Posts Tagged ‘شحادين يا بلدنا’

أسطورة الاصلاح في لبنان

05/04/2013

خضر سلامة

في ذروة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، وسط غلاء معيشة فاحش وارتفاع نسبة الاعتماد على الديون المصرفية في جميع القطاعات: السكنية والمهنية والاجتماعية، يطالب الكثيرون باصلاح اقتصادي. فما هو الاصلاح المطلوب في دولة هشة، كلبنان؟

منذ قيام الجمهورية اللبنانية الحديثة المولد، قامت الدولة على شكل محاصصات طائفية في جميع قطاعاتها، وكان الشكل الاقتصادي الأساسي هو الخدمات، السياحة والتجارة (ترانزيت، استيراد واعادة تصدير، وكالات حصرية) والخدمات المصرفية. اقتصاد خدماتي، يقوم على الزبائنية المتبادلة، بين مجموعة عائلات اقتصادية سيطرت منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلى مطلع الحرب الاهلية وبعدها، على قطاع المصارف، والوكالات الحصرية، وتاليا على النمط السياسي-الاقتصادي الحاكم، وبين مجموعة السياسيين وتاليا أزلامهم.. بجميع ما يتطلبه ذلك من تحكم بالاعلام، وبالمنابر الاجتماعية الأخرى في مراحل متعددة.url

كان الفساد إذاً، هو الفكر الاقتصادي المؤسس للدولة اللبنانية، مجموعة مجتمعات لم تتفق على هوية، واتفقت على تقاسم كعكة مالية بشكل يحافظ على قوة زعيم في مجتمعه الخاص، فقمنا على وزارات فاسدة، إدارات فاسدة، قوى أمنية فاسدة، أجهزة تربوية فاسدة، كانت كفيلة بتطوير مجتمع شامل فاسد، يقوم على ثقافة الرشوى والتنفعية والاستزلام، كثقافة هي وليدة الاقتصاد الخدماتي في أي بلد، حين يبرمج الشعب على تبادل الخدمات، بدل تبادل الانتاج.

بعيد الحرب، تم تعليب ثقافة الفساد في شكل مؤسساتي جديد، هي المؤسسة الاقتصادية النيوليبرالية، أي تحييد تام لما تبقى من اقتصاد الزراعة والانتاج، ثم تحييد الدولة نفسها عن اداء دورها واستبدالها بقطاع خاص موزع على نفس رموز الدولة، أي الرئاسات الثلاث، وبشكل أعم، القوى الطائفية الأربع الأهم، السنية السياسية والشيعية السياسية والمسيحية والدرزية، وكان مايسترو هذه السياسيات رفيق الحريري كممثل لمشروع البنك الدولي في لبنان ومدير مشروع تقسيم ادوار الدولة على شركات شركائه السياسيين، وكان له نصيب الاسد، بمباركة سعودية، وبمعونات سورية سياسية وغطاء كامل من الانتداب السوري في لبنان. تم تقليص دور الدولة اذا، ضرب الاتحاد العمالي، خصخصة قطاع الهاتف وقطاع النفايات وقطاعات أخرى، ضرب مركز المدينة ثقافيا وتحويله الى مستعمر خاصة، انشاء صناديق نهب طائفية كصندوق الجنوب كحصة للشيعة، وصندوق المهجرين كحصة للدروز، ضرب قطاع الطاقة بفساد اداره ازلام نبيه بري لعقود، في سبيل تفريغه للوصول الى خصخصته، واعتمد اقتصاد عدم التدخل، كما تعرف النيوليبرالية، غياب الدولة التام عن مراقبة السوق، فارتفعت الاسعار، ونشأت الفروق الشاسعة في الاجور، وتم تعطيل تصحيح الاجور الضروري توافقا مع غلاء المعيشة، ومن ثم، تجلى في تعويض هذا الفارق بين الاجور وبين المصروف، في تسهيل الديون المصرفية لتضخيم حجم اعمال المصارف واعتماده كمؤشر على "التطور الاقتصادي في البلد"، بينما هو في نظرة عاقلة، دليل على الازمة الفردية الاقتصادية الكبيرة، التي تستعمل الديون المصرفية كطريقة التفافية لتحويل مصيبة الفرد في عدم قدرته على شراء شقة، او انشاء عمل متوسط، او كذا، الا بدين جديد، يساهم في تحقيق مسببي فقره، لربح جديد، على حساب فقره المستجد أيضاً!

عام 1998، شكل سليم الحص في عهد اميل لحود اول حكومة خارج السرب الحريري المعتمد منذ نهاية 1990، وغطاها السوري كنوع من رسالة الى السعودية قبل ان يسحب الغطاء عنها وينهي سليم الحص سياسيا عام 2000، حينها تولى الياس سابا، الاقتصادي العظيم، وزارة المالية في حكومة سليم الحص وأعلن عن خطة لسد الدين العام المتضخم سنويا بشكل كارثي، اكتشف سابا فوضى مطلقة، واكتشف ان الشيطان الأكبر، وزير المالية السابق، رئيس الحكومة اللاحق، ممثل البنك الدولي الدائم، فؤاد السنيورة، كان قد عطل دور مدير عام وزارة المالية وحصر كل الصلاحيات بشخصه كوزير سابق، ووسع ايضا سلطات ما يعرف بالمركز الآلي في الوزارة برئاسة نبيل يموت حينها، وليزيد فؤاد السنيورة في الفجور بحق وزارة المالية اللبنانية، خزينتك وخزينتي يا اخي اللبناني، انشأ ما يعرف ب"مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" في الوزارة، هذا المكتب، يتولى كل علاقات الدولة اللبنانية المالية مع الجهات المانحة، وعين جهاد أزعور مديرا له حينها، قبل أن يصبح تحت سيطرة تيار المستقبل ورعاية الحريريين الاقتصاديين الصغار، ثم اصبح مكتب الأمم المتحدة الانمائي ظاهرة في معظم الوزارات اللبنانية مسيطراً على مفاصلها لاغيا استقلالية قرارات الوزارات ورابطا اياها بمزاج الجهات المانحة وتاليا مصالح المصارف في استمرار الدين العام من جهة، وديون المواطنين من جهة ثانية.. وراعيا رسميا للفساد، وضامنا لاستمرار السياسة النيوليبرالية المتوحشة في حقك وحقي (ولا زالت إلى اليوم بالمناسبة).

تم تعطيل محاولات الاصلاح الاقتصادية حينها، ببعبع الطائفية، المذهبية التي تحكم العقل اللبناني، واصبحت محاولات عزل الموظفين المسؤولين عن سياسات الخصخصة وتفريغ مؤسسات الدولة، ضربا لمراكز السنة في الخطاب الاعلامي، وطبعا هذا ما شهدته محاولات اصلاح الطاقة مثلا، حين زكزك نبيه بري الوعي الشيعي بقرع ناقوس خطر "الحصة الشيعية"، وهذا ما كان ليحصل لو تم التعرض للوكالات الحصرية "حصة الموارنة العظمى" او لملف المهجرين الفضيحة "حصة الدروز"، الخ من هذه المذهبية العمياء التي تستعمل لتعطيل اي محاولة اصلاحية، على انها استهداف لمصالح الطوائف، مصالح لو حسبناها، لرأينا أن السني العادي، والشيعي العادي، والمسيحي العادي، والدرزي العادي، غير مستفيدين فعليا منها، مقابل المليارات التي جناها ممثلوهم وأزلامهم المباشرين في المصارف والمصالح، بفعل هذه التغطية الجماهيرية الغرائزية الطائفة.

الاصلاح اذا، كملخص لما سبق، ليس عصا سحرية، الاصلاح في لبنان هو الحاجة الى اجتثاث ثقافة الزبائنية والاستزلام من جهة، واجتثاث النمط الاقتصادي القائم، من جذوره، أي بتضحية مشتركة من جميع الطوائف على حساب اتفاق ابنائها على أنهم مواطنين أولاً، بجميع ما يعتبر مصلحة او حصة لهذه الطائفة او تلك.. وإلى أن يحصل ذلك.. أخبرني عزيزي الطائفي، كم يبلغ دينك الشخصي للبنك؟ وهل تعرف من هو صاحب هذا المصرف المباشر، وغير المباشر أيضاً؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

باي باي ميقاتي

25/03/2013

خضر سلامة

دولة بلا حكومة، لشعب بلا قضية، في بلد بلا هوية، في أمة بلا مستقبل.. ثم يقولون: لا تنق… ما حاجتنا للحكومة في حارة كل من إيده إلو؟

حسناً، استقالت الحكومة، واحدة من أسوأ حكومات ما بعد الطائف السيئة أصلاً، فلمن سنشتاق من هذه الوجوه المظلمة؟

– الرئيس نجيب ميقاتي: من أين سنأتي برجل حساس سنياً كهذا الرجل؟ ورقيق سلفياً كهذا الرجل؟ هل سيضطر شادي المولوي إلى طلب تاكسي من الآن فصاعداً يا نجيب؟ معقول يا نجيب؟

– الوزير جبران باسيل: لو أن وزير الطاقة جبران باسيل، ينتج طاقة قدر نصف ما ينتج من مؤتمرات صحفية، لضوينا الكوكب والكواكب المجاورة إيه والله.

– الوزير مروان شربل: رحيلك أفجعنا، يا ويلنا من بعدك، لأن أهون المصائب، هي المصائب المهضومة، وزير داخلية لا مانع لديه من أن يصبح رئيس جمهورية، وهو لا يمون على ضابط في وزارته، سلّم أمن الشمال للسلفيين، والبقاع للعشائر، ولكنه للأمانة، يدير صفحته الشخصية على التويتر بنفسه.

– الوزير علي حسن خليل: وزير الصحة، من يذكر وعده بالبطاقة الصحية مطلع العام المنصرم؟ من أهم انجازات وزير حركة أمل، تكريم زوجة رئيس حركة أمل، ازدياد تدهور وضع الضمان الصحي، وارتفاع عدد من تم اغتيالهم بالاهمال على باب المستشفيات.. ولكن الوزير سيحاسب، وعدنا بذلك، واسألوا ملف الأغذية الفاسدة.

– وليد الداعوق: وزير الإعلام العتيد، شاهد على معارك التلفزيونات الطائفية في البلد، مراقب للتقارير المخابراتية في الصحف والجرائد، ولكنه واع جداً لمخاطر الانترنت والمدونات.9424430773985703

– عدنان منصور: غير ملف الوضع السوري، شو بتعمل وزارة الخارجية اللبنانية؟

– فادي عبود: رئيس رابطة الصناعيين السابق، وزير السياحة الحالي، ومن يدري، قائد الجيش القادم ربما؟ من أين أأتيك بالسواح يا فادي، ان شالله يبقى مواطنين في المرحلة القادمة.

– فيصل كرامي: لولا “فيلم” محاولة اغتياله، لما عرفنا أنه معنا في الحكومة، لاء ووزير شباب ورياضة كمان، حدثنا أكثر عن مراهنات الرياضيين وبيع مباريات منتخب الكرة والدوري المحلي، وخبرنا أكثر عن خبرتك في الرياضة، وكيف الشباب؟

– نقولا نحاس: وزارة الاقتصاد والتجارة، في لبنان، نسميها وزارة التجارة بالاقتصاد.

– محمد الصفدي: محمد الصفدي هو الاسم الحركي لمحمد شقير، وزير المالية هو رئيس الهيئات الاقتصادية ونادي أغنياء البلد.

– غابي ليون: كم فيلم منع، قصته الرقابة، أو حورب؟ كم مبنى تراثي هدم؟ عهد وزير الثقافة الحالي، قبل أن يصبح تصريف أعمال، كان تصريف مجار ثقافية.

– نقولا الصحناوي: وزير الاتصالات وعدنا بجيل الفور جي.. ويا عزيزي المواطن، لا بثري جي ولا بفور جي.. الانترنت مش رح ييجي، منيحة؟

غير مأسوف على حكومة ميقاتي، ثم يا دولتك، الوضع الأمني بحكومة وبلا حكومة، فلتان، والوضع الاقتصادي، بحكومة وبلا حكومة، خربان، فما حاجتنا للحكومة، إلا إذا كانت لمتعة رئيس الجمهورية وتسليته في قصره؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

تعلم اللبنانية مع جوعان

18/03/2013

خضر سلامة

البلد على حافة الهاوية:

لم تعد هذه الجملة مخيفة، يبدو أن مكان البلد الطبيعي هو حافة الهاوية، لا بل أن لبنان هو مواطن في جمهورية حافة الهاوية منذ أكثر من سبعين عاماً، وحافة الهاوية هي المؤسسة الوحيدة المتماسكة في هذه الجمهورية، وهي الثابت السياسي الوحيد الذي لا يتغير، وعلى الأقل، السير نحو حافة الهاوية، هو الشيء الوحيد الذي يتفق كل السياسيون عليه.

زعران:

ضرب مجهولون شابين علويين في طرابلس، وضرب مجهولون شيخين سنيين في بيروت، ولعت طرابلس، وولعت بيروت، الاعلام، الأمن، دور الافتاء، الأحزاب، حملت المسؤولية ل"الزعران"، وذهبت قوى الأمن واعتقلت أبرياء! نعم، اعتقلت قوى الأمن من قام بالضرب وبالاعتداء، لكنها لم تعتقل الزعران أصحاب المسؤولية، من؟ رجال الدين ورجال السياسة.

هؤلاء الذين يعيثون خرابا في الشوارع، هم نفسهم أيضا ضحايا من نوع ثاني، هم ضحايا من يعيث خرابا في عقولهم ليلاً نهاراً بخطاب حرب ودم وخوف وتاريخ من الفتن.. فيا حضرات المسؤولين، سلموا انفسكم، طالما أنكم تعرفون أن المتهم، هم الزعران.. يا زعران.375_95116105276_4004_n

مرحلة حساسة:

كيف يعني مرحلة حساسة؟ عشت طفولتي، ومراهقتي، وأعيش شبابي، في مرحلة حساسة، كل يوم يطل عليّ سياسي جديد ليحذر أن المرحلة حساسة، منذ ربع قرن، طب يا أخي شفتولها حكيم؟ غير جعجع، شفتو حكيم؟

مرحلة حساسة، وبالدليل كل ما حدا حكاها، تبكي، حساسة جداً هذه المرحلة، والحساسية تحولت مع العمر إلى ربو، والربو إلى سعال، والسعال إلى خطب دينية.. مرحلة حساسة، طفح جلدي، ونسميه باللغة العامية: برلمان لبناني.

يثير الفتنة:

لا بد أن الفتنة تشرب كميات هائلة من النسكافيه، لا أذكر أن الفتنة كانت نائمة يوما ما، غريب، ثم، إن هذه الفتنة لا شك أنها "شرطوطة"، كل رجل سياسة، كل رجل دين، كل مواطن، كل سائح، كل لاجئ، قادر اذا اراد أن "يثير" الفتنة بسرعة، يا أخي شو عم تطعموها فياغرا؟

على كل، حين يكون رئيس الجمهورية عسكري، ورئيس البرلمان عيونه ملونين، ورئيس الحكومة طويل، ومفتي الجمهورية يقود بورش، لا تلم الفتنة.. فبلدك "كتير سكسي".

على كل، عزيزي المواطن: حذار من الانجرار الى الفتنة.. ويقال انجرار، جر، ويجر، فإذا هو مجرور.

مدونة جوعان على الفيسبوك

عن مطالب الأساتذة في لبنان

01/03/2013

خضر سلامة

تتصاعد الحركة الاحتجاجية في المناطق اللبنانية تحت مظلة هيئة التنسيق النقابية، الصوت الصادح باسم ما تبقى من العمال الذين لم يدفنهم اتحاد غسان غصن العمالي، مطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب التي يراد منها انصاف أساتذة المدارس الرسمية خصوصا، والأساتذة وعمال القطاع العام بشكل عام، حركة احتجاجية منظمة وضاغطة وجميلة، ومتماسكة بوجه التنوع السياسي والطائفي فيها ومتحدة لأجل حق، نامت عليه السياسة الاقتصادية المنحازة الى الاغنياء لأكثر من عقد ونيف.

هذه السلسلة تضمن اعادة حقوق الأساتذة الذين استوجب على الدولة اللبنانية لهم ما يقدر بضعف أجورهم تقريباً، ومن خلفهم الفئات الدنيا في القطاع العام، وسط ذلك كله، حالة انقسام خفيفة في الشارع بين مؤيدين ومعارضين للمطالب، وآخرون غير مكترثين أصلاً.. يتوزع الشارع المؤيد بين ناشطين حقوقيين وعماليين، والفئة المعنية نفسها، وتيارات سياسية عمالية وشعبية، فيما يتكون الشارع المعارض من الهيئات الاقتصادية، المسؤول الأول عن سياسة الإفقار وتضخيم ثرواتهم الخاصة على حساب العمال، والتآمر على ضرب النقابات والعمال لسنين خلت، وبعض المأخوذين بالتهويل الإعلامي الذي يمارس من قبل الهيئات وحاضناتها السياسيين حول مخاطر السلسلة على البنية المالية للبلد (التي لا تستشعر الخطر إلا عند حقوق الطبقات الوسطى والأقل) ومن طلاب يتململون من تأخير الدروس ومخاطر تأجيل الامتحانات، التي لوح بها وزير التربية.

لنبدأ من الأساس، اقرار سلسلة الرتب والرواتب حق لا نقاش فيه للمعلمين، وواجب تتهرب منه الدولة، ولا حاجة لتمويله لطابق ميقاتي ولا طابق غيره، إذ أن التمويل جاهز من بوابات الهدر المعروفة، الأملاك البحرية المسروقة من قبل نصف الطبقة الحاكمة والمغطاة من قبل النصف الآخر، المضاربات العقارية، مرفأ بيروت المثقوب بالرشاوى والسوق السوداء، تقديمات المجلس النيابي للنواب، كلفة أسفار الرؤساء الثلاثة.. إلخ، وليست مشكلة الأجراء، أساتذة وغيرهم، إذا تلكأت الدولة منذ عقد عن القيام بواجبها، بل هي مشكلة الطبقة الحاكمة التي لا زالت هي نفسها، وتتحمل ذلك.. ترى في مشهد الحكومة، كم سلسلة رتب ورواتب يمكن أن تسد ضريبة صغيرة على ثروة الأخوين ميقاتي وصديقهم الصفدي وولي أمرهم النحاس؟ أغنى أغنياء البلد؟؟؟26325_10152577484970277_575128606_n

إلى ذلك، ومع مشاركتنا ودعمنا التام لمطالب الهيئة والنقابات المعنية، بعض المآخذ يمكن أن تسجل على المطالب وهي تفريغها من سلة ضخمة، كان لزاماً على الجميع الالتفات لها، وهي وضع مؤسساتهم التعليمية المسؤولين عنها، وأمور التعليم الرسمي، فزيادة الأجور أو بالأحرى، انصافها، واجب وحق، ولكن الحق أيضا هو أن يكون هذا الانصاف انصافاً شاملاً للمؤسسة ككل، انصاف الأساتذة جزء من أزمة أكبر بكثير، وهي وضع المدرسة والجامعة الرسمية المهملة، وأيضاً، لا يمكن أن ينكر أحد أن الهيكل التعليمي نفسه مصاب بداء الترهل، من تسيب وتلكؤ في التعليم وفي الدوام، ومن واسطات سياسية وطائفية في التعيين، إلى سوء أداء في المدارس الرسمية يخيم بثقله على علاقة الطالب بالأستاذ في أحيان كثيرة.

الخلاصة، كنت أتمنى وأنا أهتف مع الأساتذة في مطالبهم المحقة، أن أهتف مع كامل الجسم التعليمي، إدارياً وتعليميا وطلابياً، من أجل صحة السلك التعليمي، لا صحة الوضع المادي للأفراد، المحق مجدداً في مطلب تحسينه، كان يمكن للثلاثين ألفاً أن يصبحوا مئة، لو فتحنا الباب أمام صوت الطلاب، وأمام مسؤولية النقابيين التعليميين في السعي لإعادة الروح إلى اتحاد الطلاب اللبنانيين، ومساهمتهم في الصراخ لكشف ثغرات مؤسساتهم وفضائح ادارة التعليم في البلد.. وبذلك، تكون قيادات الهيئة، الناجحة والمحبوبة والكاريزماتية والصامدة، قد مدت يدها بشكل مسؤول إلى الجميع، لتتهم الفاسد، وتعترف بالخطأ، وتطالب بالحق، وتنهض بجيل قد يطل علينا من نافذة الأمل.

مدونة جوعان على الفيسبوك

ليليث

20/02/2013

خضر سلامة

ليليث هي المرأة الأولى في التوراة، قبل أن يخلق الله حواء من ضلع آدم، خلق ليليث من طينه، فرفضت أن تنصاع لآدم لأنها اعتبرت نفسها مساوية له، فغضب الله عليها وخلق حواء من ضلع مخلوقه، لتكون منصاعة لآدم.. ومن حينها أصبحت ليليث تمثل المكر، وأصبحت رمزاً لبعض الحركات النسوية.. أما في منطق المدينة، فالضاحية، كل ضاحية، هي ليليث، بكل طباعها.

لماذا لا يجيد أحد أخذ صورة فوتوغرافية جيدة للضاحية؟ لماذا يفشل الشاعر في قطف القافية المناسبة لأصوات أبواق الصباح، ويفشل الشاتم في انتقاء الشتيمة المناسبة لزحمة المساء، ويفشل الموسيقي في اختراع اللحن المناسب لرقص سلال الخضار وأقفاص الفقراء؟ لماذا تقف اللغة، أي لغة، عند أبواب الضاحية، كل ضاحية؟ يتقن الجميع عقد ضفائر المدن، وأخذها في نزهة فوق ورقة، أو لوحة، المدينة امرأة سهلة الطباع، حواء مطيعة خاضعة لعصا بوسايدون حين يقفل بموجه باب شرفها، تذوب كأي خد بين شفتي عاشق ماهر، وتضع اسماء الأغنياء وشما على شوارعها، أما الضاحية فليست حواء، كل ضاحية هي ليليث، هي المرأة الأولى الممنوعة من الصرف في قصص الأطفال، والتي يلبسها شيوخ الإعلام ما يلبسه شيوخ التوراة لليليث، هي المرأة الغابة، التي عمر حولها كفار المال سياجاً من شوك، لأنهم يخافون على الباطون والاسفلت من ورد شرفاتها.

ضاحيتي هي ليليث، تدخن في الليل لفافة خضراء مع مارلي وتغني أغان لا يعرفها غير صغار العشاق، قبل أن يحرجها آذان الفجر فتخفي قناني الكحول من أيدي شياطينها الصغار، مخافة من عيون الأمهات لا من أسلحة ولا من لحى، هي هذه الشقية الصغيرة، شعر فتاة يقيسه كل بحسب حظه في الشارع، قد يختبئ في ظل عباءة تبشر بالحزن العتيق، قد يكتنز أنوثة تحت حجاب ضيق كباقة فل مقفلة على عطرها، وقد يطل من نافذة قوس قزح، معلق فوق جبين امرأة لا تخجل بليلها الطويل.

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف هوياتها القاتلة، أعرف المسافة بين الشارع والشارع كيف تقاس باسم القرى، ضاحيتي عنقود القرى، لم تصنع بؤسها، بل أُلبسته بقوة نظام سافل، كانوا يغتالون القرى بقناص اسرائيلي حيناً، وبقناص سياسة أحياناً، يتركونها للغول يأكلها قتلاً، جوعاً أو قذائف، ومن فرط ما تعبت قرانا من هم بلدنا الظالم، تقيأت أوتار عود على صدئ المدينة، فنبتت ضواحينا… ضاحيتي عنقود القرى، قطفتها يد الإهمال والعنصرية.Picture

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف شهداءها، أعرف من قاتل في خلدة، حين هربت المدينة بحروبها الكثيرة من وجه المحتل، وأعرف من قاتل على ابواب حي السلم، حين سالم الجميع وسلّم، وأعرف من كان يحمل غلة كتبه، ليجول على البيوت يقرأ فيهم آيات الثورة باسم لينين وباسم سعادة وباسم الصدر وباسم الخميني، تتكاثر الأسماء حولهم، ربما، لكن وقودهم واحد في هذه الأرض، وقودهم من عجن بألعاب الشارع في طفولته، وبأوساخ الوطن في مراهقته، وبطين الانتماء في شبابه، أعرف أسماء شهداءها، كلهم مروا من هنا، بعضهم قتل بجانب ما تبقى من حقول لم يكنسها العمران، وبعضهم علق على مشنقة الدولة حين كانت لا تدخل إلا بدباباتها وأسلحتها، وبعضهم قتل وهو ينظر في وجه العلم الرث: لم تسقط الضاحية بعد، لا ببارجة الأسطول السادس، ولا بحريق ساعر أيضاً.

لا أعرف من الضاحية غير وجه أفتقده، وجه معفر بالتراب، أخفته قشرة المال الذي انفجر كعبوة ناسفة قبل سنوات، ألبست الفقر ثياباً فاخرة، وبقي الجسد متسخاً بإرث ثقيل من الحقد الطبقي والمناطقي وقد يجوز، الطائفي، لأن هذا البلد لا يترجم الصراخ والبكاء والمظاهرات إلا باللغة الطائفية الفصحى، عمروا حول المبان المتهالكة مبان تخفي قلب الضاحية وصورتها.. أخفوا السيارات المتعبة بالعمر الطويل، خلف صفوف السيارات الحديثة التي تحاول عبثاً، أن تعوض على العاطل عن العمل، وعلى المحتاج وعلى المديون، نظرة الكوكب إليه.. ليليث هنا، تكمن خلف عواميد الإنارة المحكومة بالاعدام منذ عقود، تقفز إلى كرسي فارغ بين كراسي الشباب الموزعين خلف أراكيلهم عند ناصية الشارع.. ليليث ليست كافرة، ليليث ليست آلهة شر ولا شيطان، ليليث هي إقليم طالب بحق له عند ربه، ولما غضب الاله وظلم، كسرت كأي طفلة تحف الجنة وهربت إلى الأرض.. وعلى هذه الأرض بصمات ليليث وثورتها، وخيباتها وبؤسها، وفتنتها وشهوتها وتجاعيد عمرها أيضاً.

عشوائيات حي السلم والأوزاعي، سوق حي معوض المخملي، زحمة حارة حريك ووهرة الأمن الذي لا يرى فيها، سهرات الخمر الخجول من الناس في حي ماضي، خبز قرى الشياح لما يجمع الأقحوان من أغاني البؤساء، رائحة السلاح الذي لا يراه أحد، ويحبه الجميع، جماهير تسير إلى الجنة أو إلى النار، طوعاً، نساء يتخفون في دين أو لا يتخفون، أحزاب لا يختزلها أحد، صراخ بعكس التيار الطاغي لم يجابه يوماً بإرهاب حزبي، صور لرئيس ولسيد ولإمام ولمغن ولمناجل ومطارق بقيت على الحائط، مساجد تتكاثر كما تتكاثر المقاهي، مجمعات ثقافية تطرق واقع المنطقة وتبشر بغد أجمل.. ضاحيتي خالية من محلات الكحول، وفي الليل تأخذ بيد أبي نواس إلى “أم جورج” في الحدث لانتقاء كأس الليلة..

ضاحيتي هي ليليث بكل تناقضاتها، بكل جنونها، بكل كذبها وحقيقتها: كل ضاحية هي الأجمل، إلى أن تتوب المدينة عن نفطها.

هكذا أحب الضاحية: شهية كرغيف خبز، ساخنة كامرأة، ك”ليليث”!

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الصورة بعدسة الصديق احمد قمح

حديث الجحيم

12/01/2013

خضر سلامة

*هاديس في الميثولوجيا الاغريقية هو ملك العالم السفلي، أنزله كبير الآلهة إلى العالم السفلي، خطف برسيفوني بنت آلهة الزراعة حتى وافق على اعادتها بشرط ان تكون معه في وقت من العام فكانت الفترة اللى تقضيها برسيفونى مع أمها هي فترة الربيع والفترة اللى تقضيها مع هاديس هي فترة الخريف.

مقبض الباب مفتاح جهنم، ومنجل النار بيدي برقية عاجلة إلى ملاك الحزن بأن يُحضر لي وقوداً جديداً لبكائي، أنا هاديس، وهذا العالم السفلي جداً، مملكتي، هذه الوجوه الكئيبة التي تلبس أجساداً مهترئة وتركض في الشارع مخدوعة بفرح ما، حصتي من خلق الله، وعواميد الإنارة التي تتلصص على مدينة عارية تستحم على الشاطئ، ثم تعض على أناملها شهوةً، حصتي من رعشة الجسد الأولى، هذه النساء اللواتي يخلعن عنهن ضفائرهن، ليصعدن إلى مراجيح المشانق هرباً من عشق مرير الطعم، حصتي من دماء البكارة. أنا هاديس، مقبض الباب مفتاح جهنم، وأنا صاحبها.

كيف لحزين كملك العالم السفلي أن يلهو؟ صنعت الطغاة في لحظات الملل، أعطيت التاريخ نيرون ليحرق روما كي يتدفأ المشردون بما تبقى من رماد أمجاد القياصرة الذين صودف أنهم جميعاً، يموتون، بشرٌ من أوهن ما بصقت الأرض.. صنعتُ الطغاة لأعير الآخرين قليلاً من جحيمي اليومي، أعطيتهم هولاكو، ليشوي الشعراء على مناقل الكتب، لملل طارئ من تكرار القوافي، زرعت في الجليد إيفان الرهيب، ليوازن بين أغاني الفلاحين ودمائهم… هذا حصاد العالم السفلي، طغاة الأرض ومجانينها، شعراؤها وراقصاتها، بنادق جنودها وضحاياهم. 4914338-7359006

منذ زمنٍ لم يكتب لي أحد، يغريني البرد بحرق رسائل العشق القديمة، وأسماء المسجلين خطراً على القلب والذاكرة، هل أصبح الحب ماركة تجارية أيضاً؟ هل سلّم الجميع أقلامهم لممحاة الشاشة ثم ناموا على طبلة الأنظمة؟ تكاد تشعر أن كيوبيد عاد إلى أولمبوس ليفتح متجراً لعرض خردة القصص، وأن سهامه صارت قذائف تشبع حاجات الجيوش للنار.. برد الشتاء لا يقتلني، برد الناس والاحساس، وبرد الكلام والهاتف، يفعل أكثر من القتل.

أنا هاديس، وقعت عن شرفة الضوء إلى عتمة التراب، جررت هامتي المكسورة كما يجر أي إله خيبته، ومشيت بين الموتى أحسدهم وألعن الخلود، وحين سرقت برسيفوني من جيب أمها، خفت أخلع قناعي فيخيفها الرمادي في الوجه، وظلت غريبة عني، فعاقبت الكوكب بالخريف… تغضبني أزهار أمها، ويغضبها شوك تاجي.. وحين أقبلها، تمسح اللون الحزين عن وجهها، ثم تعيد ترتيب أقواس القزح.

العالم السفلي هنا، حولي، هواء أصفر يحمل روائح جثث المتساقطين عن خريف الأنظمة، وشتاء الظلم، ويدور بها يبشر بعالم أكثر حقارة بعد، العالم السفلي مطلي على الحيطان، شعارات حزبية وأسماء زعماء وبصمات أزلام، العالم السفلي نحن، نجلس على كل رصيف، نشرب ونغني، نرقص وندعي حباً أو فرحاً، نكتب الذكريات والقصص والروايات والقصائد، نقول أننا ربيع لا يتعب… وبعدها، ننظر في ماء الشارع ولا نرى إلا عيني هاديس، وعالمه القادم على جناح غارة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

يوميات مواطن أقل من عاديّ

07/01/2013

خضر سلامةfun

1. عبّي الخزّان

بعد اختبارات استمرت لسنين طويلة، نجحت الدولة الطزستانية في نقل البحر إلى الجبل، وتوحيد طزستان في مجرور واحد، ليصبح وطن طزستان أنبوب صرف صحي نهائي لجميع أبنائه، فبعد طوفان السيول في القرى والضواحي والمدن الداخلية والساحلية على حد سواء، أصبح المواطن يتميز بأن جبله في بحره، وبحره في سهله، وسهله في نهره، ونهره في منازل مواطنيه، أما أرزه فأرز برمائي.

فاضت شوارع طزستان، تصوروا لو أن نوح عاد اليوم، وأراد بناء سفينته لانقاذ الوجود، حسناً، سيجمع من كل حيوان ذكراً وأنثى، من كل نبتة أيضاً، إلى أن يصل إلى البشرية، فلنتصور لو أن نوح أراد بناء سفينته في طزستان، أولاً، عليه أن يقضي ال950 سنة من عمره التي عاشها، في تخليص معاملات رخصة بناء سفينة، ومن بعدها، عليه أن يجد عملاً إضافياً بعد الظهر، كي يستطيع جمل الأموال اللازمة لرشوة الموظفين في وزارة النقل العام، وفي وزارة الداخلية، وفي إدارة السير، ثم في إدارة جوازات السفر، ثم في الأمن العام كي لا يعتقلونه بما أنه لاجئ عراقي، بعد كل هذا، على نوح أن يجمع من كل طائفة اثنين اثنين، ومن كل ميليشيا اثنين اثنين، ومن كل عشيرة اثنين اثنين، ومن كل كتلة نيابية اثنين اثنين، ومن كل سفارة أجنبية اثنين اثنين، بعد أن ينهي نوح جمع المسنودين والمحسوبين وأصحاب الواسطات وأبناء الوزراء وأصدقاء أبناء الوزراء وعشيقات النواب وعشاقهم أيضاً، بعد أن ينهي جمع هؤلاء جميعهم، ستطوف الدنيا، سيجد نوح نفسه نبياً وسط حاشية من الفاسدين واللصوص والقتلة، سوف يسحب مسدساً، وينتحر.

بالمناسبة: الشوارع في الخارج غارقة بماء السماء، وماء الدولة مقطوع، الله يقطع رقابهم، تقول أمي

2. دولة أو اشتراك؟

الحرارة ارتفعت، الكهرباء انقطعت
الحرارة انخفضت، الكهرباء انقطعت

يجب أن نقدّر موقف شركة كهرباء طزستان، الكهرباء في هذا الوطن وضعت لتناسب مناخه المعتدل، وأي تغيير في اعتدال مناخه، فالشركة لا تتحمل مسؤولية انقطاع الكهرباء، الأسلاك تنفجر عند ارتفاع درجة الحرارة، والأسلاك تنفجر عند هطول الأمطار.

بعض اليسار يقول: راجعوا الاحتباس الحراري الذي يحوّل مناخنا إلى صحراء، ما يسبب انقطاع الكهرباء، الاحتباس الحراري سببه الولايات المتحدة الأميركية، اذاً، الأميركيون هم سبب تقنين الكهرباء في طزستان!

بعض اليمين يقول: أن طزستان هي البلد الوحيد الذي لن يتأثر بظاهرة تغير المناخ، فإذا تغير المناخ حراً، سنكون بلا كهرباء، وإذا تغيّر المناخ برداً، سنبقى بلا كهرباء، وهذا ما يميز الطزستاني: كيف ما زتيتو بيجي واقف.

3. يلّا يا مرسيدس!

كل يومين، تقوم الدولة الطزستانية بحفر نفق جديد، تعمير جسر جديد، تزفيت طريق جديدة، صحيح أن هذه الأشغال لا تنهيها الدولة، ولكن “إنما الأعمال بالنيات”، وفي نية وزارة الأشغال إنهاء العمل قبل عشر سنوات في الحد الأقصى، المشكلة أن الصيف كان حاراً، فتوقف العمل، والشتاء السنة أتى قاسياً، فتوقف العمل، هذه الوزارة مبرمجة على العمل في الربيع فقط، كالكهرباء، اذاً، من مواصفات فصل الربيع في طزستان: تزهر الأشجار، تتفجر الينابيع، وتعمل وزارة الأشغال.

أما زحمة السير، فمن يحلّها؟ ثمة من يتحدث عن مشروع تدخل دولي تحت البند السابع، يدرس في مجلس الأمن الدولي من أجل حل جذري لقضية عجقة تقاطع الصيّاد، أما تقاطع منطقة بشارة الخوري، فثمة اتجاه إلى أن يوضع تحت حماية قوة عربية مشتركة، تضمن أن تعبر سيارات الطوائف من جهة إلى أخرى دون أن تضيع وقتها الثمين في الزحمة، ثمة إشكالات فردية عليها أن تشارك بها، وثمة مهرجانات عليها أن تصل إليها.

علينا أن نحل أزمة السير، سوية يداً بيد، من أجل تدويل أزمة السير في طزستان، أطالب بمحكمة دولية لمعرفة من الجحش الذي لم يفهم أنّ عليه التوقف على الإشارة الحمراء.

مدونة مواطن جوعان على الفيسبوك

مسرحية الاستقلال اللبناني

22/11/2012

خضر سلامة

حدث في مثل هذه الايام من عام 1943، قامت القوات الفرنسية (بالحقيقة كانت قوات سنغالية مرتزقة تنوب عن الفرنسيين في لبنان، ولكن اللبناني لا يهون عليه ان يعترف بذلك ويفضل ان يدعي ان من احتله “أبيض”)، قامت هذه القوات، باعتقال صندوقة بطاطا لبنانية فيها رؤوس كثيرة: بشارة ورياض وسليم وعبد الحميد وعادل وكميل، اقتيد الزعماء (اثنان موارنة، اثنان سنة، واحد كاثوليك وواحد شيعي) دون تمثيل درزي إلى راشيا، بسبب انشغال وليد جنبلاط ليلة الاعتقال بمقابلة مع مارسيل غانم.

على كلٍ، اعتقل القادة اللبنانيون تحت ظروف قاسية، قطع الفرنسيون كونكشن الانترنت عن القلعة وصادرو آيباد الزعماء، واوقفوا خدمات البلاكبيري، فلم يستطع رياض التواصل مع اصدقائه الانكليز، وتم تعذيب الرئيس بشارة نفسياً بمصادرة قبعته والباسه حطة وعقال، ما جعله يشعر لوهلة انه عربي، اما فتى العروبة الاغر، كميل شمعون، فتم وضعه في زنزانة واحدة مع ثلاثة فلسطينيين، ما جعله يعترف بكل شيء، كما لم تسمح ادارة السجن للمعتقلين بمشاهدة آخر حلقة من مسلسل مهنّد، ما دفع منظمة الصليب الاحمر الدولي لمناشدة الفرنسيين بتطبيق معاهدة جنيف، والسماح لمريم نور بزيارة المساجين.

بعد هذه التصرفات الهمجية من الاحتلال الفرنسي، قامت مجموعة من الشباب الوطني اللبناني، بتشكيل أن جي أو، وقدموا طلب تمويل الى الUs aid، نظموا على إثرها ندوة ضخمة، أرعبت القوات المحتلة، أتبعوها بمداخلة على قناة الجزيرة، فضحوها فيها الجنرال ديغول وعرضوا صور عارية له، لم تقتصر المقاومة اللبنانية فقط على تشكيل أن جي أو، بل قامت مجموعة شباب أخرى، بفتح مجموعة على الفيسبوك، دعوا فيها لمقاطعة برج ايفل، والتصويت لمغارة جعيتا، الفنانون اللبنانيون لم يغيبوا عن الحدث، إذ أدت الفنانة صباح ديو مع الفنان انريكيه اغليسياس، ولبس الفنان عاصي الحلاني جعبته العسكرية وركب حصانه وصور فيديو كليب وطني قلن فيه انو لبناني.

Special-PrizeAres-Cuba

بعد هذا التوتر في البلد، وبخطوة تضامنية من الاشقاء العرب، ومع استمرار اعتقال القادة اللبنانيين، قام الملك السعودي عبد الله عبر قناة روتانا، بعد كليب هيفا مباشرة، بتهديد فرنسا بمقاطعة أمراء آل سعود لكازينوهات باريس، واطلقت المخابرات السورية تحذيراً الى السفارة الفرنسية بدمشق من “اعتصام عفوي” يقتحم السفارة فجأة ويحرقها، أما المجلس العسكري المصري فأعلن عن اعتقال اربع اصابع خارجية، وست أيادي خفية، تعبث في الوضع اللبناني.

أما في لبنان، تعرض الرئيس امين جميّل لحالة اغماء لأن الفرنسيين لم ينتبهوا لوجوده ونسوا اعتقاله، واجرى النائب السابق مصطفى علوش، ورئيس حزب البعث فايز شكر، مناورة عسكرية مباشرة على قناة الام تي في، كتحذير للقوات الفرنسية، أما رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن، فقد دعا إلى اضراب عمالي اذا لم يتم الافراج عن القادة، ولكن تدخل المفوض السامي الفرنسي نابي برّي، اجبر غصن على الغاء الدعوة، ومع تدهور الاوضاع، قامت فرقة خاصة من رواد بارات الجميزة، بالتعاون مع رابطة رواد المعاملتين، وادارة كازينو لبنان، بعملية كوماندوس، احتلوا على إثرها اذاعة نوستالجي، وبثوا منها اغان لعبد الحليم حافظ.. أمام هذا التصعيد، أعلن الاحتلال السنغالي، الفرنسي، الاحكام العرفية، وقرر بهمجية منقطعة النظير، معاقبة الشعب اللبناني عقاباً جماعياً عبر… اطلاق الزعماء وتسليمهم الحكم، واستلموا منذ حينها، هم وسلالاتهم، حكم الوطن لبنان، حراً سيداً مستقلاً.

أخيراً، يستطيع المعجب بمسرحية الاستقلال، وهذه الكذبة التاريخية الكبيرة، أن يشتري أي نسخة من كتاب تاريخ لبنان، ثم يبله بمياه ساخنة، ويشربها صباحاً على وقع النشيد الوطني، وابحثوا ايها اللبنانيون، في تاريخكم المزور، عن من ينصف المقاومين الحقيقيين الذين اغفلهم لبنانكم هذا: ادهم خنجر، ملحم قاسم، صادق حمزة.. وغيرهم، ممّن استبدلهم التاريخ الكاذب، بحفنة بذلات رسمية، وعملاء وتجار

مدونة جوعان على الفيسبوك

حصار بيروت: من هانوي إلى لاس فيغاس

30/08/2012

خضر سلامة

ثلاثون عاماً، ثلاثون قنبلة في قارورة الصمت، ثلاثون شمعة في تاريخ الظلام العربي، ثلاثون كوكباً مهترئاً يحكمه كتاب تاريخ يكتبه خائن.. هذا عمر حصار بيروت، وقصص حصار بيروت، لن يفهمها المهزومون من الداخل، ولن تجرح عين قارئ مشغول بقصص الخيال العلمي كالسلام، حصار بيروت، هو هويتنا التي سُرقت من محفظة الذاكرة، وهرب سارقها إلى صفحة الأخبار المحلية العابرة.

قبل ثلاثين عاماً، حاصر العالم فتاةً صغيرة كانت تجمع زهر الرمان التي تجدلها الكوفيات على الرقبة، حاصر العرب المنتشون بنعمة الإذاعات الكثيرة اليوم، وبلاغات الحرية وأساطير الحضارة، بصمتهم، حاصروا كل شارعٍ كان ينجب في الليل فدائياً، ومعهم، تقاطر الخونة الفاشست، وأخذوا حصتهم من مساحة الخنجر في ظهر القضية.

حصار بيروت، قصة ستنقرض مع آخر مقاتل يغدر به العمر، وهم ينقرضون بسرعة، ومعظمهم للصدفة، بداء القلب يا فلسطين، حصار بيروت، أسابيع بعدد أصابع اليدين، قطّعها كتبة التاريخ اللبناني، وطبخوها جزءً من حربهم العبثية، وحصار بيروت، هو المقعد الخشبي العتيق، الذي جلس عليه رفاق السلاح من كل العالم الثوري، وقاتلوا فيه، أسألكم، هل قرأتم عن بطولات الثوريين التوانسة؟ عن أغاني الثوريين المصريين؟ عن شهداء الثوريين الأرمن من منظمة أصالة؟ عن قتال الثوريين الأكراد من حزب العمال؟ عن السيوف السورية التي خالفت الأوامر ولم تتراجع؟ عن كل ذلك؟ من يكترث اليوم في لبنان لمن قاتل وقتل، لأجل أن يسمح لغيره الوقت والمساحة والزمن، بسهرة صاخبة في حانة ليلية؟ من يكترث اليوم في لبنان، لقصص البنادق التي أبت أن تقتنع أنها لن تخدش حياء الطائرة الحربية، وظلت تقاتل، من يكترث في هذا الوطن العربي المخصي، للأموات الذين لا يصدقون بيانات رجال الدين عن وفاتهم، ويعودون غاضبين إلى الخندق.409550_287036948016954_1087799849_n

لن يفهم المهزومون من الداخل، والمهزومون بقشرة الحضارة، والغبار الأميركي الكثيف استهلاكاً وسياسة.

قبل ثلاثين عاماً، يخبرني رجل برتبة أبي، عن الجوع الجميل حين قطعوا الخبز، والعطش الطويل حين قطعوا الماء، يرتّل أغنية، لو أنها رويت بلغة العيون الزرق، لنسي العالم طروادة، عن إناء الماء حين يركض من الشارع إلى الطابق الأخير، كي لا يبكي طفل واحد، فيظن الأعداء أننا نضعف، عن رغيف واحد، كيف كان يقسم على عائلة كاملة، كي لا يشمت الفاشي ببطوننا الخاوية إذا بقرها.. عن مدينة قاتلت ولم تركع، وبلد خان وحين انهزم الخائنون، محوا كل معالم المعركة، كي لا يتركوا مجداً واحداً، وأعطوا الأجيال القادمة سلةً فارغة من الكرامة.

حصار بيروت أكمل الثلاثين عاماً، لا الحصار استمر، ولا بيروت الوطنية. دفنوا كل ذلك تحت “سوليدير”، ووضعوا مكان الكوفية حطة عرس، وزوجوها لبئر نفط.. لم يبق من بيروت الحصار شيء، إلا رائحة القتلى، تتهم الجيل الأحمق.

هانوي الأمس، لاس فيغاس اليوم… وأبناء المقاتلين يبتاعون يانصيب السلام، ويحجزون تذاكر مباريات الطوائف..

ثلاثون عاماً يا حصار: أرجعي السفن يا أثينا!

مدونة جوعان على الفيسبوك

انتصار العشيرة على الدولة

16/08/2012

خضر سلامة

إذاً، أعلن رسمياً بالأمس فشل مشروع الدولة في لبنان ككيان سياسي ينظم علاقات الفئات والعامة ببعضهم، ضمن أطر النظم القانونية والاقتصادية والسياسية، رغم المحاولات الحثيثة لانعاش هذه الفكرة منذ استقلال 43 حتى اتفاق ما بعد حرب 58 مرورا بطائف ما بعد الحرب الاهلية وصولا إلى الترويكا ومن ثم اتفاق الدوحة، فشلت كل هذه المحاولات في إنقاذ "دولة" لبنان، فكان لا بد، أن ننتظر اليوم التي تعلن فيه العشيرة، كمؤسسة، انتصارها على الدولة، كمؤسسة.

فإذا كانت الدولة هي النظم الاقتصادية لعلاقات حياتية مكون يسمى مجازاً "شعباً"، فهذه الدولة فشلت في وضع اقتصاد واحد وطني، وبقي الاقتصاد قائم على بنوك "عشائرية" أي عائلية، متوارثة منذ مئات السنين، مملوكة لعائلات محددة، وتدير هذه البنوك سياسات قائمة على القروض والديون، التي كان يمكن أن تنفجر وسط شح السيولة وانقراض الطبقة الوسطى، لولا نظام العائلة القاسي في الدول المشرقية، ومنها لبنان، الكفيل بانقاذ اصحاب القروض، أضف إلى خصوصية لبنان من حيث أعداد المغتربين الكبير نسبياً في كل عائلة وكل بيت، ما يسمح بقيام اقتصاد مواز بديل، قائم على اقتصاد الكازينو، أي تبييض الأموال وتهريبها بالاضافة إلى التحويلات، التي تشير بعض التقديرات إلى كونها تشكل حقيقة أكثر من 75 بالمئة من المدخول الوطني اللبناني! أي أننا فعلا لا ننتج شيء اقتصادياً في لبنان، بل نتلقى من علاقاتنا "العشائرية" ثلاثة أرباع دخلنا وسيولتنا.

وإذا كانت الدولة هي النظم السياسية التي تدير الشكل البنيوي للكيان الجغرافي الجامع، من رأس الهرم إلى قاعدته، فيكفينا مثالا أن الأحزاب اللبنانية الحاكمة المؤثرة فعلاً وذات الشعبية الكاسحة (سلطة ومعارضة) هي أحزاب قائمة على إما توارث عائلي، وإما على شخصية حاكمة مسيطرة على الحزب ومتحكمة بمقدراته المؤسساتية والاعلامية والشعبية، حتى تلك الأحزاب التي يفترض أنها تغييرية وطنية (قومي – شيوعي..) توزع حصصها على المنتفعين والاقارب والمحسوبين، على شخص "القائد".

Ashira

وصولاً إلى المبدأ الأسمى لقيام الدولة، منذ عصر الزراعة مروراً بعصر النهضة والاستكشافات ثم الاستعمار والحروب العالمية والأهلية، كانت الدولة عنوانها الأهم، حسب ماكس فيبر هي الكيان "الذي يحتكر العنف الشرعي"، أي الكيان المعنوي الوحيد الذي يملك حق القمع والقتل والتعذيب والاحتجاز "قانونياً"، واستعمال السلاح وتشريع حمله، وإذا استثنينا حالة سلاح المقاومة منذ السبعينات إلى اليوم، فقد أثبتت جمهورية الطائف عدم قدرتها على ضبط السلاح المنتشر (تاريخياً) في مناطق الأطراف خصوصا، وفي الأحياء الشعبية في المدن الساحلية أيضاً، والذي يستنفر عائلياً دائماً (راجع حوادث باب التبانة، الضاحية، البقاع…) أو طائفياً، وحيث أن السلاح الطائفي نفسه، لا يتحرك إلا لحسابات عائلية (كون العشائر اللبنانية، العائلات، مقسمة حزبياً تبعاً لاستقطاب الأحزاب القائم على تنافس العائلات الكبرى في القرى) يسجل إذاً انتصار جديد للعشيرة، العائلة، القبيلة، على مشروع الدولة.

إذاً، في هذه المناظير الثلاثة، سريعاً، يبدو لنا واضحاً وجلياً، فشل مشروع الدولة، وانتصار مشروع العشيرة، كركيزة أساسية لشكل المجتمع اللبناني، وهذا ليس بالضرورة تسليم بالواقع بقدر ما هو دعوة للعقلانية في التعامل مع الأزمة العشائرية وعدم اعتبارها "طارئة هجينة متخلفة" بقدر ما هو مطلوب، التعامل معها على أنها جذر المجتمع الشرقي وغريزته الأولى، وليس المطلوب التصادم معها وذمها، إذ أنها حالة تعيش على السلبية في التعامل لشد عصبها والحفاظ على استمراريتها.

أيها الأعزاء، ربما لم تكن العشائرية يوماً مشكلة، بل كانت المشكلة تكوين الدولة المضاد للعشائرية والقائم على إما إلغائها وإما احتوائها ككيان مستقل داخل الكيان الرسمي وصراعهما كمؤسستان حضاريتان متوازيتان.. ومع الإعلان الرسمي في الشهر الفائت عن فشل مشروع دولة لبنان ما بعد الطائف، أعتقد أن الوقت قد حان، للبحث عن شكل جديد للدولة، ضمن فكرة المؤتمر التأسيسي الجديد، يفكك مركزيتها، ويسمح بإنشاء مشروع سياسي اقتصادي عسكري حقيقي جديد نوعي، لكيان يقوم على شروط المجتمع وظروفه التاريخية والتكوينية ويأطرها في “الدولة”، لا على استيراد نظم جاهزة للاستعمال، كما اعتادت السياسة العربية.

مدونة جوعان


%d مدونون معجبون بهذه: