Posts Tagged ‘جنوب لبنان’

صندوق الفرجة

20/02/2015

“صندوق الفرجة”
*
يدور صاحب صندوق الفرجة في القرى، يركن عربته تحت شجرة في ساحة القرية كما يركن الغجر سيركاً كاملاً كأنه كامنٌ في صندوق… وكون “صندوق العجب” من وسائل الترفيه النادرة آنذاك، كان أطفال الضيعة يتهافتون صوبه كلما سمعوه قادماً:
“شوف تفرج يا سلام.. شوف احوالك بالتمام.. شوف قدامك عجايب.. شوف قدامك غرايب.. تعا تفرج يا سلام.. على عبلة ام سنان.. هيدا عنتر زمانو.. شوفو راكب ع حصانو.. هيدي هيي الست بدور.. قاعدة جوا سبع بحور.. الأركيلة من كهرمان.. وسريرها من ريش نعام”.

صندوق الفرجة

**
كانت التعريفة خمس قروش (فرنك واحد).. يحصل من يدفع مالاً على حظ الجلوس على الدكة الخشبية، أما من يدفع برغيف خبز أو بيضة أو فواكه، فكان يضطر أن يتابع القصة واقفاً منحنياً. ثم يبدأ “العمّ” (وكان غالباً من أبناء قرى إقليم التفاح) ببرم البكرة التي تحمل رسومات عن عنتر العبسي قاهر الفرسان والزير سالم بطل المعارك والشاطر حسن ربيب الغيلان والست بدور الأمينة على عز البرامكة، وعلي الزيبق صيّاد الجن وغيرها من الشخصيات الشعبية، فيما يضع الأطفال رؤوسهم في الكوّات الخمس أو الست وهم يتفرجون على الرسومات بترتيب مرورها على كل كوّة من اليمين إلى اليسار.. و”العمّ” يحكي لهم القصة و”يشوبر” بيديه ويعزف بمزمار أو بوق ليدخلهم في جو المعارك المحتدمة.. داخل الصندوق.
وحين ينهي عرضه، يجر بائع الفُرجة صندوقه خارج القرية متجهاً صوب أطفال آخرين وهو يكمل أغنيته بوصية للأطفال: “الدُنيا صندوقة فرجة، لا تغرّك فيها البهجة، من يوم ما خلقت عوجة، لا تبكي عليها ولا تنوح”.
***
مع الوقت، لم يعد بائع الفُرجة يزور ساحاتنا، ربّما لأن بلادنا وُضعت على عربةٍ حتى صارت ساحاتها هي “الفُرجة”، وصار العالم كله يسترق النظر من كوة نشرات الأخبار على أوطانٍ تُهتك باسم ألف خلاف وموت واحد، ولم نعد نحن الأطفال بحاجة لعربة عجَب كي نندهش، فيومياتنا أعجب من العجب… أما المعارك، فرسوماتها صارت تأتينا زحفاً وهي تطرق أبوابنا حاملةً أبطالها صرعى باسم الحضارة.

****

قد يكون صدري آخر صناديق الضيعة يا صغيرتي، عنتر العبسي يحفر أشعاره فوق شريان يضرب به الزير سالم أعداء البلاد، ويكتف به علي الزيبق كل الجنّ الذين لا يجيدون الرقص.. تسقي به الست بدور جنائن بابل المعلّقة، ويمده الشاطر حسن حبلاً للجميلة العالقة بين أنياب الوحش.

صدري آخر صناديق الدنيا: فادفعي ما تريدين من دفء في صقيع الوطن هذا، ثم ضعي رأسَكِ في كوّة القلب وتفرّجي على صور الناس: سأحكي لكِ كل القصائد وكل الأساطير وكل القصص التي أعرفها وأخاف أن تضيع…

وطني ليس دائماً على حق

08/02/2015

خضر سلامة

تقولُ يا صديقي، أنني أحاول أن أفقأ عين التاريخ المدرسي الذي نعرفه كثيراً وذلك لا يخدم الوطن ولا قصص الوطن،

فما هو الوطن وما قصته؟

دعني أحكي لك قصةً طويلة ومملّة ربما، لكنك لن تجدها في كتب المدرسة ولا الأناشيد الوطنية ولا برامج السياسة:

كان العام 1920، وكانت المقاومة في ما سماه الاحتلال الفرنسي “المنطقة الغربية”، وضم منطقة جبل عامل حتى غوطة الشام تتصاعد.. يحكي العجائز أن موقعة كبيرة وقعت في قرية الخربة اللبنانية اليوم، أوقعت عشرين قتيلاً من الجيش الفرنسي وأعوانه هزّت فرنسا.

حاول الفرنسيون أن يحولوا المقاومة إلى حرب طائفية، وأنشؤوا المثال الذي تعلمه الاسرائيليون لاحقاً في تجربة جيش لحد، وضعوا ضباطاً مسيحيين من قرى جبل عامل في إدارة متطوعين محليين عملاء (عرفت بالميليشيا)، وكادت المقاومة أن تقع في الفخ.

جرى مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 على عجل، ورسم الخطوط العريضة للقضية وأصر على رفض الاحتلال الفرنسي وأفتى بحُرمة الاقتتال الطائفي.

عندها عرف الفرنسيون أن مشروع الفتنة انتهى: جردت فرنسا في أيار حملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجر آمر فصيلة صور آنذاك وضمت إلى أمرته فصيلة ارلابوس في النبطية، دعمتها صحف بيروت آنذاك لا سيما لسان الحال والبشير، وابتدأ القتل.

أدهم خنجر وصادق حمزة

أدهم خنجر وصادق حمزة

دمرت معظم قرى جبل عامل بالمدفعية، وانكفأ معظم أهل البلاد إلى شمال فلسطين، أما من بقي في قريته كما حدث لأهل قرية فارة، فقد عملت فيهم الرشاشات.

قُتل الآلاف في أيام، ولم تكن المقاومة البسيطة تملك حظوظاً كبيرة مع تخلف الدعم العربي.. لكنها أوقعت بالاحتلال هزيمتين كبيرتين في مرجعيون بدعم عربان الجنوب السوري، وفي كمين في قاقعية الجسر، وصمد صادق حمزة مع رجاله على طريق بنت جبيل حتى نفذت ذخيرتهم وانسحبوا.

إلا أن أشهر معارك حملة نيجر الدموية، كانت معركة المصيلح، حيث اختار نبيه بري قبل سنوات بدهاء أن يضع قصراً، بعد أن أنهت حملة نيجر المكونة من 4500 جندي فرنسي ومعهم الميليشيا من نهب قرى خط ساحل صور توجهت إلى النبطية، هناك كمن لهم أدهم خنجر ومعه أقل من خمسين مقاتلاً: استمرت المعركة لسبع ساعات متواصلة بين البنادق القديمة والعربات الثقيلة حتى نفاذ الذخيرة ولم يقتل مقاوم واحد.

من بعدها.. نهبت ما تعرفه اليوم بمنطقة جنوب لبنان تماماً ودمرت قراها وقتل من بقي فيها من أهلها، ونتحدث هنا عن خسائر على حجم كارثة وطنية، ثم فرض الفرنسيون “تعويضاً” لقتلاهم وجرحاهم على أهالي القرى بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية جُمعت من بيع الأراضي والأملاك الشخصية البسيطة.

الآن، عليك أن تتخايل ما حدث لأبطال هذه القصة بعد حملة نيجر التي لا يدرس عنها أحد: أعدم أدهم خنجر مع مئات من الثوار بعدها بأشهر، واغتيل صادق حمزة، أبيدت عائلات المقاتلين الذين كان يملك العسكر الفرنسي أسماءهم، أنهك المعقل الأخير للمقاومة المسلحة في ما سيُعلن الحاكم الفرنسي عن ولادته بعدها بخمسة أشهر في أيلول 1920: دولة لبنان الكبير التي فرضت على المهزومين سياسياً شمالاً وبقاعاً وجنوباً بعد هزيمة يوسف العظمة في معركة ميسلون في يوليو-تموز وانتهاء حلم الحكم العربي، مُحي اسم جبل عامل من الدولة الجديدة وسمّي “جنوب لبنان”، تم تدمير البنية التعليمية والاقتصادية لسنوات كان ثمنها بداية نزوح قاسٍ نحو المدينة-العاصمة الجديدة. (سرّعه الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً)

ثم أصبحت فرنسا مدرسة في الديمقراطية والحرية بل ونتضامن معها ضدنا أحياناً وكتبنا تاريخاً مدرسياً لا يزعجها، وينزعج مثقفونا حين نحكي لهم قصصاً خشبية كهذه، حتى أن لبنان التمام والسلام احتفل قبل أشهر فقط من عام 2015 بمرور 125 عاماً على إعلان لبنان الكبير دون أن يتكلم أحد عن كيف أنشئ هذا اللبنان الكبير، مسلّمين ب”قداسة قصة الوطن”.

لا مشكلة شخصية بيني وبين لبنان اليوم، فهو اليوم الوطن الذي أعرفه وأحبه لأن أهلي وأرضي وقبور الناس الذين أعرفهم وبيوتهم، هنا، لا أكتب معترضاً على شرعيته ولا طامحاً بوطن أكبر أو أصغر، أنا أفتش في التاريخ فقط لأن آلاف القتلى في حملة نيجر الفرنسية عام 1920 لهم أشقاء ولا شك في كل دول العالم، لا يراد لأحد أن يقرأ عنهم.


%d مدونون معجبون بهذه: