Posts Tagged ‘جبل عامل’

كان لا بد أن تُسمَع

08/07/2011

خضر سلامة

دولة اللص، سعادة العملاء الكرام

باسم شعبٍ لا اسم له، وباسم وطنٍ لم يولد بعد، وبالصلاة والسلام على أرواح الشهداء، اللذين يسقطون على أبواب المستشفيات، وبأدعية الأمهات لمليوني مغترب منذ دولة الطائف إلى اليوم، نبدأ، كنت أود أن أتحدث عن المحكمة الدولية، لكني سأكون خائناً لأصوات الناس، ووفياً للسفارات التي تكترث لمحكمتكم وشهدائكم وسلاحكم، وحدها، فيما يكترث الشعب لقضية واحدة غابت عن مداخلاتكم، لقمة عيشه.

5-aristides-hernandez-ares-cuba

اختلفتم على المحكمة، واختلفتم من "الكلب" فيكم، ولو سألتونا كنتم "وفرتوا وقت الله"، فالعواء كان كثيراً ويتسع لكم جميعاً، واختلفتم مين "معروف سعره"، وأنتم 128 سلعة، معروف سعرها، بالدولار أو بالريال أو بالتومان، واسألوا أسيادكم، يستطيعون أن يزودوكم بلوائح الأجرة الشهرية لكل مقعد نيابي.

هل تعرف حكومتكم، يا دولة السيلولير، أعداد العاطلين عن العمل في البلد؟

هل تعرف حكومتكم، يا دولة الملياردير، سعر صفيحة البنزين وضريبة النقل؟

هل تعرف حكومتكم، يا دولة الرايقة معو، أسماء الميليشيات في الجامعة اللبنانية وكلفة "الاختلاف" على الطالب؟

ما حاجتنا للحكومة، يا سادتي القتلة، إن كانت باسم الأحزاب والمشاريع الاقليمية، منذ قيام مزرعتكم اللبنانية إلى اليوم، ولم تكن يوماً، باسم حقلٍ في البقاع، ينتظر سمساراً ليحيله منتجعاً لراحة السياح، أو مزبلة لشعب لم يعد ينتج منذ قيام الحريرية السياسية إلى اليوم، إلا نفايات منزله؟ ولم تكن يوماً، باسم مصنع جديد يغلق، ليفتح مكانه ملهى ليليٍ لأبناء الضباط والوزراء والنواب واللصوص، ما حاجتنا للحكومة إن كنا سنبقى ندفع فاتورة اشتراك كهرباء لموتور يعوض ضرورة انتفاعكم من شركة الكهرباء، أو لنقلة ماء، تعوض ضرورة انتفاع خصومكم من شركة المياه، أو لقرضٍ مصرفي جديد لشراء شقة، تعوض حرصكم الدائم أنتم وأسلافكم وخلفائكم، على صحة المصارف الداعرة؟

ما حاجتنا للحكومة، ما دامت لن تعبر عن رأي وطن، ونحن بلا رأي ولا وطن، وعن خريطة لا تعنينا، وعن سلاح غير متفق عليه، وعن محكمة لن تنصف إلا الأغنياء، أما الفقراء، فلهم محكمة الجنة والنار، بعد ألف سنة، ونيف، ربما؟

خذوا محكمتكم المثقوبة من أسفلها بسفرائكم وحواضنكم الاقليمية والدولية، وخذوا السلاح والقضايا والشعارات العتيقة، وخذوا حصتكم من المال العام، ومن الكهرباء والماء والعمل، وأعطوا خصومكم حصصهم، أما الشعب، فله حصة من البيان الوزاري، ومن شرعة المجلس النيابي، لم تذكروها، سأذكرها: للشعب خازوق البطالة، وزنزانة الطيارات المسرعة إلى الهجرة، وأقبية الديون المتراكمة، وذل بيع الأرض والعرض، ليرضى الزعيم.

في ختام كلمتي، يا سعادة النواب والكلاب والمعروف سعركم، لا أحجب الثقة عن الحكومة، لأنها لم تكن يوماً في لبنان إلا محكومة، بقرارات الخارج، بل أحجب الثقة عن الدولة، وعن كتب التربية الوطنية كلها، أحجب الثقة عن مهرجانات الصيف للتسلية والنفاق والشتم، المسماة زوراً، جلسات مجلس، أحجب الثقة عن دولة ليست بدولة، إلا لأزلامكم، وعن وطن هو أخس وأذل من أن يكون وطني، لا ثقة بها، وبكم.

مجلس وزراء، مجلس نواب، مجلس دستوري، مجلس شورى، مجلس مطارنة، مجلس شيعي أعلى، مجلس كاثوليكي، مجلس مذهبي درزي، مجلس قضائي أعلى، مجلس وطني للاعلام، مجالس، فعلاً، إنه بلدكم أنت، بلد مَ جالس.

غرفتي القصيدة

26/05/2011

خضر سلامة

غرفتي قصيدة، والقصيدة لها أربع جدران، وسقف.

في الجدار الأوّل بطاقة بلاستيكية تشير إلى شرق المتوسّط وغرب الصحراء، بيروت سنبلة تتراقص طرباً لمزمار العولمة، مدينة الشعراء والفقراء والتجّار والقتَلة والقتلى، مصنع بارود هذه المدينة، يحضّر الحريّة للتصدير، لا للاستعمال الداخلي، تعلّمك كيف تقطف الحلم من حقول التعب، وتدلّك على أقصر طريق إلى المطار، لأن لا حقيبة تتسع لحلمك إلا حقيبة السفر، في الجدار الأوّل شكل الانسان الأوّل وهو يخترع أسباباً لقتل أخيه، لدينه أو لدَينه أو للونه، أو لأنه أخاك أنتَ بالذات، على قفا هذا الوطن ختم انتداب فرنسي، يقول: انتبه، بلدٌ معدّ للتقسيم، أبقه بعيداً عن متناول الأحرار.

في الجدار الثاني، أصل اللغة وجذور ملامحك وقصة جدٍّ هرب بقبيلته من فيضان كبير، فعلق أبنائه في فيضان الحنين إلى الرمال وهي تبتكر عدناً في خاصرة العرب، اليمن السعيد، كيف أضحكه؟ وكيف أخلّصه من فكّ الجزّار الذي لا يشرب إلا بآنية عليها رقم قتلى اليوم، أنا من جبل عامل، وجبل عامل تحفة صقلها النازحون من اليمن على كتف فلسطين قبل قرون، وهذا الوحش المتقمص في شاربين على عرش اليمن، عدوّ الحرف، وصديق المجزرة، لا تتركوا، يا رفاقي، له الأرض، بل لغّموها بأسرار الصبر على السيف، إلى أن يقول السيف: انكسَرت.

IsmetVoljevica

في الجدار الثالث دمشق، تحمل ياسمين الدار في كأسٍ من الألوان وتقدمه للأطفال بعد العشاء، تحصي عدد الأحرف في الأبجدية، لتتأكد من عافية الوطن هذا اليوم، أمنٌ وطنيٌ يقتل أبناء الوطن، إسلاميون يستربون كالدود من عروق الخارجين إلى الحريّة، ليشوّهوا، كعادتهم، وجه التاريخ، تخرج هذه الطاهرة سمراء من شاطئ الاسكندرون، وتركب أجنحة الفراش لتطل على حمص اليوم، لا زالت تلهو بدالية عنب، وتغفو على كف الجولان، تنتظر زهر الرمّان، وتعرف جيداً، أنّ أسلحة الأنظمة كلها، لا تؤخر صيفاً واحداً.

في الجدار الرابع، ولد يضع النيل في كفه الأيسر ويزيح بالكف الأيمن النسر قليلاً ليرتاح هوَ على العلم، ويصدح: أنا البلاد، بلادي! في الجدار الرابع رغيف عيش، يصبح هو القضيّة والشرعية الوحيدة للملايين المتعبة من جزمة العسكر التي تفصّل النظام على قياس الظابط الجديد، وفيه أيضاً، اسم مصر، حين يختصر نشرة الأخبار بحروفه الثلاثة، فيه فنّ اللعب بالفخّار، كيف نغيّر شكل المأساة إلى نكتة جديدة، كي لا يحزن الأطفال القادمون ليطلبوا الحياة العزيزة، والتي، إلى أن تصيح القابلة باسم الوطن الكريم، تسكن في الشعر الشعبي، وفي غريزة المصريّ الأصيلة لكلمته الأولى: صباح الخير.

أمّا السقف، فرحلة الفرات ودجلة من العراق إلى العراق، يبقى السقف للثريّا، والثريّا للسماء، والعراق نسر يحلّق في فضاء القافية، يجمع الأصداف من بطن البصرة ويسيّج بها بغداد كي تبقى أرجوحة عيد في البال رغم أنف الاحتلال، لا شيء يغيّر من طعم الموّال العراقي، لا صوت العبوة عند الفجر، ولا نعيق المحرّضين باسم الله على عباده، الموّال هو الموّال، هو الهالة حول عنق النخلة، والهال حول عنق الفنجان، الموّال هو الصوت الخارج مع جرّة الماء إلى الجدول، كي يكسر حكم الكوكاكولا لعقول العملاء، هذا العراق، سقفٌ من الضوء يخنق غيوم الاحتلال الأجنبي والمحلّي، ويظلّل كرامة عشاقه، بالنور.

هذه غرفتي، قصيدة واحدة بقافية واحدة، تبدأ بالكرامة، تتوضّأ بحرف النفي لكل الطغاة، وتنتهي بالحرّية.

رحلة النورس

24/04/2011

خضر سلامة

الرائحة ذاكرة، والذاكرة دفتر تلوين، والقلب لا يجيد إلا الأبيض والأسود: الأبيض لرجلٍ يكره الجذر اللغوي للاستعمار، ويحاول جاهداً أن يجيد اللكنة السمراء لعازف غيتار في شارعٍ مغلقٍ على الضباب في لندن، أو أن يجيد اللكنة السمراء لزورقٍ رماه المتوسّط في موجةٍ بين شاطئين، الأول للفقر، والثاني للفاشية، اللون الأبيض هو الغمام، يعبر بين الشريان الفلسطيني والشريان الفلسطيني من فوق الجدار، ولا يصيبه القناصة، أو فلنقل أن الأبيض هو الفراغ المؤلم في ورقة الشاعر، يملؤها من نشرات الأخبار بالغضب، والأمل، أما الأسود، فهو لصبية دقّت على خزّان رجالٍ علقوا في الشمس بخطءٍ مطبعيٍ من كنفاني، قرعته كطبل أفريقي يوحّد الألم بالألم، بين القضية والقضية، كلّنا في الهم أفارقة! الأسود هو الحبر، هو أن تجيد الكتابة بلونٍ فوضويّ، في زمنٍ رماديّ المبادئ وضبابيّ الثورات، الأسود هو أن تكون ليلاً يخبئ الثائرين على عصا الشرطيّ، أو حكَماً للمتقاتلين على الرغيف في ملاعب القمح المحروق، محروقٌ بفعلٍ أبيض، كي لا تنهار الأسواق.

1. رائحة المطر

الرائحة ذاكرة، والذاكرة شرفة كانت تفتحها لك أمّك، كي تكتشف أن ثمة عالمٌ آخر خارج جدران المنزل، رائحة المطر هي رائحة الأرض، موّالٌ لا يخنقه الباطون وإن تناسل بعدُ أكثر، ولو تكاثر فوق قلب ضاحية، كانت قلعة فقر بهيّ، لا يتحزّب إلا لأول قبلة يفعلها المراهق فينا، ليخبر أصحابه: هذه الطفولة مدهشة، وهذا الفقر مدهش أكثر، ضاع!

رائحة المطر هي ذاكرة الريفي في المدينة، الرائحة هي أن تقسم لجدّك قبل ساعة الموت، أنّك لن تفرّط في قطعة أرضه، ولو تآمر السماسرة وثقل الهم، وهي أن تقبّل يد جدّتك كأنها آخر الإقطاع الجميل، المطر الأوّل، والأخير، هو قاموس الأمثال الشعبية، وهو عمالة الأطفال الشرعية: صندوق الحجارة التي كنت تجمعها من الحقل بعد الحصاد، كي يصبح ملعباً للأصدقاء الصغار، رائحة المطر ليست ماركة فرنسية، بل عقال متأصّلٌ في البداوة.

2. رائحة الخبز

الرائحة ذاكرة، والذاكرة فرنٌ لم يغيّر عادته، يفتح كيس الطحين عندما يأمره آذان الفجر، رغم أنف وزير الاقتصاد، خميرة درسها العلم كثيراً، ولم يغيّر قناعتي بأنها تنفخ العجين كما ينفخ الطاغية شعبه غضباً، ينفجر بعد حين، بضع ليترات من الماء، تستعير من طوفان نوح معجزته، كي تؤمن "عروس" اللبنة لتلميذ يحب أن يكبر كي يرتاح من همّ باص المدرسة، وبعد سنوات، سيحب أن يعود صغيراً، كي يرتاح من قسط مدرسة آخرين، يسمّيهم مؤقتاً، أولاده، رائحة الخبز هي رقم الهوية الحقيقي لكل مواطن، رقم ديون الأوّل، أو رقم الحساب المصرفي للثاني، أو رقم الثالث على لوائح الباحثين عن عمل، هي الرائحة التي تفتح باب الأسرة على موعد الغداء، موعد ثابت لبعض المحظوظين على طاولة منمقة من خشبٍ أوروبي، أو موعد يتأجل ساعاتٍ، أو أياماً، لبعض القابعين في لعنة الحد الأدنى للأجور، أو أقل.

رائحة الخبز هي أن تكون شديد الانتماء للجماعة، في أن تقسّم الرغيف على أيدي الأصدقاء في سهرة على حجم أحلامنا البسيطة، وهي في أن تعجبك وجبة اليوم من يد أمّك ولو لم تعجبك، كي لا تكسر خاطر هذه الجميلة الصغيرة التي تحبّك لأنك أهل للحب، رائحة الخبز هي أن تكون شديد الانتماء لمن لا تعرفهم في المظاهرة، وهي في أن لا تنسى السؤال الخطير: كم سعر الرغيف اليوم؟

world_hunger_54195

3. رائحة الورد

الرائحة ذاكرة، والذاكرة ياسمينة لم تنحنِ في عصر السجود للمال، بقيت في فناء الدار بالقرية، تحرسها الجدّة من يد المرحلة الوسخة، ولم تزر مرةً واحدة ماكدونالد، ولم تقلقها الفطرة البشرية للنزوح، رائحة الورد ذاكرة لم تأتِ بعد، ولم تقل أنها ستتأخر عن موعدها، باقة من وردة واحدة، تقدمها لأنثى، في كل وجنة من وجنتيها ملعب ريح، تقدمها لها غداً، لا لأنها تحب الورد، بل لأنها تحب الورد منك أنتْ.

رائحة الورد هي رائحة البحر، المسافة التي تفصل بين خدها وشفتيك حين تكتفي بمرور هادئ، وهي ضرورة السؤال عن سبب ضحك البحر، البحر بيضحك ليه؟ ربما.. لأننا "غير"؟؟

رائحة الورد هي المنام اللذي يحوي استعارات اللغة كلها، مجازٌ عن ضرورة اليد في اليد، وحتمية الشفة على الشفة، معادلة تصحح الرياضيات ويصبح المجموع الأكيد لاثنين، واحد لا أكثر، رائحة الورد، هي ما يبقى من القبلة على العنق، وما يترك النفس المتقطع على وجه الحبيب من أثر، ووتر العود في البال.

الرائحة، هي الاختصار: شعبٌ بدون أنوثة، شعبٌ مهزوم.

قتلوا نبيل زغيب

26/03/2011

خضر سلامة

قبل أن تقرأ – شاهد الريبورتاج، وهو من اعدادي الخاص لبرنامج للنشر على قناة الجديد

الشعب لا يموت، يغفو قليلاً ليرتاح من نعيق الإعلام الرسمي، ويستيقظ على جثة وجدت لميّت مجهول، يصبح بعد قليل من انتحاره، ميتاً منتخباً بطلاً من جمهورٍ يبحث عن قائد، أشهر من الرئيس المعيّن من سفارةٍ تبحث عن خيال.

190787_10150166884936760_705366759_8742442_6216082_n

من قتل نبيل زغيب؟ لا تتهموا، أيها المشاهدون، حبل المشنقة، بل اتهموا شارع المصارف، لا تتهموا الشيطان أيها المتدينون، بل اتهموا زعماء الطوائف، لا تتهموا الشجاعة في اختراع الموت أيها المحلّلون، بل اتهموا كل خائف، لا يخرج إلى الشارع كي يقول "لا" للرشاوى القادمة تارة من مئذنة معبد، وتارةً في أجرٍ شهري لا يليق بالتعب اليومي، وتارةً في شاشةٍ تلهيه بكل شيء كي لا يفكر بمن يسرقه، لا تركّبوا الاستعارات للأشياء، بل اختاروا الأسماء: النائب والوزير والرئيس، لا شريف فيهم، كلّهم قتلوا نبيل زغيب، وبعضهم، بعضهم نكّلوا بجثته، بعد موته: فلانٌ أكمل صفقة نفط، آخر أكمل حماية شركاته بمال الدولة، وذاك عزّز من نفوذ حاشيته في وظائفها.

جثة نبيل زغيب تشير باصبع الاتهام إلى المجلس النيابي، وبقدم الاتهام إلى الحكومة السابقة واللاحقة، نبيل زغيب مقتولاً، لا قتيلاً، جثة باردةٌ وضعناها في مشرحة القصر الجمهوري الذي يبرّر كل شيء، ويهرب من كل شيء، قضية محقة، ستنام كغيرها في درج المجلس النيابي، أو بندٌ جديدٌ تضعه الحكومة الجديدة كذباً، على بيان الثقة.

لا أريد اسقاط النظام الطائفي، اريد اسقاط هذه الفوضى الطائفية الكبيرة، التي لم تكن يوماً نظاماً، أريد أن أقول أن ألف نبيل زغيب، ليسوا بحاجة إلى رضا ميليشيا في الجامعة اللبنانية كي ينتسبوا إلى العِلم، أريد أن أقول أن ألف نبيل زغيب، ليسوا مضطرين لشحذ الواسطة لإيجاد وظيفة، وأريد أن أقول أن ألف نبيل زغيب، لن يضطروا إلى البحث عن ختم رجل دين عند ولادتهم، كي يصبحوا أنصاف مواطنين، أو ختم رجل دين عند موتهم، كي يصبحوا أنصاف موتى، ونبقى نحن الأحياء، أمواتٌ جداً.

هذه الفوضى كبيرة، هذا البلد فوضى هائلة، وهذه الديوك المعيّنة في كراسيها، ترثها وتورّثها، توسّع حجم المزابل من تحتها، كلنا سنموت، شنقاً بحبل الكذب، ذبحاً بسكين البطالة، موتاً برصاص التحريض، دهساً بعجلات المحتكرين وحماتهم، من ينقذنا؟

ينقذنا من سيقوم منّا، ليأخذ بثأر نبيل زغيب… من لن يقبل أن يبيع مبدئاً ربيِ عليه، ومن لن يقبل بأن يوسّع انتهازيو الثورة وتجارها الشرخ بين الرفاق، لا تدعوه ملقاً على رصيف الانتحار، كنّسوا الشهداء المزيّفين، ووثائق البطولة المزوّرة للصوص قتلوا بعضهم بعضاً، وقولوا: نحن الشهداء السابقون واللاحقون، ومثلنا، لا يموت.

يا أصنام الطائف وأمراء غبار الميثاق الوطني: مثلنا ينتصر.

هذا الحزن الكثير

10/01/2011

خضر سلامة
إلى صديقي حسين ش.

الساعة الآن الواحدة، بيروت ستلفظك إلى البعيد الكثير بعد أقل من نهار، وأكثر من سنة، ستقول يا حسين، أنها رحلة الخروج من بطش فرعون فينيقي، إلى الصحراء الكبيرة، سأقول لك، أنت لست موسى، لست نبياً، أنت أكثر من ذلك بكثير، أنت صديقي، نجمةٌ تزرعها الريح في جبين الكوكب، وأرى فيك وجه إله يحمل همّ الكون، وينظّم السير في طرق القدر السريعة.

تعال نتقاسم هذا الرغيف الأخير، سنقول أنه من بقايا اعتصام باعه سماسرة اليسار يا رفيق، تعال أخبرني النكتة الأخيرة، كي نضحك الضحكة الأخيرة، قبل أن تغرق أنت وأمك وأخاك في البكاء، وبعض الرفاق أيضاً سيبكون، وبعضهم سيضحك، كي لا يشمت بنا العابرون، أو كي نسرق رغم المرارة، ابتسامتك العنيدة، كلا، بل تعال نخترع شتيمة جديدة لفخامة الرؤساء الثلاثة، وسعادة النواب ومعالي الوزراء، تعال نشوّه وجه البطالة بسكين السخرية، ونرقص فوق الديون بفنجان شاي على الرصيف، أو كزدورة في شارع "المثقفين"

هذا زمن الهجرة من اليأس إلى البؤس، سأخيط لك قميصاً من أرض الضاحية المرسومة بالحفر، كي لا تنسى وجه الأرض، سأعطيك باقةً من ياسمين الجنوب، لأنك أكثر الجنوبيين سقوطاً في حب الياسمين، أو قنينة فيها رائحة الخمر والعنب، ورائحة القبل الكثيرة التي تأت مع كل سلام، كي تتأكد أنت جيداً من عدد أصدقائك، قل ماذا تريد في حقيبة سفرك؟ خذ زعتراً كي لا يحكمك ملح الحزن، خذ تفاحة، كي تتذكر شهوة اللقاء المؤجل قليلاً، ثم خذ وعاءً كبيراً، كي تضع فيه البلاد والخرائط والحدود والعسكر والحزن والقصائد والخطابات وجوازات السفر، كي تضعها كلها في الوعاء، ثم ترميه في البحر، لأن فيك كل ذلك أنت، حسين.

sasasasa

أتعلم، هذه البلاد تضع في حليب طفولتنا، سمّ شفتيها، فيُقال لنا هذا طعم الانتماء، تلفّ طفولتنا بخرقٍ من ضفائر شعرها المتهادي علماً وطنياً فوق الأبنية الرسمية، وفي ملاعب الكرة، وعلى منابر النواب السفلة، ويُقال لنا هذا حدود الدم، علاقة خطيرة بلادنا، لا تخرج إلا من مسامات العرق، على شكل احتضار بطيء، لا ينتهي، إلا بوداع ثقيل، وانتظار طويل، وبكاء كثير، نشفى منها حين نخرج منها، تصبح في البعد أحلى، لأننا لا نرى ثقوبها الكثيرة، وشعوبها المتناحرة، وكذب حكامها المتناسل كالنمل في قمحنا، ستقول بلادي هي حنجرة فيروز لا أقل من ذلك، بلادي صوت أمي على الهاتف لا أقل من ذلك، بلادي سلام من صديق يأت من الشاشة ليرفرف كدوريّ على شباك صباحي، لا أقل من ذلك.

رفيقي، صديقي، صفعتك البلاد بكفّ أمك حين ربتت على كتفك، صفعتك البلاد بكفّي حين سلّمتك مفتاح الصبر، ليس وداعاً ما أكتب، بل رثاء مبكر لمئات من بعدك، سنترك لافتة على باب مطار بيروت تقول، نرجو من المسافر الأخير من هذه الأرض ، أن يغلق باب الوطن خلفه، هذا رثاء مبكر لنفسي، أما أنت، فعدّل نظارتيك، أغمض عينيك، وارسم بلاداً تستحق الحلم، غير أسماء الشوارع وسمّها باسم الأصدقاء، لأنهم أبطال هذا الفيلم الذي عشناه ونعيشه، فكّر في كل شيء جميل، في عليّ يعد السنوات الخمس عشر من صداقتكما، في سامر وهو يراجع كل إشكال تافه بينكما، في أحمد وهو يدافع عن ما تبقى من اليسار الجميل، في حسين وهو يجاريك في البسمة، في محمّد وهو يغزل الضحك بمنول البسمة، فكّر بكل شيء جميل، بكل من أحبّك، وقل، هذه بلادي، الناس وما فيهم من فرح.. "ما بلادي هيي بلادي.. ناس وبيت وزوّادة"

من يغسل العالم؟

19/12/2010

خضر سلامة

لسنوات خلت، علمتني فرنسا مهنة غسل الصحون في مطاعم الأغنياء، امتهنت ذلك: كنت أستعير يديّ من معول الكتابة، وأأخذ إذن الشعر، كي أذهب ليلاً لأنظف ما نجسه المترفون في نومهم الوسخ على جوع الأفارقة المرميين فوق رصيف الدعارة، أعطتني فرنسا أطباق العشاء كل يوم لسنوات، كي أغسلها مما تبقى من الحصص المسروقة من جعب المنتظِرين في طوابير مخيمات اللجوء، نظفت كل ذلك بيدين من كحل، وأعطيتها قلبي كي تغسله، فأعادته إليّ متسخاً بكل ما في هذا العالم من قضايا: لطخة قيء من فم طفلٍ شردته معارك الأنبياء في الصحارى، بقعة دم من شريان امرأة ذبحها الشرف العربي المهدور في السفارات، ثقب رصاصة عبرت في صدر فدائي في جنوب أمريكا، ثم حوّله القتلة إلى شعارٍ جديد لمطعم جديد، نظفتُ أطباق فرنسا جيداً، وألبستني غبار العالم جيداً، ثم سألتُ باريس ذات ليلة: "من يغسل هذا الطبق الكبير، من يغسل هذا العالم يا تفاحتي الجميلة؟"، "المطر" قالت باريس.

من يغسل العالم؟ بعد أن يأكل منbanksy-nola-printه الأثرياء، فيتركون الفتات فوق يابسته، ويبولون على بحره؟ فعلاً، هذا العالم تنقصه النظافة، اللون الرمادي يأكله، رمادية بيروت حين لا تعرف أي الشوارع هيَ: شارعٌ أعمدته مهترئة، يخنق سكانه بهمّ الحجارة المسكوبة حطاماً كقصيدةٍ عتيقة، أم شارعٌ يبشّر بنبيٍ يأتي على فرسٍ خضراء، ويلقب بالدولار، رماديٌ هذا الوطن حين يكون جميع أبنائه شهداء، وجميعهم عملاءُ أيضاً، رماديٌ هذا القلب حين يكره ويحب، ويشتم ويكتب غزلاً، ثم رماديٌ هذا الشعب حين يقول "سأفعل"، ويجيئه ابن وزيرٍ، كي يفعل به، رمادي حبري، حين لا يعرف كيف يقدم للقارئ قافيةً جديدة، فيكرر قافية المقال الأخير، كل شيء رماديّ، وأنا، أريد قوس قزح، من يبيعني لوناً كي أخرج شارلي شابلن من ملل التكرار في لون ياقة بذلته؟ أو كي أنقذ ضحكة غوار من شحوب الشاشة؟ من يعيرني أحمراً كي أقول للأحزاب المتساقطة، هؤلاء شهداؤك، أو أصفراً كي أقنع الخريف أن لا يتخلّ عن عاداته الجميلة، أخضراً كي أكون بكامل حروف اسمي الثلاثة، أو أزرقاً، كي أعيد البحر صندوقاً فيه حكايات الأنبياء السُمر.

الآن أعرف مشكلة هذا العالم، يحتاج إلى عصير الجنة، إلى مطر يغسله، والمطر قليل هذا العام، جافٌ هذا القرن وتحكمه أعراف الصحراء، يحتاج إلى صابون الشعر، والشعراء لا يزالون ينتحرون كل يوم خوفاً من المستقبل، ولا يموت فيهم إلا ماضي البلاد الجميل، يحتاج إلى خرقة كي يمسح الأطفال بها زجاج الكوكب من دخان سجائر الكبار، والأطفال فيه لا يحملون إلا الأسلحة ليقتلوا ما تبقى فيهم من بكاءٍ خفيف، هذا العالم وسخ، من يغسل العالم؟

يداي متعبتان، جذور يديّ يابسةٌ، في تراب بلادٍ يشبه الملح ويأكلني، كفّاي أصغر من أن أحضن بهما كوكباً يهرول صوب الاختناق، باريس، أحتاجك، عمّديني في نهر السين كي أخرج نوحاً جديداً، فأنقذ القصائد والإناث والطرب والأحصنة، من لعنة الرمال… من يغسل العالم؟ لو أن لنا في السماء إلهٌ يحبنا… لو أنه ينفخ فينا روحاً مرةً أخرى، لو أن له ولدٌ آخر، يصلبه أصحاب الهيكل، فيصلبهم بالحب، لو أن الحب يخرج من الأحلام، من يغسل العالم؟ أحلامنا؟

ربما!

مفيستوفليس يشتري كل شيء

30/11/2010

خضر سلامة

إلى س. م. – وآخرين أعرفهم أو لا أعرفهم من النازحين من غربة الوطن إلى غربة جديدة، رفاقي الذين يجمعون حقائبهم ويرحلون يوماً بعد يوم، هاربين من جحيم الوطن.
مفيستوفليس في الأسطورة الفاوستية هو رمز الشيطان الذي يحمل بيده كتاباً، يضع فيه أسماء من يشتري أرواحهم.

من قال أن الأقوياء، لا يتلفتون إلى الوراء؟ من قال أنهم لا يُشعلون خشب الأسماء القديمة التي تشير إلى كل زاوية بقصّة، والذكريات المعتّقة ككأس نبيذٍ يخرج من تحت أقدام العذارى في صقلية، يشعلونها كي يضيئوا بها قنديل الليل، فالحزن، والفرح، والبسمة الدافئة في وجهٍ عابرٍ في البال، أو الدمعة المحنّطة على فعل ماضٍ ناقص، كل هذه التفاصيل الصغيرة، نجومٌ في سماء كل قويّ. من قال أن الأقوياء لا يبكون؟ هم يغسلون غبار الآخرين بالدموع ويلمّعون أحذية المارة بما تبقى من ماء في بئر العين، من قال لا يضحكون؟ هم يكنسون الفكرة بالفكرة ويغلقون على الشفة السفلى بخجل الشفة العليا: الأقوياء هم الأقوياء، الصادقون مع عواطفهم، الصريحون بالبكاء كما هم صريحون بالصراخ، الجريئون بالرقص كما هم جريئون بالكتابة، الأقوياء هم أبناء الماضي الأبرار، وصناع المستقبل الجميلون، والخارجون من رزنامة الحاضر ليعلنوا من على رصيف الشارع قيام دولةٍ جديدةٍ كل ثانية: جراحهم، خريطة البلاد بعرضها وطولها.

الأقوياء أصدقائي، أعرفهم من بقايا الهراوات فوق أجسادنا حين كنا نزور أطفالاً، كعاصفة من غضب، الأرض المحتلة بالسفارة الأمريكية، الأقوياء هم، أعرفهم من اللون الأسود الغارق في الحلم، حين يكبر الحديث عن الفقراء ونصبح نحن الحديث، أعرفهم من وتر العود في حناجر نجمعها حطباً للسهرات، ونغنّي لأي شيء: للحب حين يغيب فيكبر حضورنا في بعضنا، للوطن يعرج في الصحيفة ونحن عكازه في الأغنية، لنا، أعرفهم، وأخاف نسقط فنقول: كنّا! أعيد حساب الأيّام، اجتياح العراق، عوكر، عيد العمّال، جمّول، الغلاء، غزة، تمّوز… من يكمل اللائحة غداً، ويسجّل الهزائم الجديدة، والانتصارات الحزينة، حين ترحلون يا رفاقي؟

Untitled

هذا عصر السوق الحرة، كل شيء يباع ويشترى، بدولارٍ واحدٍ أشتري ربطة خبز، وبربع ذلك أشتري صوت صديقٍ في الهاتف، الخبز أغلى من الأمومة والعواطف، عصر السوق نحن، معلّقون كالأبقار على حبال الغسيل الوطنية، معروضون للبيع في مزادات شركات الإعلان، ذاك يُباع بوجبة سريعة، وتلك تشتريها وكالة سفريات، تجمعون حقائبكم، تهربون من هذا الجحيم الكبير المكتوب على بابه: قطعة سما، تهربون من الحريق المستمر في طول البلاد وعرضها، جامعة رسمية يحتلها الصحابة الجدد، ويحكمون الغابة الجديدة بعين القمع، وزارات تفتح كمغارة علي بابا أحشائها لثلاثين لصاً، وتغلق نفسها على أنفاس الشباب الحالمين بغرفة وشجرة ياسمين واحدة، دولة تصدّر أبنائها، وتستورد السوّاح وأجهزة المخابرات، تهربون من الحريق، وتتركون بعضاً من أجسادكم هنا: رفاقكم، نحبكم أيها الحاضرون فينا، أغلقوا على نفسكم ستار المسرح، خذوا قيلولة المحارب التعب، جرّبوا فيروز بوجهها الحزين حين تشرق من نافذة المنزل في الغربة، وعودوا بعد ذلك بعام، أو أكثر، كي نذبح ما تبقى من قناني النبيذ قرباناً للضحك، عودوا، لا تتركوني جريحاً بكم، لا تتركوني مسيحاً يحمل وزر الخطايا عن شعوب الظل كلها، أخاف عليّ إن لم تكونوا، أخاف على أطفالٍ لم يأتوا بعد، إن لم تعودوا.

فقط حين ننقرض، فقط حين يهرب آخر زندٍ من آخر اعتصام يسأل الدولة عن عنوانها، حين تخرج آخر ضفيرة كانت تغني للفقراء وللاجئين وللحرية وللعلمنة من الكادر، فقط حين ينتهي هذا الجيل المتعب بأحلام تشيخ وتكبر ثم يثقبها النظام اللبناني بالغدر، فقط حين تُقطع آخر زهرة غاردينيا كانت تظلّل الشعب برائحة جميلة، فقط حينها، سأقول عنك يا وطني: مزبلةً كبيرة.

كيف نواجه الفتنة؟

06/10/2010

خضر سلامة

إذا، البلد بأمه (فرنسا) وأبوه (سعيد عقل) مشغول بالحديث عن الفتنة، خطر الفتنة، شبح الفتنة، هذه الفتنة اللعينة، والفتنة مرض خبيث، ينتقل جنسياً، إذ أن البلد الذي يتعرض للاغتصاب من دول أجنبية عدة مرات في اليوم الواحد، معرض أكثر من غيره لمرض نقص المناعة، والكرامة أيضاً.

على كل، جوعان، شعوراً منه بضرورة انضمامه إلى حملات محمد خليفة وبهيج طبارة وأليسا، لتدعيم الوحدة الوطنية على سرير واحد، قرر وضع نصائح للمواطنين لمواجهة شبح الفتنة:

1. ضمن خطة مواجهة خطر الفتنة، أصدر مكتب جوعان فتوى تقول بجواز جمع نكت أبو العبد السنّي وحسين حميّة الشيعي في نكتة واحدة، على شرط أن لا تكون نكتة أخت البلد، يا سعد.

2. الفتنة قادمة، يقولون، لذا يلزم كل مواطن بأن لا يفتح بابه لأي غريب، إلا بعد أن يتأكد من اسمه الثلاثي، ويجب التبليغ عن كل مواطن اسمه من نوع فاتن أو فتان أو فتاك أو فاتلة معو، ومنع أفلام فاتن حمامة، كما وسيتم حظر أغنية كامل الأوصاف فتنّي، واستبدالها بأغنية كامل الأسعد فختني.

3. إذا شوهدت الفتنة تتنقل في شوارع بيروت، يطلب من المواطنين الكرام استدعاء قوى الأمن الداخلي كي تتأكد من أوراقها الثبوتية، وبما أن الفتنة لبنانية من أكثر من عشر سنوات، او مئة سنة، أقترح المطالبة بنزع الجنسية اللبنانية منها، ونفيها إلى الرياض، مسقط رأس الراحل الكبير.

4. الفتنة نائمة (في البرلمان؟)، لعن الله من أيقظها، لذا يرجى من كل جغل في الأراضي اللبنانية خفض صوت الموسيقى ليلاً تحت منزل حبيبته، وعدم ثقب إشكمان السيارة، كما يرجى من النائب عمار حوري التوقف عن الضحك هذه الفترة، ومن المجلس النيابي الاقتداء بالنائبة جيلبرت زوين والتزام الهدوء والأحلام السعيدة.

5. على وزارة السياحة تعميم صور الانجيل المشبوك بالقرآن، والصليب الذي يعانق الهلال، وبطرس وهو يعانق محمد، وعلي وهو يشد على يد عمر، على كل الإدارات الرسمية، كي يتأكد العالم والامبرياليون فيه خصوصاً، أن السنة يحبون الشيعة، والشيعة يحبون السنة، والمسيحيون يحبون الاثنين سوا، أكثر من مار شربل ايه والله.

6. بناء على فتوى مفتي الشيعة والتيار العوني، الشيخ عبد الأمير قبلان، على أننا سنواجه الفتنة بالصدور العارية، على حد تعبيره، يرجى من المواطنين الشباب التجول بالبوكسرات أمام السفارات الأجنبية، وتلزم الصبايا بالاكتفاء بالسوتيانات حتى إشعارٍ آخر.

7. كيف نواجه الفتنة؟ على كل مواطن أن يقتني كلاشنكوف كي يطلق النار على كل مواطن آخر يقتني كلاشنكوف ليفتن به، ورجاء، عدم "ضرب أي كف" أثناء أي اشكال، كي لا ينزعج وزير الداخلية الكريم، وكي تمر الفتنة بالسلاح الثقيل صحيح، بس بلا ولا ضربة كف، بشرفي.

8. الاصرار على دخول لبنان كتاب غينيس للارقام القياسية على اساس انه البلد صاحب أطول مواجهة فتنة في التاريخ، حيث أنه يواجه خطر الفتنة منذ تأسيسه، وسيقام بالمناسبة مسابقة بين النواب الكرام لدخول كتاب غينيس بأطول بيان يشرشح ويبهدل الفتنة.

9. نشر إعلانات تمسح الأرض بالفتنة، وتبني شعارات مثل "فتنة" بالحيط، "فتنة" بالمجهول، "فتنة" ببعضنا، "فتنة" عالحمام، "فتنة" بالبرلمان وصرنا عملاء، "فتنة" عالحكومة وخربنا البلد.. إلخ.

10. الإصرار على رفض تعبير "فتنة" قادمة، وبناء عليه، فنحن نطمئنكم أنه ربما هناك حرب أهلية قادمة، أو اغتيالات ومجازر ومذابح، أو حرب اقليمية، أو اشتباكات واشكالات، ولكن كلها يا اعزائي، اسمها "أكل خرى" وليس فتنة، اقتضى التوضيح.

the_end

هنا بيروت.. هناك لندن

17/09/2010

خضر سلامة

هل لندن دافئة في هذا الوقت من العام يا عزيزتي؟ هنا لا دفء، أنا هنا، عالق في الجليد لا زلت، أسكن هذه الصحراء الكبيرة التي تلقب بأرض العرب، ومع ذلك أشعر بالبرد، لا شيء يدفئني، أغطي جسدي المورّم بهموم الفقراء بخرقة العلم وبالبذلات العسكرية، ولا أدفأ، أحرق الأناشيد والشعارات والمظاهرات في موقد الأحزاب الوطنية، ولا أدفأ، أسقط كل قليلٍ في حفرة من حفر الجحيم الرسمي، وأموت برداً ولا أدفأ، كل الخطابات والبرامج الحكومية والمشاريع النيابية والوثائق الحزبية، تحرق أعصابي، ورغم ذلك، أشعر بالبرد.

الحاكم لم يتغيّر، لا زال يحكم بأمر الله منذ زمن الجاهلية، واللصوص هم نفسهم، غيروا أسمائهم المستعارة وطوائفهم، واستمروا لصوصاً، والمعابد والجوامع والكنائس، لا زالت تبيع جنة الأرض للأغنياء، وتدعو الفقراء لجنة السماء بعد ألف عام ونيف، والشرطة لم تتغير أيضاً، ولا زالت تضيف أسماء جديداً لأجساد مرت تحت عصا شرطيٍ غاضب، أو لرأس سحق تحت جزمة ضابطٍ يتأكد من سلامة الأمن الوطني، أما شعبنا، شعبنا لا زال طيباً وبسيطاً، يخرج من فراشه صباحاً كالحمل صبيحة عيد الأضحى، يضحك لصورة الزعيم على الشاشة ولا يسأل إذا ما كان سيذبحه اليوم أو أن دوره غداً، يغسل وجهه بالتراب حين يعزّ الماء في الأنابيب المهترئة، يخرج للشارع ليشارك في الماراثون اليومي للركض خلف لقمة العيش الكريمة، يشتمه حاجب الوزير، وحارس الوزير، وابن الوزير وزوجة الوزير، ومع ذلك يضحك، يعود من عمله إلى حضن امرأته، ليجدها مذبوحة ومعلقة فوق شرعة حقوق المرأة، يضحك، يتوضأ بالكسل، ويصلّي لإله جميل لا يشبه آلهة البرلمان، ويضحك، وينام.

أشعر بالبرد، مخيف هذا الصقيع الذي لا تكسره شمس الديمقراطية الأميركية التي تقوم على ضحكة حسني مبارك، وانسانية آل سعود، وحكمة سلاطين الخليج، مخيف هذا الصقيع الذي لا يذوب رغم أنف شريعة الملالي في قم والتي تعدل بين المحكومين بالشنق والمحكومين بالرجم، مخيف هذا الصقيع الذي يتمدد فوق أطرافي كجهاز أمن في زمن قوانين الطوارئ التي لم تحرر شبراً منذ ألف قرن، أشعر بالبرد، أشعر بالبرد في زمن الاحتباس الحراري والمصارف الحريرية، أشعر بالبرد في زمن ثقب الأوزون، وثقب النظام العربي الذي يغير شكل القصيدة من خيمة، إلى وكر ذئاب.

46833836v5_225x225_Front

هل لندن دافئة في مثل هذا الوقت من العام؟ يا صديقتي…

في الأنف رائحة بلادٍ يأكلها عفن الثقافة التي تمجّد الأمراء، وفي الأذن صوت سوطٍ يسلخ ضفائر النساء باسم الشرف والترف الذكوري، في العين صورٌ بالأبيض والأسود لبلاد نسيها قوس القزح، ولم يغزل فوقها ألوانه منذ زمن، في اليد بقية من خريطة مزقها السماسرة، وتركوا لنا فتات الهوية ورماد القضية، قدماي في الريح، تبحث عن وكالة حصرية لتجارة السفر، خذوني إلى بلاد الدفء، خذوني إلى خريف يوازن بين التين وبين الليمون، بين الريح وبين الحزن، بين المطر وبين الضوء، خذوني إلى خريفٍ يخترع ألف سبب للدفء، ولا يقتل ما في القلب من غضب، يربي الغضب، ويسقيه وجع المشردين على أرصفة الديمقراطيات اللعينة، والديكتاتوريات الخبيثة.

أخبريني عن لندن يا صديقتي، هل يميز العشاق فيها بين هراوات بوليس الآداب، وهراوات البوليس السياسي؟ أما هنا، فلا فارق بين الاثنين، العصا رقيب على كل شيء، أخبريني عن لندن، هل ينام كارل ماركس مرتاحاً في قبره؟ أما هنا، فنحن لا زلنا نحترف فن نبش المقابر كي نتاجر بما تبقى من دماء شهداء صنعوا المجد وسرقناه نحن، أخبريني عن لندن، هل يسمح الوضع الإقليمي بقبلة سريعة بين اثنين؟ أما هنا، فالشارع الرسمي ملك لدار الافتاء، والقبل مقننة حسب مزاج شركة الكهرباء وفاتورة حساب الجنة والنار، أما العواطف، فرهن عودة أنثى، فتحت خزنة الشعر وسرقت تاج الكلمة الجميلة، وتركتني عارياً على رصيف الرسائل الممزقة، عارياً، أشعر بالبرد.

أخبريني عن لندن، يا صديقتي، خريفها لا زال جميلاً؟ ضعي لي في حقيبة سفرك لونه الأصفر، وبقع الضباب التي تخنق الأصوات كي لا تزعج الفوضى عاشقين يصنعان طفلاً في الظلام، ضعي كل ذلك، وبعضاً من الأمل، في حقيبة، وارميها في البحر، البحر صندوق بريدنا الوفي.. البحر دفؤنا، أشعر بالبرد في الصحراء هنا، أعيريني قليلاً من دفء لندن.

إشكال أمني شديد الأسف والانفجار

04/09/2010

خضر سلامة

حدث ما كنا ننتظره، وأعلنت جميع الأطراف طي صفحة الاشكال الأمني الأخير، وبعد مطالبة عدة أصدقاء لجوعان، رئيس جمهورية طزستان، بتحليل ما حدث، طالما أن تحليل الوضع السياسي في البلد يشبه تحليل بول حمار كان يرعى في حقل حشيشة، نمر على الإشكال الأخير ونحن نبتهل: من أين أدخل في الوطن؟.. من قفاه يا مواطن!

انتهى الإشكال الفردي في أحد شوارع عاصمة طزستان، على خير، وأعلن بالأمس طي الصفحة نهائياً، بأربع قتلى فقط، المسؤولون أكدوا أن لا خلفية سياسية، ولا خلفية مذهبية للإشكال، الخلفية الوحيدة المعنية هي خلفية المواطن القابعة على ألف خازوق، أما تحالف الجماعتين فتعمد بالدم، تأكيداً على وحدة المسار والبواسير بين السنة والشيعة، المغرومين ببعض منذ ألف سنة ونيف.

لا يوجد أي خطر فتنوي، الوضع بألف خير، وناقوس الخطر لن ندقّه خوفاً بعد اليوم، نستطيع أن نستعمله في التشجيع في مباريات كرة القدم مثلاً، أو نستطيع دق ناقوس الخطر في وقت السحور لإيقاظ الصائمين، الجميع يحب الجميع، وما حدث يمكن أن يحدث بين الأخوة، قال أحد النواب الجهابذة، وأنا أصدق كل ما يقول النواب ورئيسهم، فعلى سبيل المثال، آخر مرة اختلفت فيها مع والدي، عاقبني بقصفي ب43 قذيفة آر بي جي فقمت بخطف أمي وأخوتي كرهائن، تحدث هذه الإشكالات في العائلة الواحدة، أما الجسد اللبناني، فهو أشد تماسكاً يوماً بعد يوم: الديْن العام متضخم كثدي خارج للتو من عملية تكبير، الوضع الأمني مفتوح على مصراعيه كما تفتح أمٌ يديها لتودع ابنها المهاجر، الهوية الوطنية مثقوبة من أسفلها كأسفل أي مواطن، وأنياب المصارف مغروزة جيداً في لحمنا، أما موازنة العام القادم، فهي خير دليل على النشاط الجنسي لوزارة المال التي لا تزال تفعل فعلها فينا.

quit-smoking-ad-18

الموقف القوي، والجاد، جاء من وزير الدفاع، أعلن عن تجميد رخص السلاح الفردي أثناء نهار الاشتباك، كأني بإعلان يقول: وزارة الدفاع ترجو من سائقي الدبابات عدم التجول في المدينة حاملين مدافعهم الثقيلة وقذائفهم الصاروخية المرخصة للاستعمال الشخصي، وزير الدفاع يجمد الرخص، كأن المتقاتلين يهتمون لرأي معاليه القانوني، أو اجتهاد مستشاريه، تخايلوا معي يا أصدقائي، أحد عناصر الميليشيات، يحمل رشاشاً حربياً ويقصد أقرب مخفر للدرك، كي يقدّم طلب "رخصة حرب أهلية" صالحة لمدة معينة.

انتهى الإشكال الفردي، وقف الجميع على النشيد الوطني لطزستان، شهداءٌ قتلوا شهداء، من أدان ومن استنكر؟ من شجب ومن شجع؟ من امتعض ومن انطعج؟ لا يهم، البيانات هي هي من خمس سنوات إلى اليوم، يغيرون فقط المكان والزمان، ويرتجعون نفس أوراق النعي، الشيء الوحيد الذي يتغير بين كل إشكال طائفي فردي، هو أسماء القتلى، أما عشاء المصالحة بين الأحياء المحتفلين، فهو هو.

أعزائي المواطنين، أجارنا الله جميعاً من شر التعايش، مشكلة، أنه كلما "تعايشت" طائفتان، مات أربع مواطنين! والمشكلة الأكبر، أن كل إشكال "فردي" يتطور إلى إشكال كلاشنكوفي، ثم إشكال صاروخي، أما الكارثة، فهي في المواقف، في بلاد العالم، يمر موقف تاريخي واحد كل عشرة أو عشرين عاماً، يغير وجه البلاد، أما في طزستان، فكل زعيم يطلق عشرة مواقف تاريخية في اليوم، ولا يتغير شيء… لا يتغيّر إلا سبب موت مواطنٍ جديد، للوطن، للأمة، للحقيقة، للكهرباء… لله يا محسنين!

من هنا، من على منبري كمواطن وأقل، ألعن الميثاق الوطني، وحكومات التوافق، والاشعاع والنور، وقدموس السافل الذي اخترع الحرف الذي أتى بالنشيد الوطني، وألعن كل شارعٍ فيه شعار كاذب، او صورة شهيد يسأل بلسان مظفر: "أيهمّ الميت أن القبر يزخرف؟."


%d مدونون معجبون بهذه: