Posts Tagged ‘فرنسا’

وطني ليس دائماً على حق

08/02/2015

خضر سلامة

تقولُ يا صديقي، أنني أحاول أن أفقأ عين التاريخ المدرسي الذي نعرفه كثيراً وذلك لا يخدم الوطن ولا قصص الوطن،

فما هو الوطن وما قصته؟

دعني أحكي لك قصةً طويلة ومملّة ربما، لكنك لن تجدها في كتب المدرسة ولا الأناشيد الوطنية ولا برامج السياسة:

كان العام 1920، وكانت المقاومة في ما سماه الاحتلال الفرنسي “المنطقة الغربية”، وضم منطقة جبل عامل حتى غوطة الشام تتصاعد.. يحكي العجائز أن موقعة كبيرة وقعت في قرية الخربة اللبنانية اليوم، أوقعت عشرين قتيلاً من الجيش الفرنسي وأعوانه هزّت فرنسا.

حاول الفرنسيون أن يحولوا المقاومة إلى حرب طائفية، وأنشؤوا المثال الذي تعلمه الاسرائيليون لاحقاً في تجربة جيش لحد، وضعوا ضباطاً مسيحيين من قرى جبل عامل في إدارة متطوعين محليين عملاء (عرفت بالميليشيا)، وكادت المقاومة أن تقع في الفخ.

جرى مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 على عجل، ورسم الخطوط العريضة للقضية وأصر على رفض الاحتلال الفرنسي وأفتى بحُرمة الاقتتال الطائفي.

عندها عرف الفرنسيون أن مشروع الفتنة انتهى: جردت فرنسا في أيار حملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجر آمر فصيلة صور آنذاك وضمت إلى أمرته فصيلة ارلابوس في النبطية، دعمتها صحف بيروت آنذاك لا سيما لسان الحال والبشير، وابتدأ القتل.

أدهم خنجر وصادق حمزة

أدهم خنجر وصادق حمزة

دمرت معظم قرى جبل عامل بالمدفعية، وانكفأ معظم أهل البلاد إلى شمال فلسطين، أما من بقي في قريته كما حدث لأهل قرية فارة، فقد عملت فيهم الرشاشات.

قُتل الآلاف في أيام، ولم تكن المقاومة البسيطة تملك حظوظاً كبيرة مع تخلف الدعم العربي.. لكنها أوقعت بالاحتلال هزيمتين كبيرتين في مرجعيون بدعم عربان الجنوب السوري، وفي كمين في قاقعية الجسر، وصمد صادق حمزة مع رجاله على طريق بنت جبيل حتى نفذت ذخيرتهم وانسحبوا.

إلا أن أشهر معارك حملة نيجر الدموية، كانت معركة المصيلح، حيث اختار نبيه بري قبل سنوات بدهاء أن يضع قصراً، بعد أن أنهت حملة نيجر المكونة من 4500 جندي فرنسي ومعهم الميليشيا من نهب قرى خط ساحل صور توجهت إلى النبطية، هناك كمن لهم أدهم خنجر ومعه أقل من خمسين مقاتلاً: استمرت المعركة لسبع ساعات متواصلة بين البنادق القديمة والعربات الثقيلة حتى نفاذ الذخيرة ولم يقتل مقاوم واحد.

من بعدها.. نهبت ما تعرفه اليوم بمنطقة جنوب لبنان تماماً ودمرت قراها وقتل من بقي فيها من أهلها، ونتحدث هنا عن خسائر على حجم كارثة وطنية، ثم فرض الفرنسيون “تعويضاً” لقتلاهم وجرحاهم على أهالي القرى بمئة وخمسين ألف ليرة ذهبية جُمعت من بيع الأراضي والأملاك الشخصية البسيطة.

الآن، عليك أن تتخايل ما حدث لأبطال هذه القصة بعد حملة نيجر التي لا يدرس عنها أحد: أعدم أدهم خنجر مع مئات من الثوار بعدها بأشهر، واغتيل صادق حمزة، أبيدت عائلات المقاتلين الذين كان يملك العسكر الفرنسي أسماءهم، أنهك المعقل الأخير للمقاومة المسلحة في ما سيُعلن الحاكم الفرنسي عن ولادته بعدها بخمسة أشهر في أيلول 1920: دولة لبنان الكبير التي فرضت على المهزومين سياسياً شمالاً وبقاعاً وجنوباً بعد هزيمة يوسف العظمة في معركة ميسلون في يوليو-تموز وانتهاء حلم الحكم العربي، مُحي اسم جبل عامل من الدولة الجديدة وسمّي “جنوب لبنان”، تم تدمير البنية التعليمية والاقتصادية لسنوات كان ثمنها بداية نزوح قاسٍ نحو المدينة-العاصمة الجديدة. (سرّعه الاحتلال الاسرائيلي لاحقاً)

ثم أصبحت فرنسا مدرسة في الديمقراطية والحرية بل ونتضامن معها ضدنا أحياناً وكتبنا تاريخاً مدرسياً لا يزعجها، وينزعج مثقفونا حين نحكي لهم قصصاً خشبية كهذه، حتى أن لبنان التمام والسلام احتفل قبل أشهر فقط من عام 2015 بمرور 125 عاماً على إعلان لبنان الكبير دون أن يتكلم أحد عن كيف أنشئ هذا اللبنان الكبير، مسلّمين ب”قداسة قصة الوطن”.

لا مشكلة شخصية بيني وبين لبنان اليوم، فهو اليوم الوطن الذي أعرفه وأحبه لأن أهلي وأرضي وقبور الناس الذين أعرفهم وبيوتهم، هنا، لا أكتب معترضاً على شرعيته ولا طامحاً بوطن أكبر أو أصغر، أنا أفتش في التاريخ فقط لأن آلاف القتلى في حملة نيجر الفرنسية عام 1920 لهم أشقاء ولا شك في كل دول العالم، لا يراد لأحد أن يقرأ عنهم.

Advertisements

بين إدارة التوحش وإدارة التحضر

22/08/2014
 خضر سلامة

إذا كانت داعش، وأسلافها في التاريخ المشرقي عموماً تدير “التوحّش” بقطع الرؤوس لتنشر صورة مرعبة عن نفسها فتروج لقوتها وتفوقها العسكري. فثمة من قطع الرؤوس ليدير “التحضّر”.

كنت أتابع بقرف الاعلام الفرنسي وهو ينوح على الرؤوس المقطوعة بأيدي هؤلاء الهمج المسلمين الدواعش، وضيوف الشاشة يحذرون من مخاطرهم.. إلى غير ذلك. تذكرت روبسبيير، أحد أهم قياديي الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، جلاد الثورة الذي أمر بقطع رؤوس أكثر من خمسة آلاف شخص، وحين انتهت مهمته، لم يتأخر رفاقه في وضعه على المقصلة وقطع رأسه أيضاً باسم الثورة، واستمرت المقصلة تحكم العقلية القضائية الفرنسية حتى السبعينات من القرن المنصرم (!).

على كل، قد يبرر البعض أن هذا التوحّش، كان من ضرورات الحضارة الفرنسية آنذاك، لننتقل إذاً إلى الجزائر، المغرب، وغيرها.. هناك، كانت الرؤوس تقطع على يد الفرنسيين أيضاً، (وإذا كنت لم تقرأ عن التجارب النووية التي كانت تُجرى على مجاهدين أحياء في صحراء الجزائر، عليك بالقراءة).
وفي البال صورة من المغرب (مرفقة)، بطاقة بريدية فرنسية عليها رؤوس مجاهدين مقطوعة..France

وإذا زرت فرنسا، ابحث عن متحف “الانسان”، الذي لا علاقة لاسمه بمحتواه، ستجد في الداخل بقايا جثث من حول العالم، ستجد مثلاً حتى سنوات خلت، رأس سليمان الحلبي الذي اغتال الجنرال كليبير قبل مئتي عام، وظل معروضاً للجمهور في المتحف، وقد تجد عشرات الرؤوس الجزائرية، معظمها مكدس في علب كرتونية مهترأة في أرشيف المتحف، بينها رأس الثائر الشيخ بوزيان، ورأس شريف بوغلبا وغيرهما.

هذه أمور لا زالت موجودة حتى اللحظة في الثقافة الفرنسية، الأوروبية عموماً.. التي قدمت لنا في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، تجربة “human zoo”، حيث كان يُنقل الأفارقة وغيرهم من بلاد مستعمرة، ينقلون إلى معارض أوروبا ليأتي السواح ويشاهدوا هذه “الكائنات المختلفة”، ولعل سارة سآرتيج بارتمان كانت أشهرهم.. والتي ظلت بقاياها أيضاً محجوزة في متحف “الانسان” الفرنسي ما غيره، سليل ثقافة حدائق الحيوان البشري، حتى منتصف السبعينات.

إنها إدارة “التحضّر” على الهواء مباشرة، بين تبرير القتل بالصواريخ في غزة بالحرب على الارهاب، والتخويف من شعوب كاملة بسبب حفنة من المجرمين القتلة، باسم الخوف على الثقافة والحضارة، إنها إدارة التحضّر.. وهي “كول” أكثر من إدارة التوحّش، واسألوا ليبراليي العرب المعجبين بتفوق الغرب الانساني: فقتل مئات الآلاف بالطائرات والنابالم واستعمار البلاد والعباد بالحديد والنار، واستعمال القنابل النووية والصواريخ الذكية واليورانيوم المخصب، أكثر ألواناً من قطع الرؤوس بالسيف.

إنها “إدارة التحضّر”.

مصادر مفيدة 1 – 2

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: