Posts Tagged ‘حب’

خريف الأقوياء

09/10/2012

خضر سلامة

تتدلى الخطيئة من سقف السماء كشهبٍ يقفز فوق رؤوس الناس جميعاً، ليصيب صوتك وحدك بداء الندم، تقف على كتف الهاوية لتصرخ بالحزن: دع عنك قلبي، وخذ قلباً آخر تمرجحه بين جهنمين: جهنم الشوق وجهنم الرفض.

تجمع حولك من تبقى من رفاق الدرب ممن لم يسعفهم الوقت بعد لطعنك، يشعل لك الأول لفافةً من لفافات الأرض الحُبلى بالتبغ، فتحرقك قبل أن تحرقها، يغريك الثاني بخط أبيض من اللاوعي، تمشي بحذر فوقه كي لا تعلق فيه، يعاجلك الثالث بأحدث ما أنتج الحزن العربي المزمن من نكت، ويعيرك الرابع حنجرته ولا تهتم… لا يعجبك الشيخ إمام هذه الليلة، فالشيخ ملكية خاصة لأحلامكما، تهرب من أي وتر عودٍ زائر، كي لا يخبئ في نوتاته دمعة، تخنقك ولو عن بعد، بأغانيها، لم تترك لك حيزاً من الموسيقى، لها بصمة في كل موسيقى.119295_600

تشعر بذنب كل خطايا البشر ومآسيهم، تود لو تعود عشرين عاماً إلى شطّ تونس لتصرخ بأبي جهاد: لا تفتح الباب يا رفيقي… فلا يقتله الرصاص، ولا تُقتل الثورة، علّك إذا كبرت تصبح فدائياً يقنعها أنه لم يسر لأحدٍ بحبٍ إلا لحقل أبيه.

تودّ لو تكفّر عن كل جراح الخريطة، تشعر أنك المسؤول عن أفريقيا، تشعر بالحاجة لصنع قدْرٍ من جماجم الطغاة، تطعم به طفلاً يرشق المستعمر بأغصان الشجر، تصلح طفلاً واحداً، كي ترى فيه حين يكبر، لومومبا آخر يحرّر هذه الأرض، علك تبني لها كوخاً بحجم قصر.

أنتَ المسؤول عن كل مجزرة، عن كل بكاءٍ لم تترك لك بذلتك الرسمية أناقة كافية لتهرع لتكفكف خده، تحلم أن تصبح حصوةً صغيرة، أقل من حجر، يسد فوهة البندقية، لتكف عن اختراع أسباب الموت، تنصب الكمين للمدفعية لتخطأ هدفها، فلا يموت البيت، ولا يغتم قلبها عند نشرة الأخبار.

أنتَ أنت، وحدك المرمي في قفص الاتهام، تسأل نفسك ماذا فعلت للموتى، ماذا صنعت للأحياء، ماذا تركت للقادمين ضيوفاً على عمرٍ سينفضهم أيضاً يوماً ما: لو أنّك حين وطئت الأندلس، أقمت مملكة الموّال مجدداً، ولم تكتف بهدية عابرة، لو أنّك حرّرت غرناطة من ألم الهزيمة، وسامحت قرطبة على نكستك الأولى، لربّما، كانت قبلت بمنصب ملكة من عصرٍ لا يتركنا، أو أكثر قليلاً.

الحزن داء، امرأتك والوطن، أسرتك والقضية، حواسك الخمس حين تصير معمل ذكريات، تعلّب كل الأشكال وكل الروائح وكل الألوان وكل الأصوات، في صندوقٍ من خشب البصرة، يبيعه تاجر الأفراح في سوق الكرخ ببغداد لسوّاحٍ قدموا ليشتروا أحدث صناعات بلادك من الدموع… الحزن داء، والخريف يقزّمك ورقةً صفراء، يدوس العابرون عليها، فتزداد التصاقا بالرصيف.

أنا ملاكٌ هرِم، رمته الجنّة إلى كوكبٍ لا يعرفه، أتعبته المدينة ومن فيها، تمشي الشوارع عليه كما يمشي قتيلٌ إلى قبره، ثقيلاً ثقيلاً… أنا ملاكٌ مهزومٌ بثمرة محرّمة، كان لا بدّ عقاباً، أن يموت جوعاً.

مدونة جوعان

إنهم يسرقون القمر

30/09/2012

خضر سلامة

الصباح الحزين، هو الصباح الذي لا يغريك لفتح عينيك من النوم، لأنك تعرف أن لا شيء يستحق الرؤية اليوم، تقوم من سريرك لأن عرف البشر يقول هذا، لتشعر بهذا الهبوط الحاد في القلب كلما فكرت بشيء، يقع قلبك المعلق صليباً، من عنقك إلى قدمك ويصبح حذاء تمشي به على الاحتمالات الكثيرة.

الصباح الحزين هو أن لا تجد من استيقظ قبلك وسبقك إلى شرفتك وأعد لك ابتسامة أو قبلة، لأنه مل من انتظارك، تمشي في الغرفة وحدك، تعود كل قليل إلى المرآة كي تقنع نفسك أنك لست وحدك في الغرفة، تخرج إلى الشرفة وتبصق تنهيدة تلو الأخرى، علها تتكوم عاصفة طارئة، لتعود إلى الداخل، وتقنع نفسك أن لا تريد أصلا الخروج إلى الشرفة.Untitled

الوحدة بين عشرين صديق في غرفتك، هي الحزن، والانطفاء المفاجئ لضحكتك دون سبب، ودون قدرة على تبرير انقلابك على لفافات سجائر الضيوف وتكسيرك لكؤوسهم، هو الحزن، والرجفة الخفيفة عند الكتابة، كأنك تمارس محاولة انتحار تخاف أن تفشل فتخسر حتى فرصة موتك، هي الحزن… كل هذا يا صديقي الكاتب، يا أنا، هو الدليل العلمي الواضح على أنك لم تشف يوماً، وعلاجك لأمراضك النفسية بالحبوب المسكنة للبكاء، والمحرضة على الغناء، كان علاجاً سيء، يقفز الحزن كقط كسول نام دهراً، وحين دست على ذنبه، جرحك حيث لا يسكت الدم.

يا صديقي، كيف خسرتك؟ وكيف سمحت لنفسك أن تصبح أقل من أنا؟

كيف كبرت في العمر، وتركت الطفولة والحب الوحشي، كيف تركت هذا الكوكب يخطفك من جنونك اليومي وكيف فقدت الغجري الساكن فيك والمرتحل دوماً إلى أفريقيا، كيف لم تعد تسمع قرع الطبول، وصرت مواطناً ناعماً تطربه أبواق السيارات وأزيز أبواب المصارف.

كيف لم تعد يا أنا، تفكر بتغيير العالم؟ سيتغير، أقسم لك شهيد قبل موته، فكيف لا تصدق ميتاً؟ وكيف تصدق قوانين أحياء، لديهم الوقت لتغيير أقوالهم! عد إلى معاركك، وتوقف عن تمزيق رزنامة عمرك، لا تكبر.

طأطئ رأسك، فكر بغيرك، وعد إلى مقاعد الدراسة، و”كن صديقاً”.

لم يعد في جعبتي الكثير من اللغة، وقلمي القديم نمرٌ عجوزٌ جاع فأكل قلبه، ثم كسر أنيابه ندما وانطفأ.. لم يعد في جعبتي صاعقة جديدة تعيرني ما يوقظ الهاً نائم.. لم يعد في جعبتي الا قصاصات قصائد لم أنهها، وبقايا سعال خبأته كي لا يقلق الأصدقاء على رئتين مثقوبتين بالحزن العادي.

صباح حزين، مساء حزين، فضع يديك على مقود النار يا صديقي، لم يعد يشفيك غير دواء النار.. إكوي حنجرتك، وقصقص أصابعك، لعلّ بؤسك يقنع العابرين بأنك تقاتل لتكون أنت، متسوّلٌ يتجذر في زاوية قلبهم وذاكرتهم وشريك طريقهم اليومي، لا، رجلاً مملاً عابر يُنسى.

مدونة جوعان على الفيسبوك

رحلة النورس

24/04/2011

خضر سلامة

الرائحة ذاكرة، والذاكرة دفتر تلوين، والقلب لا يجيد إلا الأبيض والأسود: الأبيض لرجلٍ يكره الجذر اللغوي للاستعمار، ويحاول جاهداً أن يجيد اللكنة السمراء لعازف غيتار في شارعٍ مغلقٍ على الضباب في لندن، أو أن يجيد اللكنة السمراء لزورقٍ رماه المتوسّط في موجةٍ بين شاطئين، الأول للفقر، والثاني للفاشية، اللون الأبيض هو الغمام، يعبر بين الشريان الفلسطيني والشريان الفلسطيني من فوق الجدار، ولا يصيبه القناصة، أو فلنقل أن الأبيض هو الفراغ المؤلم في ورقة الشاعر، يملؤها من نشرات الأخبار بالغضب، والأمل، أما الأسود، فهو لصبية دقّت على خزّان رجالٍ علقوا في الشمس بخطءٍ مطبعيٍ من كنفاني، قرعته كطبل أفريقي يوحّد الألم بالألم، بين القضية والقضية، كلّنا في الهم أفارقة! الأسود هو الحبر، هو أن تجيد الكتابة بلونٍ فوضويّ، في زمنٍ رماديّ المبادئ وضبابيّ الثورات، الأسود هو أن تكون ليلاً يخبئ الثائرين على عصا الشرطيّ، أو حكَماً للمتقاتلين على الرغيف في ملاعب القمح المحروق، محروقٌ بفعلٍ أبيض، كي لا تنهار الأسواق.

1. رائحة المطر

الرائحة ذاكرة، والذاكرة شرفة كانت تفتحها لك أمّك، كي تكتشف أن ثمة عالمٌ آخر خارج جدران المنزل، رائحة المطر هي رائحة الأرض، موّالٌ لا يخنقه الباطون وإن تناسل بعدُ أكثر، ولو تكاثر فوق قلب ضاحية، كانت قلعة فقر بهيّ، لا يتحزّب إلا لأول قبلة يفعلها المراهق فينا، ليخبر أصحابه: هذه الطفولة مدهشة، وهذا الفقر مدهش أكثر، ضاع!

رائحة المطر هي ذاكرة الريفي في المدينة، الرائحة هي أن تقسم لجدّك قبل ساعة الموت، أنّك لن تفرّط في قطعة أرضه، ولو تآمر السماسرة وثقل الهم، وهي أن تقبّل يد جدّتك كأنها آخر الإقطاع الجميل، المطر الأوّل، والأخير، هو قاموس الأمثال الشعبية، وهو عمالة الأطفال الشرعية: صندوق الحجارة التي كنت تجمعها من الحقل بعد الحصاد، كي يصبح ملعباً للأصدقاء الصغار، رائحة المطر ليست ماركة فرنسية، بل عقال متأصّلٌ في البداوة.

2. رائحة الخبز

الرائحة ذاكرة، والذاكرة فرنٌ لم يغيّر عادته، يفتح كيس الطحين عندما يأمره آذان الفجر، رغم أنف وزير الاقتصاد، خميرة درسها العلم كثيراً، ولم يغيّر قناعتي بأنها تنفخ العجين كما ينفخ الطاغية شعبه غضباً، ينفجر بعد حين، بضع ليترات من الماء، تستعير من طوفان نوح معجزته، كي تؤمن "عروس" اللبنة لتلميذ يحب أن يكبر كي يرتاح من همّ باص المدرسة، وبعد سنوات، سيحب أن يعود صغيراً، كي يرتاح من قسط مدرسة آخرين، يسمّيهم مؤقتاً، أولاده، رائحة الخبز هي رقم الهوية الحقيقي لكل مواطن، رقم ديون الأوّل، أو رقم الحساب المصرفي للثاني، أو رقم الثالث على لوائح الباحثين عن عمل، هي الرائحة التي تفتح باب الأسرة على موعد الغداء، موعد ثابت لبعض المحظوظين على طاولة منمقة من خشبٍ أوروبي، أو موعد يتأجل ساعاتٍ، أو أياماً، لبعض القابعين في لعنة الحد الأدنى للأجور، أو أقل.

رائحة الخبز هي أن تكون شديد الانتماء للجماعة، في أن تقسّم الرغيف على أيدي الأصدقاء في سهرة على حجم أحلامنا البسيطة، وهي في أن تعجبك وجبة اليوم من يد أمّك ولو لم تعجبك، كي لا تكسر خاطر هذه الجميلة الصغيرة التي تحبّك لأنك أهل للحب، رائحة الخبز هي أن تكون شديد الانتماء لمن لا تعرفهم في المظاهرة، وهي في أن لا تنسى السؤال الخطير: كم سعر الرغيف اليوم؟

world_hunger_54195

3. رائحة الورد

الرائحة ذاكرة، والذاكرة ياسمينة لم تنحنِ في عصر السجود للمال، بقيت في فناء الدار بالقرية، تحرسها الجدّة من يد المرحلة الوسخة، ولم تزر مرةً واحدة ماكدونالد، ولم تقلقها الفطرة البشرية للنزوح، رائحة الورد ذاكرة لم تأتِ بعد، ولم تقل أنها ستتأخر عن موعدها، باقة من وردة واحدة، تقدمها لأنثى، في كل وجنة من وجنتيها ملعب ريح، تقدمها لها غداً، لا لأنها تحب الورد، بل لأنها تحب الورد منك أنتْ.

رائحة الورد هي رائحة البحر، المسافة التي تفصل بين خدها وشفتيك حين تكتفي بمرور هادئ، وهي ضرورة السؤال عن سبب ضحك البحر، البحر بيضحك ليه؟ ربما.. لأننا "غير"؟؟

رائحة الورد هي المنام اللذي يحوي استعارات اللغة كلها، مجازٌ عن ضرورة اليد في اليد، وحتمية الشفة على الشفة، معادلة تصحح الرياضيات ويصبح المجموع الأكيد لاثنين، واحد لا أكثر، رائحة الورد، هي ما يبقى من القبلة على العنق، وما يترك النفس المتقطع على وجه الحبيب من أثر، ووتر العود في البال.

الرائحة، هي الاختصار: شعبٌ بدون أنوثة، شعبٌ مهزوم.

في حنجرة محمد منير

04/10/2010

خضر سلامة

لسه الأغاني ممكنة

كانت تقول: السماء هنا تبكي يا صديقي، واللون يميل إلى العتمة، قلت لها: افتحي أذنيك للريح، ويديك للسحاب، وضعي في فمك أغنيةً يرقص عليها الغجريّ حين تطل عليه سيوف المعابد كي تسرق منه اللحن، وتعطيه كاتم الصوت، يخلع ما عليه من قيود الظلم والظلام، ويسكب الضوء على وجه القمع ويقول: "علّي صوتك بالغنا.. لسه الأغاني ممكنة.. ممكنة"

كل شيءٍ ممكن، الصمت ممكن، والأغاني أيضاً، علينا أن نختار جيداً ما نريد، أن نكسر دائرة السكون، ونبايع واو العطف أميرةً جميلة للغة وللحب أيضاً، أو أن نقبل أن نوضع في قفص اللون الأبيض، ونسقط حين نسكت، الأغاني ممكنة، يمكنهم، وهم الممسكون بشرعة الحلال والحرام، أن يضعوا الأغلال في يد المغني، وقفل السكين على فمه، لكنهم لن يستطيعوا أن يصادروا الفكرة، ولا كلمات الأغنية القادمة، التي سيكتبها، حين تولد الشمس، غداً، أو بعد غد، أو في السنة الألف لميلاد القمع، الأغاني ممكنة، ونحن أيضاً، ممكنون، الإنسان فينا مجرد احتمال، بعضنا يحققه، بعضنا لا يفعل.

رفاقي، لا تتركوا العود وحيداً، أخاف أن يصبح عود مشنقة، ويعلقكم أحفاد أبو لهب عليها حين تتركوه، فلتمسكوه جيداً، ولنغنّ..

يا حريّة!

"ضميني خديني أنا لاجئ.. ولأول مرة بكون صادق.."

يا شجرتي الأخيرة في بيروت، ضميني كباقة وردٍ في يد عاشق ينتظر حبيبة لن تأتِ أبداً إلى موعدها، ضميني، ثم خذيني إليك غصناً يهتف للربيع، كزند عامل كان يهتف للثورة، فصار يهتف بحياة سارقه، عيّنيني لاجئاً سياسياً إلى لونك الأخضر، كوني مخيماً لنا، نحن الشتات الأخير، نحن الممزقون في الأرض بلا أرض، نحن المتشردون على الرصيف بلا أحذية، نحن العارون إلا من الكرامة، في مدينة عارها زيٌ رسمي لأبنائها.. لأول مرة أكون صادقاً: "جوايا قلبي شجر مقطوع.."

vlcsnap-88966

بيروت، ماذا أفعل فيكِ؟ خصّبتك بقصيدة شعر صباح اليوم، فأنجبت في المساء مذبحة جديدة للطيور، لقّحتك بكلمة حب، فتقيأت باطوناً على وجه شتل التبغ في الجنوب… ماذا أفعل بكِ؟

سأحبك أكثر، علّك تعقلين!

"يلّي انتِ حبك حرية… في العشق، آه، ولا شيء ممنوع"

مساكن شعبية!

"أنا قلبي مساكن شعبية"، أؤجرها لكل ثغرٍ مغلق، كي يصرخ من مكبّر شراييني، فيزعج الشرطة الحاكمين، وأقول لهم: "ارحلوا، هذا الثغر يسكنني، وسأقطع كل يدٍ تمتد على فمٍ كي تسكته، لا صمت في بلادي.أما "الاسم الكامل: انسان" يكفينا ذلك، يكفي أن يكون كل منا انسان، قدمين تطبقان جيداً على التراب، وتحملانه إلى ألف مفاجأةٍ جديدة، يكفي أن يكون في كلٍ منا انسان لا يكبر، يتمسك جيداً بألعاب الطفولة، بالدمى، ويرى كل مشهد من حوله فيلم كرتوني، يستحق الضحك، فلنضحك يا أصدقائي!

مساكنٌ شعبيةٌ قلوبنا، نوزعها على المجانين الذين يلاحقهم العقلاء بكارثة الواقع البشع، نعطيهم صك غفرانٍ، لا يعدهم بجنة السماء، بل بجنة الأرض، ولو في لوحة على الحائط، تقنعنا أن عالماً جديداً، سيكون غداً، أريد قلبي سلةً، كي أجمع الأوراق الصفراء عن وجه مدننا، وأضعها في خانة التذكار، كي نبقى أوفياء للصيف، أو أريده صنّارة صيد، ينظّف أذن البحر من عبث السفن بموجه، أريد قلبي جناح طير، يغزل في الغيم قبلةً في سماء صبيّة تتنزّه على شاطئ المتوسط وتركل الرمال وتأكل الجبال، بعينين تبحثان عن رسالة حب جديدة، كي تلعب بقلب صاحبها لعبة الشوق.

منير، يا صديقي، سأصبّ لك الشاي، غنّ قليلاً، كي يطل عليك الفقراء من شرفاتهم، ويلوحون لك بمناديل الطرب، تراقص كسنبلة في جهنّم مصر، كوتر عود في حرب لبنان، يا صديقي الأسمر، ارمِ لي طبلاً من النوبة، وتعال بإكليل ياسمينك، كي نغنّ، للحرية، للموسيقى، للأنثى، لكَ أنت ولي، ولكل متعب.

ثمّ يبكي المهرّج

23/09/2010

خضر سلامة

"لم يبق لدينا ما نعطيه.. أعطيناه أعظُمَنا وجماجمَنا.." – نشيد الموتى

كل ديكٍ على مزبلته صيّاح، تقول العجوز، وأنا مزبلتي هذا العالم يا جدّتي، فبماذا أصدح هذا الصباح؟ أأصيح بوجه الضاحكين للشمس، أن ثمة من يحبسه السجن عن الضوء، أو أنقر بمنقار الشتائم موائد المتخمين بالمال، كي يعرفوا أن هناك من يقتله الحنين إلى الطعام، بماذا أصدح هذا الصباح وماذا أغني، أأعيد على المستمعين أغنية من زمن السلاح، وأحذّر من سماسرة الشعوب والبلاد، أو أقول عشقاً، وأكشف عورات الشعراء الباعة، والقصائد المباعة؟ هذا الصباح قليل السكّر، والجسد كثير الثقوب، مدن مالحة، تهترئ فتنكسر أمام المصارف وتباع خردة عشق في حانات الليل المسماة مجازاً حكومات، العالم مزبلة، والجزّارون كثر، دولارٌ واحدٌ يكسر سيفاً، سيفٌ واحدٌ يكسر عنق أنثى، أنثى واحدةٌ تكسر قلب رجلٍ، رجلٌ واحدٌ يكسر خزينة حزبٍ، حزبٌ واحدٌ يكسر آلاف الأصدقاء، وصديقٌ واحد، يكسر رغيف خبزه، ويقدم لي حصتي من تعبه.

أصدقائي لا تموتوا، يقول درويش، وأقول: كونوا محبرةً لمن يحبكم، وحين أضعف، اصفعوني، أخبروني أن نيسان يحمل لنا دائماً كذبة جميلة، نصدقها، ونعيش على خمرها عشرون عاماً جديداً، ككل الشعارات التي ركضنا خلفها، حتى فقدنا أقدامنا في الشوارع، وفقدنا الشوارع، ككل الثورات التي خططنا لها، ووجدناها معروضة للبيع في صحف اليوم التالي، أقنعوني بكأسٍ من البلاهة، أن هناك كوكب آخر، لم يمسسه رجسٌ من عمل الأميركان، ينتظرنا، أصدقائي، أنتم آخر الأنبياء في قومي، عمّدوني بماء الحب، ثم ودّعوني، كي أحمل معجزة الضحك في زمن الطاعون، إلى كل حزين، وأبشر بعد موتي بالقيامة، قيامة كل ما هو يحتضر.

Untitled

أفريقيا تجلس في زاوية الفقر وتنسج ثوباً لتستر به جثةً قديمة، آسيا تفتح سهولها لبورصات الأيدي العاملة المتعبة، أوروبا تستقبل الهاربين إليها بأعواد المشانق، أمريكا تغطي تناقض شمالها وجنوبها بمعطف ديزني، قطبين صقيعهما يفرض قانونه على قلوب الأغنياء، فأين أقف، وأين أصيح، أأقف على حافة الهاوية، وأودع من أحب قبل أن أسقط، أو أقف على قمّة التفاؤل قبل أن أيأس بقليل، من يشتريني بوعدٍ براحة من أحب، من يشتري الأحرف المرقعة بياسمين اللغة، بقبلة من فتاة أصدقها حين تقول أنها لم تندم حين قبلتني، من يشتري فرَحي، ببكارة وطنٍ لا يفضّها ألف هولاكو، أو زعيم واحد، أبيع المتبقي من زيت قنديل الأمل، لمن يعطيني كل هموم الشعوب، كي أضم الحزن في كفني، وأترك خلفي عالماً يرقص كإله هندوسي يخترع الحياة كل يوم، ولا يعرف طعم الألم.

يا شعبي، كُن أليفاً مع الفقراء، متوحشاً مع الآلهة المزورة، حطّم أصنامك كي تبني بحطامها قصوراً للمشتردين، وملاعباً للاجئين إلى عطفك، جِع جيداً، كي أراك وأنا معلقٌ في أحذية أبنائك تراباً بعد أن ركضوا على قبري، كي أراك تأكل لحم مغتصبيك ولا تسامحهم.

يا أنتِ، كوني سعيدة حيث أنتِ، سرّ العروبة نسائها، والسر لا يليق الحزن به، جليلة أنتِ في حبّك حين تخبئينه عن عيون الشاعر الذي يكتب فيك، كي لا ينجرح باسم آخر يخرج من فمك كزنبقة، أو كي لا ينتشر خبر الانكسار في المدينة كجرثومة تخافين أن تصبح فضيحة، كوني كأي ليلى، تقدم ضفائرها لطهاة الأنوثة وجلاديها، كي تستمر القصيدة، ولا ينقرض العشاق في القبيلة.

يا بحري، إبلع كل الأساطيل الذاهبة لسرقة النفط، أو تهريب القمح، أو ابتكار الحروب، أعد بوسايدون كي يعاقب كل من يتجرأ على جرح الوفاء بخنجر الخيانة، أخرجه كي يحارب كل من جعلوك مرفأً للتجارة، لا حقلاً لزنود البحارة، وكن سريراً للنورس وحده كي يصنع فيك حرية.

يا منزلي، شدّ جيداً على أسراري، شهوتي الأولى، قصيدتي الأولى، سيجارتي الأولى، كن مخزن رصاصٍ لضمير لا يتوب عن الحلم، ولا يذوب في جحيم يكبر يكبر، ويبسط هولوكسته فوق جماجم الأطفال النائمين على خديعة الحمام في أغاني الأمهات.

يا أنا، كن لي مرةً واحدة، لا للآخرين، كي أصيح من فوق ركام هذا العالم المزبلة، بكل ما فيّ من ياسمين: "لا تمت قبل أن تكون نداً!"

 

عالمٌ يحترق وشعراء يسكرون

10/09/2010

خضر سلامة

تحت حائط السلّ الذي يفتك بالقلب، جسد كافكا حبل غسيلٍ لأمراض المدينة التي تغتال أحرفه الجميلة، كان سيعلّقها في يديّ امرأته، أساور تخنق الكلام البشع بعينين من ضحك، كافكا سقط، قتله قلمه: هذا الكذب الكثير ثقيل على قلب الكاتب، وهذا الوطن الراكض بشعبه صوب احتراف الخيانة، جحيمٌ لا يليق بيدٍ قطعها الحزن، وحبسها في محبرة الذاكرة الناقصة… ينقصه موعدٌ لم يأتِ بعد، تأخر في زمن الشرطة على حواجز التفتيش عن عاطفة صادقة، في حضنك أنتِ، كان كافكا آخر أنبياء سفر الطفولة، وأنتِ، سالومي، أميرة ترقص كي تغوي البنادق بقتل نبيٍ وعدها بتفاح الجنة.

لو أن كافكا كان يدري أن رسائل حبه، ستحولها الجالسة على عرش من سجائر باردة، إلى معرضٍ أدبي للقادمين ليبحثون عن لغة جميلة، لا حب جميل، هل كان ليكتب بهذا الصدق؟ وهذه الحرارة؟ وهذا الحزن؟ بعض الخيانات أشدّ قسوة من طعنة سكين… بعض الخيانات أشد ألماً من كابوس كان يلاحق نوم الكاتب، فاستيقظ يوماً من عمره ليجد نفسه ميتاً، محبوساً في هذا الكابوس، أكل الذئب شعره، وبصق فوق صورة من يحب.

“بدأت بالرقص، الجميع قالوا: زوربا جنّ.. لم أكن قد جننت، كنت قد متّ”، من يرقص مع زوربا في صالون هذا القرن الآخذ في التآكل بصدأ الشعر المكرر، كي يلعب بالفخار، قطع زوربا أصبعاً، واليوم، كي يلعب بالكتابة، قطع رأسه، ووضعه خلخالاً في قدم أنثى، باعته في سوق النخاسة، زوربا أجمل مجانين هذا العالم، يركل الكرة الأرضية كأنها كرة قدم، ويضعها في مرمى الضحك، والخمر، وصناعة الكلمة الجميلة، لم يفقد عقله، فقد حبيبته، سيرقص: ارقص يا زوربا.. ارقص! ضع موسيقى أفريقيا، وانسى غيتار البكاء، تركت لك وقود شعر يكفيك لقرون، فاسكر بمجدك وانتصارك وارقص، ارقص! خرجت أنت صادقاً بنفسك، وتركتها مهزومةً بنفسها، لك اللحظة والذاكرة والقصيدة، والرقصة الأخيرة قبل موتك.

وحين تفرغ الشعوب من اللعب بالقذائف، سيجمعهم زوربا تحت زيتونة في ريف أثينا، وسيحكي لهم عن الشعر المقتول بمقص اللذة، والعيون التي تفتك بالحقد وتجبره على فكرة القبلة، وسيحكي لهم عن عمرٍ مرّ في أسبوع، واحترق بعدها البعد الرابع كله، تباً لك يا أينشتاين.

BEIRUT_saxo_CAMILLE_ALLAM

أسبانيا! أعيريني جثة لوركا، أريد أن أتأكد أنه أكثر موتاً مني، من قتله؟ بنادق الطغاة أو عيون النساء؟ يحكى في أحلام الشعراء أن لوركا أميرهم، سقط بداء القلب، وأتاه الرصاص من مسدس الوحدة، فعل انتحار، لا اغتيال، سلّم نفسه للأنثى، فسلمته للنوم، خدعته بقناع الضحك، كان طفلاً جداً، صدقها، بنت له قصراً من أعواد الكبريت، ثم أحرقته عندما وضع ريشته فيه، لوركا! لك العالم بكل ما فيه، لك نفسك التي لم تبعها، ولم تخسر شيئاً منها لأنك أنت أنت كما كنت، لم تتغيّر، يتغير الكون، وتتغير الأنظمة، وتتغير حسابات العشيقات ومواعيدهن ووعودهن، يتغير شكل الخارطة ويتغير اسم الإله، ولا تتغير أنت، لأنك أكثر صدقاً من أول قبلة، وأشد ثباتاً من كلمة أخيرة: “أكرهك، بكل ما فيّ من غرور، لكني سأحرق الإسفلت لو فكر أن يلمس قدميك”

في مشرحة الأذن، تكررين كلمة “كلا”، وتنتظرين أن أغلق فنجان قهوتي وسيجارتي الأولى، وكأسي الألف، وأحمل هذا الدفتر الذي مللتِ من عاطفتي البدائية معه، وأرحل، “كلا”؟ في أذن الحزين الغاضب، سكين يود لو تذوقها خاصرتك المكنوزة بالسمّ، أما في أذن العاشق الذي يكتب كي يثبت للأصدقاء أنه لم يمت، “كلا” طينة يمعجنها الشعر، ويعيدها إلى شكلها الطبيعي: “إلك”.

كافكا، زوربا، لوركا، أصدقائي الثلاثة، دمي نبيذ لأحزانكم، فأوقدوا نار الحكاية، كي نشتم الكوكب بمن فيه، ونصنع عالماً جديداً، يكون على قياس أحلامنا، لا كوابيس فيه.. لا أغانٍ كئيبة.

هذا العالم يحترق، تعالوا نسكر!

أشياء حزينة

06/09/2010

خضر سلامة

في زمنٍ مضطرب/ زمن فوضى الأوطان والأحزاب والخرائط، وفوضى الكتابة والقراءة، يكفي أن نأخذ خطوة للوراء، للبحث في اللون الأصفر للزمن البعيد أو المكان الأبعد، للتأمّل، خطوةً للوراء، كي نرى المشهد بوضوح المسافة، أو قسوة الطعنة.

1.
هكذا تبدأ القصيدة
دمعة وبسمة:
وكلام كثير.

2.

بين الفجر والغروب
رائحة الأرض عند أول مطر
وضجيج العبور
قبيل السفر
بينهما أغنية بيانو
لم ينهض بعد من سبات الضجر

3.

وأتيت إليك
حاملاً نعشي على ورقي…
أشيائي الحزينة، قهوتي واليأس
وقبلةٌ بعد قبلةٍ ما عادت تغريني
إليكِ، حاملاً جسدي
وبقاع تشردي
أبحث عن وطنٍ، عن حانة
عن وسادة
عن رصيفٍ يفرش لي أحزانَهْ
يقبلني…لا يسألني
من اين أتيت وكيف أتيت..
لكني أتيت!

4.

تقرعني أجراس الكنائس
والقلب مأخوذ بإيقاع مارسيل
في حنجرتي عصافير ونوارس
وبلابل حمراء ورسائل
حزينة كأعمدة النور
فكيف السبيل إلى القصيدة

5.

عندما تطلع فيروز من نافذة الحزن
كفجرٍ يبحث عن سريرٍ ليبسط ألحانه
أضيء لها صلاةً وأسكب القليل من الصمت
…وأبكي

6.painting

ما بين الطفولة والرجولة
مساحة شهوة ومسافة لذة
تدفعهما سويةً للبكاء
ذاك هو عبورك…

7.

بي رغبة لأن أغمس حبري في بساتين سفركْ
كي أصنع من حطام حطامكِ وجه مقصلتكْ
بي رغبة أن أحضر كالموج
مراسم تعبكْ
أو أصدح كالزلزال
بما ترك لنا العشاقُ
…من كلمة أحبك
8.

كئيبةٌ كانت عودتك كعودة الخريف
وخافتةٌ صلاتك
وكافرةٌ…
ككفر الجوع إلى الرغيف
كئيبة.. وظلام عينيك الخافقتين في البعيد
خيط دخانٍ تلاشى بين أبعاد المصير
…تلاشى
بين خاصرة السماء وأقدام المستحيل

9.

…ذات مساء
كنت كإلهٍ يوناني شقيٍ عابث
تتراقصين شغفاً ولذة
على نغم غيتار إسبانيٍ عاشق
غيتار… تلاحقك أوتاره كزهرة غاردينيا
يرجو أناملك العاجية أن تدوسه
لتشبعه موتاً… وشهوة

10.

كم أثملني ذاك الللحن الاسباني الكئيب
ذاك الجرح العربي في جبين الغيتار
كم من قرطبة تسكن بين النوتة والنوتة
كم من غرناطة تنبت بين الاصبع والاصبع
كم من أندلسٍ… في لحظة طرب واحدةٍ
أدرك أني أعشق
كم من أندلسٍ.. في لحظة وعيٍ وهزيمة
أدرك أني.. فقدت

11.

تتركني أمطار تشرين الرقيقة
معلقاً بين الشتاء والصيف
لا أطلب من السماء قراراً ولا ثباتاً
فأجمل الأمطار هي الآتية بلا موعد

والراحلة بلا وعد

12.

غداً ترحل النجوم وتبقى السماء لنا
غداً.. تقف الأيام عند محطات المغنى
وحدود المعنى
وسيأتي تشرين ككل صباح
لنقول له ويقول لنا
ليكنس كل مكاتيب البرد

وليزرع فينا… ربيعنا

13.

…أحاول أن أقطف صوتك من ضجيج الشاشة
فلا أحصد الا علامات التعجب
فمتى تحين مواسم اللقاء؟؟

14.

قصفٌ اممي في قلبي
وامرأة تخلع ثوب الصوم
وتقدس آلهتي
في عينيك أخبأ حزني
وأطوّبك بالرمل امرأتي
وجهك أكثر الماً من سكين
يخلع خاصرة الثوب
ويقبّل..
وجهك أكثر حزناً من تشرين
لا زال يسبّح باسم العشب!

15.

في عتمة أنفاسك،
خبأت أنفاسي الأخيرة
وأقفلت ذكريات وطني
ووجهه الممزق الجميل
بشيءٍ من الكآبة

الشيء الأخير

أجمع أحلامي في زورق
لأمارس فيه…
جوعي للحب… للآخر، إليك!
كي أفرغ في صمت اللحظة
صلاتي الأخيرة
وأسلم للريح بكائي
وأموت كموت الشعراء
حزينا…ووحيدا!

حين يحلم داروين

01/09/2010

خضر سلامة

عقارب الساعة تلسع العمر بسمّ الوقت، يمضي العمر، يصادر من الذاكرة صوراً لطفولة ككوخٍ جميل، عمرته على كتف أسرةٍ تتسع لهمومي، حين تضيق الكرة الأرضية بها، يمضي العمر، يسرق شعلة الحياة من يد بروميثيوس، ويعطيها لأنثى طارئة على السرير كخبر عاجل، تشعل بها سيجارة، كي تتمتع بمشهد القلب يحترق كأي روما أخرى… العمر يمضي، وسارتر يطل من شبّاك القراءة ليسأل: إلى أين؟

إلى يومٍ آخر يا رفيقي، إلى جواب مؤقت، يؤجل سؤالك إلى مساءٍ بائسٍ جديد.

من صنع الأرض على شكل دائرة مثقوبة؟ أقلّب وجه الكوكب المعلّق في فضاء تاء التأنيث، من أين يسقط الموتى إلى حفرة النسيان، ومن أين يدخل الأطفال في لعبة الوجود؟ أيها الكوكب الثقيل على وجه التاريخ، تدور حول الشمس الأنثى بكل ما فيك من تكبر، وأنت تحترق ببطء، كفراشة تظن ببلاهة أنها ملكة الضوء، وهي ملك للعتمة، تذوي، تذوب في فكّ الوجود، غيّر قليلاً من خارطتك اللعينة، انفض قليلاً من البشر الموبوئين بجراثيم المال لتصبح أخف وأحلى، علّك تستحيل حقيبة سفر، كي أحملك إلى كون جديد، كي أعطيك من جعبة الكتابة قمراً آخر يوازن بين أحلام الفقراء بالنور لا أكثر، وجشع الأغنياء ببناء فندق عليه وأكثر.

وحين يوقفني رجل الجمارك على حدود مجرّة ما، سأقول أنّك صديقي، وأنا، لا أسافر بدون أصدقاء.

يا خجلة الأموات في آسيا، من زملائهم في أفريقيا، يموتون هنا ضحايا ماءٍ فاضت به الأرض، ويموتون هناك شوقاً للمياه، من سيفصل في قضيتهم؟ سيقف الحكَم في يوم الحساب حائراً، يا خجلة الأموات بداء القلب، من وجوه الأموات بداء الانتحار، يا خجلة الأموات بالرصاص من عتب الأموات بالمشانق، يا خجلة الأموات تخمة، من الأموات جوعاً، للموت وجوهٌ كثيرة، كل مقبرة في هذا العالم، حفلة تنكرية، أما نحن، فضيوفٌ مؤجلون إلى حين، حتى نجد الزيّ الذي يناسبنا.

أمّا أنا، فسألبس جسدك، حين أموت، سأكون متلبساً بتهمة الإيمان بأنك وحدك، لا شريك لكِ، مسدسي الذي أحب ملح رصاصه في فمي.

dream-1722

"لا صوت يعلو فوق صوت الموسيقى"، أقول، العود هو النظام العربي الوحيد العادل منذ أول شيخ قبيلة، والغيتار هو الكحل الأوروبي الشرعي رغم أنف أمراء مكيافيلي، والطبل الأفريقي أشدّ قوة من مدافع الحروب السوداء وأعمق من شرعة حقوق الانسان الأبيض، والناي في آسيا الوسطى أسرع من علماء الآثاء في فن التأريخ لأي وطن، أما صوتها في الهاتف، فهو أكثر ثمالةً من تركة أبو نواس، وأجمل من موشحات الأندلس بكل مغنيها… والهمس الدافئ في السرير ألف ربابة تعزف عند الفجر رائحة الخبز، وأهازيج الفلاحين الذاهبين إلى الرقص مع السنابل.

وتسألين، بعد هذا، ماذا سنسمع اليوم أغنية جديدة؟ ضعي صوتك، احكي لي أي شيء، وستأتي إلينا كل الموسيقى، حين أخبرك كم أحبك.

ثلاثة يغيرون العالم لأنهم هم، تغيروا: مجنون يخيّط الوعي على منول الضحك والبكاء، شاعر يرى العالم محبرةً وقافية لقصيدة جديدة، وعاشق يختزل نشرة الأخبار في موعد لقاء بحبيبته… أما الطغاة، أما الأنظمة، فلا تغيّر شيئاً، يدمرون المدن أو يسرقون، فتعود بعد ألف عام إلى شعبها راضية مرضية وتدخل في جنته، يتقيأون القوانين والسجون، فتدفن معهم حين يموتون، ولا تموت الفوضى الصانعة للحرية الشريعة، كخيوط عنكبوت هذه الأنظمة من حولي، أمزقها بإصبع واحد، يرتفع بوجه عصا الشرطي: أنا سرطانك الذي يفتك بسوطك، وأنا، من هذا الشعب: صدأ يأكل بنادق الميليشات ومنابر الطوائف.

وحين ننتصر، سننادي على حمزاتوف، ليعود من داغستان إلى العالم الكبير، ويقيم دولة الحب: "نجوم كثيرة وقمر واحد.. نساءٌ كثيرات وأم واحدة.. بلاد كثيرة ووطن واحد" يقول هو، وطن واحد، وطن لا طغاة فيه، إلا حبيبتي.

لأن لومومبا لم يخنْ

25/07/2010

نص مهدى إلى روح باتريس لومومبا، القائد الديمقراطي الاشتراكي الأول في القارة المعذّبة والذي أعدم بإشراف الأمم المتحدة وتحطم معه شعار أفريقيا حرة من حسابات الشرق والغرب، لكل الرفاق، ثم إلى بيروت الغد الجميل، المختبئة وعداً في عيون عسلية، كي لا نسقط في الحزنِ المغلق:

خضر سلامة

تبكي، إلى أن تصبح عيناك جزءً من الأرض، وتقضي عمرك في الدعاء إلى أن تصبح يداك قطعةً من السماء، هذا التصاق الغصن بالجذع، يداك للسماء ، امسك السماء جيداً، كي لا تقع على رؤوس العباد فتسحق حقهم بالحرية، حافظ على المسافة الضرورية بين الدين والدَين، بين الجامع والجامعة، بين الله واللهو، بين الملاك والملك، حافظ على كل ذلك، بيدين من شوك، كي تجرح وجه السماسرة، أما عيناك فللأرض، راقبها جيداً، داعب جفن سنبلةٍ تخرج من صدرها، خبئ وجه التراب جيداً من زحف الإسفلت والسفلة، عيناك سياجٌ تركه جدٌ لك، كي يحمي الزرع من شهوة الذئاب والمصارف، يداك للسماء، علقها، عيناك للأرض، راقبها.

لك متسع من الأمل، في كل ذهابٍ إلى يومٍ جديد، لكَ أسرةٌ كظلال ياسمينة، تحيطك بالعاطفة مهما قسوتَ عليها وتردد كل قليلٍ سؤالاً جميلاً: كيفك؟… لكَ أصدقاءٌ يخرجون من كتب الضحك المستمر على الجوع، والرغيف المقسّم ألف كسرةٍ كي نساوي بين الجيب والجيب… لكَ حبٌ يأتي بعد حين، أنثى كنت ترسمها، خرجت من الرسمة، وتركت لك طعام العشاء كي تشبع شعراً، ريثما تعود، لكَ وطنٌ لا تصادره الشرطة، لأنه يتقن الهرب من البواريد ليلجأ إلى العلَم، لكَ حزبٌ لا يأكله الفساد ولا اللصوص، لأنه لم يتأسس بعد إلا في فعل الفقراء بالنظام، لك كل ذلك وأكثر: كورنيشٌ يرقص كل ليلة مع العاطلين عن العمل، شارع يطفأ أنواره ليلاً كي لا يقلق شغف العاشقين، كتابٌ لم يقرأ بعد، ويتوعّدك بالسهَر، يا قلبُ لكَ كل ذلك، فلا تيأس.

There%20is%20always%20hope-251688

ثم أعطيك تعويذةً، أقرأ عليها وصايا الشهداء، أحقنها بقليلٍ من زغاريد الأعراس التي تطلع رغم خراب البلاد، أشبكها في قلادةٍ من طحينٍ، يخترع الرغيف وحديث الصباح، ويسمح للشمس بالعبور من نافذة الرائحة الطيبة، إلى مدينتنا، بعد كل ذلك، أعلق التعويذة في شرايينك يا قلب، لا تخنْ، لا تسكت، قل للظلم أنت ساقط، قل للحكم أنت ساقط، قل للديكتاتور أنت ملعون، ثم قل للباعة المتجولين، أعيدوا ليَ الكلام لأكتب، ولا تتركوني عارٍ، ولا عاراً، أعوذ نفسي بالأمل من أي ضعف، أعوذ قلبي من أي مزاد، أعوذ قلمي من كل تاجر: سأواسي أطفالي غداً بأغنية، إن لم أحضر لهم الحلوى.

وبعد كل هذا، أخرج كل أحمال ذاكرتي، هذه طفولتي أخترع بها نار الانسان الأول، في غرفة نوم أهلي فأحيلها رماداً، هذه الأحضان تتناقلني وتخترع أسماءً تعوّض عليّ الحنين بالحنين، هذه طفولة اللعب في الشارع، كرة القدم البدائية، كنا نجعلك "تنكة بيبسي"، كي نلعب بها حين يعزّ علينا شراء طابة، هل كنا نتحدى بذلك عصر العولمة ونهزم شركة البيبسي؟

هذه مراهقتي الجميلة، اكتشاف القبلة الأولى بين الشجر، وبطولات نسائية واهمة كنت أخترعها كي ألبس قميص كازانوفا وأستعير قصصه، هذه ضربة السكين الأولى، الندبة الأولى في رأسي، الطعنة الأولى في ظهري، حروبٌ أهلية صغيرة كانت تدور بيننا وبين أطفال آخرين، أما القضية كانت ولا تزال أكبر من كل قضايا حروب الكبار: الأنثى.

هذا عمر الشباب الأوّل، البندقية تدخل المنزل وتأخذني إلى اللعب، كنت أشعر بقوة القاتل في يديّ كلما أمسكت السلاح وحاربت الشجر، وبعد أن يفرغ، أشعر بخوف الجندي بعد مقتله، من ثأر الشجر من جثته الضعيفة، هذا عمر الشباب الأول، الجنس حديقة دخلتها، وأضعت فيها مفتاح القلب، ولم أخرج بعد، هذا عمر الشباب، فهم الأغنية السياسية الأول، ونقاش الفكر الأول، فالسفر، والغربة، ثم العودة من الغربة الأولى، إلى الغربة الصفر، إلى الوطن الجريح.

كل ذلك أنا، والقادم أيضاً، وجهي في المرآة يشبهني جداً، كل الثقة به، كل ضجيج الجيوش لا يقدر أن يهزم حنجرةً تقول لا، كل رصاص العالم لا يمنعك من الضحك قبل العتمة، كل العيون الشاخصة، كل الشفاه المغلقة، كل الأصدقاء، كل النساء، كل الشعراء، كل الذكريات، كل الآباء، كلهم في أذنك الصغيرة، تظاهرة تردد في الشارع: لك الحياة.. لك الحياة…

فيروز: “أية أمة تلك التي تغتال أصوات البلابل”*؟

22/07/2010

خضر سلامة

“تضامناً مع السيدة فيروز ضدّ قطّاع الطرق والفن والثقافة”

المجزرة ليست عملاً دموياً، بل فعل اغتيال، يقوم به الرشاش بإسكات الحق الشرعي بالشهيق والزفير، أو يقوم به الديكتاتور بخطف ورقة يانصيب تمنح فرصة الفوز بوطن لحرٍ ما، المجزرة ليست فعل قتل فقط، ليست أرقاماً كما تحاول نشرات الأخبار اقناعنا، المجزرة هي حدث يومي، يقوم فيه لص بسرقة شعلة الحياة من يد بروميثيوس، ليعطيها لعزازيل، فتسود شرعة الخوف.

وهكذا، مجزرة جديدة، نظام بقانونه ومؤسساته، يتآمر ضد كل شيء جميل، يتآمرون ضد الحرية، فيسكتون الأقلام الخارجة عن القطيع، يتآمرون ضد الثقافة، فيتحالفون ضد المسرح والكتاب، يرون الشعب لا زال يملك غريزة الرقص، فيبترون الأقدام وينشرون القناصة بألف حجة، يسرقون الخزينة، يوزعون السلاح، يحاصرون الهواء لئلا يعبر إلى وادٍ عجوز ليقنعه بحقه بالبقاء أخضراً، يفعلون كل ذلك، وحين انتبهوا من انشغالهم بحروبهم الفارغة، التفت زبانية النظام اللبناني إلى بضعة آلاف يتنسكون بعيداً عن اسفلت مدنهم،  ويمارسون لعبة النوم في شدو بلبلٍ نسميه مجازاً: فيروز.

fyroz02

التقى المتآمرون كلهم، الرحابنة الجدد هنا، والقضاء اللبناني أيضاً، وحماتهم من ذوي النفوذ والمصالح المتقاطعة بين البنوك والاستثمارات، المال يفعل كل شيء، كنا نظن أن فيروز لا يهزمها حتى الموت، نسينا أن المال في الشريعة اللبنانية، إله يخر له القضاء والحكومات والأجهزة، ساجدين، أسكت القضاء اللبناني فيروز، وترك نشاز الزاعقين في البرلمان كضفادع بشعة يملأ آذاننا عند الصباح، وترك طبول الحرب التي يقرعها براميل السياسة ليلاً، بكل وقاحة، تصدح لتنشر الخوف في قلوبٍ ن صوت فيروز يأمرها بالنوم فتنام مطمئنة: يلا تنام.. يلا تنام..

أيها الوطن المُصادر في شاحنات التهريب، كن وطناً لمرة واحدة، واترك شيئاً جميلاً كي نورثه لأولادنا، كي نعطيهم شيئاً غير البكاء، قليلاً من الأمل، في حنجرة مرسومة على شكل قنينة نبيذ يثمل بها الكون فيقع مطروباً، تحت أقدام فيروز.

أيها النظام المثقوب من أسفله بثقافة المصارف، خذ كل ما تريد، واترك لنا صوتاً أممناه فجاء العالم الثالث كله لينام في ظله، ويسمع أخبار الزمن الجميل الضائع، ولم يبق لنا منه إلا فيروز.

أيها القضاء المعلّب كالسردين على موائد السماسرة، العدل أساس الملك، أما فيروز، فهي أساس الخلق، تركت الخصور والرصاص واللصوص والفحش، وجئت تطلب رأساً، كان يطل وحده من نوافذ المغتربين ليطمئنهم: راجعين ياهوا راجعين.. تركت القتل والنهب والدولة المخصية، وجئت تسكت صوتاً، فسقطت أنتَ مجدداً.

فيروز.. كنا مراهقين نعيش حلم الوطن، ولا زلنا، كنا أطفال نرضع الصورة الأولى للأنوثة في الأم وللدفء في كف الأب، كنا صغاراً نركض خلف ألف شادي ضاع وضاعت أرضه معه، علمتنا كل ذلك، أحببناكِ: من يومها، من يومها صار القمر أكبر عتلالنا.

*العنوان مستعار من قصيدة بلقيس لنزار قباني – بتصرف


%d مدونون معجبون بهذه: