Posts Tagged ‘سجادة الوطن، خضر سلامة، كتابات نثرية’

قلبي سجّادة الوطن

01/08/2013

خضر سلامة

أنتَ سجّادة بيت الوطن، كلّما قفزَت شمسٌ لتمحو غيمة، أو سقط مطرٌ ليكنس صيفاً، أمسكتك الأنثى من أذنيك، لتعلّقك في صندوق الشرفةِ مَعرَضاً لعيون الناس الباحثين عن قصة، يتسلون بها حين تنقطع أخبار الحرب، تنفض عنك بعصا فلقت بحر موسى، وجدفت بسفينة نوح، وقبلت يد المسيح، ورعت غنم محمّد، تنفض عنك بها غباراً تركته السيارات على نقوش الاسفلت في قلبك، ودعسات الشرطة على كرامتك الناعمة، وأوساخ الأطفال الذاهبين من الطفولة إلى السجون.

من نسج عروقك؟ أفي زاوية من زوايا شيراز جلس شاعر صوفي يخفي في شرايينك فن التوحّد بالنار ناراً؟ أو خبّأ فيك عجوز صيني كل أدوية القلب وأقفلك بعشبةٍ بحريةٍ كي لا تبوح بأخبار الموتى؟ أو دفن فيك تاجر من اسطنبول حكاية وطنٍ حقيبة يحملها صيّاد القصص، كي لا يشعر بالوحدة في الطريق من شفةٍ إلى شفة؟ من نسج عروقك، وأنت سجّادة البلاد، تعرق الصحراء من تحتك فتكتظ رائحة النخل المقطوع بغارةٍ في لغتك، ويحمل الهواء إليك بتلات الزهر الراكب في الريح، فتُزهر مثل أي طير يصدّق أن فوهة البارودة تصلح لقبلة.

ماذا تنزف، حين تنفضك النساء؟Alessandro_Gatto_Italy

تُسقط حرفاً، يفتح احتمالات الكلام، ألفٌ تحيّر اللفظ بين الأمل والألم، باءٌ تضيعك بين البسمة والبكاء، ياء تدوخ بين اليوم واليأس، هاء تغفو في الطريق بين الهوى والهوان، واوٌ ترميك بين الوعد والوداع، واحتمالاتٌ كثيرة، حروفٌ لا تعرف أي قصيدة تختار لك، من ديوان عمرٍ يركض مسرعاً صوب تكرار مملٍ للجريمة، جريمة العين بحق القلب.

تُسقط نوتة، تفتح احتمالات الغناء، آهٌ تكاد تكون موالاً بغدادياً حزيناً، أو أهزوجة عرسٍ فلسطينيٍ جديد، وترٌ يصحّ في عود زرياب ليطرب القصر، ويصحّ في عود الشيخ إمام ليبكي التاريخ، جرسٌ في كنيسة ليعود المؤمنون إلى كف الله، أو جرس إنذار ليعود القتلى إلى قبورهم إن عادت الطيارات، نوتات لا تعرف إي أغنية تختار لك، من سهرات الليل المضاءة بالرقص أو المطفأة بالوحدة.

ماذا تنزف، وأنت سجّادةٌ نُسجت بخيط الخلْق على مهل، تارة تكون ممسحة الأم، تديرك بين الزاوية والزاوية لتلم أوساخ الحياة، وتارةً تكون سجّادة صلاةً يعلّقك الواقفون على شرفة الله خلخالاً لأقدامهم الراكعة، وتارةً لزوم الزينة في كوكبٍ يحب ما لا يلزم، ومجرّد إضافة تجميلية للشهيق والزفير في كل ثانية، وأخرى، سجّادة شتاءٍ تخفف البرد عن وجه المدهوش بصوت المطر، حين لا يجد يداً يمسكها، ولا كأساً يشربه.

ما أصعب أن تكون على الأرض، لا تراك الأعين إلا نقوشاً جميلاً، ولا الأقدام إلا ممراً إلى الدفء ومداساً حنوناً، ولا الأيادي إلا كومة غبارٍ وجب صفعها.

سجّادة للوطن، بكل ما فيه.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

%d مدونون معجبون بهذه: