Posts Tagged ‘زياد الرحباني، الثورة السورية، الجامعة الأميركية في بيروت’

زياد الرحباني vs طائفة المثقفين

12/04/2013

خضر سلامة

لا شك أن أهم أحداث التغييرات السياسية التي شهدها العالم العربي في السنتين الأخيرتين، كانت انتقال الاستبداد من رأس الهرم الاجتماعي (السلطة) إلى باقي الخريطة، إلى المعارضين أنفسهم سواء الحديثين في السلطة (تجربة الأخوان) أو الحديثين في العمل السياسي (تجربة الصحافة الجديدة الالكترونية مثلا)، بعد الانقسام الشديد في الشكل السياسي لكل بلد، أصبحت كل مجموعة سياسية، معارضة أو موالية، ترى نفسها مرجعاً للصحيح والخطأ في الموقف السياسي، أصبح الموالي بنظر المعارض قاصراً عن الفهم، غبياً، مسيرا، وأصبح المعارض بنظر الموالي مرتش من السفارات، مرتهن للأجنبي، متأثر بالثقافة الأجنبية، إلخ.

إذا، أصبح كل شخص، سيما في المعارضة، يعتبر نفسه المرجع الأخلاقي لأي موقف سياسي آخر، لأي رأي سياسي، ليس فقط في الموالين، بل حتى في ال”نائي بنفسه” عن الصراع ككل، لأسباب ايديولوجية أو حذر، أصبح متراجع عن ما يراه الأول فقط، صحيحا وصائبا.

هذه النرجسية الفكرية، صعدتها وسائل التواصل الاجتماعي، أعطت طبيعة الفيسبوك والتويتر وغيرها، دفعة كبيرة من الثقة بالنفس للفرد الواحد، ليقيس بها حجم رأيه الشخصي الافتراضي وأثره بين مجموعة أصدقاءه، على أنه رأي مؤثر ومنتشر وصاحب جمهور فعلي واقعي واسع، وأن الغرباء، هم أصحاب الرأي الآخر، غير الممثل بين مجموعة أصدقاءه المحصورة برأي معين.

إذا، خرجت طائفة جديدة علينا، طائفة تفترض نفسها في أعلى سلم النخبة، تمتلك المرجع الوحيد الصالح بنظرها لتحديد الموقف الانساني الصائب، الموقف السياسي الصحيح، النظرية الثورية الحديثة، وكونت فيما بينها عالماً تقع حدوده في الشاشة، تستورد حدثا صغيرا من الأرض لتضعه بمجهر الانترنت وتكبره على أنه ظاهرة، تضاف إلى ذلك معايير الثقافة الحديثة التي أدخلها منظمات المجتمع المدني، التي تسوق للقيادة الفردية والريادية الثقافية والنظرة إلى العامة على أنهم “جمهور” للرأي.

أصل إلى الأهم، هذه الطائفة، قامت بالغاء الكثيرين، تشويه صورة أي مختلف بالرأي، اقصاء (ولو محدود الصلاحية ضمن الطائفة نفسها) لأي صاحب رؤية بعيدة عن الفوضى الفكرية التي تحكم آرائهم، لا بل، تمتاز هذه الطائفة بشيء من الحداثة الغريبة: معظمهم يعمل على “تبييض” صورة الاسلاميين والتسويق للتحالف معهم، على أساس ديمقراطية العمل وضرورة تقبل الآخر مهما كان توجهه، فيما هم أنفسهم، يعملون على رفض أي تنوع داخل الجو “اللاديني أو العلماني إلخ” ويكفرون صاحب الرأي الآخر داخل الجو الواحد، أصبح الناقد لثورة هنا، أو لخطأ هناك، أو كذا، أصبح إما مكتشفا حديثا لطائفية دينية برأيهم، أو موال خجول بموالاته، أو ولا شك “ممانع” في حالة الثورة السورية مثلا (كأن الممانعة، ككلمة، أصلا تهمة).

وهنا ما حدث مع زياد الرحباني، الفنان الجميل، الذي تعرض للتكفير منذ عام 2006 تحديدا، منذ أن أعلن، كما كان الصف الوطني جميعه أصلا، تخندقه في صف المقاومة اللبنانية بعد عدوان اسرائيلي واضح المعالم لبنانيا، كبرت الهجمة على زياد منذ حينها، وتم كسر هالته الفنية، هذه الهالة، تم نسفها، وتمت شيطنة صورة زياد الرحباني، مع العام الثاني مع الثورة السورية، رغم أن زياد نفسه، لم يعلن أي موقف واضح من الثورة، ورغم أن زياد لم يعلن أنه في أي خانة من الاصطفاف الدموي بين النظام والمعارضة المسلحة السورية، كان يكفي هذا الغموض في موقف زياد، لتحكم طائفة المثقفين الافتراضيين، عليه، بالاعدام فكريا، لا بل، بحالة قصوى من الجهل المطلق بجذور موقف زياد. (more…)


%d مدونون معجبون بهذه: