Posts Tagged ‘متعبٌ بعروبتي’

فلسطينُ كوكباً

15/05/2013

خضر سلامة

هذه الأرض الحبلى بالعجائب، مفتاح الجنة، وهذا العلم الملطّخ بالتاريخ، مفتاح الهوية، وهذه اللغة المكسورة بلهجة عجوز، مفتاح المعجم، وهذه الملايين المشرّدة في مطارات العالم، مفتاح شرعة حقوق الانسان، ونحن، لا ينقصنا، إلا مفتاح العودة، نضع كل عامٍ في حقائبنا كل ما يلزمنا، ألعاب الطفولة كي نعطي للقادمين ما لم تعطنا الأنظمة من حقنا باللعب في سهول الجليل، صور بالأبيض والأسود كي تعرفنا الحقول وتميز وجوهنا من وجوه الأعداء، سلالٌ فارغة كي يطمئن قلب الليمون، فينضج ويلد يافا جديدة، تبلع تل أبيب ولا تبلعها، أقلام تلوين كي نعيد جمع الألوان في جبل الكرمل، ليشدّ على كفّ حيفا وهي تطعم الحمائم الذاهبة إلى بلاد العرب، مفتاح العودة يمجّده الصدأ، يحميه من مزاد السلطة لبيع العرض، وتعوّذه أهازيج العجائز المطرِبة، والمذهبة للعقل والمُشدّة للزند، من لعنات فتاوى الصحابة الجدد وفقهائهم.

كل دولة فيها اسرائيل، نقول، هي الفاشية في قمتها، والعنصرية في تألقها، والموت في لعبته، ونقول أيضاً، كل كفٍّ يقلب تراب العالم، فيه فلسطين، وكلّ عين تبحث عن أفقٍ ترسم فيه البصر، فيها فلسطين، وكلّ قضيّة مؤجلة في أدراج مجلس الأمن، فيها فلسطين، كل طفلٍ يولد في العراء، فلسطين، وكلّ بندقية تصنع الريح ليرفرف علمٌ وطنيّ، هي فلسطين، هي أن تكون انساناً، مقاتلاً، عاملاً، أباً وأماً، هي القاعدة في الإعراب، وكل الإحتلال استثناء، لا أكثر، فلسطين هي الحرّية، أما السلام، ففاصل دعائي للمصارف والأنظمة، يسكت فيها النشيد قليلاً، ليلقّم الشهيد كفنه، راية، ويلقّن الجدّ حفيده، حكاية.

pal1

فلسطين هي أن يُسقط الثائرون طاغيةً خلف البحار، ثم يلتفتون لعدّ الطغاة المتبقين في هذه المجرّة، فيسجّلون اسم طاغيةٍ أوروبيٍ شرقيٍ صغير، سرق بيّارة زيتونٍ، فلسطين، هي أن يأخذ عاطلٌ من العمل حقه من عنق المحتكرين في بلاده، ثم يتذكّر ليلاً، أخوةً له في الكوكب، عاطلين من الوطن، وهي أن تغطّي امرأةٌ في زاويةٍ من الكوكب، أطفالها ليلاً، ثم تُرسل في البريد غطاءً، لخيمةٍ تعيد امرأةٌ أخرى بنائها فوق ركام منزلٍ أكله المغول بين النهر وبين البحر، هذه فلسطين، انسان يشبك عينيه بعيني آخر، قضيّة تحوي في سيرتها، ألف قضيّة أخرى، وحدودٌ لا تقدر أن تغلقها الجيوش، بل يفتحها الشعور كل صباح.

نحن، من تبقى وما تبقى، من كل ما أخذته العولمة من جياب الشعراء، نحن الرمال التي لم تكنسها بعد عصا تجّار القضايا، نصنع شطآناً من الحب، ونتكدّس في موانئها، وعداً بالسفن، أخرجتنا القذائف من عمّان، ثمّ من بيروت، ومن تونس، فصرنا نحن الموج، نصفع وجه بن غوريون كل يومٍ، فيتآكل خوفاً من الزبَد، قتلتنا الخناجر العربية بالغدر ألف مرّة، فسَموْنا إلى السماء شكلاً جديداً للنسور، وحُمنا، نحمل الأجنحة مخرزاً في عيون الطيارات الحربية، ونكبّل بالأغنية، كل الإذاعات الرسمية، ثم نصنع من موشحات الأندلس، قسماً بأن لا تسقط غرناطة مرة أخرى، بل ترتفع، حدّ العودة.

– ثم يسألوننا بعد هذا، ما الذي يعيدنا إلى فلسطين كل مرّة؟

– بداهة الربيع!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الصورة “جوعان” بريشة وقلب الصديق والرفيق ح. رمّال

Advertisements

لا صوت يعلو فوق جرحنا

05/05/2013

خضر سلامة
مجلة الرأي الآخر

لو تأملت جيداً، لو أنك تعلمت لغة الأرض وشكل الماضي في “كان ليَ بيتٌ وأهل”، وبناء المستقبل في “سوف نقاتل”، وفعل الحاضر في “أصبح عندي بندقية”، ولو أنك قرأت عن حركات “النصب” الصهيونية ومسيرات “رفع” النعوش ودويّ دائرة “السكون” العربية، ولو أنك تعرف خديعة النائب عن الفاعل في الجملة وكيف تصبح الضحية المفعول بوطنها فاعلاً لفعل القتل في نشرات الأخبار، ولو أنك تعمّقت في قوة الجزم عند انفجار الرفض في الحناجر المحشوة بأخوات لا الناهية عن الخيانة ولام الأمر بالثأر لطفلةٍ سرقوا منها واو العطف في الجلال والجمال والسناء والبهاء.. بالانتقام لمن نشلوا من جواز سفره علامة الاستفهام عن وطنٍ.. هل يراه؟ سالماً منعماً وغانماً مكرما.. لو أنك فتحت يوماً جمجمة عربيٍ نسيته شرعة حقوق الانسان على قارعة المجزرة وتحت بورصة المجنرة، كي تطّلع على حروف الجر إلى المقابر الجماعية والأسماء المجرورة التي تنوب عنها الأرقام، ولو أنك أطلقت عينيك للبحث عن الضمير المستتر في مطارات العالم الموبوءة بفكرة المستثنى عن لائحة الانتظار والباحث خلف كوفيته عن حرف نداءٍ يدعوه لركوب جناح نورسٍ يكون هو المبتدأ وتكون العودة إلى كرمه الخبر، لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

34369_10150192136900024_797630023_12997120_5345137_n

ولو أنك درست علم النبات وتعمقت في دراسة التحليل الزيتوني للوجود، لو أنك سجلت أسماء الورود التي تخرج من فوهات بنادق الفدائيين لعرفت كيف أن الرصاصة شكل آخر لوردة يقدمها العاشق لأنثى شيدوا فوق ضفائرها مستوطنةً جديدة، وكيف أن الحزام الناسف للخرافات صورة مستعارة لزهرة بنفسج حزينة سباها نبوخذ يوم النكبة إلى صحراء المخيم فصار لها الحق بأن تطلب أن تموت داخل مزهرية فيروز على شرفةٍ مطلةٍ على جذع شجرةٍ تحفظ للقدس هويتها، لفهمت، لو أنك حللت التربة التي زُرعت فيها أغنية الصاروخ لعلمت أن القذيفة تستحيل فيها إلى نخلةٍ خضراء تمحو عار اللغة العبرية وتثبت فكرة العروبة الفصحى، لو أنك سكبت في كوب المنفى الجماعي نكهة النعناع والزهورات التي وضعتها الجدة في حقيبة الوطن قبل سفره إلى معاد المزاد العلني وأوصته بالقراءة والكتابة والصلاة والبكاء، لأنشأتَ جمعيةً لحماية الأوطان من سماسرة التراب، لو أنك لم تحرق البيارات ثم اكتشفت كيف أن الليمون يحفظ لكوكب الأرض شكله الكروي ويجعله مجرد طابة تتقاذفها أقدام الأطفال الذين يصبحون ملائكة قبل النوم وآلهة بعد الموت، لأحببت شكل القنبلة اليدوية في كف مقاوم، لو أنك أحببت الأرض وما فيها من ثمار، لعرفت الفارق بين حقل الألغام وحقل الزيتون، لتفهمت أن ثمة ما يستحق أحياناً أن تحيا من أجله، أو تموت من أجله ان عزت الحياة.. لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

ولو أنك سمحت لأذنيك أن تغرقان في عود زرياب واكتشفت مخارج الأحرف العربية المقاتلة في أوتاره المتفجرة غيظاً تحت الجدار الفاصل، وحاولت أن تتمدد على عتبة البزق وسألت أين سترحل هذه القبور إذا صودرت الأرض وصودرت العواطف، لو سلّمت دموعك لربابةٍ تنعي من سلمناهم لأنظمة الملح شعراءَ مقاتلين مواطنين فأعادتهم لنا الأنظمة في التوابيت، لعرفت الآثار السلبية للقمع على مواسم القمح في الشعر، ولو أنّك حملت غيتاراً في لحظة غضبٍ ولحّنت قصيدةً غاضبةً للوركا تستفيض في شتم الفاشيين، لأصبحت يسارياً، ولو أنّك درست التوازنات الموسيقية في وتريات مظفر البذيئة لقدّرت بذاءة المرحلة وبذاءة الصحافة، ولعرفت أن الوطن البديل هو وطن بليد في كراسات التلامذة الذاهبين إلى الموت كل صباح، لو أنك أحببت الموسيقى للبست كفنك وتزعمت جبهةً ثورية جديدة تخطف الطائرات وتبادلها بالحقول..

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

لو أنّك قبلت يد أمك مرة، لقبلت تراب الأرض مرات، ولو أنك انتسبت في طفولتك إلى صفوف الحليب والزيت أمام وكالات الغوث أو انتسبت إلى حملة شهادات الفقر في مخيمات الصفيح ونقابات الرسم على الحيطان، لعرفت قيمة القتال من أجل رغيفٍ نريده أن يأتينا من تنورٍ لم تحمله قافلة النزوح من غربة الموت إلى الموت في الغربة، يوم لم يقْبل جدنا أن يبع داره لشذاذ الآفاق فأعدموه رمياً بالخوف، لعرفت قيمة القتال من أجل وجبة سمكٍ يحملها موج يافا على كتفي موجةٍ تركض خلف الصياد وتقسم عليه أن يترك لها قدميه في خدها رمزاً للهوية النقية.. لو أنّك فقط.. لو أنّك أنتَ أنا، أو أنتَ شهيق مقاتلٍ أو زفيره، لو أنك خصلة طفلةٍ مكتوبةٍ كقصيدةٍ أو ضفيرة، لو أنك لكَ أنتَ وطناً ممنوعاً من الصرف.. لفهمت قضيتنا.. لتطرفت ولرفضت ولسميت نفسك شاعراً متفجراً غيظاً وثورة.

لو أنك فقط تسمع.. أيها العالم.. لو أن لك أذنين على شكل زنبقة : لسميت الأشياء باسمنا: مقاومة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

فانيلات الوليد بن طلال

30/04/2013

خضر سلامة

طمأنت الصحف العربية، في خبر غريب، قلوب الأمة العربية بخبر مرفق بالصور عن شراء الوليد بن طلال آل سعود لفانيلات داخلية، استجابة لمطالب متابعيه على تويتر! خبر إن دل على شيء، فهو يدل على أننا أصبحنا في زمن فاضت الديمقراطية والعدالة الاجتماعية على العرب كما يفيض الصرف الصحي على تاريخهم، فأصبح الشعب يشارك باختيار حتى ثياب الأمير الداخلية من كُثر الملل… وهذا موجز الخبر على الطريقة الجوعانية:t7

ردا على اعلان الامير وليد بن طلال عبر تويتر شراءه فانيلات جديدة ونشر الخبر في الاعلام، قام رئيس الحكومة الاسرائيلية بشراء بوكسر عدد اثنين، كما اشترى لزوجته سوتيان عدد ثلاثة، وسترينغين، واعلن على حسابه على التويتر ان اسرائيل لن تسكت عن اي تغيير في موازين الاندروير في المنطقة وطالب المجتمع الدولي بنتف شوارب الامير الوليد وحلق شعر صدره، لما يسببه منظره الغريب من استفزاز.. .. من جهة اخرى، دعا امير قطر الطرفين الى التعقل وصرح انه شخصيا يفضل عدم ارتداء ثياب داخلية لما في ذلك من شعور بالحرية، وهو من اهم المعجبين بالحرية، الوضع المتوتر بين الطرفين اجبر الشيخ القرضاوي على لبس الكلسون العصبي، فيما لبس جنرالات الجيوش العربية سترينغاتهم كرسالة مباشرة للعدو بالجهوزية التامة، جماعة الاخوان المسلمين رفضت التعليق على الحادث واعلنت انها تلتزم بلباس البيكيني المعتمد في اجتماعاتها مع الادارة الاميركية، من جهته شدد الاخضر الابراهيمي على عدم كفاية الفانيلا وضرورة استعمال الوليد للسبيد ستيك والديودوران، فيما صدر عن مجلس الامن قرار يدعو الى نزع الثياب الداخلية في الشرق الاوسط برعاية اللجنة الدولية للحد من انتشار الكلاسين، واخيرا، كشف المطرب حمادة هلال عن نيته اطلاق اغنية جديدة مطلعها: فانيلات الوليد بن طلال.. الي اشتراها الوليد بن طلال.. كانت على قياس الوليد بن طلال.

مدونة جوعان على الفيسبوك

كلهم بن لادن

26/04/2013

خضر سلامة

من كرّه التحرير بالحرية؟

حين خرج جورج بوش وقال جملته الشهيرة بعد إعلانه الحرب على الإرهاب "من ليس معنا فهو علينا" ورد عليه بن لادن بتقسيم العالم بين فسطاط خير وفسطاط شر لا ثالث لهما، كان أهم مخبولين في التاريخ البشري الحديث، يضعان النظام العالمي الجديد، كرّت سبحة الانقسامات التي لا ثالث لها: أوكرانيا وجورجيا: من ليس مع الانتفاضة المحركة أميركياً فهو حكماً مع النظام المدعوم روسياً، 8 و14 آذار، من ليس في اصطفاف حلفاء سورية فهو حكماً في اصطفاف حلفاء أميركا، إلخ. وبعد الضربات العنيفة في السبعينات، والجراحية القاضية في التسعينات، لم تعد القوى الوطنية (يسار، قومية) قادرة على تقديم خطاب بديل كحل ثالث، خصوصا مع فقدانها لقوتي المال والإعلام، المملوكة من اصطفافي النظام والمعارضة الخارجية.

في هذين الاصطفافين، تم طحن الخارجين عن الخنادق الدولية، وكانت التهم جاهزة، في لبنان سابقاً، وقبله في العراق، وبعده في سورية: من لا يصطف موالٍ أو معارض (بالمعارضة السائدة وحساباتها الدولية) هو: رمادي، متخاذل، متحالف عاطفي مع الطرف الفلاني او الفلاني، الخ. لم يعد الحديث عن خيار ثالث، ممكناً، إلا وترجم الخيار الثالث إلى حيادي، رغم عدم ضرورة ذلك، يمكن للخيار الثالث أن يكون صاحب لون أيضاً، إذا وازن بين السيادة، التي يفتقر مشروع الحداثويين المتحالفين غرباً لها، وبين الديمقراطية، التي يفتقر خطاب النظاميين لها. وفي زحمة هذه الاصطفافات، الاصطفافين تحديداً، تم اختلاق صراع جديد من نوعه: صراع الحرية والتحرير.ares01

صرنا إذاً، أمام خيارين، إما أن نأخذ خطاب التحرير، وقواه التقليدية، بشرط الخلو من الحرية الفردية والجماعية، وإما أن نتبنى خطاب الحرية، بشرط خلوه من خطاب تحرير القرار السياسي والاقتصادي، وُضع كل منا وسط نزاع الخندقين، الذين احتكر كل منهما صفة، أحدهم ادعى تمثيله لكرامة الجماعة، الوطن كبناء مؤسساتي، وآخر لكرامة الفرد، كأساس لهذا البناء، صارت الخيارات جامدة في كل الاحتمالات: من ليس مع النظام فهو حكماً مع الارهاب الاسلامي، ومن ليس مع المشروع الامبريالي فهو حكماً مع النظام، الخ.

إن واجب الواحد منا، أن لا يكون مجبراً لا على احترام الخطاب الوطني الجامد، ولا الخطاب الحرياتي الجامد، بل على أن يتبنى الخطاب الذي يوازن بين ذلك كله، ثمة حملة كي وعي مطلق، تشهر بالتحرير وتعتبر حقله المعجمي: مقاومة، عداء لاسرائيل، فلسطين، الخ، من وسائل القمع الوطني، وحملة كي وعي أخرى، تشهر بالحرية الفردية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كوسيلة تدخل أجنبي، لا لشيء، إلا لأن أصحاب هذين الخطابين يمثلين من جهة القمع التاريخي، ومن جهة، الارتهان التاريخي أيضاً، واجب الفرد الطليعي، هو بتكوين الخطاب الذي يشبهه: لا مساومة على مبدأ التحرير، تحت إطار من وحدة الأرض والشعب، ولا مساومة على استقلال القرار السياسي، شرط مشاركة الكتل الاجتماعية فيه، ولا تضحية، كما يسوق أحدهم، ببعض من السيادة مقابل بعض من الديمقراطية، بل الشعار القديم الذي تركناه على رف الفوضى السياسية والفكرية التي حكمتنا منذ فترة: وطنٌ حر وشعب سعيد، من يذكره؟

لا تكن رهينة فكرة التخوين الوطني، ولا تكن رهينة فكرة التخوين الثوري، كلها نسخ جديدة من طبائع استبداد النظام القائم باستبداد جديد للسائد من المعارضات، لا شيء يضطر الفرد إلى التخل عن قناعاته الوطنية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، رغم أنف الترهيب الجماعي والتكفير الفكري الذي يمارس ضد الناقد لأحد الخندقين البن لادنين اللعينين، في العالم كله.

مدونة جوعان على الفيسبوك

أنا حائط مبكى

16/04/2013

خضر سلامة

لأن ثمة من يريدون الجنة، جعلوا الأرض جحيماً.. ولأن ثمة من يريدون النفط، جعلوا البلاد بئراً.. ولأن ثمة من يريدون المجد، جعلوا الهوية ذلاً.. ولأن ثمة من يريدون السفر.. جعلوا الأرض غربة.

وأنا، لم يعد يغريني شيء، ولا يفرحني شيء، لم يعد يحزنني شيء ولا أكترث لشيء، لست حجراً، ولكنني لست قلباً، أنا حائطُ مبكى بلادي، عجنني الناجون من القذائف بالشظايا، ولونني الزاحفون إلى القتال ببول الجنود العابرين: لم يعد يعنيني أي شيء، أقف على شرفة المذاهب وأصيح بأمتي: ويح غدكم من عار حاضركم.

أنا ظلٌ من ظلال القصف، ولأن الطيور المهاجرة لم تعد، واختارت اللجوء العاطفي في بلادٍ أكثر حظاً، استبدلناها بطائرات الحرب، ولأن الزهور لم يطرقها ربيعٌ واحدٌ منذ ألف عام، استبدلنا عطرها برائحة البارود، ولأن قوس القزح فقد ساقه بنيران صديقة، استبدلناه بالرمادي في المواقف وفي القضايا وفي الشعارات، أنا ظلٌ من ظلال القصف، يرقص الموت حولي، والموت راقص بارع، على عود عراقي، بزيٍّ فلسطيني وبدبكة سورية.Ares_Cuba_2

لم يعد يغريني شيء، المجزرة تأتي في سلة أغراض يومية: القهوة وفيروز والصحيفة.. والمجزرة! لا شيء جديد تحت الشمس، طالما أن الشمس تأتينا على لوح إعلانات في الشارع، لا أحزن لأي موت عابر في الغرب، لماذا يحصل قتلاهم على خبر عاجل على التلفاز، وقتلانا يأتون مكبلين بكلمة “هذا وقد قتل”.. لماذا يحصل حريقٌ في مستوعب نفايات على بث مباشر للحدث، ولا يحصل حريق الشرق ومستوعبات جثثه على عبء قطع برنامج فكاهي واحد؟ لماذا يدخن الغرب سجائره، ثم ينفخ في وجه جنوب الكوكب، فنختنق نحن بدخانهم؟

يا أيها العالم الملعون بعين واحدة، أنا لست برميل نفط، فلماذا تركل جثتي ككرة قدم خارج التاريخ وتتركني أحلق كطائرة ورق، سرقتها الريح من يد طفلٍ شقي، ورمتني لهاوية الغلاف الجوي، أنا لست برميل نفط، لي كبدٌ لم يأكله الخمر بعد، ولي رئة لم يصبها وباء الهم، لي جهاز هضمي ككل الناس، يهضم الحكومات والأحزاب والشعارات والأخبار، ثم يجترها ككل حروبنا، لي جهاز تنفسي أتنفس به فأغص ككل الناس بمخبرٍ في الجو، يا أيها العالم، لا تركلني خارج أجندات الرفق بما تبقى من انسان فيك، أنا لست برميل نفط، لست حجراً، أنا حائط مبكى شعراء أمتي، وفقراء أمتي، ومجانين أمتي، وكل وجوه المقتولين في بلادهم، بنار بلادهم، محفورة كوشم على وجهي.

لست برميل نفط، فهل تتسع الشاشات التي تصنف البشر بشراً، لاسمي كاملاً، حين أُقتل برصاص طائش؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

بلادي كأغنية بلوز

08/04/2013

خضر سلامة

لكل الكوكب مزبلة تاريخ، إلا نحن، يكاد تاريخنا نفسه يصبح مزبلة: هزائم، نكبات ومجازر، فتاوى قتل واغتصاب، طوائف وتقسيم، سلفيون وعسكر وجواري، هل هذا هو الحقل المعجمي للعرب؟

وحملت دجلة على كتفٍ، والنيل على كتفٍ أخرى، تأبطت بردى والعاصي، وانتقيت من خريطة بلادي واحاتها، أشجارها وشطآنها ونهود المرضعات حباً وعسل، وحين أصبحت مكتمل الربيع، حاصرتني الصحراء، واتهمني أمراء الجفاف أني بدعة!

أين أهرب منكم؟ في كل زاوية من زوايا الأرض أجد إعلاناً عن ضفيرةٍ سوداء برسم البيع، في كل شاشة أجد نقلاً مباشرة لرجم الأنوثة، على كل عامودٍ أجد ملصقاً عن عرضٍ قريب لمجزرةٍ جديدة، في كل حاوية، أقلامٌ عربيةٌ مكسورة، ورؤوس شعراءٍ مقطوعة، وأقدام مناضلين مبتورة، وعيون نساءٍ مثقوبة، على كل باب سفارة من سفاراتكم، تقف الفضيحة رجل أمن، وملاك الموت موظف استقبال، والحزن يختم جوازات السفر. تلاحقني سيوفكم وحناجركم كدورية شرطة، يصطادني غبار عمائمكم من سريري، ويرميني ككيس جماجم، في حفرة من حفر النار.. كلا يا سارتر، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو نشرة أخبار واحدة برعاية بئر نفط، خطبة جامع واحدة تكتب بأهداب النساء وأشلاء الشعب وحبر الطغاة، فتوى جديدة واحدة تأتينا من بقايا النياندرتال فينا، نجمة واحدة على كتف ضابط سلمّوه مفتاح الأعمار والحقيقة، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو بعضهم، بعضنا.Ares_Cuba

هل تعرفون ماذا يرى نيرون حين يقف أمام المرآة؟ كل نيرون، بربطة عنق أو بعمامة، بحزام ناسف أو بمدفعية، بضريبة جديدة أو بخطاب كاذب، أراهم جميعهم، كل نيرون، يقف أمام المرآة، لا يرى إلا وجهه، تصغر الغرفة وتذوي، لا يرى جدراناً، لا يرى ألواناً، لا يرى سماءً خلفه ولا أرضاً تحته، يرى انعكاس وجهه، لا يشعر بالحزن على قتيل، ولا بالأسى على مأساة، يتفادى أن يعرف عدد الضحايا، عدد الفقراء، عدد الجياع وعدد المصلوبين، لا يشعر بالحزن، لأنه لا يرى إلا وجهه، لذا، يشعر بالوحدة، وكل وحيد، خائف، يشعر بالخوف.. أقدم الغرائز. يخاف من وجهه، من عبوسه، لا ترضيه صوره مبتسماً في منازل الرعية ولا في الادارات، لأنه يعرف وجهه جيداً، يخيفه وجهه، لأن وجهاً بلا ملامح، أقرب إلى تابوت، كل ما فيه، مخيف.

وبعد حفل الدم، تتكاثر الكنائس والجوامع، والسلاح أيضاً، ربما قومي يحبون الله، ولكنهم بالتأكيد لا يحبون بعضهم.

فيا وطني، سأصنع لك تاجاً من رائحة الأرض، فقل لاسفلت شوارعك أن يترك قليلا من التراب كي نلعب.

سأهديك قلادة ياسمين، فقل لدبابات طغاتك أن تخفف الوطء كي ألملم وأيتامك بعض زهرك.

سأسميك رفيقي وصديقي، وسأدلك على أجمل حانات البلد، كي تلهو بخد امرأة جميلة، فقل لعصابات الصحابة أن يكفوا السيف عن عنق الزجاجة.

يا وطني، اعطني كل مخافر البلاد، وخذ من قلبي ذاكرة تعذيب الابطال ومشانقهم، تعرّ من كل وصايا القتلة لأتباعهم، وتعال البس مدرسة جديدة، ارمِ مدافع الطوائف والمذاهب والعشائر في وجه التلفاز، وتعلّم من المتنبي ركوب الخيل فوق ظهر الريح، وتعلم من ابن رشد ركوب الحرف صوب النور.
لا تكن جحيماً، كفى ناراً، كن نوراً يا وطني.

سامحوني على حزني.. إني أسمع أنين بلادي كأغنية بلوز.

مدونة جوعان على الفيسبوك

عنصرية الدولة لا الشعب

13/03/2013

خضر سلامة

لا يمكن أن تمر نفحة عنصرية في البلد، دون أن يكون للإعلام اللبناني يد فيها، جريدة اليمين اللبناني الرسمية، النهار، تنطحت بالأمس لإعداد تقرير مصور مع عدد من مواطنين تم انتقاء ردودهم جيداً، واختيروا من منطقة واحدة معينة، لافتعال أزمة مباشرة بين المواطن السوري واللبناني في لبنان، فيديو استثار موجة غضب لبنانية وسورية، واتهامات شملت الشعب اللبناني بشكل عام بالعنصرية.

الفيديو يظهر إذاً عينة من شباب لبناني بأعمار صغيرة، يحملون اللاجئين السوريين مسؤولية أزمات الأمن والاقتصاد والسير في لبنان! ويظهرون مخاوف مزعومة – تستر طائفية كبرى أيضاً – من الانتشار السوري الضخم نسبة لمساحة وعدد سكان البلد، فما حقيقة الموقف اللبناني العام من اللجوء السوري؟

لا شك أولاً، أن عقلية الكيان اللبناني قامت منذ منتصف القرن الماضي على فكرة التفوق اللبناني على المحيط، عقلية رعاها الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي قبل الحرب الاهلية، الذي ربط لبنان بالثقافة الغربية، لا الشرقية، هذه العقلية التي عززتها اقتصاديات الخدمات والتجارة ما قبل الحرب، واقتصاديات التهجير المتعمد للكفاءات المهنية والفكرية ايضاً، بدأت بالانحسار مع كوارث الحرب الأهلية وما بعدها، وإن بقيت بالإرث الطائفي المحمول بين الطوائف وانعكاساتها الطبقية من جهة، وأيضاً، ثقافة اللون والعرق والهوية الموروثة. ولكن، ماذا عن السوري تحديداً؟lebanon

أزعم هنا، أن معظم الشعب اللبناني لا يتعاطى بعنصرية مع الوافد السوري، وأن ما يعلو على الإعلام، ليس سوى خطاب سياسي إعلامي عالي اللهجة يحاول التمترس بالتجييش العنصري لغايات انتخابية جماهيرية لا أكثر، كحال اليمين المسيحي (عون مثلاً)، وأن العينات المأخوذة لا تعبر سوى عن أزمة طبقة معينة وجهل شديد، متمركز في أطراف المدن، لا ضواحيها ولا مركزها، فمثلاً، لا يمكن أن نقبل أن نعترف أن هناك عنصرية بالمعنى الجاد للكلمة، في شمال لبنان أو في البقاع، هاتين المنطقتين، متصلتين تاريخياً بالعمق السوري، بل ومنتمية اجتماعيا واقتصاديا لسورية على مدى العقود الماضية، أكثر من انتماءها للبنان، بسبب السياسة الرسمية العلنية بإهمال هذه المناطق، تتصل العشائر ببعضها، والعائلات، واقتصاد الزراعة والتهريب، ما لا يسمح بنشوء أي عنصرية بين اللبناني والعنصري في تلك المناطق تحديدا، لذا نراها الأكثر استيعابا للاجئين السوريين من الطبقات البسيطة الأدنى، لما من علاقات تاريخية بين سكان تلك المناطق تحديدا.

في بيروت، ومراكز المدن بشكل عام والمساكن الفاخرة، ينتشر السوريون أبناء الطبقات البرجوازية العليا وما فوقها، كالحمرا مثلاً، وهناك، لا نلاحظ أي عنصرية، وهي هنا تفسيرها واضح: الغاية الربحية عند التاجر هي فوق أي انتماء عنصري أو عرقي أو هوياتي، فالسوريون النازحون إلى تلك المناطق هم التعويض العلني عن غياب السائح في هذه الأزمة الكبيرة التي تعيشها المنطقة.

ونعود إلى مثال فيديو النهار، الفيديو العنصري الذي يظهر عينات مختارة إذاً، اعتمد على منطقة معينة، يقطنها أيضا سوريون ينتمون إلى الطبقات الوسطى تحديدا، لهذه المنطقة كبعض المناطق الأخرى في البلد، تاريخ سيء مع الوجود السوري تمتد إلى الحرب الأهلية ومواجهات اليمين والجيش السوري أيام حافظ الأسد، مرورا بالخطاب العنصري الذي تعزز بعد الحرب ضد الجندي السوري على سوريته، لا على انتماءه العسكري، ومن ثم، مشاركة هذه المنطقة الفاعلة في 14 آذار وما حوتها هذه الظاهرة السياسية من خطاب ما فوق عنصري تجاه أي وجود سوري وتحميله مآسي البلد كلها.. إلى أن وقعت في حضن الخطاب الإعلامي المتجدد اليوم لغايات طائفية سياسية معلنة ومستترة، ولا نستثن من هذا الاتهام بزرع العنصرية، الخطاب الموجه إلى مناطق أخرى، حول المخاطر الأمنية للاجئين السوريين من حيث تحميلهم وزر نوايا غير مثبتة إلى الآن، بالتحول إلى وقود لحرب أهلية جديدة على أساس تعويض النقص الديمغرافي في فكرة المقاتل السني تحديدا، وما أنتجته من ردود فعل حذرة ومتوجسة، وأعني لدى الشيعة، عوضها إلى الآن، قدرة الضاحية مثلا، على استقبال أكثر من مئة ألف سوري تبعا للعاطفة السياسية التي تصل الشيعية السياسية اللبنانية بالعمق النظامي في سورية وشعور مستمر إلى الآن، بالشكر لوقفة الشعب السوري أيام حرب تموز. كل هذه المراحل العنصرية الناشئة او المتقدمة، الموجودة لا شك، سواء ببعد ثقافي او تاريخي او انفعالي طائفي او خوف مستقبل، علاجها يكون علاجا تاريخيا ثقافياً لا صداميا: سبب أزمات البلد هو البلد نفسه، دولته والسياسيون الذين اخترتم، أزمة الاقتصاد أزمة ثقافة الفساد فيكم، ازمة السير يومية، أزمة الأمن مسؤولية قواكم الأمنية المتراخية.. الخ.

إذاً، العنصرية في لبنان موجودة ولا شك، وتبلغ أقصى قمتها في عنصرية اللون مثلاً، ولكنها لا يمكن أن تكون صفة شمولية ولا معممة في حالة العلاقة مع سورية مثلاً، يستقر اللاجئ السوري في لبنان في القرى والمدن دون حوادث جماعية يمكن أن تتحول إلى مادة حقيقية للعلاج، لا بل وأن بعض الخطاب الاعلامي الذي يحاول إدعاء عكس ذلك، هو متهم بمحاولة افتعال ردود فعل عنصرية “بالقوة” غير موجودة إلى الآن. العنصرية الوحيدة التي يمكن تشخيصها، هي العنصرية الرسمية: عنصرية السلطة الحاكمة معارضة وموالاة، والتي تظهر من خلال إهمال الحكومة لدورها في القيام بالواجبات التي تنص عليها الشرعات الدولية بحق اللاجئين من جهة، ودور بعض المعارضات في التحريض الطائفي واستثمار العامل السوري لغايات خلق توازن قوة، عنصرية قوى الأمن، عنصرية الإعلام الذي يحاول خلق مشكلة ليخلق خبراً، وأيضاً، تظهر العنصرية البغيضة في رفض المنظمات الدولية إلى الآن تحمل واجباتها المعتادة، لغايات في نفس مموليها على الأغلب.

وأزيد على ذلك: لا لاجئين سوريين في لبنان، بل أخوة تاريخ وجغرافيا، ومن يراجع تاريخ هذه القبائل والعشائر والطوائف اللبنانية، سيفهم أنها متصلة سواء دينيا او اجتماعيا او قبلياً بسورية، ومن يراجع ولادة هذا الكائن اللبناني السياسي ككل، لا شك سيكتشف عمقه السوري واستحالة حياته الاقتصادية والسياسية بدون الظهر السوري، لذا، فلنكن على مستوى التحدي الغرائزي الذي يراد له أن يكون مفتاح تفجير المنطقة، ولنجعله واقعاً أكثر منطقية: السوري واللبناني مجبوران بزواج لا فكاك منه.. واسألوا المواطن السوري – اللاجئ مار مارون!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الشيطان الجميل: هوغو تشافيز

06/03/2013

خضر سلامة

تعود المثقف العربي حين (يظن أنه) يكبر، أن يأكل من لحم قضيته.. أو من لحم أصدقاء بلاده، لم يكفي هوغو تشافيز أن يكون رئيسا منتخبا بانتخابات ديمقراطية لا لبس فيها، حتى يتقي شر التعبئة الاعلامية العالمية ضده، سمّي ديكتاتورا وهو لم يسجن معارضيه الديمقراطيين ولم يمارس اشتراكية قمعية حتى ضد خصومه الرأسماليين، سمّي عسكرياً وقد أتى إلى الحكم بانتخابات مدنية واضحة. فلم يُشتم صبيحة موته؟

موت هوغو تشافيز دليل واضح على أزمة العقل في عالمنا من جهة، وارتهانها التام لشاشة التلفزيون، ودليل واضح على أن معايير الديمقراطية في هذا العالم، يحددها المكتب الاعلامي لوزارة خارجية واشنطن، فأنت تكون ديمقراطيا بحجم ما تكون مطيعا لإملائات البنك الدولي، وهنا أزمة تشافيز، تشافيز كان رئيسا منتخبا من قبل الطبقات الأكثر شعبية في فنزويلا، وعرف أن مكانه بينهم، لم ينجح تشافيز في كسر احتكارات كثيرة، وشنت عليه معارك داخلية وخارجية، في الداخل، تحالف أصحاب المال وأمراء المافيات، الذين يشكلون العصابة المالية النفطية الكبرى في فنزويلا والممتدة على كامل الأراضي البوليفارية الأميركية، وفي الخارج شنت ضده حملات الشيطنة الاعلامية.862294_340687819386088_1238220571_n

أزمة تشافيز كانت أنه لم يعلق فنزويلا على مشنقة البنك الدولي، رفض أن يستبدل العشوائيات بالمراكز التجارية، رفض أن يهدم المنازل الفقيرة والأحياء الخربة ويعمر مكانها مصارفاً ومتاجراً وفروعاً جديدة لماكدونالد، كما يرى بعض “العرب” المتحضرين، الحضارة، على مقياس أبراج دبي لقشرة الحضارة، كانت خطة تشافيز ترفض الثقافة المتوحشة الحمقاء التي عرفناها على يد بن علي في تونس ومبارك في مصر والحريري في لبنان وبشار الاسد في سورية، والتي تقوم على ليبرالية اقتصادية تستثن العشوائيات والمناطق الفقيرة من الدولة، بل قامت ثقافة تشافيز على نقل الدولة بخدماتها ومؤسساتها الى المناطق الفقيرة والأقل حظاً، وحين رفض الأطباء الفنزويليين، خريجو مدرسة المال اللعينة، العمل في المناطق الفقيرة، قام باحضار أطباء من كوبا، طوروا وعملوا، وكانت بشارة ولادة بوليفارية جديدة.

تحالفت عصابات الداخل ضد تشافيز، وخاض وحيدا معارك كثيرة في قطاعات النفط والضرائب والأمن والاستقرار، وبقي يحترم خطوط الديمقراطية الحمراء، وحين رفض الشعب استفتاءه على الحكم مدى الحياة، رضخ لأمر الشعب، فيما تعنت أمراء المال والمافيات ضد الأمن وضد التقديمات الصحية وضد الاشتراكية في أملاكهم، ولم يرضخوا لأمر الشعب. ومع ذلك، كان تشافيز صورة الوحش الدائمة في الاعلام الاميركي (وتاليا العربي) وبقي هؤلاء رموز الاحتكار، صورة المظلومين بملياراتهم من هذا المتآمر! كان من الضروري ايضا ان ينضمن لجوقة مشوهي صورته، كارتيلات المغتربين المشارقة في اميركا اللاتينية، حملوه وزر المشاكل الأمنية التي يشترك كثيرون في المسؤولية عنها الى جانب زعماء المافيات والاحتكارات المتضررين من ولادات اشتراكية قريبة.. ولعل نوعية اغلب المغتربين تدل على توجهاتهم الاقتصادية المعنية..

لم يرسل تشافيز جيوشه مرة إلى بلادنا، لم تقصف طائراته مرة عاصمة من عواصمنا، لم تقم الشركات الفنزويلية بسرقة نفطنا ولا غازنا، لم يغازل مرة رئيسا اسرائيليا، لم يزر ولم يرقص على حائط المبكى على جثث قضايانا، لم يدعم أي تدخل عسكري اجنبي في بلد من بلادنا. مع ذلك يشتم، ويهان، فقط لأن أمر العمليات الأميركي، ولأن اعجابنا بالرجل الأبيض، وباعلام الرجل الابيض، وبملائكية الرجل الأبيض، تقضي أن نشيطن كل معارض له.. ذنب تشافيز، الديمقراطي المنتخب، الوحيد، أنه كان مع الفقراء، ولم يكن مصاص دماء حقيقي، وكان ضد أميركا، ولم يكن ملك نفط ولا أمير غاز، ولا كاتبا في جريدة الحياة أيضاً.

نم بسلام يا تشافيز.. في أرض البوليفار أحلام كثيرة تنتظر.

مدونة جوعان على الفيسبوك

وداعاً شكري بلعيد

06/02/2013

خضر سلامة

اغتيال شكري بلعيد – مؤسس حزب وطد الاشتراكي التونسي

من بيروت أكتب، وأرسم وجوه رفاقي المعلقين على مشانق اوطانهم

يقف مهدي عامل إلى جانب زكي مراد يصنعان حفل التبغ والقطن، يرتب حسين مروة أناقته الثورية ويمسح الغياب عن وجه المهدي بن بركة، ينشغل عبد الخالق محجوب بكتابة نشيد جديد يعيره لبياتريس لومومبا عن أفريقيا جديدة.. يسأل سلام عادل رفيقه فرج الله الحلو عن أحوال من تبقى حياً من الرفاق، اليوم عيد من لم يترك لهم الأوباش وقتاً لتوديعنا، اليوم يأتيكم شكري بلعيد، دم الرفاق رخيص في متاجر المساجد وحانات الطغاة..

لماذا لا تشبع هذه الأرض؟ لنا في كل وسيلة قتل، حسرة، نعرف من مات منا طعناً، ومن مات بالرصاص، ونعرف من أذابه القهر بالأسيد، ونعرف من لاحقنا بآيات شيطان خبيث، نعرف جيداً كيف يختلف الطغاة وأحفاد أبي جهل على كل شيء، ولا يلتقون إلا على التنكيل بشاعر، أو عقر حلم، أو اغتيال مثقف. من قتل بلعيد؟ لا أعرف بعد، ولكني أعرف غضبي، أود لو أصرخ بوجه تونس: حتى أنتِ يا تونس؟ من أين أتتك قبائل آكلي لحوم البشر، وأعداء العلوم، وأنصار الخنجر؟ حتى أنت يا تونس؟ لم يعد تغريك الموسيقى؟ صرت لا تطربين إلا على رائحة الدم؟

قتلوا شكري بلعيد، قتلوه كما قتلونا ألف مرة في ألف عام، لا مكان لابن رشد في عصر الأميّة هذا، كان لزاماً أن يموت أحدنا، حتى نعرف أن أرخص ما في هذه الأمة، مثقفيها ومناضليها وشعراءها، أرخصهم الصادق مع وطنه… وطن كعاشق أبله، يحب من يعذبه، ويتعلق بالكاذب، ويمجد التاجر بدين أو بشعب.

أيتها البلاد، اغضبي مرة واحدة لقتيل كان يحبك!420427_108009036026154_875571437_n

أيتها البلاد، ذاكرتك مثقوبة من أسفلها، ويسقط منك كل يوم شهيد، ولا تتذكرين إلا أسماء مطربيك وراقصاتك.

أيتها البلاد، اخجلي، لن يترك وحوشك لك خياط حلم واحد، يستر عورة صحرائك الكبيرة.

أيتها البلاد، كل ما أردناه وطناً حراً وشعباً سعيد.. فما أخذنا منك إلا وطناً مكبلاً بالطوائف والأحقاد والأديان والنخاسة، وشعباً مشغول بلوك الهم واليأس.

شكري بلعيد، احمل سلاماً لكل الأحياء في باطن هذا التراب المالح، سقطوا، لأن الأخضر لا ينبت في مدن الملح.. هذا الملح يخنقنا.

 

مدونة جوعان على الفيسبوك

جنون السلفية في ميزان العقل

05/02/2013

خضر سلامة

تشهد الأوساط الناشطة، العلمانية تحديداً، جدلاً محتدماً حول موقف التيارات الديمقراطية، أو الحرياتية بالأحرى (كون أي فرد أو تجمع سياسي او ثقافي، لا يمكنه أن يعتبر نفسه ديمقراطياً في المخاض الفكري الذي لا زلنا نمر به) من التيارات الأصولية – السلفية التكفيرية تحديداً، والمدهش هو خروج أصوات للمرة الأولى من داخل هذه الأوساط للدفاع عن ظاهرة السلفية المتشددة الارهابية، ومحاولتها اعتبارها ظاهرة اجتماعية عادية يجب تقبلها، والتعامل معها "ديمقراطياً".

الترف الفكري، هو مختصر الحالة التي نعيشها، ترف الشعارات الديمقراطية والتحضرية، التي تحاول تجاوز مراحل التاريخ والتطور السياسي الطبيعي، الى استنساخ يوتوبيا انسانية تشبه الهدوء الاسكندينافي في السياسة والمجتمع، ربما ترف يساعد في دفعه عشائرية التفكير تحت مظلة "نكايات" في عقولنا التي لم تتحرر من جينات قبلية كثيرة، على مبدأ الاستقواء بأي قوة، تخلخل الأنظمة التقليدية، ولو على حساب مستقبل أشد ظلاما "نحمل همه لما يصير" على حد تعبير أحدهم.

ولا شك أن أبرز حجج راديكاليي الليبرالية العربية في تقبل وجود السلفية ونموها وحمايتها قانونيا وامنيا (غير مبالين بنموها إلى حد بلعها لحماتها قبل أعدائها يوماً ما) أن مجتمعنا العربي متدين بطبعه، والرد هنا واضح وسريع: مجتمعنا لم يكن يوماً متدينا عقائديا، الصحيح أن هذا المجتمع هو مجتمع صاحب دين مجتمعي: الاسلام في كل بلد كان اسلاماً محلياً، يتبع التقاليد والشروط الداخلية، وهنا أشد مخاطر السلفية التكفيرية، بنت الاعلام والنفط الوهابي، أنها تبشر بدين اسلامي يلغي كل تنوع فيه، على شكل التجربة الافغانية، حين محى المال السعودي – حبر المجاهدين العرب حينها، محى التنوع والطرق الصوفية والمدارس المحلية الدينية في افغانستان خلال فترة زمنية قصيرة، ونفس التجربة تعاد اليوم في تونس، عن طريق اغراق الخطاب الديني بالفاشية السلفية في التبشير مهددة الطرق الصوفية لشمال افريقيا على نسق المحو التاريخي الالغائي الكارثي الذي جرى في تمبوكتو.. وهذا أيضاً، ما نحذّر منه في النمو المضطرد لخطاب جبهة النصرة الاعلامي في الوعي واللاوعي السوري الشعبي، الغاء التدين المجتمعي، وتحويل القاعدة الشعبية إلى تدين عقائدي عصبي أهم ما فيه: أصوليته السلفية.

المشكلة مع السلفية والأصولية، أنها نفي جذري للتاريخ، يعني أن تقبل أن الانسانية لم تقدم شيئا في 1400 سنة مضت، وأن تمحي بعظة واحدة (أو ضربة سيف) أربع عشر قرناً من الاكتشافات والعلوم الانسانية والتطور الاجتماعي، وتعترف بصوابية الدعوة إلى العودة إلى ممارسات وسلوكيات كانت على قياس وعاء الاسلام في ظروفه الموضعية حينها، هذا من ناحية فكرية علمية، أما من الناحية السياسية، فالسلفية التكفيرية، يعني أن تسلم أحد أخطر أسلحة الشرق – المساجد – إلى حق الدعوة للقتل والتصفية سواء جسديا او معنويا اقصائيا والغائيا، لكل نوع من الاختلاف، سواء كان اختلافاً دينياً (أقليات – طوائف دينية) أو اختلاف فكري (داخل الجسد السني من صوفية ومذاهب متنوعة وتيارات فكرية ومجددين)، وهنا نصل إلى لب الجدل السياسي: هل من الديمقراطي، قبول أعداء الديمقراطية؟ War_on_the_mind_by_GraffitiWatcher

قبل سنتين، في حديث تلفزيوني شهير، صرخ الكاتب بيار أبي صعب في وجه أحد وجوه التطرف والارهاب الفكري المسلح في لبنان بلال دقماق: لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية.. لا حرية لأعداء الحرية. جملة تختصر الحديث، فإذا كان خلاف بعض اليسار وبعض اليمين على شكل الديمقراطية بين برجوازية واشتراكية، أو على شكل حرية التعبير ودور الدولة بين ليبرالية ومتشددة، يأتي طرف فكري لنسف فكرة التعددية السياسية من أساسها، وربطها بمركز الدين والسنة والحديث دون أي مرجع "وضعي" آخر، ليخرج من يدافع ويبرر تحت حجة حرية التعبير عن وجود هذه الكائنات المشوَّهة والمشوِّهة.

والغريب أن هؤلاء أنفسهم، المبهورون بالليبرالية الحرياتية في أوروبا وغيرها، والمأخوذين بفكرة النسخ واللصق للشعارات دون حساب للتعقيدات الاجتماعية، يتغافلون عن أن النازية، فكر محظور اجتماعيا وقانونيا في بلاد الديمقراطية أنفسها، وأن النفي التاريخي (السيء الذكر) لجرائم الهولوكوست، يعد معاداة عرقية يجرم عليها صاحبها، فكيف نقبل بنازية من نوع آخر، نازية أشد سوءً وأشد اجراماً، حين تحمل ماورائيات الشرق كلها، وميتافيزيكيا الصحراء بكل عاداتها المزينة بلبوس الحرام والحلال، لنجعلها فكرا يحق له الفصل بين الفئات الاجتماعية نفسها، بالحكم بالردة تاراً، او بالكفر تارات، على مجموعات عرقية ودينية وفكرية كاملة.

"لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون" قالها محمود درويش قبل سنوات، واليوم نطرحها من جديد، لمصلحة من الغسيل الاعلامي الذي يقوم به كثيرون لثقافة التكفير والذبح والالغاء الفئوي والفكري؟ ثم، كيف نتعاطى بتبسيط ساذج لظاهرة الدعم المالي الكبير والتغطية الاعلامية الهائلة لهذه الظاهرة في كل البلاد.. في تخريب لم يعد يظهر من آثاره إلى خدمات تصب في بحر المشروع الامبريالي التخريبي الأكبر… أعداء أمريكا المفترضين.. في خدمة أمريكا! كأن هذا الذاهب إلى غداء مع الرسول، سيحصل في الجنة على وجبة سريعة من ماكدونالد!

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: