Posts Tagged ‘غسان كنفاني’

نحن البشر الأشرار

17/05/2014

خضر سلامة

قبل سنوات، كنتُ أؤمن أن البشر فصيلة طيبة، وأن الأشرار هم بعضهم لا أكثر، اليوم، أنا أميل إلى قناعة أن البشر فصيلة شريرة، مزعجون وهم يمارسون شرّهم اليومي، وأن الخير هو استثناء فيهم لا أصل، قليلون هم من سيضحون من أجل آخرين، قليلون لن يركعوا للسائد، قليلون لن يتكيفوا مع الشاشة وينافقونا بالمال وقليلون هم الذين يموتون وهم راضون عن رأسهم وقلبهم، وهؤلاء هم الطيبون… والطيبون من البشر ينتهون دائماً مجروحين بشيء.

الطيبون.. لهذا أحزن حين أخسر حبّاً لخصام، عتب، خلاف شخصي أو سياسي، موت أو هجرة.. أو نسيان، أحزن حين أخسر طيّباً، لأني أعرف أنهم نادرون.

***

غسان كنفاني كان يخاف أن تصبح الخيانة وجهة نظر، وصارت، اغتيل كنفاني في السبعينات بسيارة مفخخة، لا مأساة في أن تُقتل على يد من تكره، المأساة هي أنه لم يستطع إنجاز مدرسته الفكرية والسياسية التقدمية، قصص الأطفال والروايات والرسم والنقد الأدبي، كان ماكنة انتاج فكري عطّلها الأشرار في ليلة، لم تنته المأساة هنا، المأساة حين تحتاج إلى مقدمات طويلة لتعرف أحداً إليه، وحين تكتشف أن من كتب وناضل لأجلهم، استبدل بعضهم رجاله العالقين في الخزان وقطاره العائد إلى حيفا، بنسيان دوت كوم.

“كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود”

***

صلاح جاهين كان ساخراً، شاعراً ورسام كاريكاتور، رجل بنوافذ كثيرة، انتهى صلاح جاهين منتحراً، لم يجد غير الانتحار حلاً لهزيمة طويلة عاشها منذ النكسة، هزيمة لم يكن يراها أحد من خلف ابتسامته، لأن أحداثها كانت تجري في قلبه الصغير، كان الموت الطريقة الوحيدة لحث العين على النوم قليلاً.. مات صلاح جاهين، وقلبه مزيكا بمفاتيح.. ولم يخبرنا من هو؟

Imageيا باب يا مقفول … إمتى الدخول

صبرت ياما و اللي يصبر ينول

دقيت سنين … و الرد يرجع لي: مين؟

لو كنت عارف مين.. أنا كنت أقول.

عجبي !!”

***

نجيب سرور، سلطان “البحر بيضحك ليه” كان مجنوناً لأنه فكّر، وكان مجرماً لأنه لم يسكت، في الاتحاد السوفييتي خيبت الصفقات آماله الثورية فعاد إلى مصر، وهناك كان من سوء حظه أن تختاره مخابرات صلاح نصر ليكتشف جديد التعذيب في الستينات، لم ينعم بحرية عريضة، لأن خطيئته حين قرر أن لا يسكت عن مجازر الملك حسين بحق الفلسطينيين في الأردن والكارثة السياسية التي فعلها، فرد بمسرحية الذباب الأزرق، حركت المخابرات ضده فزجته بتهمة الجنون في مصح أمراض نفسية، عملت الدولة فيها على تحطيم عقله، بعد أن حطمت الخيانات والهزائم قلبه.. لكنه خرق الموت بقصيدة “كس امياتكم” التي انتشرت لحد أن السادات اللعين نفسه، كان يحفظها.

“بلد المنايك بلدنا، الكل ناك فيها

شوف الخريطه تلاقيها فاتحه رجليها

ربك خلقها كدا راح تعمل ايه فيها”

***

ناجي العلي كان صارخاً، غاضباً، واضحاً: يرى الطريق إلى فلسطين خطاً مستقيما لا كما يراها “الواقعيون”، كانت الأمور واضحة لديه: احمل بندقية واتجه إلى قريتك المحتلة، لم يكن رساماً فقط، كان نحاتاً لأنه نحت مرحلة وأرّخها، فعوّض تزوير التاريخ قليلاً، ولم يكن رجل دولة، كان رجل وطن، وهذا هو الفارق بينه وبين من أرسل رجلاً ليقتله عقاباً لأن الرسام الوطني سخر من عشيقة الزعيم، أو الزعيم نفسه، أو حراس الزعيم، لا فرق، لكن ناجي قُتل برصاصة صديقة، كان من الطبيعي أن لا يقبل عدوه الاسرائيلي أن يدفن في قريته الشجرة، ولكن أن يحرمه آخرون حق موته في أن يستريح في مخيمه بعين الحلوة، ليس طبيعياً..

“الحُزن أنبل من الفرح.. فالانسان يستطيع أن يفتعل الفرح، لا الحزن”

الحُزن يا ناجي.. الحزن.

دردشة مع صفية

10/03/2014

خضر سلامة

اسمعيني يا صفيّة

قبل خمسٍ وأربعين عاماً، كتبك غسّان على الورق، وهمس في خدّك باللغة الفصحى: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو أن لا يحدث ذلك كله”

كان وطنه أن لا يحدث ما حدث، هزيمة فتقسيم وانقسام ودم في الداخل بين الأخوة، فماذا تقولين، لو أخبرتك سراً: صار بعضنا أعجز حتى من أن يُهزم، والتقسيم أعجبنا، فكررناه، والانقسام أقنعنا أننا فريدون، فجرّمنا من يُصلحه، أما دم الأخوة، فصار مسبحاً ومطعماً للسوّاح، وعرضنا أسهم استثماره في البورصة، ماذا كنتِ لتقولين لو أحرجك أحدهم، وسألك أي وطن تريدين؟

“الوطن الكوكب”؟ أجّرناه منذ البرميل الأول لشركة نفط، ونزعنا طبقة الأوزون وثبّتنا مكانها قضباناً، فصار جدار برلين سلوكاً يومياً بين كل اثنين.

“الوطن العربي؟” اكتشفنا أنه مزحةٌ سمجة. لم تُضحكنا يوماً، لم نفهمها حين رواها لنا أيتام اجتياح بيروت، وغزو بغداد، وحبس حيفا، لأنها لم تكتب يوماً بالعربية.

“الوطن الفلسطيني؟” وجدناه كبيراً علينا، فتنازلنا عن نصف، وساومنا على ربع، وعقدنا حلقة الدبكة في الربع المتبقي فرحين بالهوية، أمّا المخيمات، فوزعناها على الضباط والشيوخ.Image

يا صفيّة، لقد رفضنا قبل ذلك أن يهيننا أحدٌ خارج الوطن، ثم قبلنا بحجة الشرعية الدولية، ثم رفضنا أن يهيننا أحدٌ داخل الوطن، ثم قبلنا بحجة مشاعر القبائل، ولكن أن يصبح الوطن نفسه إهانةً لنا، فهذا ما لم نحسب له يا صفيّة…

قبل نصف قرن، كان الشعراء، في كل زاوية، يحكون عن قضية بحجم العالم، اسمها الانسان، لم نتقدم إلا في العمر، وتراجعنا في كل شيء، وحين أصبح ظهرنا للحائط، نزعنا عامودنا الفقري وجعلناه عامود إنارة، لشارع الأمم كلها، علها تجد حلاً لمعادلة لم نستطع حلها: إذا كان الشعب اثنان، والعدو اثنان، والإله اثنان، والحرية والبندقية والشهداء والجامعة والفقر، اثنان اثنان، فهل يبقى الوطن واحداً؟

لا أريد أن أخدش وجه القصة، ولا أن أجرح قلب الزيتون، بحزن الشرق العادي جداً، ولكني أريد تاريخاً واحداً يخجل حين يسجّل يومياتنا، ويأتي لخيم العزاء، أريد تاريخاً بقليل من الحياء، يحترم الأسماء في انفجار ببغداد، ولا يتركهم رقماً يرتفع كل ساعة، يعطي الأطفال في حلب، ساعة إجازة من الحرب، ليرتبوا القذائف الفارغة على شكل قلعة، تعوّضهم عن ركام المنزل، تاريخاً يأتي بالبحر ليطفئ قاتلاً انفجر جهلاً في بيروت بأهله، ليخلّص المدينة من خطر انطفاء الأغنية.

الوطن هو أن لا يحدث هذا كله..

الوطن هو حقك في يومٍ ممل، كاحتمالات باقي البشر، الوطن هو حقك في يوم تتفرغ فيه لقراءة الأبراج، وحل الكلمات المتقاطعة، وقراءة صفحة الرياضة، يومٌ تعود الصحيفة فيه عشرون صفحة، لا صفحة وفيات فقط، الوطن هو حقنا في الملل، في أن لا ننشغل بحدثٍ أو خبر، وأن لا نهرع لمستشفى أو هاتف قريب، لنرضي فطرة الخوف على ما تبقى لنا، الوطن هو أن يحدث غير ذلك: أن نشرب فنجان قهوتنا على مهل، ونعصر الوقت في إعادة أغنية نحبها، أن يكون العدو عدواً، لا صديقاً قيد الدرس، ويكون الفقر فقراً، لا سلاحاً للإيجار، ويكون الشرطي شرطياً، لا قاطع طرق، وتكون الدولة دولة، لا ثقباً أسود يبلع الأحلام جيلاً بعد جيل.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟

الوطن هو حيث لا يقتل الناس ناجي العلي، وحيث لا ينسون غسان كنفاني، وحيث لا يتاجرون بشهيد، ولا ينسون ذكرى اجتياحٍ ولا مجزرة، وحيث لا يستح الناس من المطالبة بمسروقاتهم الوطنية، ولا يختلفون على البديهي من الكرامة، الوطن، هو حيث لا نقرأ أخبار شعبنا، في صحف عدونا.

 مدونة جوعان


%d مدونون معجبون بهذه: