Posts Tagged ‘كتابات نثرية’

مرجوحة في شعر رابونزيل

30/06/2014

خضر سلامة

*رابونزيل هي شخصية في قصة ألمانية للأطفال جمعها الأخوة غريم ويعتقد أنها متشابهة مع قصة الأميرة رودابه في ملحة شهنامه الفارسية.. وتروي قصة أميرة يستعمل حبيبها ضفائر شعرها الطويلة، ليصعد إلى لقائها..

 

لست حزينا

لست سعيدا

لم أصبح حجرا تماما، ولكن قلبي أرخى عصاه وجلس عند قارعة الصدر، ولم يعد يتدخل بشؤوني اليومية، لم أعد أشعر بالخوف منذ زمن، وهذا أمر سيئ، لا أشتاق ﻷحد، لا أفكر بأحد، لا أشتهي نوعا من الحلوى ولا أتذكر موعد عرض فيلم أحبه.
لا تشغلني الخلافة الجديدة، ﻷنها تأتينا بلا شعراء هذه المرة، وكل خلافة بلا شعراء لا تدوم، لن ترجم الكعبة كما فعل غيرها، ﻷن الله غير مكان اقامته، لن تجد حلاجا واحدا تشنقه كما فعل غيرها، ﻷن الصوفيين تركوا الحب ويعملون في التجارة اليوم، لن تقتل اللغة العربية كما فعل غيرها، ﻷن الضرب في الميت حرام شرعا.

لا أكترث للخراب في المنطقة، فالخراب في يومي أكبر بكثير، ثمة مجزرة تحدث كل يوم بحق ذكريات وأمكنة وأسماء في داخلي، بداعي الواقعية المفرطة في عصر الذاكرة القصيرة، ثمة قصف يومي على أعصابي من زحمة الناس والاحتمالات والكمبيالات والافكار الجاهزة للكتابة، ثمة تقسيم تفرضه الطوب الكبرى على مبادئي: حرية ضد الوطن وشعب ضد الشعب وسلام ضد السلامة وحروب دون طائل.

أنا بشريٌّ من كوكب الأرض، يتكلم العربية بطلاقة عصفورٍ يلفت انتباه فوهات البنادق إلى حنجرته، فيدفع ثمن تحرّشه بضجيج آلات الطباعة المدفوعة الأجر، أسكن في ظلال الناس، أكبر كلما اقتربت شمس الحب من وجوههم، وأتقلّص كشمعة تذوب، كلما غابت، ألعب كما الأطفال لعبة النرد، وحين أخسر، أرهُن فرحي للتجار، وحين أربح، لا أكسب سوى متعة المحاولة.Image

أنا بشريٌّ من كبد هذا الكوكب، من شرق المتوسط تحديداً: أحاول أن أحافظ على ما أورثتني الممالك المندثرة من وصايا: لا تهاجر عن ناسك، لا تنسى أحبابك، لا تترك قلمك ولا تحمل مظلة تحت المطر… فالمطر لا يزورنا كثيراً.

أنا من هُزِم لسنوات، ﻷنه لم يختر يوما معركة، بل وجد نفسه عابرا في وسطها، أنا آخر ما تبقى من مشاعر ثقيلة الظل، في قهوة منكوبة على شاطئ البحر تحت حذاء فندق جديد، أتمسك ببلاد أحببتها، قرأت عنها وعشقتها، أتمسك بقصائد وأغان وطنية، وأسماء قادة وشهداء لا يذكرهم كثيرون، أتمسك بوعود وأحلام، وألف طفل لا يعرفون أين يحطون كل يوم، لا أريد أن أنقرض، فأنا لا زال لدي ما أقوله.

“أريد أن أحيا، لا أن أنجو”.. أريد أن أعيش المرحلة، لا أن أحتمي بأحد حيطانها، أريد أن أجد شعرا طويلا كشعر رابونزيل قي القصة، أصعد على ضفائر الجميلة إلى شرفتها، كي أراقب وإياها غروب الشمس فوق المدينة.

وأذكرها، أني سأهديها يوما كل المدينة.. بأبطالها ولصوصها وخمرها وكتبها، بفرحها وحزنها وضوئها وعتمتها، سنطفئ عواميد إنارة رصيف البحر قبل الفجر بقليل، كي ينام أهلنا لمرة واحدة دون خوفٍ من أن يأكل وحش الحكاية أولادهم.

سأقولُ أنك أنا

03/05/2014

خضر سلامة

أعرفُ يا صديقي، أنك لا تشرب الكحول كي لا تقع في خطأ البكاء، ولا تدخّن الحشيش كي لا تقع في خطيئة الضحك، وتجتنب مخالطة النساء كي لا يصيبك شيطانهنّ بنهدٍ من عسل، تحاول أن تحافظ على وعيك لأن المرحلة تقتضي ذلك، وكلما غرقت في الوعي تكتشف فداحة الهزيمة، وكلما زارك النعاس، أصابك سهم الندم كي لا تغفو وشيءٌ ما يحترق… ربّما هي أعصابك، ربّما هي حدائقك الصغيرة يبست ورودها وزادها وجعاً زجاج خمر العابرين في قبلة، فاشتعلت غيرةٍ ثم بعثر الريح رمادها.

لا شيء يُسكرك، تأكل كتاباً في اليوم كما يأكل طفلٌ واجبه المنزليّ على مائدة الأم، قبل موعد الباص، ثم تحتسي نشرة الأخبار كي “تهضم” الأفكار والجيوش والقذائف وأنابيب الغاز.

لا شيء يُغريك، تمرّ على الحانات وتبصق على جيلٍ تشعر أنه يسبقك بعشرة قرون من الفرح، فيما علقت أنتَ في حزن بغداد يوم أكلها المغول، تحدّق بالبحر، كان لك قهوةً بلا بلاط فاخر هنا، لتكتب وتحب، ومنذ كسّرتها الدولة لم يعد تغريك بيروت للكتابة.

لا شيء يُنسيك، عندما تنساك كل الأمكنة والوجوه، تعلق أنت في “كمبيالات” مصرف الذاكرة، النسيان سيفٌ لا حلول معه، فإما أن تكون خلف السيف أو يكون السيف داخلك، فإما أن تكون أنت الجاني فتقرر أن تعترف بأنك ثقبت ذاكرتك وارتكبت جريمة النسيان، أو تكون أنت الضحية، فتنتظر من الصباحات الجميلة سدّ ديونها وأنت من صنعها، لا تسوية في النسيان، لا عدالة.Image

أعرف يا صديقي أنّك تغضب لأي شيء، تغضب لأن من يحمل صور الأطفال ويدور بها ليتسوّل مكاناً في المرحلة، لم يجرب النوم مرةً في العراء، ولا في القبر، وأنك تغضب لأن الشرطيّ الذي يطرد الفقير من الأرض لأنه لا يملكها، هو نفسه سيزوّر صكوك ملكية الغنيّ لها، كي يجرح وجهها، وتغضب أيضاً، لأن الدوريّ الذي كان يطرق شباك غرفتك القديمة، لم يزرك منذ قرّر أهل الحيّ أن يسدوا ثقوب الرصاص في البنايات القديمة، ففقد العصفور الذاكرة.

أعرف يا صديقي، كم هو صعبٌ أن يفقد عصفور ذاكرته في بيروت: كم من خيبةٍ سيقطف كلّما فتّش عن بيته، في زحمة الباطون هذه؟

لا، لا أريدك أن تحزن ﻷني حزين، الوحدة ليست رغيف خبز كي نتقاسمه، أو كي “نغطها” بالشاي حينا، أو بالذكريات أحيانا. الوحدة كالقصيدة، الوحدة هي أن تنتظر وردة واحدة غير مشذبة، لسبب عميق في اللغة، ولا يأتيني من الغيب سوى الباقات الأنيقة، الوحدة هي أن تنتبه في منتصف المسرحية للقاعة الخالية، فيبدأ صوتك بالانطفاء شيئاً فشيء، ثم ترحل. هي الخيبة الصغيرة: أن تنتظر قوس قزح، فيصدر مرسوم من الشرطة ليلغي فصل الشتاء،
وثلاثة فصول فقط، لا تصنع عاما كاملا، بل تسعة اشهر..

(ألهذا يولد الأطفال وهم يبكون؟) تسأل نفسك.

أعرف يا صديقي أنّك طيّبٌ جدّاً، أنت ناعمٌ جداً، ولدتَ في ورشات عمل وفنادق، ومؤتمرات وأحزابٍ ونظريّات، لم تلعب يوما معي ب”تنكة البيبسي” حين لم يكن يسمح لنا الفقر أن نحلم بطابة حقيقية، لم تكذب على أمّك يوماً، أنا فعلت: خبّأتُ الشهادة المدرسية، كي لا تحمّلني وزر حزنها، وحين اكتشفَت خدعتي الغبية، لم تميّز بين الكذبة وخوفي على عاطفتها.. أنتَ لم تضربك الشرطة يوماً وأنت في يد والدك لأنكما مشيتما في مظاهرةٍ بلا طائفة، فكرهت الدولة التي تكرهك، ومددت لسانك للنشيد الوطنيّ فعوقبت في المدرسة.

أعرف يا صديقي، أنّك مشغولٌ بقضايا الكوكب، تحلم بعالمٍ آخر للفقراء، وهم يحلمون بأن يكفيهم رغيف اليوم ليوم آخر فقط، تتحدث كثيراً عن زمنٍ جميل وشهداءٍ وشعراءٍ ومقاتلين، ولا تنتبه أن الكوكب بدّل سبعاً وعشرين رزنامةً منذ وُلدتَ، أعرف أنّك تطرق على أبواب الجيران ليلاً في السرّ لتعطيهم حصّتهم من عشائك، لكن الأبواب الموصدة لم تعد تُفتح منذ سنينٍ خوفاً من اللصوص والضيوف الثقيلين، أنتَ تريد أن تستيقظ الشعوب، والشعوب متعبةٌ، وأنا متعبٌ أيضاً.. لو أنّك تنام قليلاً يا صديقي..

لو أنّي أنام.


%d مدونون معجبون بهذه: