Posts Tagged ‘جبل عامل’

صندوق الفرجة

20/02/2015

“صندوق الفرجة”
*
يدور صاحب صندوق الفرجة في القرى، يركن عربته تحت شجرة في ساحة القرية كما يركن الغجر سيركاً كاملاً كأنه كامنٌ في صندوق… وكون “صندوق العجب” من وسائل الترفيه النادرة آنذاك، كان أطفال الضيعة يتهافتون صوبه كلما سمعوه قادماً:
“شوف تفرج يا سلام.. شوف احوالك بالتمام.. شوف قدامك عجايب.. شوف قدامك غرايب.. تعا تفرج يا سلام.. على عبلة ام سنان.. هيدا عنتر زمانو.. شوفو راكب ع حصانو.. هيدي هيي الست بدور.. قاعدة جوا سبع بحور.. الأركيلة من كهرمان.. وسريرها من ريش نعام”.

صندوق الفرجة

**
كانت التعريفة خمس قروش (فرنك واحد).. يحصل من يدفع مالاً على حظ الجلوس على الدكة الخشبية، أما من يدفع برغيف خبز أو بيضة أو فواكه، فكان يضطر أن يتابع القصة واقفاً منحنياً. ثم يبدأ “العمّ” (وكان غالباً من أبناء قرى إقليم التفاح) ببرم البكرة التي تحمل رسومات عن عنتر العبسي قاهر الفرسان والزير سالم بطل المعارك والشاطر حسن ربيب الغيلان والست بدور الأمينة على عز البرامكة، وعلي الزيبق صيّاد الجن وغيرها من الشخصيات الشعبية، فيما يضع الأطفال رؤوسهم في الكوّات الخمس أو الست وهم يتفرجون على الرسومات بترتيب مرورها على كل كوّة من اليمين إلى اليسار.. و”العمّ” يحكي لهم القصة و”يشوبر” بيديه ويعزف بمزمار أو بوق ليدخلهم في جو المعارك المحتدمة.. داخل الصندوق.
وحين ينهي عرضه، يجر بائع الفُرجة صندوقه خارج القرية متجهاً صوب أطفال آخرين وهو يكمل أغنيته بوصية للأطفال: “الدُنيا صندوقة فرجة، لا تغرّك فيها البهجة، من يوم ما خلقت عوجة، لا تبكي عليها ولا تنوح”.
***
مع الوقت، لم يعد بائع الفُرجة يزور ساحاتنا، ربّما لأن بلادنا وُضعت على عربةٍ حتى صارت ساحاتها هي “الفُرجة”، وصار العالم كله يسترق النظر من كوة نشرات الأخبار على أوطانٍ تُهتك باسم ألف خلاف وموت واحد، ولم نعد نحن الأطفال بحاجة لعربة عجَب كي نندهش، فيومياتنا أعجب من العجب… أما المعارك، فرسوماتها صارت تأتينا زحفاً وهي تطرق أبوابنا حاملةً أبطالها صرعى باسم الحضارة.

****

قد يكون صدري آخر صناديق الضيعة يا صغيرتي، عنتر العبسي يحفر أشعاره فوق شريان يضرب به الزير سالم أعداء البلاد، ويكتف به علي الزيبق كل الجنّ الذين لا يجيدون الرقص.. تسقي به الست بدور جنائن بابل المعلّقة، ويمده الشاطر حسن حبلاً للجميلة العالقة بين أنياب الوحش.

صدري آخر صناديق الدنيا: فادفعي ما تريدين من دفء في صقيع الوطن هذا، ثم ضعي رأسَكِ في كوّة القلب وتفرّجي على صور الناس: سأحكي لكِ كل القصائد وكل الأساطير وكل القصص التي أعرفها وأخاف أن تضيع…

Advertisements

وطني ليس دائماً على حق

08/02/2015

خضر سلامة

تقولُ يا صديقي، أنني أحاول أن أفقأ عين التاريخ المدرسي الذي نعرفه كثيراً وذلك لا يخدم الوطن ولا قصص الوطن،

فما هو الوطن وما قصته؟

دعني أحكي لك قصةً طويلة ومملّة ربما، لكنك لن تجدها في كتب المدرسة ولا الأناشيد الوطنية ولا برامج السياسة:

كان العام 1920، وكانت المقاومة في ما سماه الاحتلال الفرنسي “المنطقة الغربية”، وضم منطقة جبل عامل حتى غوطة الشام تتصاعد.. يحكي العجائز أن موقعة كبيرة وقعت في قرية الخربة اللبنانية اليوم، أوقعت عشرين قتيلاً من الجيش الفرنسي وأعوانه هزّت فرنسا.

حاول الفرنسيون أن يحولوا المقاومة إلى حرب طائفية، وأنشؤوا المثال الذي تعلمه الاسرائيليون لاحقاً في تجربة جيش لحد، وضعوا ضباطاً مسيحيين من قرى جبل عامل في إدارة متطوعين محليين عملاء (عرفت بالميليشيا)، وكادت المقاومة أن تقع في الفخ.

جرى مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 على عجل، ورسم الخطوط العريضة للقضية وأصر على رفض الاحتلال الفرنسي وأفتى بحُرمة الاقتتال الطائفي.

عندها عرف الفرنسيون أن مشروع الفتنة انتهى: جردت فرنسا في أيار حملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجر آمر فصيلة صور آنذاك وضمت إلى أمرته فصيلة ارلابوس في النبطية، دعمتها صحف بيروت آنذاك لا سيما لسان الحال والبشير، وابتدأ القتل.

أدهم خنجر وصادق حمزة

أدهم خنجر وصادق حمزة

دمرت معظم قرى جبل عامل بالمدفعية، وانكفأ معظم أهل البلاد إلى شمال فلسطين، أما من بقي في قريته كما حدث لأهل قرية فارة، فقد عملت فيهم الرشاشات.

قُتل الآلاف في أيام، ولم تكن المقاومة البسيطة تملك حظوظاً كبيرة مع تخلف الدعم العربي.. لكنها أوقعت بالاحتلال هزيمتين كبيرتين في مرجعيون بدعم عربان الجنوب السوري، وفي كمين في قاقعية الجسر، وصمد صادق حمزة مع رجاله على طريق بنت جبيل حتى نفذت ذخيرتهم وانسحبوا.

إلا أن أشهر معارك حملة نيجر الدموية، كانت معركة المصيلح، حيث اختار نبيه بري قبل سنوات بدهاء أن يضع قصراً، بعد أن أنهت حملة نيجر المكونة من 4500 جندي فرنسي ومعهم الميليشيا من نهب قرى خط ساحل صور توجهت إلى النبطية، هناك كمن لهم أدهم خنجر ومعه أقل من خمسين مقاتلاً: استمرت المعركة لسبع ساعات متواصلة بين البنادق القديمة والعربات الثقيلة حتى نفاذ الذخيرة ولم يقتل مقاوم واحد.

من بعدها.. نهبت ما تعرفه اليوم بمنطقة جنوب لبنان تماماً ودمرت قراها وقتل من بقي فيها من أهلها، ونتحدث هنا عن خسائر على حجم كارثة وطنية، ثم فرض الفرنسيون “تعويضاً” لقتلاهم وجرحاهم على أهالي القرى بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية جُمعت من بيع الأراضي والأملاك الشخصية البسيطة.

الآن، عليك أن تتخايل ما حدث لأبطال هذه القصة بعد حملة نيجر التي لا يدرس عنها أحد: أعدم أدهم خنجر مع مئات من الثوار بعدها بأشهر، واغتيل صادق حمزة، أبيدت عائلات المقاتلين الذين كان يملك العسكر الفرنسي أسماءهم، أنهك المعقل الأخير للمقاومة المسلحة في ما سيُعلن الحاكم الفرنسي عن ولادته بعدها بخمسة أشهر في أيلول 1920: دولة لبنان الكبير التي فرضت على المهزومين سياسياً شمالاً وبقاعاً وجنوباً بعد هزيمة يوسف العظمة في معركة ميسلون في يوليو-تموز وانتهاء حلم الحكم العربي، مُحي اسم جبل عامل من الدولة الجديدة وسمّي “جنوب لبنان”، تم تدمير البنية التعليمية والاقتصادية لسنوات كان ثمنها بداية نزوح قاسٍ نحو المدينة-العاصمة الجديدة. (سرّعه الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً)

ثم أصبحت فرنسا مدرسة في الديمقراطية والحرية بل ونتضامن معها ضدنا أحياناً وكتبنا تاريخاً مدرسياً لا يزعجها، وينزعج مثقفونا حين نحكي لهم قصصاً خشبية كهذه، حتى أن لبنان التمام والسلام احتفل قبل أشهر فقط من عام 2015 بمرور 125 عاماً على إعلان لبنان الكبير دون أن يتكلم أحد عن كيف أنشئ هذا اللبنان الكبير، مسلّمين ب”قداسة قصة الوطن”.

لا مشكلة شخصية بيني وبين لبنان اليوم، فهو اليوم الوطن الذي أعرفه وأحبه لأن أهلي وأرضي وقبور الناس الذين أعرفهم وبيوتهم، هنا، لا أكتب معترضاً على شرعيته ولا طامحاً بوطن أكبر أو أصغر، أنا أفتش في التاريخ فقط لأن آلاف القتلى في حملة نيجر الفرنسية عام 1920 لهم أشقاء ولا شك في كل دول العالم، لا يراد لأحد أن يقرأ عنهم.

فلسطينُ كوكباً

15/05/2013

خضر سلامة

هذه الأرض الحبلى بالعجائب، مفتاح الجنة، وهذا العلم الملطّخ بالتاريخ، مفتاح الهوية، وهذه اللغة المكسورة بلهجة عجوز، مفتاح المعجم، وهذه الملايين المشرّدة في مطارات العالم، مفتاح شرعة حقوق الانسان، ونحن، لا ينقصنا، إلا مفتاح العودة، نضع كل عامٍ في حقائبنا كل ما يلزمنا، ألعاب الطفولة كي نعطي للقادمين ما لم تعطنا الأنظمة من حقنا باللعب في سهول الجليل، صور بالأبيض والأسود كي تعرفنا الحقول وتميز وجوهنا من وجوه الأعداء، سلالٌ فارغة كي يطمئن قلب الليمون، فينضج ويلد يافا جديدة، تبلع تل أبيب ولا تبلعها، أقلام تلوين كي نعيد جمع الألوان في جبل الكرمل، ليشدّ على كفّ حيفا وهي تطعم الحمائم الذاهبة إلى بلاد العرب، مفتاح العودة يمجّده الصدأ، يحميه من مزاد السلطة لبيع العرض، وتعوّذه أهازيج العجائز المطرِبة، والمذهبة للعقل والمُشدّة للزند، من لعنات فتاوى الصحابة الجدد وفقهائهم.

كل دولة فيها اسرائيل، نقول، هي الفاشية في قمتها، والعنصرية في تألقها، والموت في لعبته، ونقول أيضاً، كل كفٍّ يقلب تراب العالم، فيه فلسطين، وكلّ عين تبحث عن أفقٍ ترسم فيه البصر، فيها فلسطين، وكلّ قضيّة مؤجلة في أدراج مجلس الأمن، فيها فلسطين، كل طفلٍ يولد في العراء، فلسطين، وكلّ بندقية تصنع الريح ليرفرف علمٌ وطنيّ، هي فلسطين، هي أن تكون انساناً، مقاتلاً، عاملاً، أباً وأماً، هي القاعدة في الإعراب، وكل الإحتلال استثناء، لا أكثر، فلسطين هي الحرّية، أما السلام، ففاصل دعائي للمصارف والأنظمة، يسكت فيها النشيد قليلاً، ليلقّم الشهيد كفنه، راية، ويلقّن الجدّ حفيده، حكاية.

pal1

فلسطين هي أن يُسقط الثائرون طاغيةً خلف البحار، ثم يلتفتون لعدّ الطغاة المتبقين في هذه المجرّة، فيسجّلون اسم طاغيةٍ أوروبيٍ شرقيٍ صغير، سرق بيّارة زيتونٍ، فلسطين، هي أن يأخذ عاطلٌ من العمل حقه من عنق المحتكرين في بلاده، ثم يتذكّر ليلاً، أخوةً له في الكوكب، عاطلين من الوطن، وهي أن تغطّي امرأةٌ في زاويةٍ من الكوكب، أطفالها ليلاً، ثم تُرسل في البريد غطاءً، لخيمةٍ تعيد امرأةٌ أخرى بنائها فوق ركام منزلٍ أكله المغول بين النهر وبين البحر، هذه فلسطين، انسان يشبك عينيه بعيني آخر، قضيّة تحوي في سيرتها، ألف قضيّة أخرى، وحدودٌ لا تقدر أن تغلقها الجيوش، بل يفتحها الشعور كل صباح.

نحن، من تبقى وما تبقى، من كل ما أخذته العولمة من جياب الشعراء، نحن الرمال التي لم تكنسها بعد عصا تجّار القضايا، نصنع شطآناً من الحب، ونتكدّس في موانئها، وعداً بالسفن، أخرجتنا القذائف من عمّان، ثمّ من بيروت، ومن تونس، فصرنا نحن الموج، نصفع وجه بن غوريون كل يومٍ، فيتآكل خوفاً من الزبَد، قتلتنا الخناجر العربية بالغدر ألف مرّة، فسَموْنا إلى السماء شكلاً جديداً للنسور، وحُمنا، نحمل الأجنحة مخرزاً في عيون الطيارات الحربية، ونكبّل بالأغنية، كل الإذاعات الرسمية، ثم نصنع من موشحات الأندلس، قسماً بأن لا تسقط غرناطة مرة أخرى، بل ترتفع، حدّ العودة.

– ثم يسألوننا بعد هذا، ما الذي يعيدنا إلى فلسطين كل مرّة؟

– بداهة الربيع!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الصورة “جوعان” بريشة وقلب الصديق والرفيق ح. رمّال

لا صوت يعلو فوق جرحنا

05/05/2013

خضر سلامة
مجلة الرأي الآخر

لو تأملت جيداً، لو أنك تعلمت لغة الأرض وشكل الماضي في “كان ليَ بيتٌ وأهل”، وبناء المستقبل في “سوف نقاتل”، وفعل الحاضر في “أصبح عندي بندقية”، ولو أنك قرأت عن حركات “النصب” الصهيونية ومسيرات “رفع” النعوش ودويّ دائرة “السكون” العربية، ولو أنك تعرف خديعة النائب عن الفاعل في الجملة وكيف تصبح الضحية المفعول بوطنها فاعلاً لفعل القتل في نشرات الأخبار، ولو أنك تعمّقت في قوة الجزم عند انفجار الرفض في الحناجر المحشوة بأخوات لا الناهية عن الخيانة ولام الأمر بالثأر لطفلةٍ سرقوا منها واو العطف في الجلال والجمال والسناء والبهاء.. بالانتقام لمن نشلوا من جواز سفره علامة الاستفهام عن وطنٍ.. هل يراه؟ سالماً منعماً وغانماً مكرما.. لو أنك فتحت يوماً جمجمة عربيٍ نسيته شرعة حقوق الانسان على قارعة المجزرة وتحت بورصة المجنرة، كي تطّلع على حروف الجر إلى المقابر الجماعية والأسماء المجرورة التي تنوب عنها الأرقام، ولو أنك أطلقت عينيك للبحث عن الضمير المستتر في مطارات العالم الموبوءة بفكرة المستثنى عن لائحة الانتظار والباحث خلف كوفيته عن حرف نداءٍ يدعوه لركوب جناح نورسٍ يكون هو المبتدأ وتكون العودة إلى كرمه الخبر، لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

34369_10150192136900024_797630023_12997120_5345137_n

ولو أنك درست علم النبات وتعمقت في دراسة التحليل الزيتوني للوجود، لو أنك سجلت أسماء الورود التي تخرج من فوهات بنادق الفدائيين لعرفت كيف أن الرصاصة شكل آخر لوردة يقدمها العاشق لأنثى شيدوا فوق ضفائرها مستوطنةً جديدة، وكيف أن الحزام الناسف للخرافات صورة مستعارة لزهرة بنفسج حزينة سباها نبوخذ يوم النكبة إلى صحراء المخيم فصار لها الحق بأن تطلب أن تموت داخل مزهرية فيروز على شرفةٍ مطلةٍ على جذع شجرةٍ تحفظ للقدس هويتها، لفهمت، لو أنك حللت التربة التي زُرعت فيها أغنية الصاروخ لعلمت أن القذيفة تستحيل فيها إلى نخلةٍ خضراء تمحو عار اللغة العبرية وتثبت فكرة العروبة الفصحى، لو أنك سكبت في كوب المنفى الجماعي نكهة النعناع والزهورات التي وضعتها الجدة في حقيبة الوطن قبل سفره إلى معاد المزاد العلني وأوصته بالقراءة والكتابة والصلاة والبكاء، لأنشأتَ جمعيةً لحماية الأوطان من سماسرة التراب، لو أنك لم تحرق البيارات ثم اكتشفت كيف أن الليمون يحفظ لكوكب الأرض شكله الكروي ويجعله مجرد طابة تتقاذفها أقدام الأطفال الذين يصبحون ملائكة قبل النوم وآلهة بعد الموت، لأحببت شكل القنبلة اليدوية في كف مقاوم، لو أنك أحببت الأرض وما فيها من ثمار، لعرفت الفارق بين حقل الألغام وحقل الزيتون، لتفهمت أن ثمة ما يستحق أحياناً أن تحيا من أجله، أو تموت من أجله ان عزت الحياة.. لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

ولو أنك سمحت لأذنيك أن تغرقان في عود زرياب واكتشفت مخارج الأحرف العربية المقاتلة في أوتاره المتفجرة غيظاً تحت الجدار الفاصل، وحاولت أن تتمدد على عتبة البزق وسألت أين سترحل هذه القبور إذا صودرت الأرض وصودرت العواطف، لو سلّمت دموعك لربابةٍ تنعي من سلمناهم لأنظمة الملح شعراءَ مقاتلين مواطنين فأعادتهم لنا الأنظمة في التوابيت، لعرفت الآثار السلبية للقمع على مواسم القمح في الشعر، ولو أنّك حملت غيتاراً في لحظة غضبٍ ولحّنت قصيدةً غاضبةً للوركا تستفيض في شتم الفاشيين، لأصبحت يسارياً، ولو أنّك درست التوازنات الموسيقية في وتريات مظفر البذيئة لقدّرت بذاءة المرحلة وبذاءة الصحافة، ولعرفت أن الوطن البديل هو وطن بليد في كراسات التلامذة الذاهبين إلى الموت كل صباح، لو أنك أحببت الموسيقى للبست كفنك وتزعمت جبهةً ثورية جديدة تخطف الطائرات وتبادلها بالحقول..

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

لو أنّك قبلت يد أمك مرة، لقبلت تراب الأرض مرات، ولو أنك انتسبت في طفولتك إلى صفوف الحليب والزيت أمام وكالات الغوث أو انتسبت إلى حملة شهادات الفقر في مخيمات الصفيح ونقابات الرسم على الحيطان، لعرفت قيمة القتال من أجل رغيفٍ نريده أن يأتينا من تنورٍ لم تحمله قافلة النزوح من غربة الموت إلى الموت في الغربة، يوم لم يقْبل جدنا أن يبع داره لشذاذ الآفاق فأعدموه رمياً بالخوف، لعرفت قيمة القتال من أجل وجبة سمكٍ يحملها موج يافا على كتفي موجةٍ تركض خلف الصياد وتقسم عليه أن يترك لها قدميه في خدها رمزاً للهوية النقية.. لو أنّك فقط.. لو أنّك أنتَ أنا، أو أنتَ شهيق مقاتلٍ أو زفيره، لو أنك خصلة طفلةٍ مكتوبةٍ كقصيدةٍ أو ضفيرة، لو أنك لكَ أنتَ وطناً ممنوعاً من الصرف.. لفهمت قضيتنا.. لتطرفت ولرفضت ولسميت نفسك شاعراً متفجراً غيظاً وثورة.

لو أنك فقط تسمع.. أيها العالم.. لو أن لك أذنين على شكل زنبقة : لسميت الأشياء باسمنا: مقاومة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

ليليث

20/02/2013

خضر سلامة

ليليث هي المرأة الأولى في التوراة، قبل أن يخلق الله حواء من ضلع آدم، خلق ليليث من طينه، فرفضت أن تنصاع لآدم لأنها اعتبرت نفسها مساوية له، فغضب الله عليها وخلق حواء من ضلع مخلوقه، لتكون منصاعة لآدم.. ومن حينها أصبحت ليليث تمثل المكر، وأصبحت رمزاً لبعض الحركات النسوية.. أما في منطق المدينة، فالضاحية، كل ضاحية، هي ليليث، بكل طباعها.

لماذا لا يجيد أحد أخذ صورة فوتوغرافية جيدة للضاحية؟ لماذا يفشل الشاعر في قطف القافية المناسبة لأصوات أبواق الصباح، ويفشل الشاتم في انتقاء الشتيمة المناسبة لزحمة المساء، ويفشل الموسيقي في اختراع اللحن المناسب لرقص سلال الخضار وأقفاص الفقراء؟ لماذا تقف اللغة، أي لغة، عند أبواب الضاحية، كل ضاحية؟ يتقن الجميع عقد ضفائر المدن، وأخذها في نزهة فوق ورقة، أو لوحة، المدينة امرأة سهلة الطباع، حواء مطيعة خاضعة لعصا بوسايدون حين يقفل بموجه باب شرفها، تذوب كأي خد بين شفتي عاشق ماهر، وتضع اسماء الأغنياء وشما على شوارعها، أما الضاحية فليست حواء، كل ضاحية هي ليليث، هي المرأة الأولى الممنوعة من الصرف في قصص الأطفال، والتي يلبسها شيوخ الإعلام ما يلبسه شيوخ التوراة لليليث، هي المرأة الغابة، التي عمر حولها كفار المال سياجاً من شوك، لأنهم يخافون على الباطون والاسفلت من ورد شرفاتها.

ضاحيتي هي ليليث، تدخن في الليل لفافة خضراء مع مارلي وتغني أغان لا يعرفها غير صغار العشاق، قبل أن يحرجها آذان الفجر فتخفي قناني الكحول من أيدي شياطينها الصغار، مخافة من عيون الأمهات لا من أسلحة ولا من لحى، هي هذه الشقية الصغيرة، شعر فتاة يقيسه كل بحسب حظه في الشارع، قد يختبئ في ظل عباءة تبشر بالحزن العتيق، قد يكتنز أنوثة تحت حجاب ضيق كباقة فل مقفلة على عطرها، وقد يطل من نافذة قوس قزح، معلق فوق جبين امرأة لا تخجل بليلها الطويل.

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف هوياتها القاتلة، أعرف المسافة بين الشارع والشارع كيف تقاس باسم القرى، ضاحيتي عنقود القرى، لم تصنع بؤسها، بل أُلبسته بقوة نظام سافل، كانوا يغتالون القرى بقناص اسرائيلي حيناً، وبقناص سياسة أحياناً، يتركونها للغول يأكلها قتلاً، جوعاً أو قذائف، ومن فرط ما تعبت قرانا من هم بلدنا الظالم، تقيأت أوتار عود على صدئ المدينة، فنبتت ضواحينا… ضاحيتي عنقود القرى، قطفتها يد الإهمال والعنصرية.Picture

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف شهداءها، أعرف من قاتل في خلدة، حين هربت المدينة بحروبها الكثيرة من وجه المحتل، وأعرف من قاتل على ابواب حي السلم، حين سالم الجميع وسلّم، وأعرف من كان يحمل غلة كتبه، ليجول على البيوت يقرأ فيهم آيات الثورة باسم لينين وباسم سعادة وباسم الصدر وباسم الخميني، تتكاثر الأسماء حولهم، ربما، لكن وقودهم واحد في هذه الأرض، وقودهم من عجن بألعاب الشارع في طفولته، وبأوساخ الوطن في مراهقته، وبطين الانتماء في شبابه، أعرف أسماء شهداءها، كلهم مروا من هنا، بعضهم قتل بجانب ما تبقى من حقول لم يكنسها العمران، وبعضهم علق على مشنقة الدولة حين كانت لا تدخل إلا بدباباتها وأسلحتها، وبعضهم قتل وهو ينظر في وجه العلم الرث: لم تسقط الضاحية بعد، لا ببارجة الأسطول السادس، ولا بحريق ساعر أيضاً.

لا أعرف من الضاحية غير وجه أفتقده، وجه معفر بالتراب، أخفته قشرة المال الذي انفجر كعبوة ناسفة قبل سنوات، ألبست الفقر ثياباً فاخرة، وبقي الجسد متسخاً بإرث ثقيل من الحقد الطبقي والمناطقي وقد يجوز، الطائفي، لأن هذا البلد لا يترجم الصراخ والبكاء والمظاهرات إلا باللغة الطائفية الفصحى، عمروا حول المبان المتهالكة مبان تخفي قلب الضاحية وصورتها.. أخفوا السيارات المتعبة بالعمر الطويل، خلف صفوف السيارات الحديثة التي تحاول عبثاً، أن تعوض على العاطل عن العمل، وعلى المحتاج وعلى المديون، نظرة الكوكب إليه.. ليليث هنا، تكمن خلف عواميد الإنارة المحكومة بالاعدام منذ عقود، تقفز إلى كرسي فارغ بين كراسي الشباب الموزعين خلف أراكيلهم عند ناصية الشارع.. ليليث ليست كافرة، ليليث ليست آلهة شر ولا شيطان، ليليث هي إقليم طالب بحق له عند ربه، ولما غضب الاله وظلم، كسرت كأي طفلة تحف الجنة وهربت إلى الأرض.. وعلى هذه الأرض بصمات ليليث وثورتها، وخيباتها وبؤسها، وفتنتها وشهوتها وتجاعيد عمرها أيضاً.

عشوائيات حي السلم والأوزاعي، سوق حي معوض المخملي، زحمة حارة حريك ووهرة الأمن الذي لا يرى فيها، سهرات الخمر الخجول من الناس في حي ماضي، خبز قرى الشياح لما يجمع الأقحوان من أغاني البؤساء، رائحة السلاح الذي لا يراه أحد، ويحبه الجميع، جماهير تسير إلى الجنة أو إلى النار، طوعاً، نساء يتخفون في دين أو لا يتخفون، أحزاب لا يختزلها أحد، صراخ بعكس التيار الطاغي لم يجابه يوماً بإرهاب حزبي، صور لرئيس ولسيد ولإمام ولمغن ولمناجل ومطارق بقيت على الحائط، مساجد تتكاثر كما تتكاثر المقاهي، مجمعات ثقافية تطرق واقع المنطقة وتبشر بغد أجمل.. ضاحيتي خالية من محلات الكحول، وفي الليل تأخذ بيد أبي نواس إلى “أم جورج” في الحدث لانتقاء كأس الليلة..

ضاحيتي هي ليليث بكل تناقضاتها، بكل جنونها، بكل كذبها وحقيقتها: كل ضاحية هي الأجمل، إلى أن تتوب المدينة عن نفطها.

هكذا أحب الضاحية: شهية كرغيف خبز، ساخنة كامرأة، ك”ليليث”!

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الصورة بعدسة الصديق احمد قمح

النظام يسقط الشعب

19/01/2012

خضر سلامة

كيف يمكن أن نوقظ هذا الشعب؟ هل نسكب دلو ماء على وجه الوطن الغارق اصلا بالماء شتاءً؟ هل نفجّر عبوة ناسفة قرب أذنيه تضاف الى عبوات ناسفة يفجرها مجهولون كل فترة؟ هل نمشي في الشوارع ونهز كل مواطن من كتفيه الى ان يتذكر ان له حقوقاً لا فقط واجبات؟ هل نعضّ أغصان الأرزة حتى تصرخ وتتذكر انها ليست سوى شجرة عادية ويكف مواطنوها عن تقديسها في الاغاني؟ هل "ننفس" دواليب سياراتهم الحديثة المقسطة على عشر قرون اشباعاً للمظاهر، كي ينتبهوا ان ثمة وطنٌ أعرج يدب على أربعة كبهيمة تسوقها الحكومة؟

يا شعب التعب! معارضتك صورة عن الحكومة، اتحادك العمالية حليف للحكومة، برلمانك شقيق الحكومة، إعلامك تديره ميليشيات الحكومة، يا شعب التعب! مدارسك تخرج أجيالاً تصفق للحكومة، وجامعاتك تعلّق صور أمراء الغبار في الحكومة، يا شعب التعب! من أين الطريق إلى أذنيك، أصرخ بك، أغضب عليك، أضربك على يديك كطفل صوّت لقاتله المفضل فقراً وديناً عاماً وخاصاً، ثم أعجبه مشهد الدمار الاقتصادي الشامل، فصوت له مجددا.

26363-cdd44e-500-330

متى نكف عن النفايات؟ متى نتطور داروينياً ونرتقي من كائن غريب الشكل ينتظر جيفة قرار معيشي يكلف الحكومة أقل مما يكلفها عشاء رسمي واحد على شرف مساعد نائب حاجب وزير أجنبي؟ متى نتعلم قراءة شرعة حقوق الانسان، كي نكتشف اننا لا نحظى حتى بمعاملة أسرى حرب، من حكوماتنا المتعاقبة؟ متى نعرف أن لنا اتحادا عمالياً محكوماً ب"سحسوح" الرئيس الفلاني لرئيسه؟ ومتى نعلم أن ثلاثة أرباع اقتصادنا الوطني، يذهب لجيوب أصحاب المصارف؟ متى نكتشف أن الهيئات الاقتصادية التي تهول بعجلة الانتاج، تنفخ هذه العجلة بفتات ما يجنيه أصحاب المليارات في القطاعات الثلاثة، ويذهب الباقي الى التقاسم بين الراعي الرسمي الطائفي، وصاحب المؤسسة.

كيف نوقظ الشعب؟ ومنبهات العصر كلها لم تفلح، كمبيالات البنك، وصقيع الشتاء بلا كهرباء ولا مازوت، وتصحر البلد، وبول الأمراء الخليجيين على شرف الوطن، وزند الميليشياوي المرابط في الجامعة الرسمية، والحريات المتقلصة إلى أقل من حرية الوصول الى الدوام على الوقت، وبصق الطيارين الاسرائيليين يوميا على سيادتكم، وصراخ مليارات لم نعد نحصيها اخذتها الحكومة من البنك الدولي ولم تصل الينا، وناقوس خطر، ظللنا ندقه حتى انكسر. ماذا تريد؟ برلمان يتشاجر على حصة المعارض من دم الخزينة وحصة الموالي؟ حكومة تحارب المشروع الصهيوني فتسقط مشروع الأجور المنصفة؟ وزير يحد على برميل نفط خليجي ولا يحد على سبع وعشرين ضحية مقيمة على أرض الوطن؟ كهرباء تطل عليك وتلقي التحية ثم تعود الى سباتها؟ ماء في الشارع لا في الحنفيات؟ ماذا تريد بعد كي تسقط شيئاً؟

اسقط شيئاً ما، اسقط اتحادك العمالي، اسقط مجلسك النيابي، اسقط حكومة واحدة نصابة، اسقط رئيساً فارغاً تافهاً، اسقط أحزاباً تعب العمر منها، أسقط بكوات تلف وتدور فتدوخك أنت، أسقط شيئاً ما، أسقط وطناً ظللت تقدسه حتى أكله الصدأ.

أسقط شيئاً ما، إنهم يسقطون انسانيتك كل يوم.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الثورة السورية والمقاومة

09/12/2011

خضر سلامة

حصل ما كنا، كجمهور متابع، وناشطين متحمسين لاسقاط طاغية آخر، ما كنا نتخوف من حصوله، تحولت المعارضة السورية، بعصا الاعلام الخليجي، إلى صورة فوتوغرافية للنظام البعثي، تخوّن منتقديها، ترد بالشتائم، لا تحتمل أي خيار ثالث وتعتبر، بمنطقها ومنطق معلمها، بشار الأسد، أن كل من ليس معها تماماً، فهو ضدها حتماً: أصبح جميع المنتقدين لبرهان وهو يقدم أوراق اعتماده كسفير للناتو في سوريا، أصبحوا أبواقاً، وأصبح جميع من يحاول أن يسلط الضوء على التنظيمات الطائفية والسلفية، ولو عن صدق، هو متهم بتشويه صورة الثورة، وأصبح جميع المحذرين خوفاً على سورية، لا نظامها ولا معارضتها، من مخاطر حرب اهلية واقتتال ومخاطر ما يسمى بالجيش الحر، أصبحوا منظرين، وانتبهوا، منظرين برأي القابع على طاولة اجتماعاته في باريس ولندن واسطمبول، وشعبه يُقتل.

بأي الأحوال، لا فرق، استطاع الطغاة العرب خلال أربعين عاماً، خلق طغاة صغار في كل واحد منا، لا يمكن لهؤلاء المدعين التقدمية والثقافة، إلا أن يكونوا صورةً طبق الأصل عنهم، أعرف مسبقاً، وحدث ذلك سابقاً، أن آرائي السابقة ونشاطاتي الميدانية دعماً للشعب السوري في كرامته، لن تشفع لي عند موزعي شهادات الحرية على الفيسبوك وفي مقابلات الصحف الأجنبية، حين يقولون بالانكليزية ما ينفونه بالعربية، استغباء لشعبهم، ولن تشفع لي عند كتبة صحف آل سعود، الذين يدعون، ومنهم من كنت أحترم، أنهم لا يكتبون الا لحاجتهم لمنبر، كأن جريدة الشرق الأوسط يقرأها أحد خارج مكتب صاحبها الأمير، أو كأن جريدة الحياة هي الناطقة الرسمية باسم الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

إذاً، فلنميز بوضوح، ولمن يود أن يفهم، انتقادي اليوم هو لما يسمى بالمجلس الانتقالي، لا لثورة الشعب السوري البطل، ولمن يصفق للشعبويين وينشر ترهاته واشاعاته، هذا المجلس الذي حدد وحسم بغرابة وصفاقة مدهشة، ضرورة سحق صورة حزب الله الاعلامية، من أجل ان يحظى بمن الادارة الاميركية وسلوى اوروبا، لم أفهم إلى اللحظة، هذا الاصرار المدهش على استنساخ خطابات الحريرية السياسية في خطابات مدعي الحرية، وهم، في قراراتهم، يسارا ويمينا، علمانية واسلامياً، اولاد احمد الشلبي السياسيين، لا أكثر: الى القصر الرئاسي ولو عبر سفارة اسرائيل.

أما من سيفهم مقالي دفاعاً عن النظام السوري، فلا حاجة الى محاججته، ولا حاجة بي لتقديم اي مبررات لآرائي الواضحة سابقاً.

46833836v5_225x225_Front (more…)

نحو مصالحة مع التاريخ: كربلاء نموذجاً

05/12/2011

خضر سلامة

المقال اللاحق، مقال طويل نسبياً.. أتمنى قراءة ممتعة للأصدقاء ونقاشاً مثمراً.

يأخذ بعض الأصدقاء والرفاق عليّ، تأثري الشديد بقصة معركة كربلاء، لقصص هذه المعركة، مكان خاص في دراستي الفكرية والتاريخية للتاريخ العربي، ولا زلت، رغم الشبق المعادي للمؤسسات الدينية لديّ ورغم حذري من الحركات الاسلامية خصوصاً، على تنوعها، لا زلت أرى في كربلاء واحدةً من أسمى المدارس الثورية والفكرية في عصرها، وأقدرها على الاستمرار، وأرى في تحولها الطائفي البغيض على يد المشوهين للسيرة، خسارة ضخمة للعقل العربي، لا سيما التقدمي، الذي لو شاء، لتصالح مع تاريخه ومحطاته الفكرية المضيئة، وأعاد انتاج نفسه حداثوياً.

لا شك أن مدرسة عاشوراء، أو ما يعرف بمعركة كربلاء، التي دارت في القرن الهجري الأول من عمر الدين المحمدي، بين الحسين بن علي، حفيد النبي محمد، وجيش يزيد بن معاوية أمير الشام، الذي نودي به خليفة على الدولة الاسلامية، ليكون بذلك أول حادثة وراثة في هذه الدولة ابتدعها معاوية بدهائه السياسي، كاسراً بذلك قاعدة الشورى والامامة على حد سواء، لا شك أن كربلاء اذاً، او عاشوراء، هي من أهم الحوادث الانسانية الثقافية الضخمة، التي غيرت وجه الفكر الاسلامي وأنتجت ثورات اجتماعية وحراكات فكرية، هزت وأسقطت الدولة الأموية، وزلزلت من بعدها الدولة العباسية لقرون متتالية، بمن استوحى من سيرة الحسين ومأساته وفكره، دروساً على اختلافها وصولا إلى عصرنا الحالي الذي نجد فيه عدة تيارات تقول بالاقتداء بكربلاء، لعل أهمها حزب الله، أو حركة المقاومة الاسلامية في لبنان، والذي يقول انه يعود بمدرسته القتالية والعقائدية الى الحسين، وهذا، ما يغيب عن وعي الكثيرين ممن يخاصمون حزب الله في السياسة لفهم الفكر الذي يحكمه.sc0000e1fd

على كلٍ، لنترك السياسة جانباً، في هذا المقال، سنحاول أن ندرس ملحمة كربلاء، من بوابتها الانسانية، هذه البوابة التي أغلقتها النكاوات الطائفية سيما بين السنة والشيعة، فغيبت هذه المعركة عن التأريخ الانساني والتدريس الثقافي الحقيقي، للانسان العربي، مهما كان دينه، أو فكره، ولو كان لادينياً حتى! لقيمة المعركة والسيرة الانسانية العظيمة، التي أراها في كربلاء، محاولتي في هذه الدراسة المختصرة، هي لاقناع رفاقي واصدقائي الكثر، من الناشطين والباحثين، بضرورة انتاج فكر شرقي خالص نقي، لا استشراقي مشوه، وعلى ضرورة البحث في تاريخنا، عن تجاربنا السياسية ولو اختلفنا معها، وانا اختلف، دينياً وعقائدياً في بعض التفاصيل: هل نحن بحاجة لاستنساخ التجارب الفكرية الغربية والقصص الاسطورية، أو نستطيع اعادة انتاج فكرنا الخاص، باستقلال تام عن معطيات قد لا تلائم معاركنا المستمرة مع مجتمع يتوالد نفسه، منذ أربعة آلاف سنة؟ – (more…)

بين الغزالي وابن رشد

24/08/2011

خضر سلامة

قبل ثمانية قرون، انتصر الغزالي على ابن رشد، كانت المعركة بين معسكر “تهافت الفلاسفة” التكفيري ومعسكر “تهافت التهافت” المنتصر للعقل على أشدها، حين خرج ابن رشد بعد عشرات السنوات من وفاة الغزالي، ليقود حملة كسر الموروث وانقاذ أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم ممن ترجموا ثم طوّروا، من سيف ال”بدعة” الذي رفعه الغزالي على رقابهم، هُزم ابن رشدٍ في الشرق بسمّ الأفعى نفسها الذي خرج في صيدها، كُفّر ثم مات غمّاً، وحكم الغزالي بلادنا، ولا زال: الغزاليّ اليوم صاحب بئر نفط، يضع أسعار المعارك والحروب والسلام ويشتري الثورات ويبيع البلاد ويستأجر الأقلام والحبر، الغزاليّ صاحب فضائيّتين اثنتين، تتنازعان على عرش الحقد والفتنة وصناعة الخبر لا نقله، ونخر الرأي العام لا ترميمه… الغزاليّ سائق سيارة أجرة عاديّ في مدينة لم تتعلم أصول المدنية بعد، يشتم سائقاً آخراً قادم من الريف، وهو طفلٌ يرشق عاملاً أفريقياً بالحجارة، لأن لون بشرته لم يعجبه، الغزاليّ هو الطاغية، يحكم أربعين عاماً، بأربعين جهاز مخابرات، وأربعين ألف معتقل وأربعين مليون حلمٍ مقتول، ثم يسأل: لماذا يكرهني شعبي؟ هو الجريدة الرسمية للطاغية، تخوّن كل فلاسفة الحرية وتلامذتهم، وتهدر دم كل كل فلاسفة لقمة العيش، الغزاليّ هو أن يكون النظام الحاكم هو الثابت لا المتحول، أما المعارضة فهي المتحولة دائماً.. إلى جثثٍ، أو خدَم.

ابن رشد - خضر سلامة

وضمن لائحة المسروقات الوطنية، وما نُهب من متحف البلاد، كان ابن رشدٍ، دخل الغرباء ليل حروب القبائل والعشائر باسم “الحق في الحكم” (للصدفة؟!) قبل ألف سنة، وصادروا فيما صادروا، عمامة ابن رشدٍ وما فيها، وابتسامته التي شغلت بال رجال الدين المسعورين طويلاً، وضعوها في مختبر الحداثة، وصنعوا منها الفلسفة الحديثة بكل ما قادت عالمنا إليه، من حقوق انسانٍ وأنظمة رعاية وعناية، وسلطة قضائية رقيبة مجتهدة في القوانين لا جامدة، إلى جمهوريات متصاعدة لا تقف عند جمود الجمهورية الأولى، أما نحن، فتركوا لنا جيفة الغزاليّ لنعلق في نتانتها، فكانت مستنقعاً لا ينبت في أحسن حالاتها إلا كتاباً أخضراً سخيفاً! وفي أسوأ حالاته، آل سعود وزبانيتهم.

الغزاليّ هو النظام العربيّ اليوم، وهو المسجد اليوم، وهو اتصال الاثنين الذي يجعل من الكتابة جنحة، ومن الصوت جريمة، واتصالهما، تحت عباءة الغزاليّ، هو شريعة الدم، وصورة فوتوغرافية لـ”تهافت الانسان”، فيصبح القتل حدثاً عادياً، والمجزرة خبراً يومياً، والتعذيب والذلّ إعلاناً مبوّباً في بيانات الأحزاب والعشائر والطوائف، وبينهم جميعاً، في خطاب الحاكم المقدّس الذي لا شريك ولا معارض، له.

يا ابن رشد، تعال و”افصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال”، عُد إلى بلادٍ تُسقط اليوم خريفها كفرسٍ تنفض عنها وحل الغابة، قتلنا بعدك أكثر من ابن رشد، بالرصاص وبالسكاكين وبأحكام التكفير وبالسكوت للنظام ولرجاله، وبمزاج مخبرٍ عابر، كثيرون قُتلوا في الطريق إلى العدالة والحرية والفكر الحر والعقل، وبقي الغزاليّ يحبسنا كعفريتٍ في قمقم المأساة.. اليوم نراكْ، شاهراً حبركَ، وصوتك الصارخ في وجه الممانعين والمعتدلين وما بينهما، مؤسساً لعقلٍ جديدٍ، لا يسجنه الغزاليون بين خيارات الذلّ والمحتل، وبين الموت والموت.

تعالَ يا ابن رشد، هذه الصحراء لا بد تنقرض.

خالد صاغية منتصراً

20/08/2011

خضر سلامة

على أمل أن يقبل، من بقي من قلة من الأصدقاء الزملاء، في جريدة الأخبار، رأيي برحابة صدر.

قلنا، حين دفنا جوزف سماحة، "رحل قليلاً.. انتظروه"، ولم نكن نتوقع، أن تأتيه في موته طعنة أخرى، تخرسه، هذا المشاغب الصغير، الذي اعتاد تجريح النظام العربي بطفولة عاشق، ولم يخجل من كشف عورات المعسكرات المتقاتلة، مهما كبرت الشعارات وتجارها، يخسر اليوم معركته الأخيرة أمام كاتم الصوت، بفعل اغتيال.

قطاع الكلمة يسطون على صحيفة الأخبار، هذا المشروع الجميل، الذي زرعه سماحة سنبلة قمح في جفافنا الفكري، وأرادها شباكاً لهذا الشعب الذي أقفل عليه المال النفطي كل شبابيك العصر، اليوم، يعلن ابراهيم الأمين في منبره، (أو مخفره ربما؟) انتهاء مشروع جوزف سماحة، بمغادرة خالد صاغية، الساخر الأنيق، الواضح المباشر في السياسة، لعدم إيمان الأخير بعمليات تجميل النقد، أو تقنيات التحوّل إلى مخبر، فيما يخص الحراك الشعبي الثوري في سوريّة، سوريّة التي خلعت عن جسدها ثوب البعث الممزّق بأربعين عاماً من القمع، وأسقطت أيضاً، في لبنان، أوراق التوت عن كل تقدمييه ومناضليه.

Untitled

خالد صاغيّة خارج الأخبار إذاً؟ أظنها الأخبار أصبحت خارج خالد صاغيّة وما يمثّل، خارج منطق عدم التملق للحلفاء، وعدم الارتهان للمساهمين، خالد صاغيّة، القامة التي تضمن الاختلاف والخروج عن الروتين الإخباري الممل، إلى ضرورة تحريك العقل بصورة الواقع البشعة، حسم إبراهيم الأمين الأمر، واختار إيقاف العقل النقدي، وإنهاء الاختلاف، والمصارحة، وانتقى من تاريخ الصحافة، صحف النظام، ليصلي على رئيسها وآله، يؤلمني اليوم، وأنا ابن الصحيفة، أن أرى في مقالة الأمين نعيٌ واضح للأخبار، وتنكيل أخير في جثة جوزف.. جوزف، لو أنّك لم ترحل، موتك خيانة وغدر، أيها الصديق.

"شبيحة" الصحافة في بيانهم التأسيسي، أزاحوا خالد صاغية عن الصحيفة، دون أن ينتبهوا إلى أنه نصّب أميراً في عيوننا الباحثة عن تكسير الأصنام الكثيرة التي تشوه المشهد، هؤلاء الذين يخرجون ليطبلون ويزمرون لأي قلم جديد يُكسر، ولتخوين كل مختلف برأيه عن رأي الصحيفة الرسمية للحزب، للطائفة، للشخص المقدس، هؤلاء، يسقطون حين تنتهي هذه الصحراء الطويلة، ويسكتون حين يخرج صوت الموسيقى ليبشر بانتهاء زمن الضجيج الشعاراتي الفارغ، هؤلاء الشبيحة، موقوتون في طغيانهم الفكري والأخلاقي، كقنبلة دخان، تكسرها شمس الحرية.

خالد صاغية، حين تخرج آخر أغراضك من مكتبك، بذقنك المشذبة، وابتسماتك الخفيفة، وهدوئك المزعج لمحبيك وكارهيك على حد سواء، خذ صورة جوزف سماحة، امسح عنها انعكاس جريدة "تشرين"، واعتذر من أصدقاء قلائل بقوا في الصحيفة، إلى أن يشاء الطاغية.

وداعاً جوزف سماحة، إلى اللقاء خالد صاغية.


%d مدونون معجبون بهذه: