Posts Tagged ‘خضر سلامة’

طريقك مسدود مسدود

14/03/2016
خضر سلامة
أحدث قرار إحدى مجموعات التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات بالدعوى إلى عصيان مدني وقطع طرقات – لم ينجح في إثبات نفسه أو حشد تضامن معه – جولة اتهامات وشتائم جديدة بين أطياف هذا التحرك الذي لم يجد بعد من يدفنه، ويبني على نتائجه ودروسه: لماذا خسرنا الناس؟ وهل كانت المعركة على الوصول إلى الكاميرا مجدية حقاً؟
“بس هني كمان بيقطعو طرقات”
صحيح، عادة قطع الطرقات ليست جديدة في لبنان، ولكن عدم الأخذ باعتبار ماهية القطع وهويته وتالياً لماذا يحصل وينجح غالباً أزمة.
“كوبي بيست” وسائل الضغط لا يعني بالضرورة نجاحها، فكر أولا: ما هي طبيعة الدولة اللبنانية؟
طبيعتها طائفية، إذا، فإن حوادث قطع الطرقات على خلفية طائفية، ضد برنامج كوميدي او ضد اعتقال ارهابي او ضد تعيين وزير او استقالة آخر، تهم الدولة وقد تضطر لإعادة حساباتها.. لأن هذا التحرك يمس بتوازن هويتها: لا تزعلو السنة ولا تزعلو الشيعة وانتبهو ما يغضبو الدروز أو ياخدو ع خاطرهم المسيحيين.
بطبيعة الحال هذا الاحتجاج يولد ردة فعل واستجابة مباشرة من الدولة، التعاطف الشعبي ليس مطلوباً في هذه الحال لأن من يقطع الطريق يقطعها في دائرة نفوذه السياسي والحزبي حيث الاعتراض = خيانة.Untitled.jpg
في حالة النفايات، الأمر ليس مشابهاً، قطع الطرقات والعصيان المدني لن يؤثر على الدولة: نحن همشنا سلفاً عامل الضغط الاقتصادي وهو الحجة الأبرز للعصيان المدني، أي تعطيل الدورة الانتاجية اليومية وتسبيب الخسائر للدولة. فاقتصاد الدولة في لبنان لا يقوم على عمل انتاجي حقيقي، والتوازن الطائفي ليس مهدداً بحالة عصيان “مدني ذو مطالب عامة”، ولا الأمن القومي من حيث تفادي اضطراب بين مكونين غريبين (كحالة جمهور النجمة حيث استجابت الدولة خوفاً من “ثقافة الغريب” خارج منطقته).
فهم الدولة اللبنانية ومكامن ضعفها ضرورة… كنت قد نأيت بنفسي (اقتداءاً بالنجم الصاعد ميشال سليمان) عن التعليق على ما تبقى من “التحرك الاحتجاجي لحل موضوع النفايات” بعد أن خرج من جعبة “مشاريع القادة” رزمة تخوين واتهامات وشتائم بحق الفئات الشعبية والحزبيين والعقائديين وكل من لا يشبههم أدى إلى تفصيل حراك “على حجمهم”، وثقافة تفكر بجذب انتباه الكاميرا أكثر من جذب انتباه المجتمع أو مراكز القرار والتأثير على الأقل.
ولكن هذا التنكيل الذي يحصل بحق التجربة الجيدة نوعاً يتطلب ملاحظة، قد لا يؤخذ بها، مش مهم بقى.
الدولة لن تكترث لتسكير البلد على أهله، وفي الأفضل الأحوال ستصرف جهداً ضئيلاً على فض اعتصام هنا أو هناك لا يملك مفاتيح القوة (العمل المباشر، العنف، الحشد)، الدولة ستكترث لو تعرضت سمعة شركة كبرى كسوكلين للضرر الجدي، أو مصالح البنك الذي تتعامل معه للضرر الجدي، أو …. ولكن أن يغلق تيار “مدني” الطريق على الناس، فستترك الدولة العمل للناس غالباً..
الناس ليسوا أعداءكم، وخطاب “نحن وأنتم” معيب، والناس ليسوا “حمير”-أغلبهم عالأقل يعني- والحركة الاحتجاجية في أي بلد بالعالم غير مرتبطة بالعدد بل بالفعالية وأدوات الاحتجاج المفصّلة على قياس المجتمع الموجودين فيه، لا المنسوخة من وسائل تدريبية تليق بدول تملك نظاماً طبقيا وانتاجيا “معروف ربه”…
مشكلة النفايات متل أي مشكلة ثانية في البلد، هي مشكلة مع الشركات والبنوك ومراكز القرار، ليست المشكلة مع الشارع، الشارع في لبنان ليس ناخباً وليس رأياً عاماً -هيديك بأوروبا يمكن-
من هي الشركة الخصم؟ مع أي بنك تتعامل وينظم لها وارداتها ونفقاتها؟ من هي الشركة التأمين التي تغطيها؟ ما هي ظروف عمل العمال الأجانب فيها وأوضاعهم القانونية والصحية؟ من هم أصحابها وما هي ميزاتهم وشبكة علاقاتهم؟
ربما تحرك مباشر (مستمر لا “مرقة طريق”) يعطل أعمال هذه الكتلة من المؤسسات المتصلة ببعضها، ستضطر الدولة إلى التحرك أكثر من محاولة إحراجها أمام شعب تبين أنها لا تكترث لمعدل سرطاناته ولا سلامة غذائه ولا مائه.
عموماً، كما عودتنا التجربة سيلجأ بعض المهزومين إلى تحميل المسؤولية بالتدرج للناس، لبعض اليسار، لناشطين آخرين، للإعلام… ولكن لن يخرج أحد ليقول لمرة في تاريخ العمل الشبابي: لقد فشلنا، فشلت أساليبنا، فشلت طريقتنا في الكلام مع الناس، ربما يجب أن نجرب شيئاً آخراً غير الغرور وتربيح المجتمع “جميلة” الثورة التي لم تجر أحداثها يوماً.

صندوق الفرجة

20/02/2015

“صندوق الفرجة”
*
يدور صاحب صندوق الفرجة في القرى، يركن عربته تحت شجرة في ساحة القرية كما يركن الغجر سيركاً كاملاً كأنه كامنٌ في صندوق… وكون “صندوق العجب” من وسائل الترفيه النادرة آنذاك، كان أطفال الضيعة يتهافتون صوبه كلما سمعوه قادماً:
“شوف تفرج يا سلام.. شوف احوالك بالتمام.. شوف قدامك عجايب.. شوف قدامك غرايب.. تعا تفرج يا سلام.. على عبلة ام سنان.. هيدا عنتر زمانو.. شوفو راكب ع حصانو.. هيدي هيي الست بدور.. قاعدة جوا سبع بحور.. الأركيلة من كهرمان.. وسريرها من ريش نعام”.

صندوق الفرجة

**
كانت التعريفة خمس قروش (فرنك واحد).. يحصل من يدفع مالاً على حظ الجلوس على الدكة الخشبية، أما من يدفع برغيف خبز أو بيضة أو فواكه، فكان يضطر أن يتابع القصة واقفاً منحنياً. ثم يبدأ “العمّ” (وكان غالباً من أبناء قرى إقليم التفاح) ببرم البكرة التي تحمل رسومات عن عنتر العبسي قاهر الفرسان والزير سالم بطل المعارك والشاطر حسن ربيب الغيلان والست بدور الأمينة على عز البرامكة، وعلي الزيبق صيّاد الجن وغيرها من الشخصيات الشعبية، فيما يضع الأطفال رؤوسهم في الكوّات الخمس أو الست وهم يتفرجون على الرسومات بترتيب مرورها على كل كوّة من اليمين إلى اليسار.. و”العمّ” يحكي لهم القصة و”يشوبر” بيديه ويعزف بمزمار أو بوق ليدخلهم في جو المعارك المحتدمة.. داخل الصندوق.
وحين ينهي عرضه، يجر بائع الفُرجة صندوقه خارج القرية متجهاً صوب أطفال آخرين وهو يكمل أغنيته بوصية للأطفال: “الدُنيا صندوقة فرجة، لا تغرّك فيها البهجة، من يوم ما خلقت عوجة، لا تبكي عليها ولا تنوح”.
***
مع الوقت، لم يعد بائع الفُرجة يزور ساحاتنا، ربّما لأن بلادنا وُضعت على عربةٍ حتى صارت ساحاتها هي “الفُرجة”، وصار العالم كله يسترق النظر من كوة نشرات الأخبار على أوطانٍ تُهتك باسم ألف خلاف وموت واحد، ولم نعد نحن الأطفال بحاجة لعربة عجَب كي نندهش، فيومياتنا أعجب من العجب… أما المعارك، فرسوماتها صارت تأتينا زحفاً وهي تطرق أبوابنا حاملةً أبطالها صرعى باسم الحضارة.

****

قد يكون صدري آخر صناديق الضيعة يا صغيرتي، عنتر العبسي يحفر أشعاره فوق شريان يضرب به الزير سالم أعداء البلاد، ويكتف به علي الزيبق كل الجنّ الذين لا يجيدون الرقص.. تسقي به الست بدور جنائن بابل المعلّقة، ويمده الشاطر حسن حبلاً للجميلة العالقة بين أنياب الوحش.

صدري آخر صناديق الدنيا: فادفعي ما تريدين من دفء في صقيع الوطن هذا، ثم ضعي رأسَكِ في كوّة القلب وتفرّجي على صور الناس: سأحكي لكِ كل القصائد وكل الأساطير وكل القصص التي أعرفها وأخاف أن تضيع…

سنودن القطاع المصرفي برسم الإعلام اللبناني

11/02/2015

يقول البعض أن هيرفي فالسياني قد يكون “سنودن القطاع المصرفي” إذا ثبتت صحة المستندات التي سربها عن الحسابات السرية في مصرف HSBC ​

ورغم أن الضجة تثار اليوم بعد أن أنشأ 130 صحافي استقصائي من حول العالم موقعاً لنشر المعلومات عن هذه اللائحة بالتعاون مع جريدة لوموند الفرنسية، إلا أن قضية فالسياني قديمة جداً وتعود إلى عام 2007، وقد أغارت المخابرات الفرنسية على منزله وصادرت اللائحة عام 2008، كما حاول بيعها للقضاء الأميركي الذي فضل الدخول في تسوية مع المصرف قبل سنوات، وسبق لصحف عالمية أن غطت قضيته مراراً بين عامي 2008 و2013 قبل أن يهتم العالم بها اليوم.

إلا أن الجديد اليوم هو تسريب بعض الأسماء: من الممتع حقا أن تجد أسماء كسلطان عمان وملك الأردن وبندر بن سلطان ورئيس مصر المخلوع بالإضافة إلى الأسرة الحاكمة في البحرين وملك المغرب وصهر الرئيس التونسي المخلوع، في هذه اللائحة.. رغم أن عدم نشر الأسماء كلها دفع البعض للتشكيك في نوايا المجموعة الصحفية واستخدامها للقضية بأهداف انتقائية.

ترتيب البلاد حسب مجموع الأموال   المخبأة

ترتيب البلاد حسب مجموع الأموال
المخبأة

الغريب أن الإعلام اللبناني الذي يتحرك من أجل موزة زيزي لم يتفاعل بعد كما يجب: خصوصا أن هناك حديث عن أن أكثر من ألفي لبناني متورط في اللائحة التي تحوي أكثر من مئة ألف إسم من حول العالم.. بعض الأسماء واضحة والأخرى يمكن استنباطها من خلال أسماء الشركات المتورطة على قلة ما نشر من معلومات حتى الآن، فيما يحتل لبنان المركز الثاني عشر في مجموع الأموال المخبئة عن مصلحة الضرائب فيه من قبل شخصيات عامة: أكثر من أربع مليارات دولار.

مفتاح القضية قد يكون في لبنان، فعشيقة فالسياني السابقة ومساعدته، لبنانية تدعى جورجينا مخايل (وهي رفعت دعوى قدح وذم على فالسياني).. وهي رافقته في زيارته عام 2008 إلى لبنان حيث التقى بأربع مصارف عرض عليهم اللائحة وحاول أن يبيعهم إياها وقال أنه تعرض لضغوط اسرائيلية لكشف معلومات عن حسابات لمسؤولين من حزب الله وصلت إلى حد اختطافه -كما زعم- من قبل الموساد.

للأسف لم تنشر اللائحة كاملة حتى اللحظة… إلا أن قضية التسريب لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، فهل يتحرك الإعلام اللبناني للغوص في قضية فالسياني ولوائحه وسبر أغوار الأسماء اللبنانية التي تهرب أموالها خارج البلد وتخفيها عن الضرائب وعن ضرورة التصريح عند تولي ومغادرة المناصب.. لا سيما إذا كان من ضمنها شخصيات عامة من كل القطاعات: سياسية وأمنية واقتصادية كما هو الحال مع الأسماء التي نشرت حتى الآن، وهل يستحصل الصحفيون على حقيقة ما حصل مع فالسياني خلال زيارته للبنان، ومن هي المصارف التي عرضت عليها اللائحة، وما علاقة HSBC لبنان بالمصرف الأم وهل لعب دوراً في تهريب أموال المتورطين؟

أسئلة كثيرة… تضعها مدونة جوعان برسم الإعلام اللبناني والنيابة العامة التمييزية لتتحرك كما فعل القضاء في أكثر من دولة حتى الآن في موضوع يمس المصلحة العامة.. خصوصا أن الواضح أن الدول تملك القدرة على الدخول في تسويات تعيد جزءًا من الحقوق إلى الخزينة العامة (الولايات المتحدة حصلت على قرابة ملياري دولار من المصرف مثلا فيما استعادت اسبانيا حوالي ثلاثمئة مليون ونصف من الأموال المستحقة)

وطني ليس دائماً على حق

08/02/2015

خضر سلامة

تقولُ يا صديقي، أنني أحاول أن أفقأ عين التاريخ المدرسي الذي نعرفه كثيراً وذلك لا يخدم الوطن ولا قصص الوطن،

فما هو الوطن وما قصته؟

دعني أحكي لك قصةً طويلة ومملّة ربما، لكنك لن تجدها في كتب المدرسة ولا الأناشيد الوطنية ولا برامج السياسة:

كان العام 1920، وكانت المقاومة في ما سماه الاحتلال الفرنسي “المنطقة الغربية”، وضم منطقة جبل عامل حتى غوطة الشام تتصاعد.. يحكي العجائز أن موقعة كبيرة وقعت في قرية الخربة اللبنانية اليوم، أوقعت عشرين قتيلاً من الجيش الفرنسي وأعوانه هزّت فرنسا.

حاول الفرنسيون أن يحولوا المقاومة إلى حرب طائفية، وأنشؤوا المثال الذي تعلمه الاسرائيليون لاحقاً في تجربة جيش لحد، وضعوا ضباطاً مسيحيين من قرى جبل عامل في إدارة متطوعين محليين عملاء (عرفت بالميليشيا)، وكادت المقاومة أن تقع في الفخ.

جرى مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 على عجل، ورسم الخطوط العريضة للقضية وأصر على رفض الاحتلال الفرنسي وأفتى بحُرمة الاقتتال الطائفي.

عندها عرف الفرنسيون أن مشروع الفتنة انتهى: جردت فرنسا في أيار حملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجر آمر فصيلة صور آنذاك وضمت إلى أمرته فصيلة ارلابوس في النبطية، دعمتها صحف بيروت آنذاك لا سيما لسان الحال والبشير، وابتدأ القتل.

أدهم خنجر وصادق حمزة

أدهم خنجر وصادق حمزة

دمرت معظم قرى جبل عامل بالمدفعية، وانكفأ معظم أهل البلاد إلى شمال فلسطين، أما من بقي في قريته كما حدث لأهل قرية فارة، فقد عملت فيهم الرشاشات.

قُتل الآلاف في أيام، ولم تكن المقاومة البسيطة تملك حظوظاً كبيرة مع تخلف الدعم العربي.. لكنها أوقعت بالاحتلال هزيمتين كبيرتين في مرجعيون بدعم عربان الجنوب السوري، وفي كمين في قاقعية الجسر، وصمد صادق حمزة مع رجاله على طريق بنت جبيل حتى نفذت ذخيرتهم وانسحبوا.

إلا أن أشهر معارك حملة نيجر الدموية، كانت معركة المصيلح، حيث اختار نبيه بري قبل سنوات بدهاء أن يضع قصراً، بعد أن أنهت حملة نيجر المكونة من 4500 جندي فرنسي ومعهم الميليشيا من نهب قرى خط ساحل صور توجهت إلى النبطية، هناك كمن لهم أدهم خنجر ومعه أقل من خمسين مقاتلاً: استمرت المعركة لسبع ساعات متواصلة بين البنادق القديمة والعربات الثقيلة حتى نفاذ الذخيرة ولم يقتل مقاوم واحد.

من بعدها.. نهبت ما تعرفه اليوم بمنطقة جنوب لبنان تماماً ودمرت قراها وقتل من بقي فيها من أهلها، ونتحدث هنا عن خسائر على حجم كارثة وطنية، ثم فرض الفرنسيون “تعويضاً” لقتلاهم وجرحاهم على أهالي القرى بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية جُمعت من بيع الأراضي والأملاك الشخصية البسيطة.

الآن، عليك أن تتخايل ما حدث لأبطال هذه القصة بعد حملة نيجر التي لا يدرس عنها أحد: أعدم أدهم خنجر مع مئات من الثوار بعدها بأشهر، واغتيل صادق حمزة، أبيدت عائلات المقاتلين الذين كان يملك العسكر الفرنسي أسماءهم، أنهك المعقل الأخير للمقاومة المسلحة في ما سيُعلن الحاكم الفرنسي عن ولادته بعدها بخمسة أشهر في أيلول 1920: دولة لبنان الكبير التي فرضت على المهزومين سياسياً شمالاً وبقاعاً وجنوباً بعد هزيمة يوسف العظمة في معركة ميسلون في يوليو-تموز وانتهاء حلم الحكم العربي، مُحي اسم جبل عامل من الدولة الجديدة وسمّي “جنوب لبنان”، تم تدمير البنية التعليمية والاقتصادية لسنوات كان ثمنها بداية نزوح قاسٍ نحو المدينة-العاصمة الجديدة. (سرّعه الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً)

ثم أصبحت فرنسا مدرسة في الديمقراطية والحرية بل ونتضامن معها ضدنا أحياناً وكتبنا تاريخاً مدرسياً لا يزعجها، وينزعج مثقفونا حين نحكي لهم قصصاً خشبية كهذه، حتى أن لبنان التمام والسلام احتفل قبل أشهر فقط من عام 2015 بمرور 125 عاماً على إعلان لبنان الكبير دون أن يتكلم أحد عن كيف أنشئ هذا اللبنان الكبير، مسلّمين ب”قداسة قصة الوطن”.

لا مشكلة شخصية بيني وبين لبنان اليوم، فهو اليوم الوطن الذي أعرفه وأحبه لأن أهلي وأرضي وقبور الناس الذين أعرفهم وبيوتهم، هنا، لا أكتب معترضاً على شرعيته ولا طامحاً بوطن أكبر أو أصغر، أنا أفتش في التاريخ فقط لأن آلاف القتلى في حملة نيجر الفرنسية عام 1920 لهم أشقاء ولا شك في كل دول العالم، لا يراد لأحد أن يقرأ عنهم.

دموع الرجل الأبيض

18/01/2015

خضر سلامة

Le sanglot de l’Homme blanc

دموع الرجل الأبيض، أحد أشهر كتب الفرنسي باسكال بروكنر.. في هذا الكتاب اعتذار بإسم جيل كامل من اليساريين السابقين الأوروبيين موجه إلى الثقافة الأطلسية عام 1983، الكتاب يمثل عصارة تجربة بروكنر وآني كريغل وبرنار هنري ليفي وفينكلكراوت وجيرار شاليان وغلاكسمن وغيرهم من نجوم الثمانينات الذين جمعهم قاسم مشترك واحد: الاعتذار.

اعتذرت النسخات الأوروبية من الشيوعيين اللبنانيين السابقين “النادمين” على الصدام مع الفاشيين واسرائيل سابقاً، قبلهم بكثير، بل ربما أن الاعتذارات الأوروبية آنذاك هي التي خلقت متأخرة، التجارب الثقافية العربية ليساريين سابقين تابوا “ع بكير” واعتذروا.

ما الذي يجمع هذه الأسماء بهذه التجارب؟ هذا الكتاب يمكن أن يجيب عن السؤال، فبروكنر يحمل العالم الثالث مسؤولية تخلفه: القبائلية والطائفية والفساد وغيرها من الصفات التي نعرفها، هي سبب تخلف العالم الثالث، وهي أسباب عضوية، وتالياً على الرجل الأبيض أن يكف عن ذرف الدموع.. وهذا الكتاب كان قصفاً مباشراً على ما تبقى من اليسار السوفييتي الأوروبي في تلك الفترة وهو يتراجع أمام تفتت شرق أوروبا ومسألة القوميات.

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

العدوان الأميركي من وجهة نظر مثقفين جدد

إذاً، في الثمانينات ولد “الفلاسفة الجدد” وأصبحوا تياراً مؤسساً لثقافة جديدة.. هذه الثقافة تحمل الناس غير البيض مسؤولية دمهم وجهلهم وتخلفهم، يصبح القتل في شرق المتوسط أسبابه محلية تحت شعار “ما نحن كلنا داخلنا داعش صغير”.. أما القتل في شمال المتوسط، أسبابه خارجية، إرهاب خارجي، مهاجرون عرب عالمثالثيون متخلفون… وتتعطل فجأة الحجج المحلية (فقر بطالة تمييز قانوني وبوليسي ووحظوظ أقل بمرتين ونصف في التوظيف إذا كان اسمك عربياً)

هكذا.. عليك أن تذرف الدموع إذا ضرب يهودي في شارع أوروبي، ولا تكترث لخمسين حادث عنصري ضد المسلمين في ثلاثة أيام بعد حادثة شارلي إيبدو، ويجب أن يدب الذعر في جسد الثقافة العالمية إذا قطع رأس صحافي أميركي، ولا تسمع أحد يعترض حين يقصف الأميركي موكب صحافي في العراق عام 2007 ويقتل الاسرائيلي 17 صحافيا في أسابيع الحرب على غزة،  ويعتبر حادث أمني في باريس أو لندن أو غيرها خبراً أولاً، فيما مجزرة بسبعين قتيلا في اليمن أو مئة في العراق أو ألفاً في سورية، خبراً عادياً بالنسبة لأخبار “هكذا بلاد”، والقمع البوليسي للسود في أميركا والفوضى الأفريقية المصنعة بشركات السلاح والبشر في أفريقيا طبيعية، لأن العالمثالثي لا يجب أن يفك الطوق عموماً.

الفلاسفة الجدد كانوا تياراً عام 1983، كالعرب الجدد اليوم، وكانوا يعتذرون من الرجل الأبيض على حماقاتهم حين ناصروا شعوب العالم الثالث الذي يتحمل مسؤولية تخلفه ولا حل أمامه إلا بتقليد أخلاق وسياسات وعلاقات الغرب العامة ومعاييره الديمقراطية والاقتناع بالحرية الشخصية لا بمصير الجماعة، اليوم أصبحت الفلسفة الجديدة سلوكاً يومياً ومزاجا عاماً، يعرف أن هناك جوع وفقر وحروب، ولكن مسؤوليتها ليست على البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاستعمار وجرائمه السابقة وصناعته لدول عاجزة وتجارة الأسلحة والمخدرات وكارتيلات الغذاء والدواء.. كلا، المسؤولية هي على هؤلاء العالمثالثيين الجاهلون.

يعتذرون من بلادنا، من تحت ركام القصف اليومي والذبح اليومي عن جريمة في باريس.. ويبكون عليها ويضيؤون لها الشموع، ويحملون المسؤولية لهؤلاء “المهاجرين” “ذوي الأصول غير الشقراء”، ذوي الأسماء غير اللاتينية الذين طبعا، بداخلهم “داعش صغير” لا يوجد داخل الرجل الأبيض (يوجد داخله ميكي ماوس ربما).. هل انتبهوا إلى نازية وعنصرية هذه الكلمات مثلا؟.  يعتذرون ويقفون بالصف ليعزوا بقتلى، يبررون قتل مثلهم في بلاد أخرى بحجج سياسية أخرى، ويعترضون على العنصرية ضد وافدين في مجتمعات أخرى، فيما يدعون إلى ممارستها ضد “الأصول العربية” في بلاد “الرجل الأبيض” من أجل حمايته من أشرارنا.. نحن المتخلفون.

دموع الرجل الأبيض في عيون اليسار الجديد في  الفلسفة الجديدة.. الساخر في هذا العنوان هو أنه عنوان جدي، وأن ثمة من يصدق هذه الدموع.

AUB LEAKS

19/11/2014

خضر سلامة

– روابط تحميل آخر النص –

لم تكن إدارة الجامعة الأميركية في بيروت  يوماً صديقاً جيداً للطلاب، فالجامعة تشتهر بأقساطها التصاعدية عاماً بعد عام دون أسباب واضحة في تعليل الزيادات، ودون استجابة للاعتراض الطلابي ضد نهب جيب الطالب سنوياً، برفع الكلف الدراسية وقصقصة المنح، إلى جانب التعامل بقبضة حديدية مع كل ناشط سياسي داخل حرم الجامعة خصوصا في القضايا “المُحرجة” لإدارة الجامعة الأميركية.. كفسادها مثلا.

ولكن الزميل حسين مهدي من صحيفة الأخبار اللبنانية تفرّغ لفكفكة “الأساطير المؤسسة” للفساد الجامعي داخل الأميركية، وكشف في حلقات متتالية (2) بالأدلة والأسماء، ما يثبت ما يعرفه الطلاب بمعظمهم: الفساد ينهش في الAUB، والجشعون لا يشبعون من أكل حقوق الجامعة وطلابها.

Corruption in AUB

Corruption in AUB.

*يذكر أن الصحيفة نفسها (الأخبار) كانت قد نشرت قبل عامين في مقال للزميل حسن شقراني، معلومات عن تقرير قدمه رجل الأعمال نبيل الشرتوني “المقصيّ” من مجلس أمناء الجامعة، يعرب فيه عن “قلقه البالغ من احتمالات الفساد، سوء الإدارة، التبذير، ضعف الحوكمة، السرقة وصراع المصالح في الجامعة”

القضية وصلت إلى المدعي العام في نيويورك الذي سيستلم التحقيق في ما كشفت جريدة الأخبار سابقاً، مدونة جوعان تضع بين أيدي القراء بعض المراسلات البريدية بين إداريين وموظفين في الجامعة، تثبت تورط الجامعة في فساد ضخم، يدفع ثمنه الطلاب، ويحصد ملايينه منتفعون وفاسدون

حمّل الآن المراسلات البريدية التي تثبت فساد إدارة الجامعة الأميركية في بيروت، والتي تحاول الجامعة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، الضغط لمنع تداولها..

DropBox

Googledocs

المجتمع المدني: أنطونيو غرامشي أو البنك الدولي

10/11/2014

خضر سلامة

(أنطونيو غرامشي: مفكر ومناضل ماركسي – شيوعي إيطالي قُتل في سجون موسوليني ومناقش نظرية التحكم بالثقافة كإحدى وسائل السلطة الرأسمالية*)

المجتمع المدني، كلمة فضفاضة تستعمل في كل مكان، في الأحداث السياسية وفي المؤتمرات الاقتصادية وفي الحملات الحقوقية، معظم الوصف الحكومي السائد يجاري التوصيف البريطاني: المكان “بين الدولة والقطاع الخاص”، فيما يُسلم جدلاً في الخطاب المتداول بأنه خليط من منظمات غير حكومية إلى جانب منظمات غير ربحية (تتشدد اسرائيل – على عكسنا – في التمييز بين الاثنين).

في المجتمعات الرأسمالية، حيث تحكم علاقات التجارة العالمية، يكون المجتمع المدني غالباً لجمعيات غير حكومية ممولة عن طريقين رئيسين: إما متمولين محليين (بنوك، عائلات سياسية، أعمال خيرية لشركات تغسل ضرائبها) وإما، في البلدان الأقل نمواً، بتمويل أجنبي (مؤسسات دولية، وكالات أميركية وأوروبية وأممية للتمويل)، وهذا الفتات من الملايين سنوياً لكل بلد يكون عادةً تعويض اللصوص البيض لنا، عن الغائنا الضرائب على بضائعهم وفتحنا مصارفنا لهم. ويكون خطاب هذه المنظمات “غير الحكومية” دائماً مطالباً بتحقيق قيم ليبرالية غالباً (وهذا ليس ذماً ولا مدحاً بهذه القيم) كالانتخابات الديمقراطية (على الطريقة الغربية) والحقوق الفئوية (الجندرية، الجنسية، الأقلوية) والحريات الفردية، وتغيب عن خطاب الحرية الجماعية (الاصلاح الحزبي، التحرير السياسي، التغيير الدستوري)

أما في المجتمعات المحافظة اقتصادياً، والأقل تضرراً من البنك الدولي، فإن المجتمع المدني غالباً هو مؤسسات بخطاب أكثر محلية، ويشمل الاتحادات العمالية والنقابات والمنظمات التطوعية والكشفية والتربوية والطلابية، ويتعداها إلى الروابط الاقتصادية الحرفية والخدماتية أحياناً، ويكون خطابها حقوقي جماعي غالباً، من ناحية مطالب تحسين شروط المعيشة والتحكم بالأسعار وقوانين العمل، بالإضافة إلى انخراطها في معظم الأمثلة في الصراعات الوطنية التحررية ضد أي تهديد خارجي (ولو من “الشرعية الدولية”).

أوليغ درغاشوف - كندا

أوليغ درغاشوف – كندا

في كتاب “المجتمع المدني: تاريخ نقدي لفكرة” لجون اهرنبرغ، يشير إلى حقيقة مرعبة، وهي أن ما يُعرف اليوم ب”اليسار الجديد”، أي اليسار المقتنع بجدوى الخطاب الليبرالي بعد تسليمه بالهزيمة أمام رأس المال بعد الثمانينات، هذا اليسار الجديد بالذات التي يتملكه اقتناعٌ بامتلاكه التفوق الأخلاقي والثقافي والانساني والحقوقي على جميع الاتجاهات الأيديولوجية، يقوم على سوء فهم تاريخي!

وهنا، يستعين اهرنبرغ بغرامشي.. هذا العبقري الإيطالي، الذي يتحجج معظم هذا اليسار بالذات به، اختلف غرامشي حقيقةً مع ماركس في تقييم مؤسسات المجتمع المدني، اقترح غرامشي في نظريته أن المجتمع المدني يملك دوراً حاسماً في تأمين الرأس مال الثقافي للنظام الرأسمالي، ولكن هذا لا يجعله مشكلة (كما رأى ماركس) بل يجعله “ساحة صراع ضد الرأسمالية”.

سلّم اليسار الجديد أن قصد غرامشي هو أن المجتمع المدني – بعلاته – هو أداة في الحرب ضد الرأسمالية. ولم ينتبه هنا للقصد الدقيق لغرامشي: يجب النضال ضد الثقافة الرأسمالية في المجتمع المدني، من أجل تجفيف منابع النظام الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية، بمعنى أدق: أنت لا تستطيع أن تطعن دباً (الدولة الرأسمالية) بوسادة (المجتمع المدني حين يكون تحت سيطرة رأس المال الحاكم).

وتالياً.. وقع الخلط، وصارت لازمة “المجتمع المدني” موجودة في كل خطاب، ويتم تقديم المجتمع المدني على أنه صنم جديد لا يمكن تجاوزه ويعبر دائماً عن الخيار الشعبي.. رغم أنه عملياً، يلتزم في حركته بأجندة ثقافية تلتزم تمويلاً مشروطاً ضمن هوامش متفق عليها، كما يقول غرامشي وماركس وهيغل ودو توكفيل، بين النظام الحاكم ورعاته الماليين.

سواء كان أصحاب المال محليين، كنورا جنبلاط وليلى الصلح حمادة وعصام فارس وغيرهم من واجهات المال العائلي و البنوك والشركات “الطيبة”، أو كان أصحاب المال دوليين كاليو أس أيد والأوروبيين وكل من يأتي كهدية ترويجية من قبل البنك الدولي، فإن ذلك لا يغير من حقيقة واحدة: وهي أن المجتمع المدني الحقيقي السليم، هو ذاك الذي يتم اغتياله يومياً، من عمل نقابي واتحادات طلابية ومنظمات تطوعية مجانية خيرية تسعى لتقديم المطالب بحقوق الناس (كجماعة لا أفراد فقط) إلى الدولة مباشرة، لا عبر أشخاص أو مؤسسات محلية أو دولية.

المجتمع المدني (ضمنه المؤسسات الإعلامية كشركات مستثمرة اليوم) كما كان منذ مئتي عام ولم يتغير. لا زال مساحة لاستثمار المال للترويج للثقافة السائدة الحاكمة، والمعركة ليست لالغاء دوره أو استئصاله أو الكفر به، لأنه حاجة وهو مهم وكذلك نقاط التقاء كثيرة بين المصلحة العامة وشعاراته، إن المعركة المطلوبة هي تحرير المجتمع المدني من تحكم المال به وبقراراته وهوامش خطابه، قبل الاعتماد عليه لمحاربة سياسات هذا المال.

الإرهاب: أبعد من جرود عرسال

20/09/2014

خضر سلامة

ابن حمية تطوع بالجيش، الجيش اللبناني الي مدرب كيف يستعمل بارودته للضرب بالمظاهرات، بحال المظاهرة طبعا ما كانت محمية سياسيا، ومش مدرب يستعملها ضد عدو الوطن.
فات عالجيش ابن حمية، لا لأنه مآمن بمشروع الدولة، ولا لأنه قاري عقيدة الجيش، ولا لأنه الجيش اللبناني أقوى جيش بمجرة درب التبانة (وهو جيش مش قادر يفوت ع شارع بباب التبانة)، ابن حمية وغيره، فات عالجيش لأنها وظيفة دولة، ومضمونة، والتقديمات الصحية والاجتماعية بحدها الأدنى، بتضل أحسن من حياة التعتير والفقر بجرود بعلبك او بجرود عكار، لهيك بيبقى عندك خيارات قليلة:
– تطوع بالجيش
– تفوت ع حزب
– تصير طافر وتعيش مع الوحوش بالجرودات
– تجيب فان ونمرة عمومي وتشتغل عالخط

ويمكن، حمية شاف انو شغلة الجيش اسهل شي.. بالأخير الجيش اللبناني ماكسيموم بينتشر، وأوقات كتير بداهم بعد ما تكون الاحزاب المحلية حضرتله المداهمة، وأحيانا بيشتل شجر او بطفي حرايق، بس بالأخير ما ح يفوت بمعركة حقيقية.. واذا أنت عزيزي اللبناني مصدق أنو عنجد، في جيش عديده 40 ألف (مع اللوجستي والموظفين) بيقدر يواجه تنظيم عالمي مثل داعش، بتكون عم تسمع برنامج الجندي أكثر من اللازم.

ابن حمية فات عالجيش، ومات، بس ما مات بمعركة، لاء، مات اعدام على يد ناس معروفين، عندن حلفا معروفين، مات على يد جبهة النصرة، وهي منظمة عسكرية مرتبطة بالقاعدة لديها صحافيين لبنانيين تعاملوا معها ونسجوا علاقات مع قياداتها على مدى السنوات الماضية باسم الثورة وتغطية الحرية الجايي، وعندها سياسيين لبنانيين بيناتهم على الأقل ثلاث نواب ووزير واحد حالي وآخر سابق ورئيس حكومة سابق، أمنوا الغطاء السياسي الها، مات ابن حمية وسلاحه مش معه، بعد ما تدخلت مجموعة خراوات اسمها هيئة العلماء المسلمين ليأمنوا خروج سالم للارهابيين مع المخطوفين قبل أسابيع، وغدروا بوعودهم.. بوقت دولة رسمية عندها سفارة بلبنان، مثل قطر، تفاوض علنا الارهابيين، ودولة ثانية عندها سفارة بلبنان، مثل تركيا، أصبح من المؤكد والمسلم عالمياً، أنها راعية داعش الاستخباراتية.img_1358223259_936

ابن حمية ما مات سكتة قلبية، ولا مات بطل، ولا مات شهيد، مات متل ما بموت أي مواطن رخيص، لأن جان قهوجي بدو يعمل رئيس جمهورية وما بدو يعمل قائد جيش حقيقي لمرة واحدة، ولأن تمام سلام متعاطف سياسيا مع الحدود التي رسمتها السعودية في عرسال، ولأن أشرف ريفي يرعى مشتقات النصرة أمنياً، ولأن صحفجيو قطر مصرين يقنعو الناس انه داعش مش موجودة، مع أنهم هني وياها بيقبضو من نفس المحل.

ابن حمية ما مات شهيد، ابن حمية مات ميتة رخيصة، قدام عيون اللبنانيين الي جزء كبير منهم، بس لنكايات شخصية وسياسية وعقد هزيمة فردية وفراغ سياسي وتعصب طائفي (ديني أو سياسي لا فرق)، مصرين أنو النصرة وداعش قد يكونو حلفاء لهم يوما ما ضد خصومهم السياسيين، وجزء تاني منهم، غير مكترث أصلا أنو في منطقة أكبر من مزارع شبعا، محتلة اليوم من قبل مجموعتين ارهابيتين عالميتين بعلاقات محلية عشائرية – دينية – عسكرية واسعة.

ابن حمية مات، لأن لا زال ثمة من يمتعض ويغط على قلبه انسانيا اذا تم التعرض لأحد معتقلي داعش لدى الجيش او غيره، بينما لا تتحرك مشاعره المدفوعة الأجر بووركشوب او مؤتمر، لما ينقطع رأس جندي أو ينقتل مواطن، على يد نفس “االبشر” الي متضامن معهم.. لأن لما تخالف الجو العام والسائد، بتكون كول أكثر، طبعاً

ابن حمية مات، والقاتل ليس جبهة النصرة فقط، بل كل العكاريت الذين أصروا على مدى السنوات الماضية، أن لا قاعدة في عرسال، وأن رئيس بلدية عرسال لا يعمل مع المسلحين، وأن جرود عرسال ما فيها قواعد ارهابية، وأنو النصرة كيوت وداعش كذبة والخ، ولم يعتذروا يوما، عن استهبالنا.

بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

22/08/2014
 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك

سميح القاسم يخرج من معتقل أوشفيتز

20/08/2014

خضر سلامة

إلى سميح القاسم

من حُسن حظي أن خالي، وهو صديقي الشخصي منذ فتحت حساباً في مصرف الذاكرة، كان طالباً في الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، وكان حريصاً على تصيد الكتب العربية الثمينة في ما بيع آنذاك من أرشيف دار التقدم ودار العودة وغيرها من الدور المدعومة من المحور الشرقي، في شوارع موسكو بعد الانهيار الكبير.

وكان منزلنا في بيروت، منزل العائلة كلها تقريباً، لذا كان بيتنا مكتبة المغترب أيضاً، حيث حرص على جمع عشرات الكتاب التي كان يُحضرها في كل زيارة، وفي جو “جامعة باتريس لومومبا” في موسكو، وتحت ضربات حفلات الشعر الثوري المسجلة وحفلات أغاني السبعينات والثمانينات، ربيت، فعرفت أن بوشكين أميراً، قبل أن أعترف بإمارة أحمد شوقي، وقرأت واقعية دوستويفسكي الحالمة، قبل أن أتفتح على أحلام كنفاني الواقعية، وبين أوستروفسكي وينسين ومايكوفسكي وغيرهم، قرأت عن بلاد جميلة، وأحلام جميلة أيضاً، وجدت أسباباً مقنعة لأحزن على مقتل لوركا في اسبانيا، وعرفت أسماءً لم تعد رائجة في عالم الحياة، كوديع حداد وجورج حبش وسانكارا وسلام عادل ومهدي عامل وبن بركة وغيرهم..

ولكن في رزمة الكتب المكدسة في المكتبة الخشبية المهترأة التي استغنينا عن خدماتها حين لم تصبح صالحةً لسياحة الزوار لدينا، كان هناك كتاب مأكولٌ من غلافه، كأن ثمة من “نتش” منه، لم تكن هناك كلمات كثيرة: “ديوان سميح القاسم” فقط.
الكتاب صادر عن دار العودة سنة 1973، اقتناه خالي في أوائل التسعينات ربما من مصطبة تبيع كتباً لتشتري خبزاً.. وهو من ثمانمئة صفحة، صدر في ذروة غليان العالم الثوري من تشيلي إلى الجيوش الحمر في أوروبا إلى انتفاضات أفريقيا وقيامة آسيا واشتداد فكرة التحرير الوطني في فلسطين، وهو مجموعة قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم حتى تاريخه، أي في الرابعة والثلاثين من عمر المناضل الفذ.
أنغولا، شيكاغو، فييتنام، موسكو، الكونغو، برلين، بيروت، عودة إلى حيفا سيراً على اليدين كغزال تائه يبحث عن وطن، هكذا مشيت مع سميح، أذكر كل صفحة وأنا أقلب في الكتاب اليوم بعد عشر سنوات تقريباً على قراءة الديوان، هل هو المسؤول عن نحت جزءٍ من القلب؟ لا أعرف..

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

ديوان سميح القاسم ورسائله إلى محمود درويش

أعرف أني عرفت بالصدفة عن موته بالأمس، كنا نرسم في الشارع لوحةً عن الطفل محمد أبو خضير، الذي قتله النازيون نفسهم في قصيدة القاسم، في نفس نسخة أوشفيتز التي وصفها.. قالوا أنه مات، ثم أكملوا الحديث، عُدت لأتوقع أن أفتح الشاشة لأمل من خبر موت شخص أحبه كالعادة، بفضل الجرعات الزائدة من النواح، لا الحزن، على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنتخطى الخبر كالعادة بموت آخر غداً ربما، أو زواج فنانة شهيرة.
ولكن، لم أجد الكثير عنك يا سميح، لم يحزن كثيرون… بعد أربعين عاماً من ديوانك هذا، لم تعد نجماً ثورياً، ربما فاتك أن تنتبه، لكن الكثيرين اليوم في العشرين من عمرهم، أو في الثلاثين من عمرهم، لم يسمعوا بسميح القاسم، وربما يخطؤون في معرفة مكان الناصرة على الخريطة، والليمون صار يباع في أسواق أوروبا، على أنه من بساتين اسرائيل.. هذه أمور تحدث يا سميح، لم ينتبه كثيرون أنك مت، ولم يكترث آخرون.
ولكني اليوم، أجلس مع ديوان سميح القاسم نفسه، بعد عشر سنوات ربما على قراءتي الأخيرة لديوان له صدر قبل أربعين عاماً، كان سميح القاسم نفسه، صاحب آخر مداخلة شعرية في قصة حب طويلة عرفتها، وكتابه الأحمر المقضوم من رأسه، في يديّ الآن، أقلب في صفحاته حزيناً، لأن أحداً لم يحزن على الشاعر الميّت، كي أمل الحزن ولا أفكر في انقراض مرحلة من عمر بلادنا الأدبي والسياسي والثوري، دون أن تمتلك حق التوريث لجيل ضائع بين روتانا وداعش.

في الكتاب، أقرأ من قصيدة يوسف لسميح القاسم:
“أحبائي أحبائي، إذا حنّت عليّ الريح
وقالت مرة: ماذا يريدُ سميح؟
وشاء أن تزوّدكم بأنبائي..
فمُرّوا لي بخيمةِ شيخنا يعقوب
وقولوا إنني من بعد لثم يديه عن بُعدِ
أُبشّرهُ أبشّرهُ، بعودة يوسف المحبوب!
فإن الله والانسان..
في الدنيا على وعدِ!”

لا أعرف هل اهترأ الكتاب في المكتبة في فترة السقوط السريع في التسعينات للذاكرة الثورية، أو أن خالي كان قد اشتراه من على رصيف في شارع في موسكو بغلافه المقضوم هذا.. لكني أتخايل الآن، أن جائعاً للإنسان في تلك السنوات اللئيمة، قضم من شعر سميح القاسم في ليلة برد قارسة..
صورة جميلة في البال، أبتسم.

مات سميح القاسم، لكنه لن يختفِ، لا يُمكن لأحد أن يهزم ميّتاً لم يعد لديه ما يخسره، وشعره لا زال في الأرجاء، بين الكتب التي نجدها في أرشيف المدينة، وتكون الكتب الأجمل…
شعره لا زال في الأرجاء، كذلك وطنه.

سميح القاسم تحرر من سجنه، الحاكم العسكري النازي الذي تحدث عنه دائماً، يكمل إدارة المعتقل.. لكنه سيسقط، و”روما أبقى من نيرون” يا سميح.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: