

خضر سلامة

علينا كبشر أن نتقبل فكرة أن السجن، أو القانون بشكل عام، هو للإصلاح لا للعقاب فقط، بمعنى، فكرة أن يحكم القاضي على قاتل لعشر سنوات مثلا، لا لمدى الحياة أو للاعدام، هي لاصلاحه عن طريق العقاب المؤقت، كي لا يكرر فعلته، ولكن، وضمن منطق الثأر الجماعي القبلي الذي يحكم الانسان، يحكم على من يرتكب خطأ بالنفي والعزلة الاجتماعية والاقتصادية غالباً.
من هنا، أعتبر أن كل من ينشر فيديو عن تجاوز قانوني فاضح (بحال كان فردياً طبعاً)، مع إظهار وجه الفاعل – المتهم، بما أننا غالباً لا نعرف قصة الفيديو الأصلية حتى يثبت عليه التهمة، كل من ينشر هذا، مرتكباً لتجاوز أخلاقي آخر، تختلف قساوته حسب حجم ضرره، ويكون أقرب للإعدام، هو “التشهير”.
من هنا، أنا لا أعرف قصة الأستاذ الذي ضرب تلميذه (وهذا يجري كل يوم وكل قليل)، وانتشر الفيديو المصور له على كل حساب لبناني، وهو فعل مدان ويجب أن يعاقب، ولكن نشر الفيديو مع صورة الرجل واظهار وجهه، وتسابق الاعلام على البحث عن اسمه، تظهرنا بشكل الجلادين، نعم لمعاقبة كل مواطن يعتدي على مواطن آخر، مهما كان عمره ودوره، فكيف لو كانت الضحية تلميذاً، ولكن، يُعاقب المُذنب بعد تحقيق جدي، بغاية إصلاحه وتعلم أخلاق المهنة ربما لو قرر التحقيق احتفاظه بها، لا ليُشهّر به ويُعزل اجتماعياً، ما قد يزيد من جموحه العنفي ويتحول إلى أسرته ربما مع الوقت!
Imageوإذا كانت أزمة الاعلام الاجتماعي، أنها تفتح المجال لنشر المواد دون الرقابة الذاتية على عدم تجاوز حدود الضرر بالفرد وتالياً بعلاقته بالمصلحة العامة بنشر مواد مصورة دون تشويش على الوجه ربما بانتظار قيام المسؤولين عن مراجعة الموضوع وصدقيته، فإن إعادة الإعلام التلفزيوني نشر الفيديو دون تغطية وجه المتّهم، ذنب أكبر وتجاوز أخلاقي نشهده يومياً على التلفزيون بكل الحالات، أنتُم، عن حسن نية ربما، لانصاف ضحية، خلقتم ضحيةً أخرى: كان يجب أن تُعاقب وفق أصول مهنية وقانونية، وعوقب الآن، بواسطة ماكنة تشهير شخصي في مجتمع لن يرحمه طبعاً، لا هو ولا أسرته.
الموضوع معقد، طب ماذا عن تشهير كاتب هذه الأسطر أحياناً، بشخصيات سياسية واقتصادية كبرى، واتهامها بالفساد أو القتل مثلاً، وبالأسماء أيضاً؟ صحيح، سؤال يُطرح، دعني أبرر ذلك بأن هذه الشخصيات تتعاطى على مستوى العامة، أي على مستوى الرأي العام كله المعني بالقضية التي يتعاطون فيها (خيارات سياسية، أمنية، اقتصادية، تشريعية)، الموظف المرتشي، أو الأستاذ العنيف، أو غيرهم، هو حالة فردية ضمن نطاق تأثير محدود بقيود نقابية وقانونية واضحة مباشرة، تحويل قضيته إلى قضية رأي عام واجب مهني واعلامي، صحيح، ولكن مع مراعاة عدم تجاوز هذا الواجب، إلى تعدٍّ لا يراع رد الفعل الشعبي على هذه الحالة الفردية محدودة التأثير ومعروفة طريقة معالجتها، وعرض الإسم أو الوجه، لن يغيّر من القصة ولن يزيد من حجم الفضيحة.
أنا أدعو للتحقيق ومعاقبة الأستاذ المعتدي على التلميذ، ولكن، أطالب أيضاً بأن يراعي جميعنا، أخلاقية التشهير و”طبقيّته”، باختلاف تأثيرها بين حياة مواطن عاديّ، ومحيطه الأسري والاجتماعي، وحياة شخصية عامّة أكثر حماية وبريقاً، في التفاصيل، تفاصيل حساسية نشر الاسم الكامل، أو الصورة الواضحة، بدون رواية رسمية من أهل الاختصاص (الوزارة، الرابطة والنقابات والأهالي والمؤسسة وغيرهم).

ماذا لو أن من صور الفيديو، لم يضعه أونلاين، وفكر في أن يتواصل مع إدارة المدرسة ليرى ردة فعلها قبل أن ينشره، ماذا لو أن من شاهده، لم يعاودوا نشره قبل أن يتواصلوا مع النقابة، ماذا لو أن الاعلامي الذي حوله إلى ريبورتاج تلفزيوني، فكر أن يصله للرأي العام، ماذا لو أن من نشره بأي طريقة ، شوه وجه الرجل أو غطى على اسمه، كي لا يؤذي محيطه معنويا بالحد الأدنى، أسئلة انسانية بحتة، في حالة مثالية، يبحث فيها الفرد عن فائدة حقيقية، لا عن “لتّة” في سهرة، أو اسم في ريبورتاج، أو Show انساني..

هنا فقط، في الوعي لأهمية المحاسبة ونتيجتها، قبل أهمية “السكوب”، هنا يكون الفارق الأخلاقي بين إصلاح الفرد، وانتقام الجماعة منه.


%d مدونون معجبون بهذه: