Posts Tagged ‘رسالة إلى صديق، الحزن العربي’

لا تغلق الباب

22/07/2013

خضر سلامة

أتعلم، لقد ضاق رحم أمك يوماً بك فبصقك، واليوم تضيق أنت بالكوكب، فكيف تبصقه؟

ماذا سيحدث إن قفزتَ يا صديقي عن الشرفة؟ هل ستهشّم رأسك باسفلت الشارع، فتعطيه انتصاراً على رأس، وهو المهزوم بأقدام العابرين؟ ماذا سيقول الطبيب بعد أن يعاين روحاً متعبةً بهموم الأرصفة ودموع الشبابيك ودماء الذكريات القتيلة، هل سيجد عناوين الصحيفة في عينيك الداميتين؟ فيقول، أصيب بشظايا الوطن المتفجّر كدمع بائعة وردٍ، لم يهدها أحدٌ يوماً وردة؟

ماذا سيحدث إن زرعتَ رصاصةً بين عينيك عيناً ثالثةً علك ترى العالم من ثقب جديد؟ ستحزن الجيوش قليلاً لهدر رصاصة على قتيل مات قبل موعده، وسترتبك مواعيد الرحلات إلى الجنازات اليومية، وستدخل أنت إلى الجريدة، ثلاثة أسطر وصورة، بالأبيض والأسود، كالعلم الوطني تماماً.

ماذا سيحدث يا صديقي، إن قطعت وريدك بسكين، من سيعيد لصقه، كي لا تنجّس الجحيم ببؤسك، ولا تخيف الملائكة من منظر اليد الذبيحة؟ هل سألت نفسك، كيف يذهب كافرٌ قطعت رأسه، إلى جهنم؟ هل يحمل رأسه في حقيبة معاصيه، ويقدمها كتهمةٍ أوجبت قتله، وأوجبت حرقه بعد ذلك؟ لا تقطع وريدك، وهو أمانة والد في خزانة جسدك، اجمع ألمك ومللك من الابتسامة المصلوبة بثلاثة مسامير على كل وجه، كأنوف بعض النساء هذه الابتسامات: ثمة طبيب تجميل سيء، عجنها على الوجوه.

تعال قبل أن تغلق حسابك في مصرف الكوكب، أحدثك عن البلاد قليلاً، ثمة وفرة في انتاج كل شيء وسوء في توزيعه أيضاً، وجدنا النفط بوفرة، فانتفع منه القلة وجاع كثيرون، صنعنا القانون، فاستغله البعض وجُلد به آخرون، أخذنا الحرية، فقام المتحررون باستعباد البقية.29

وحده الموت، لم يميز بيننا، من لم يمت بقذيفة، ومن لم يمت حزناً، ومن لم يمت تحت التعذيب، ومن لم يمت انتحاراً، ومن لم يمت جوعاً، لا بد مات تخمة.

نعم، قد لا تحدث فرقا كبيرا يا صديقي ان مُت الليلة بجرعة حزن زائدة، لن ينتبه الناس للفرق اللغوي بين نومك وموتك، وسيحكي عنك والدك لأهل الحي كم انت تطيل السبات كأي دب قطبي يوشك ان ينقرض، وستظن غانيتك أنك فعلا “تموت فيها” كما قلت، لا اكثر، وسيقول رفاق السهر أنك أفرطت قليلاً بالخمرة وأفرطت بفرك العين والقلب، لن ينتبه الناس، ولكن، أعتقد أن السجان الذي يدير هذا الكوكب سوف يغضب عندما يحصي مساجين الأرض ليلا، ويعرف أنك هربت.

لا تُغضب السجّان، زيّن قضبان حبسك برسمة تزعم أن ثمة شجرة في مكان ما، وعلّق على حائط أنفاسك الباردة صورة فنّان لم يبعه المستمعون ولم يشتره الزمن، ونظّف أرض فمك من الشعارات المتّسخة بسماسرة السلام والحقول.

وبعدها، يا صديقي، خذ رأسك عن كتفي، أنا متعبٌ بأصغر شيء، فكلّما انكسرت مدينةٌ بمدافع أبنائها، وضعت رأسها على كتفي وبكت، فصرت عامود إنارة، وكلّما اتفق الشرق على اغتيال امرأةٍ، خبّأت شعرها في فمي، فصرت عصفور دوريٍّ يُطرب اللغة، وكلّما مرّ البكاء على صدر الوطن، أحرقت سيجارة، فصرت منفضة سجائر الرفاق… خُذ رأسك عن كتفي، فأنا أكاد أضيق برأسي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

%d مدونون معجبون بهذه: