Posts Tagged ‘خضر سلامة’

مرجوحة في شعر رابونزيل

30/06/2014

خضر سلامة

*رابونزيل هي شخصية في قصة ألمانية للأطفال جمعها الأخوة غريم ويعتقد أنها متشابهة مع قصة الأميرة رودابه في ملحة شهنامه الفارسية.. وتروي قصة أميرة يستعمل حبيبها ضفائر شعرها الطويلة، ليصعد إلى لقائها..

 

لست حزينا

لست سعيدا

لم أصبح حجرا تماما، ولكن قلبي أرخى عصاه وجلس عند قارعة الصدر، ولم يعد يتدخل بشؤوني اليومية، لم أعد أشعر بالخوف منذ زمن، وهذا أمر سيئ، لا أشتاق ﻷحد، لا أفكر بأحد، لا أشتهي نوعا من الحلوى ولا أتذكر موعد عرض فيلم أحبه.
لا تشغلني الخلافة الجديدة، ﻷنها تأتينا بلا شعراء هذه المرة، وكل خلافة بلا شعراء لا تدوم، لن ترجم الكعبة كما فعل غيرها، ﻷن الله غير مكان اقامته، لن تجد حلاجا واحدا تشنقه كما فعل غيرها، ﻷن الصوفيين تركوا الحب ويعملون في التجارة اليوم، لن تقتل اللغة العربية كما فعل غيرها، ﻷن الضرب في الميت حرام شرعا.

لا أكترث للخراب في المنطقة، فالخراب في يومي أكبر بكثير، ثمة مجزرة تحدث كل يوم بحق ذكريات وأمكنة وأسماء في داخلي، بداعي الواقعية المفرطة في عصر الذاكرة القصيرة، ثمة قصف يومي على أعصابي من زحمة الناس والاحتمالات والكمبيالات والافكار الجاهزة للكتابة، ثمة تقسيم تفرضه الطوب الكبرى على مبادئي: حرية ضد الوطن وشعب ضد الشعب وسلام ضد السلامة وحروب دون طائل.

أنا بشريٌّ من كوكب الأرض، يتكلم العربية بطلاقة عصفورٍ يلفت انتباه فوهات البنادق إلى حنجرته، فيدفع ثمن تحرّشه بضجيج آلات الطباعة المدفوعة الأجر، أسكن في ظلال الناس، أكبر كلما اقتربت شمس الحب من وجوههم، وأتقلّص كشمعة تذوب، كلما غابت، ألعب كما الأطفال لعبة النرد، وحين أخسر، أرهُن فرحي للتجار، وحين أربح، لا أكسب سوى متعة المحاولة.Image

أنا بشريٌّ من كبد هذا الكوكب، من شرق المتوسط تحديداً: أحاول أن أحافظ على ما أورثتني الممالك المندثرة من وصايا: لا تهاجر عن ناسك، لا تنسى أحبابك، لا تترك قلمك ولا تحمل مظلة تحت المطر… فالمطر لا يزورنا كثيراً.

أنا من هُزِم لسنوات، ﻷنه لم يختر يوما معركة، بل وجد نفسه عابرا في وسطها، أنا آخر ما تبقى من مشاعر ثقيلة الظل، في قهوة منكوبة على شاطئ البحر تحت حذاء فندق جديد، أتمسك ببلاد أحببتها، قرأت عنها وعشقتها، أتمسك بقصائد وأغان وطنية، وأسماء قادة وشهداء لا يذكرهم كثيرون، أتمسك بوعود وأحلام، وألف طفل لا يعرفون أين يحطون كل يوم، لا أريد أن أنقرض، فأنا لا زال لدي ما أقوله.

“أريد أن أحيا، لا أن أنجو”.. أريد أن أعيش المرحلة، لا أن أحتمي بأحد حيطانها، أريد أن أجد شعرا طويلا كشعر رابونزيل قي القصة، أصعد على ضفائر الجميلة إلى شرفتها، كي أراقب وإياها غروب الشمس فوق المدينة.

وأذكرها، أني سأهديها يوما كل المدينة.. بأبطالها ولصوصها وخمرها وكتبها، بفرحها وحزنها وضوئها وعتمتها، سنطفئ عواميد إنارة رصيف البحر قبل الفجر بقليل، كي ينام أهلنا لمرة واحدة دون خوفٍ من أن يأكل وحش الحكاية أولادهم.

Advertisements

نحن البشر الأشرار

17/05/2014

خضر سلامة

قبل سنوات، كنتُ أؤمن أن البشر فصيلة طيبة، وأن الأشرار هم بعضهم لا أكثر، اليوم، أنا أميل إلى قناعة أن البشر فصيلة شريرة، مزعجون وهم يمارسون شرّهم اليومي، وأن الخير هو استثناء فيهم لا أصل، قليلون هم من سيضحون من أجل آخرين، قليلون لن يركعوا للسائد، قليلون لن يتكيفوا مع الشاشة وينافقونا بالمال وقليلون هم الذين يموتون وهم راضون عن رأسهم وقلبهم، وهؤلاء هم الطيبون… والطيبون من البشر ينتهون دائماً مجروحين بشيء.

الطيبون.. لهذا أحزن حين أخسر حبّاً لخصام، عتب، خلاف شخصي أو سياسي، موت أو هجرة.. أو نسيان، أحزن حين أخسر طيّباً، لأني أعرف أنهم نادرون.

***

غسان كنفاني كان يخاف أن تصبح الخيانة وجهة نظر، وصارت، اغتيل كنفاني في السبعينات بسيارة مفخخة، لا مأساة في أن تُقتل على يد من تكره، المأساة هي أنه لم يستطع إنجاز مدرسته الفكرية والسياسية التقدمية، قصص الأطفال والروايات والرسم والنقد الأدبي، كان ماكنة انتاج فكري عطّلها الأشرار في ليلة، لم تنته المأساة هنا، المأساة حين تحتاج إلى مقدمات طويلة لتعرف أحداً إليه، وحين تكتشف أن من كتب وناضل لأجلهم، استبدل بعضهم رجاله العالقين في الخزان وقطاره العائد إلى حيفا، بنسيان دوت كوم.

“كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”

***

صلاح جاهين كان ساخراً، شاعراً ورسام كاريكاتور، رجل بنوافذ كثيرة، انتهى صلاح جاهين منتحراً، لم يجد غير الانتحار حلاً لهزيمة طويلة عاشها منذ النكسة، هزيمة لم يكن يراها أحد من خلف ابتسامته، لأن أحداثها كانت تجري في قلبه الصغير، كان الموت الطريقة الوحيدة لحث العين على النوم قليلاً.. مات صلاح جاهين، وقلبه مزيكا بمفاتيح.. ولم يخبرنا من هو؟

Imageيا باب يا مقفول … إمتى الدخول

صبرت ياما و اللي يصبر ينول

دقيت سنين … و الرد يرجع لي: مين؟

لو كنت عارف مين.. أنا كنت أقول.

عجبي !!”

***

نجيب سرور، سلطان “البحر بيضحك ليه” كان مجنوناً لأنه فكّر، وكان مجرماً لأنه لم يسكت، في الاتحاد السوفييتي خيبت الصفقات آماله الثورية فعاد إلى مصر، وهناك كان من سوء حظه أن تختاره مخابرات صلاح نصر ليكتشف جديد التعذيب في الستينات، لم ينعم بحرية عريضة، لأن خطيئته حين قرر أن لا يسكت عن مجازر الملك حسين بحق الفلسطينيين في الأردن والكارثة السياسية التي فعلها، فرد بمسرحية الذباب الأزرق، حركت المخابرات ضده فزجته بتهمة الجنون في مصح أمراض نفسية، عملت الدولة فيها على تحطيم عقله، بعد أن حطمت الخيانات والهزائم قلبه.. لكنه خرق الموت بقصيدة “كس امياتكم” التي انتشرت لحد أن السادات اللعين نفسه، كان يحفظها.

“بلد المنايك بلدنا، الكل ناك فيها

شوف الخريطه تلاقيها فاتحه رجليها

ربك خلقها كدا راح تعمل ايه فيها”

***

ناجي العلي كان صارخاً، غاضباً، واضحاً: يرى الطريق إلى فلسطين خطاً مستقيما لا كما يراها “الواقعيون”، كانت الأمور واضحة لديه: احمل بندقية واتجه إلى قريتك المحتلة، لم يكن رساماً فقط، كان نحاتاً لأنه نحت مرحلة وأرّخها، فعوّض تزوير التاريخ قليلاً، ولم يكن رجل دولة، كان رجل وطن، وهذا هو الفارق بينه وبين من أرسل رجلاً ليقتله عقاباً لأن الرسام الوطني سخر من عشيقة الزعيم، أو الزعيم نفسه، أو حراس الزعيم، لا فرق، لكن ناجي قُتل برصاصة صديقة، كان من الطبيعي أن لا يقبل عدوه الاسرائيلي أن يدفن في قريته الشجرة، ولكن أن يحرمه آخرون حق موته في أن يستريح في مخيمه بعين الحلوة، ليس طبيعياً..

“الحُزن أنبل من الفرح.. فالانسان يستطيع أن يفتعل الفرح، لا الحزن”

الحُزن يا ناجي.. الحزن.

أيها الراعي: لا تذهب إلى الذئب

05/05/2014

خضر سلامة

كان الأول من أيلول حتى عام 1954 عيداً رسمياً في لبنان، عيد الإعلان عن دولة لبنان الكبير سنة 1920، أو ما يسمى اليوم بالجمهورية اللبنانية، ومن المتعارف أن البطريرك الماروني الياس الحويك كان صاحب المشروع، باسم خلق كيان جغرافي اقتصادي سياسي مسيحي خاص في المشرق، وحيث أن المتصرفية الصغيرة في “جبل لبنان” أثبتت فشلها اقتصادياً بالمجاعة الكبرى عام 1915، حين مات ثلث أهلها وجلّهم من المسيحيين، طرح برعاية فرانسوا بيكو السفير الفرنسي في لبنان آنذاك، مشروعاً تقسيمياً للدولة السورية المطروحة كانت مع فيصل ابن الشريف حسين، اسمه لبنان الكبير، يضم إلى جبل لبنان أراض زراعية خصبة في عكار والبقاع وجبل عامل والساحل الجنوبي اليوم، وتحول المشروع الذي هدف إلى حماية المسيحيين إلى فشل سياسي وأيضاً على المستوى الطائفي، إذ ذاب المسيحيون في الفضاء المسلم فعلاً، كما حذّر الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو البطرك في مؤتمر الصلح قائلاً له: “يبدو أنك تجهل تاريخ بلادك يا غبطة البطريرك”، رغم أنه لا شك أيّده لتوافق المشروع مع ضرورات سياسية وأخلاقية، تعني انشاء كيان إثني طائفي مقابل، اسمه “اسرائيل”.

وأحد أبرز السياسيين الطائفيين المسيحيين آنذاك، شبل دمّوس، قال في شعر شهير مندداً بمشروع البطريركية:

أبناءَ مارون هلّا كان سعيكمُ، إلا وبالاً عليكم غير ميمونِ

ظننتم كبر لبنان يشرّفكم، فتهجرون مقام الذل والهونِ

تالله ما قدركم إلا “الصغير” ففي، تكبير لبنان تصغيرٌ لمارونِ

واليوم… المشكلة في من يسخف الأمور، أنه لا ينتظر من الآخر أن يفكر، يأخذ البطريرك الراعي الناس (خصوصا المسيحيين) بطبيعة الزيارة الدينية إلى فلسطين المحتلة (يقولون اسرائيل، طيب).Image

وحين يقول البعض أن زيارة بابا الفاتيكان، ومرافقيه، إلى الكيان الاسرائيلي هي زيارة دينية فقط، يعني أن نقتنع أن الفاتيكان، مؤسسة كاثوليكية دينية فقط (تماما كما يصوّر البعض مؤسسة ولاية الفقيه الشيعية). وهذا ما لا يُمكن أن يقبله أحد: الفاتيكان هو أحد أكبر اللاعبين الاقتصاديين في العالم، وبنك الفاتيكان هو شريك في حكومة الظل المصرفيّة في هذا الكوكب، وله في تجارة السلاح وتبييض الأموال وصفقات الديكتاتوريين تواجد، وتبعاً، لم يكن الفاتيكان يوماً بمنأى عن السياسة، فيوحنا بولس الأول، مات في ظروف مفاجأة بعد أيام على انتخابه وسط إشاعات كثيرة، ليخرج إلى النور يوحنا بولس الثاني، البولندي صدفة، ليتحول لاحقاً إلى أهم من سيشارك في فرط الاتحاد السوفييتي من بوابة كاثوليك بولندا وحرب الكنيسة الشعواء على العقيدة الشيوعية، ثم مبشّراً ليبرالياً معتدلاً في التسعينات، فترة بلقنة العالم من بوابة الديمقراطية والحرية الوطنية والعرقية.

واليوم، الأرجنتيني فرانسيس بابا الفاتيكان الجديد، بعد شبه سابقة بتنحي بندكتوس العجوز، يتحول البابا الجديد إلى روميو التواصل الاجتماعي، عنوان الصفحات الأولى للصحف، ولننتظر دخوله المباشر في السياسة، لنفهم دوره في التحرك السياسي الجديد لأوروبا من أوكرانيا وصعود اليمين من جديد.

ثم، يذهب ومعه الطيّب بشارة الراعي، إلى “اسرائيل”، القدس تحديداً، لو أن الزيارة هي بهوية القدس الدينية فقط، كان يمكن أن نلعب دور الأغبياء ونناقش في الأمر، زيارة البابا من بوابة القدس “عاصمة سياسية لاسرائيل”، ولقاءات سواء شارك فيها الراعي أو لا، تمثل قبولاً عُرفيا من الفاتيكان باللقاء الرسمي خارج تل أبيب، وهذا حتى في كلام الراعي الاستسلامي التبريري باسم السلام، تنازلاً وذلاً وتطبيعاً أكبر.

أين الخطر في ذلك؟ الخطر يا غبطة البطريرك ورعيّته ومؤيديه، أن المنطقة تشهد تصعيداً اسلامياً متطرّفاً خطيراً، قضى على الوجود المسيحي في العراق خلال فترة قصيرة بالفوضى وانعدام الأمن والتهديد، وتحوّل سيفا بيد أمن الدولة المصري لسنين بوجه الكنيسة القبطية، ولا تحتاج إلى إعطائهم ذريعةً جديدة طائفية، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد والمنطقة، أضف إلى أن الكنيسة المسيحية نفسها التي تمثل، رفضت لسبعين سنة لقاءً (مباشراً على الأقل) مع الوجود الاسرائيلي السياسي حتى في عز تحالف اسرائيل، قبل تخليها، عن اليمين الماروني في لبنان.

في نوفمبر 1977، رفض البابا شنودة الثالث مرافقة أنور السادات إلى القدس المحتلة، كان للموقف آنذاك سببان: سبب لاهوتي يعنى بموقف الكنيسة الأرثوذكسية القبطية من الاستيلاء الاسرائيلي على بعض أوقافها، وكذلك نظرة دينية لجذور اسرائيل وفكرة الشعب المختار.. وموقف سياسي يعنى بعلاقته مع السادات آنذاك والصدامات الدموية مع الرجل الذي فتح أبواب الاسلام السياسي ليحارب به أعدائه في الداخل.
المهم، رفض شنودة آنذاك الزيارة، بل وطلب من المسيحيين عدم زيارة القدس طالما تكون الزيارة بتأشيرة اسرائيلية (رغم أنه لم يعارض فكرة السلام بدايةً).. وتلاقى بعدها مع الحركة الوطنية الرافضة للتطبيع وتحول لرمز حتى مماته.
البطريرك الراعي سيزور الأراضي الفلسطينية، الفارق بين الموقفين حوالى أربعة عقود.. وخمسة حروب شاملة شنتها اسرائيل ضد لبنان، تغيرت فيها النفوس والثقافات والمعسكرات، حوصر المسيحيون ثقافة ووجوداً وسياسة في لبنان “الكبير”، وخسروا في العراق “الجديد”، وعالقون في أزمة الانفراط السوري، لم يرجع السادات إلى حظيرة العرب، بل لحقه العرب إلى اسرائيل، شيوخاً وأمراء وصحافة وسينما…
فهل تذهب الكنيسة المشرقية أيضاً من نافذة الغربية؟ وهل يكون الفخ السياسي اليوم (مفترضين صدق الراعي في التزامه بأن اسرائيل كيان عدو)، هو فخ الاعتراف “بيهودية” اسرائيل من جهة، وبالجهة الأهم التي تعني الفاتيكان والمسيحيين، القبول الضمني بشرعية السيطرة السياسية الامنية لاسرائيل على مدينة القدس وزيارة الفاتيكان إليها على أساس العاصمة السياسية ل”اسرائيل”
.. كما فعل يوحنا بولس الثاني بزيارة في التسعينات بعد تبادل العلاقات مع الكيان الصهيوني، بتنازله عن تحفظات الفاتيكان على حدود ال1967 واحتلال القدس، وقبوله بالشكل السياسي لما بعد أوسلو.. فماذا يخبأ لنا فرانسيس بزيارته؟ وماذا يخبّأ من مفاجآت كارثية عودنا عليها الفاتيكان، لمسيحيي الشرق.

لا تذهب أيها الكاردينال، لم تصل الكنيسة المارونية في ذروة حماقاتها السياسية التدميرية منذ مشروع “دولة لبنان الكبير” إلى حلف بغداد فالحرب الأهلية إلى اليوم، إلى هذا الدرك من الغباء في قراءة التاريخ والجغرافيا والانتحار السياسي والأمني، لا تنحدر أكثر.

مدونة جوعان

سأقولُ أنك أنا

03/05/2014

خضر سلامة

أعرفُ يا صديقي، أنك لا تشرب الكحول كي لا تقع في خطأ البكاء، ولا تدخّن الحشيش كي لا تقع في خطيئة الضحك، وتجتنب مخالطة النساء كي لا يصيبك شيطانهنّ بنهدٍ من عسل، تحاول أن تحافظ على وعيك لأن المرحلة تقتضي ذلك، وكلما غرقت في الوعي تكتشف فداحة الهزيمة، وكلما زارك النعاس، أصابك سهم الندم كي لا تغفو وشيءٌ ما يحترق… ربّما هي أعصابك، ربّما هي حدائقك الصغيرة يبست ورودها وزادها وجعاً زجاج خمر العابرين في قبلة، فاشتعلت غيرةٍ ثم بعثر الريح رمادها.

لا شيء يُسكرك، تأكل كتاباً في اليوم كما يأكل طفلٌ واجبه المنزليّ على مائدة الأم، قبل موعد الباص، ثم تحتسي نشرة الأخبار كي “تهضم” الأفكار والجيوش والقذائف وأنابيب الغاز.

لا شيء يُغريك، تمرّ على الحانات وتبصق على جيلٍ تشعر أنه يسبقك بعشرة قرون من الفرح، فيما علقت أنتَ في حزن بغداد يوم أكلها المغول، تحدّق بالبحر، كان لك قهوةً بلا بلاط فاخر هنا، لتكتب وتحب، ومنذ كسّرتها الدولة لم يعد تغريك بيروت للكتابة.

لا شيء يُنسيك، عندما تنساك كل الأمكنة والوجوه، تعلق أنت في “كمبيالات” مصرف الذاكرة، النسيان سيفٌ لا حلول معه، فإما أن تكون خلف السيف أو يكون السيف داخلك، فإما أن تكون أنت الجاني فتقرر أن تعترف بأنك ثقبت ذاكرتك وارتكبت جريمة النسيان، أو تكون أنت الضحية، فتنتظر من الصباحات الجميلة سدّ ديونها وأنت من صنعها، لا تسوية في النسيان، لا عدالة.Image

أعرف يا صديقي أنّك تغضب لأي شيء، تغضب لأن من يحمل صور الأطفال ويدور بها ليتسوّل مكاناً في المرحلة، لم يجرب النوم مرةً في العراء، ولا في القبر، وأنك تغضب لأن الشرطيّ الذي يطرد الفقير من الأرض لأنه لا يملكها، هو نفسه سيزوّر صكوك ملكية الغنيّ لها، كي يجرح وجهها، وتغضب أيضاً، لأن الدوريّ الذي كان يطرق شباك غرفتك القديمة، لم يزرك منذ قرّر أهل الحيّ أن يسدوا ثقوب الرصاص في البنايات القديمة، ففقد العصفور الذاكرة.

أعرف يا صديقي، كم هو صعبٌ أن يفقد عصفور ذاكرته في بيروت: كم من خيبةٍ سيقطف كلّما فتّش عن بيته، في زحمة الباطون هذه؟

لا، لا أريدك أن تحزن ﻷني حزين، الوحدة ليست رغيف خبز كي نتقاسمه، أو كي “نغطها” بالشاي حينا، أو بالذكريات أحيانا. الوحدة كالقصيدة، الوحدة هي أن تنتظر وردة واحدة غير مشذبة، لسبب عميق في اللغة، ولا يأتيني من الغيب سوى الباقات الأنيقة، الوحدة هي أن تنتبه في منتصف المسرحية للقاعة الخالية، فيبدأ صوتك بالانطفاء شيئاً فشيء، ثم ترحل. هي الخيبة الصغيرة: أن تنتظر قوس قزح، فيصدر مرسوم من الشرطة ليلغي فصل الشتاء،
وثلاثة فصول فقط، لا تصنع عاما كاملا، بل تسعة اشهر..

(ألهذا يولد الأطفال وهم يبكون؟) تسأل نفسك.

أعرف يا صديقي أنّك طيّبٌ جدّاً، أنت ناعمٌ جداً، ولدتَ في ورشات عمل وفنادق، ومؤتمرات وأحزابٍ ونظريّات، لم تلعب يوما معي ب”تنكة البيبسي” حين لم يكن يسمح لنا الفقر أن نحلم بطابة حقيقية، لم تكذب على أمّك يوماً، أنا فعلت: خبّأتُ الشهادة المدرسية، كي لا تحمّلني وزر حزنها، وحين اكتشفَت خدعتي الغبية، لم تميّز بين الكذبة وخوفي على عاطفتها.. أنتَ لم تضربك الشرطة يوماً وأنت في يد والدك لأنكما مشيتما في مظاهرةٍ بلا طائفة، فكرهت الدولة التي تكرهك، ومددت لسانك للنشيد الوطنيّ فعوقبت في المدرسة.

أعرف يا صديقي، أنّك مشغولٌ بقضايا الكوكب، تحلم بعالمٍ آخر للفقراء، وهم يحلمون بأن يكفيهم رغيف اليوم ليوم آخر فقط، تتحدث كثيراً عن زمنٍ جميل وشهداءٍ وشعراءٍ ومقاتلين، ولا تنتبه أن الكوكب بدّل سبعاً وعشرين رزنامةً منذ وُلدتَ، أعرف أنّك تطرق على أبواب الجيران ليلاً في السرّ لتعطيهم حصّتهم من عشائك، لكن الأبواب الموصدة لم تعد تُفتح منذ سنينٍ خوفاً من اللصوص والضيوف الثقيلين، أنتَ تريد أن تستيقظ الشعوب، والشعوب متعبةٌ، وأنا متعبٌ أيضاً.. لو أنّك تنام قليلاً يا صديقي..

لو أنّي أنام.

عن علي شعيب وإضراب المصارف وأشياء أخرى

11/04/2014

خضر سلامة

لقد أخرجتك دموع الأمهات قبل الآوان”

إلى نهايتك المبكرة”

المصارف تضرب اليوم، عام 2014، بعد أن أثبت قطاع المصارف في الغرب أنه قائد كارثي (وطبيعي) للاقتصاد الرأسماليّ.. تضرب اليوم في لبنان، لأن المجلس النيابي تجرأ وفرض 2 بالمئة ضريبة على ودائعها.. بعد أن تضخمت الضريبة اللبنانية على المواطن ذو الدخل المحدود مئات المرات بالمئة في السنوات الأخيرة، مقابل إعفائها..

كان ذلك في الثامن عشر من تشرين أول 1973، كثيرون من جيل ذلك الزمن عاصر عملية بنك أوف أميركا، وقلائل يتحدثون عنها (أو يتذكرونها)، لم يكن علي شعيب وحيداً، بل كان مع رفاقٍ منهم الشهيد جهاد أسعد، ولم يكونوا بلا رأس، كان عقلهم وقلبهم مرشد شبو، “أفقر أمين عام حزب في لبنان” كما وصفته إحدى الصحف في الثمانينات بعد وفاته ومطلق مكافحة الصهيونية في الستينات بلبنان والحرس الثوري والحركة الاشتراكية الثورية، وابن برجا الفقير الذي مات “ببيجاما واحدة فقط”، كان علي شعيب أشهر رموز العملية، لأن حظه أنه وقع شهيداً في قصيدة عباس بيضون الشهيرة “يا علي” التي غناها مارسيل وذاع صيتها، حتى صار الناس يغنوها دون أن يعرفوا من عليُّ القصيدة.

ولكن هذا الرجل الذي نسيه اللبنانيون ولم يكتبوه في التاريخ، كان صانعاً لمعجزات أخرى، لا يعرفون عنها أيضاً، أو يهملون أهميتها، نسيها حتى مثقفوهم وآخرون فضّلوا التنكّر لها إن تذكّروها، فعلي شعيب كان من منظمي انتفاضة التبغ ورموزها في النبطية، التي أسست لأول وعيٍ فلّاحي مهّد للتحرر من البكوات ثم الشركات الكبرى، كذلك مناضلاً في اعتصام عمّال معمل غندور الشهير الذي صقل التجربة الحزبية في الصفوف العمّالية وكرّس العداء للنظام الاقتصادي اللبناني، والمفصلي في تاريخ لبنان السياسي آنذاك أيضاً..

ولكننا بكل حال، نفضل أن نتكلم بالسياسة، بما نجده في فتات وطوائف وزواريب حاضرنا، دون عناء إنصاف الماضي وأبطاله وأفعالهم وإرثهم وثقافتهم.

في ذلك اليوم من تشرين، دخل الرفاق “الاشتراكيين الثوريين” كما سموا حزبهم، واحتلوا مبنى البنك، في اليوم التالي، اقتحمت فرقة من الشرطة اللبنانية (بأوامر من الضابط علي الحسيني، مسؤول الشرطة القضائية آنذاك حسب ويكيليكس)، وبشخص الوزير “الطيّب” اليوم، الضابط حينها، مروان شربل، وأعلنت الشرطة مقتل “أفراد العصابة” كما قتلت عن طريق الخطأ مدنيين لبنانيين ومدنياً أميركياً في حقل الدم الذي فتحته رغم أن المفاوضات كانت جارية تحت رعاية السفارة الجزائرية، ولم تكن مطالب الرفاق واضحة لأنهم كانوا أصحاب رسالة واحدة، أعلنوا عنها بأنها تحدي النظام المالي العالمي، وتحكم مصارف أميركا بالسياسة والاقتصاد العالمية (هذا ما نجده اليوم شعارات مملة –وخشبية- بالعربية، بينما نجدها هي نفسها “مودرن” وثورية، بالانكليزية في حركة مناهضة العولمة والرأسمالية الأميركية مثلاً)

على كلٍ، كانت الأيام اللاحقة للعملية، كفيلة بكشف كلام عن أن من بقي حياً لم يمت في الاشتباك لاحقاً، بل بإعدام ميداني بعد الأسر بأوامر من حكومة تقي الدين الصلح مباشرة حسب ما أشيع.Image

بكل الحالات قُتل علي شعيب، وجهاد الأسعد، ومات معلمهم شبّو مجهولاً مكسوراً لا يملك ثمن علاج كليته، وكذلك نسي التاريخ أن هؤلاء، خرجوا على شرفة المصرف ليرموا الدولارات للناس، ليقنعوهم أن حقوقهم محبوسة هنا، ونسي معظم اللبنانيين تاريخهم وفضلوا تاريخاً ينتهي عند مسرحية الاسقلال في قلعة راشيا، ولا يكمل إلا بعد الحرب الأهلية، واستحى ورثة النضال بآبائهم وأفكارهم.. وتدهور التاريخ، وجفّت الذاكرة وانحدرت السياسة حتى أصبحنا في زمنٍ.. تُضرب فيه المصارف معترضةً على حقوق المواطنين.

أصحاب المصارف..

السيّء في وجودكم بيننا، ليس أنكم ترعون كل تجارة السلاح والمخدرات وتبييض المال وتزوير الحسابات ومنظومة الفساد المالي في الدولة اللبناني فقط، ولا أنكم تبتلعون خدمة الدين العام فقط، ولا أنكم تجبرون المواطن العادي على تكلف الضريبة المضافة، لاعفائكم من المشاركة في سدّ ما اقتُرض لأجلكم أصلاً، السيء في وجودكم بيننا، ليس أنكم آلة السرقة الأنيقة التي تلبس بذلة وربطة عنق، ويدافع عنها اللبنانيون البسيطون لأنها أنيقة فقط، السيء في وجودكم، أنكم أكبر دليل على أننا دولة فاشلة بذاكرتها، بتاريخها، بسلّمها الحضاري وبثقافتها.

ولكن… ولكننا.. “لكننا .. ذات يوم ..سنوجه سكك محاريثنا الى قلوبهم السمينة الفاجرة” تقول الأغنية.

دردشة مع صفية

10/03/2014

خضر سلامة

اسمعيني يا صفيّة

قبل خمسٍ وأربعين عاماً، كتبك غسّان على الورق، وهمس في خدّك باللغة الفصحى: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو أن لا يحدث ذلك كله”

كان وطنه أن لا يحدث ما حدث، هزيمة فتقسيم وانقسام ودم في الداخل بين الأخوة، فماذا تقولين، لو أخبرتك سراً: صار بعضنا أعجز حتى من أن يُهزم، والتقسيم أعجبنا، فكررناه، والانقسام أقنعنا أننا فريدون، فجرّمنا من يُصلحه، أما دم الأخوة، فصار مسبحاً ومطعماً للسوّاح، وعرضنا أسهم استثماره في البورصة، ماذا كنتِ لتقولين لو أحرجك أحدهم، وسألك أي وطن تريدين؟

“الوطن الكوكب”؟ أجّرناه منذ البرميل الأول لشركة نفط، ونزعنا طبقة الأوزون وثبّتنا مكانها قضباناً، فصار جدار برلين سلوكاً يومياً بين كل اثنين.

“الوطن العربي؟” اكتشفنا أنه مزحةٌ سمجة. لم تُضحكنا يوماً، لم نفهمها حين رواها لنا أيتام اجتياح بيروت، وغزو بغداد، وحبس حيفا، لأنها لم تكتب يوماً بالعربية.

“الوطن الفلسطيني؟” وجدناه كبيراً علينا، فتنازلنا عن نصف، وساومنا على ربع، وعقدنا حلقة الدبكة في الربع المتبقي فرحين بالهوية، أمّا المخيمات، فوزعناها على الضباط والشيوخ.Image

يا صفيّة، لقد رفضنا قبل ذلك أن يهيننا أحدٌ خارج الوطن، ثم قبلنا بحجة الشرعية الدولية، ثم رفضنا أن يهيننا أحدٌ داخل الوطن، ثم قبلنا بحجة مشاعر القبائل، ولكن أن يصبح الوطن نفسه إهانةً لنا، فهذا ما لم نحسب له يا صفيّة…

قبل نصف قرن، كان الشعراء، في كل زاوية، يحكون عن قضية بحجم العالم، اسمها الانسان، لم نتقدم إلا في العمر، وتراجعنا في كل شيء، وحين أصبح ظهرنا للحائط، نزعنا عامودنا الفقري وجعلناه عامود إنارة، لشارع الأمم كلها، علها تجد حلاً لمعادلة لم نستطع حلها: إذا كان الشعب اثنان، والعدو اثنان، والإله اثنان، والحرية والبندقية والشهداء والجامعة والفقر، اثنان اثنان، فهل يبقى الوطن واحداً؟

لا أريد أن أخدش وجه القصة، ولا أن أجرح قلب الزيتون، بحزن الشرق العادي جداً، ولكني أريد تاريخاً واحداً يخجل حين يسجّل يومياتنا، ويأتي لخيم العزاء، أريد تاريخاً بقليل من الحياء، يحترم الأسماء في انفجار ببغداد، ولا يتركهم رقماً يرتفع كل ساعة، يعطي الأطفال في حلب، ساعة إجازة من الحرب، ليرتبوا القذائف الفارغة على شكل قلعة، تعوّضهم عن ركام المنزل، تاريخاً يأتي بالبحر ليطفئ قاتلاً انفجر جهلاً في بيروت بأهله، ليخلّص المدينة من خطر انطفاء الأغنية.

الوطن هو أن لا يحدث هذا كله..

الوطن هو حقك في يومٍ ممل، كاحتمالات باقي البشر، الوطن هو حقك في يوم تتفرغ فيه لقراءة الأبراج، وحل الكلمات المتقاطعة، وقراءة صفحة الرياضة، يومٌ تعود الصحيفة فيه عشرون صفحة، لا صفحة وفيات فقط، الوطن هو حقنا في الملل، في أن لا ننشغل بحدثٍ أو خبر، وأن لا نهرع لمستشفى أو هاتف قريب، لنرضي فطرة الخوف على ما تبقى لنا، الوطن هو أن يحدث غير ذلك: أن نشرب فنجان قهوتنا على مهل، ونعصر الوقت في إعادة أغنية نحبها، أن يكون العدو عدواً، لا صديقاً قيد الدرس، ويكون الفقر فقراً، لا سلاحاً للإيجار، ويكون الشرطي شرطياً، لا قاطع طرق، وتكون الدولة دولة، لا ثقباً أسود يبلع الأحلام جيلاً بعد جيل.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟

الوطن هو حيث لا يقتل الناس ناجي العلي، وحيث لا ينسون غسان كنفاني، وحيث لا يتاجرون بشهيد، ولا ينسون ذكرى اجتياحٍ ولا مجزرة، وحيث لا يستح الناس من المطالبة بمسروقاتهم الوطنية، ولا يختلفون على البديهي من الكرامة، الوطن، هو حيث لا نقرأ أخبار شعبنا، في صحف عدونا.

 مدونة جوعان

عن نهرٍ في الصحراء، اسمه معتز

01/03/2014

خضر سلامة

“إلى معتز وشحة”

خلق الرب العالم في ستة أيام، واستراح في السابع فوق عرشه،

وقاتل معتز وشحة العالم لست ساعات، واستراح في الساعة السابعة، فوق مجده.

ست ساعات، بدون كاميرات عالمية، بدون “سيلفي” نضالي من ورق، بدون صفحات فيسبوك، بدون مكبّرات صوت، بدون زيارة أميركية واحدة، ولا مكرمة ملكية، ولا شيك نفطي، ولا فتوى من الشيخ، ست ساعات، لم يحضر أي مبعوث دوليّ، وحيداً أمام العالم، لا يوجد ما هو أنقى من هذه الصورة: انسانٌ كامل البشرية، واحد، بندقية واحدة، عشرات المخازن، ومئات الجنود الأعداء في الخارج… الوحدة مرعبة أحياناً، لكنها على الأقل، واضحة، كان معتز وشحة وحده أمام عدوه، لا مسؤول في منظمة التحرير يحاضر به عن الممكن والمستحيل، لا قياديٌ منتفعٌ يدعوه لضبط النفس، لا أصدقاء يناقشونه في اختيار وقت المعركة، ولا مثقفون يشرحون له انسانية قاتله، لا فضائيات تعرض دمه لاستطلاع رأي، أو تقسمه بين ضيفين ليسلّيا الجمهور.

كان معتز وشحة، لست ساعات، في عز ظهيرة الفكرة، في كامل وضوحها: لا حسابات دولية ولا تحالفات اقليمية ولا انقسامات محليّة ولا حساسيات طائفية، الخيار كان بين اثنين، بين دبابة عدوّ قديم، وبين منزلُ يحبّه، في أرضٍ يقدّسها، في وطنٍ لا تجوز فيه التسوية.
معتز وشحة، وحيداً، و”خلفه عارُ العرب”.

 

معتز وشحة، هو البطاقة الحمراء التي تُرفع في وجه نجم الكرة المشهور، واسرائيل هي النجم: لسنوات، كانت ترتاح فوق طاولة الانقسام، وتشد غطاء التقاتل فوقها لتدفأ، لسنوات، لم تخطئ بارودة عربية واحدة صدر أختها، فلم تنخدش دبابات اسرائيل، إلى أن جاء معتز: هو واحة تقفز في زمن القحط كما يقفز أرنب من قبعة الساحر، ليبحث عن غابته، يحمل نهراً صغيراً، ليجدد ثقتنا بالماء، وينام درويش قرير العين، يحمل نخلة واحدة، كي يحفظ سلالة العرب من الانقراض، فيرتاح مظفر في أنفاسه الأخيرة، معتز هو البطاقة الحمراء التي تُحرج شهرة نجوم العالم، وتُفرج عن خوف لاعبي الفريق الآخر من تسريحة شعر المشهورين، فيستعيد الكوكب بعض توازنه، بين من يملك القدرة، ومن يملك الحلم فقط.Image

 

لذا أكتب عن معتز، أخاف أن نطويه كما نطوي كل فكرة سريعة في هذا الاستهلاك البشع اليومي للقضايا، منذ دخلنا في الشاشة ووقعنا أسراها، صارت بيانات حقوق الانسان، وأخبار المجازر، والأبطال الطارئون على قصص ذلنا اليومي، والشعوب المنسية خلف الكواليس، بعد انشغال العالم بشعوب جديدة تملك حظ الكاميرا، صار كل ذلك، وجبة سريعة، نتناولها بحديث سريع، بتعليق خفيف على المعدة والعقل، ونلتهي من بعدها بقضية انسانية أخرى… أصبحنا نستهلك كل شيء، حتى الانسان.

 

كثيرون يعرفون محمد الدرّة، الطفل الفلسطيني الذي علق خلف والده والاسرائيليون يتسلون بهما بالرصاص، ولكن، قلائل سيعرفون معتز وشحة، الفلسطيني الذي قاتل الجيش الاسرائيلي لست ساعات دون أن يستسلم، حتى قُتل، وأقول قُتل لا استشهد، كي لا ننزع عن المسرح صفة الجريمة، كثيرون ينسون في زحمة المشاعر، أن يبقوا على صفة الاسرائيلي القاتل، الفارق بين مشهد محمد الدرة ومشهد معتز، أن في المشهد الأول، صورة الضحية، صحيح، نحن ضحية هذه الآلة الهمجية العسكرية، ولكن في المشهد الثاني، صورة أخرى، صورة الضحية نفسها، حين تصبح نداً: رجل يهجم الجيش الأفضل في المنطقة، على بيته، فيقاتله لست ساعات، يوقف جنود اسرائيل وعتادها ودباباتها وأقمارها الاصطناعية وماكنات الاعلانات خلفها وشاشات العرب التي تدعمها وأقلام المثقفين التي تدير غسيلها الإعلامي، يوقف كل ذلك، ليقاتل قبل أن يُقتل: تستعيد الضحية في مشهد محمد الدرة توازنها، وتعدّل قليلاً من المشهد السابق، كبرتُ الآن، لا أختبئ خلف أبي، ولا خلف أبو مازن نفسه، أختبأ خلف حقّي أن أكون ندّاً.

 

الأمر ليس مفاضلة، للاسمين وقعهما، وصفتهما، فنحن الضحية اليومية، صحيح، كما الدرّة، ولكننا أيضاً، القادرون على أن نكون أنداداً، كما معتز، وهذا إخبارٌ قضائي ضد وعينا: أين أصبحنا في السقوط الأخلاقي لوعينا السياسي؟ قبل سنوات، كنا نخاف أن يكبر أطفالنا، ولا يعرفون الأبطال في قصص الماضي الجميل، واليوم، صرنا نخاف على أنفسنا، أن يشيخ وقتنا وعصرنا وتكبر لغتنا في العمر، ولا ننتبه لأبطالٍ عابرين في زمن الانهيار الكبير..

“معتز، لعل الشاعر كان يقصدك: أنتَ أنت، ما تبقى من بلاد في يدينا..”

مدونة جوعان على الفيسبوك

التحقيق مع السيّد الحب

14/02/2014

خضر سلامة

يقول عيد الحبْ
أنه لا يحيي عيدَه
ويقول بأن الربْ
عصر الحزن،
كي يجبل طينَه.

Image

يقول عيد الحبْ:

أنا إطار الخشب المنحوت،
بخفة فأس.
أَصلُح للّوحات كما التابوت،
ولرسم نبيٍّ يبلعه الحوت،
ولأنثى تقفز فوق الشمس.

يقول الحب:
أنا رقمان التقيا في حانوت،
يبيع القبلة واللمس:
الواحد قال أنا العُرس،
لا يتكرّر كالموت.
الرابع قال أنا طعنٌ في الثالوث،
أنا التشكيك أنا الهمس،
في أذن الرجل المحظوظ:
ما كان غداً حاضركَ
سيصير الأمس.

يقول الحب: أنا الشعر المغزول بحق التوت
يصير شرابا،
وأنا الحبر الكادح بيد الكاتب
في المخطوط،
أجهل الكتابة.
وأنا آدم بالضلع المكسور،
أُخيَّر بين الجنّة والجنس.
وأنا ما لم يُعطي جنيّ العود،
من موسيقى للإنس.

يقول الحب: أنا الورد المقتول،
بسيف البستانيّ:
يبتسمُ حبيبان..
وينقرضُ الجوريّ.

مدونة جوعان على الفيسبوك

وزارة السياحة الطزستانية

29/01/2014

خضر سلامة
عزيزي السائح، أهلا وسهلا بك في طزستان، نظراً للأوضاع الأمنية الضاغطة، نعتذر عن تعطل القطاع السياحي الجنسي، ونظراً لأوضاع الثقافة الوطنية البائدة، تعتذر عن تعطل القطاع السياحي الأثري، لذا، سنعتمد على سياحة من نوع جديد.. معالم كونفدرالية الفوضى الطزستانية الوطنية.
هنا، تستطيع أن ترى رئيس الجمهورية، وهو “تحفة”، من العصر “السوري القطري” أعيد اكتشافه قبل أشهر في العصر السعودي، وهو أعلى مرحلة في مراحل التطور البشري: البشري الطائر، إذ أنه يقضي وقتاً في الطيارة، أكثر مما يقضيه في القصر.
نصل إلى التحفة الثانية، وهي من أقدم تحف نظام ما بعد الحرب العالمية الثالثة التي جرت مبارياتها ضمن فعاليات أولمبياد الميليشيات قبل عقدين ونيف، يترأس منصب رئيس مجلس النواب منذ العهد الفينيقي، وهو إله المحبة عند طبقة التجار الفينيقيين، إذ أن انتقاده لا يكلفك سوى ليلتين في المستشفى.
التحفة الثالثة، تمثال طويل قليلاً، كانت الهيئات الاقتصادية المغولية في عهد هولاكو، تعبده وتتقرب إليه بالذبائح، فتارة يذبحون له حقوق العمال، وتارة يذبحون حقوق الأساتذة، وتارة يذبحون تبييض الأموال وصفقات السيلولير المشبوهة وفوضى القروض، وبكل الحالات، يظن بعض علماء الآثار أن هذا التمثال كان السلفيون في العصور الوسطى يستخدمونه كATM، يمولهم بالسلاح والعتاد.
التحفة الرابعة، طنجرة قديمة، صدئة، من العهد الاقطاعي، لا يعرف عنها العلماء الكثير، إلا أنهم وجدوا كتابة تشبخ خربشة ملك سعودي تقول: “المشاورات لتأليف الحكومة مستمرة”.
نصل إلى واحدة من أثمن ممتلكات متحف طزستان، بيك ابن بيك، قتل حين كان زمن القتل، سرق حين أصبح زمن السرقة، تعامل مع اسرائيل حين كان زمن التعامل، سلم للسوريين حين أتى الزمن السوري، يتكلم الفرنسية بلكنة فارسية، والعربية الفصحى مطعّمة بقليل من التركية، يمثل هذا الرأس خلاصة التراث السياسي منذ أيام حرب البسوس إلى أيام الحرب الباردة، ويحتفظ المختصون به عادة في حساب مصرفي بسويسرا، يعود ريعه لسماسرة الأراضي في الجبل، ومافيات النفط.
هنا، مجموعة تحف موزعة، وجد عليها الباحثون كتابات عن كيف تواجه المؤامرة، عن مخاطر الشرق الأوسط الجديد، اسقاط الصهيونية، ولكن، تعذر عليهم إيجاد خطاب واحد لبرنامج اقتصادي تنموي حقيقImageي، باسم الدولة وبمؤسساتها، لمصلحة من نحتهم.
التحفة التالية، مائلة إلى اللون البرتقالي بسبب “ضربة شمس”، يُعتقد أنها تمثّل أحد تلاميذ المسيح، لكثرة كلمة مسيحي مسيحي مسيحي، عليها، والتمثال كان سابقاً شفيع الحرب عند الشعوب القديمة، إلا أنه “فوّتها بالحيط”، ويعتقد البعض أن ثمة نسخة مقلدة للتحفة، يسمونها تمثال النبيّ “صهري”.
الرسمة هنا، تمثل تمثال الإله “إيييييه” وهي كلمة تعني بالكنعانية القديمة: “إييييييه”، أما التمثال نفسه فيحتفظ به في الرياض، ويُعار كل فترة إلى باريس، ويعتقد أن هذا الإله كان يملك مغارة مجوهرات كبيرة، نهبها من غزوات والده في الدول المجاورة، وأهمها جوهرة “so clean” وألماسة “لوليدير”..
التحفة الأخيرة، هي مقاتلَين، وجدا محنّطين منذ الأيام العثمانية، يختلف العلماء على هويتهما، البعض يعتقد أنهما يمثلان معركة “مسلمين مسيحيين”، البعض يعتقد أنهما يمثلا “درزية مارونية”، آخرون يعتقدون أنها “شيعي فلسطيني” أو “مسيحي فلسطيني”، وثمة من يقول “سني علوي”، ولو أن النظريات الحديثة تعتقد أنهما “شيعة سنة”، ولو أن العلماء يختلفون على هوية المقاتلين الاثنين، إلا أنهم يتفقون على أنهم كانوا فقراء، متعبين، وجدت في جيابهم، ذخائر بمئات الدولارات، وديون مصارف بآلاف الدولارات، بأيديهم سلاح، وفي أعينهم أحلام، وفي قلوبهم تحريض وتعبئة واعلام مأجور.
سيدي السائح، أهلا وسهلا بك في هذا الخراب الكبير، أرجو أن يسعفك الوقت لزيارة مصارفنا الكبيرة الغنية، وأحيائنا العشوائية الفقيرة، والسفارات الأجنبية المحمية جيداً، والأطراف المتروكة للصواريخ والغارات، وأن تزور جثثاً متفحمة بمباركات وطنية، وجمعيات مدنية وصحف ومواقع معروضة للإيجار، ودولة عدوة تحتفظ بثأرها منا، ونختلف على موقفنا منها، وأن تزور تاريخاً وطنياً مهترئاً في المتحف، نقتل أبطاله خجلاً..

فلسطينُ كوكباً

15/05/2013

خضر سلامة

هذه الأرض الحبلى بالعجائب، مفتاح الجنة، وهذا العلم الملطّخ بالتاريخ، مفتاح الهوية، وهذه اللغة المكسورة بلهجة عجوز، مفتاح المعجم، وهذه الملايين المشرّدة في مطارات العالم، مفتاح شرعة حقوق الانسان، ونحن، لا ينقصنا، إلا مفتاح العودة، نضع كل عامٍ في حقائبنا كل ما يلزمنا، ألعاب الطفولة كي نعطي للقادمين ما لم تعطنا الأنظمة من حقنا باللعب في سهول الجليل، صور بالأبيض والأسود كي تعرفنا الحقول وتميز وجوهنا من وجوه الأعداء، سلالٌ فارغة كي يطمئن قلب الليمون، فينضج ويلد يافا جديدة، تبلع تل أبيب ولا تبلعها، أقلام تلوين كي نعيد جمع الألوان في جبل الكرمل، ليشدّ على كفّ حيفا وهي تطعم الحمائم الذاهبة إلى بلاد العرب، مفتاح العودة يمجّده الصدأ، يحميه من مزاد السلطة لبيع العرض، وتعوّذه أهازيج العجائز المطرِبة، والمذهبة للعقل والمُشدّة للزند، من لعنات فتاوى الصحابة الجدد وفقهائهم.

كل دولة فيها اسرائيل، نقول، هي الفاشية في قمتها، والعنصرية في تألقها، والموت في لعبته، ونقول أيضاً، كل كفٍّ يقلب تراب العالم، فيه فلسطين، وكلّ عين تبحث عن أفقٍ ترسم فيه البصر، فيها فلسطين، وكلّ قضيّة مؤجلة في أدراج مجلس الأمن، فيها فلسطين، كل طفلٍ يولد في العراء، فلسطين، وكلّ بندقية تصنع الريح ليرفرف علمٌ وطنيّ، هي فلسطين، هي أن تكون انساناً، مقاتلاً، عاملاً، أباً وأماً، هي القاعدة في الإعراب، وكل الإحتلال استثناء، لا أكثر، فلسطين هي الحرّية، أما السلام، ففاصل دعائي للمصارف والأنظمة، يسكت فيها النشيد قليلاً، ليلقّم الشهيد كفنه، راية، ويلقّن الجدّ حفيده، حكاية.

pal1

فلسطين هي أن يُسقط الثائرون طاغيةً خلف البحار، ثم يلتفتون لعدّ الطغاة المتبقين في هذه المجرّة، فيسجّلون اسم طاغيةٍ أوروبيٍ شرقيٍ صغير، سرق بيّارة زيتونٍ، فلسطين، هي أن يأخذ عاطلٌ من العمل حقه من عنق المحتكرين في بلاده، ثم يتذكّر ليلاً، أخوةً له في الكوكب، عاطلين من الوطن، وهي أن تغطّي امرأةٌ في زاويةٍ من الكوكب، أطفالها ليلاً، ثم تُرسل في البريد غطاءً، لخيمةٍ تعيد امرأةٌ أخرى بنائها فوق ركام منزلٍ أكله المغول بين النهر وبين البحر، هذه فلسطين، انسان يشبك عينيه بعيني آخر، قضيّة تحوي في سيرتها، ألف قضيّة أخرى، وحدودٌ لا تقدر أن تغلقها الجيوش، بل يفتحها الشعور كل صباح.

نحن، من تبقى وما تبقى، من كل ما أخذته العولمة من جياب الشعراء، نحن الرمال التي لم تكنسها بعد عصا تجّار القضايا، نصنع شطآناً من الحب، ونتكدّس في موانئها، وعداً بالسفن، أخرجتنا القذائف من عمّان، ثمّ من بيروت، ومن تونس، فصرنا نحن الموج، نصفع وجه بن غوريون كل يومٍ، فيتآكل خوفاً من الزبَد، قتلتنا الخناجر العربية بالغدر ألف مرّة، فسَموْنا إلى السماء شكلاً جديداً للنسور، وحُمنا، نحمل الأجنحة مخرزاً في عيون الطيارات الحربية، ونكبّل بالأغنية، كل الإذاعات الرسمية، ثم نصنع من موشحات الأندلس، قسماً بأن لا تسقط غرناطة مرة أخرى، بل ترتفع، حدّ العودة.

– ثم يسألوننا بعد هذا، ما الذي يعيدنا إلى فلسطين كل مرّة؟

– بداهة الربيع!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الصورة “جوعان” بريشة وقلب الصديق والرفيق ح. رمّال


%d مدونون معجبون بهذه: