Posts Tagged ‘متعبٌ بعروبتي’

لا تتراجعوا إلى الدفاع

22/01/2013

خضر سلامة

كما توقعنا سابقاً، شهد الأسبوع الماضي وسيشهد اللاحق، سلسلة تصريحات وكتابات صحفية وتعليقات الكترونية، تهاجم تارة قضية جورج عبد الله وشخصه، وتارة أخرى رفاقه والمتضامنين معه بشتى الإهانات والتسخيف، تحت لواء "حرية التعبير" سيئة الذكر، حرية التعبير التي تضمن أيضاً، الدفاع عن تصريحات أقرب للمواقف الرسمية والغير رسمية الصهيونية، حين يتعلق الأمر بفعل مقاوم، "إرهابي" برأي حر بتعبيره "وطني" جداً.

وللأسف، فإن شدة النبرة وعلو الصوت، ومن ناحية ثانية كمية الضخ الإعلامي والخبث الفكري المعدي كفيروس "حضاري" في عقول الكثيرين، دفع بالكثيرين من الرفاق والمناضلين للعودة إلى خطوط الدفاع والتبرير والتراجع لأجل "حلول وسطى"، لا أجدها مطلوبة، مع أشخاص أصبحوا نوعين لا ثالث لهما، إما صهيوني الهوى بشكل واضح "حر"، وإما "نكاواتي" لحسابات خاصة، يثبت اختلافه ويبرره، بالتقنيص على قضية جورج أو رفاقه.

لا تراجع في الانتماء التاريخي إلى حقبة جورج والافتخار بكل تفجير وعمل مقاوم داخل وخارج الأراضي الوطنية، استهدف أعداء القضية، إلى إرث القائد الراحل وديع حداد، لا لبس في شعار صريح "وراء العدو في كل مكان"، كان له ظروفه ولو عادت، عاد العمل الخارجي معها، خطف الطائرات واغتيالات الدبلوماسيين والمخابراتيين في الخارج، كان عملاً شرعياً بجميع مواثيق حروب العصابات أمام حرب كونية على قضيتنا، ولولا هذا العمل، لما نفعت الصحف المأجورة والمواقع المشبوهة والناشطون الهائمون في ترفهم الفكري، في النهوض بالقضية، إن العمل "الارهابي" الجميل، الذي نحن إليه عن حق، ونحمي إرثه بشدة، هو الناهض الوحيد بالقضية الفلسطينية واللبنانية في تلك الفترة، ولولاه، لبقيت القضية مطموسة إعلامياً ومعتم عليها، وما نفعت مجالس حقوق الانسان، ولا مكارم آل سعود ولا جمعيات حقوق الانسان (أينها من قضية جورج بالمناسبة؟) ولا انتحاريو الفيسبوك أيضاً.

لا تراجع عن الثبات عن استهداف مصالح فرنسا الحكومية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، ويبدو أن بعض "المثقفين" بجرعات زائدة من الانسانية (تطبق فقط على الضحية ولا تطبق على القاتل والمجرم، كالحزن على مقتل طفلة اسرائيلية حيناً، متغافلين عن آلاف من أطفال مذبوحين لم يتحرك لهم العالم) يبدو أن هؤلاء، غير مطلعين فعلاً على كتب النضال اللاعنفي حتى لا نتحجج بالعنفي، والذي نظر جميع مفكريه إلى ضرورة استهداف المراكز السياسية والعسكرية والثقافية حتى، كون هذه المراكز الثقافية ممثلة ثقافة الدولة ومنظفها الاعلامي في ارض الآخرين، وهي نفسها التي تحمي صورة الدولة الناصعة والحضارية والديمقراطية في عيون المتلقين. وحصارها والاحتجاج امامها، ضرورة من ضرورات الضغط، لا تراجع فيها، كما لا تراجع في هز العصا للسفارة، ممثلة الدولة المباشرة، والعسكر، ممثل القوة التنفيذية المباشر أيضا ورمز الدولة الحديثة، إلى الاقتصاد أيضاً، ثم تعالوا نرى: يخافون على ثقافة فرنسا، ويشتمون ثقافة مقاوماتهم!

لا تراجع في طرق التعبير التي تختارها اللجنة الدولية والوطنية، وغيرها من ممثلي القضية المباشرين، الموكلين هم فقط بحمل قضية جورج، ولا يحق لمن تعرف إلى جورج عبد الله مؤخراً، أو من يبحث عن ذريعة لتبرير تخاذله عن قضيته، في الاعتراض على أي طريقة تعبير، طالما لم يشارك في صنع القرار أو حتى في إثبات نفسه كعنصر مقرر.1357832278_

لا تراجع عن شرط واضح هو إطلاق سراح جورج عبد الله، إطلاق سراح لا يملك الانسانيون جداً، ولا المؤدلجون بثقافة ماكدونالدز وغيرهم، أي حق بالاعتراض عليه، قانونياً، هو قضى مدة سجنه إذا سلمنا جدلاً بتهمه، وأخلاقياً، هو مناضل وطني معتقل لا مسجون، وسياسياً، هو ممثل لحقبة مقاومة يقولون أن مشكلتهم مع وريثتها "صفتها الحزبية"، أأتوا به إذاً!

لا تتراجعوا أمام عصا “حرية التعبير”، حرية التعبير تقف في كل بلاد العالم عند خطوط حمر، تقف في أوروبا عند الهولوكوست، تقف في جنوب أفريقيا عند العنصرية… إلخ، إلا في بلادنا، نتهم بالديكتاتورية عند وضعنا لخط أحمر وطني لحرية التعبير يقف عند التصالح مع التاريخ المقاوم وعند تجريم وتخوين أي حديث مباشر وغير مباشر عن السلام المشؤوم مع اسرائيل، لا تراجع: حرية التعبير تقف عند حدود الخيانة لكل ما نؤمن به وصنع ماضينا وحاضرنا.. حرية التعبير المدنية حق لا بل واجب، أما في المواقف السياسية والوطنية، تعالوا نفكر قليلاً قبل أن نصفق لأي كلام بالعبرية الفصحى.

جورج عبد الله مناضل وطني، مقاوم أممي، ماركسي لينيني، لبناني الهوية عن حق، عربي الانتماء بشدة، ربما، في هذا التعريف السريع بجورج، تجدون الأسباب الحقيقية للحرب المفتوحة على جورج، من صحافة مأجورة، وأقلام تبحث عن شهرة، وأسماء تقدم أوراق اعتمادها للرجل الأبيض، ورفاق سابقين يبحثون عن طريقة لاثبات طلاقهم الفكري والوطني مع مبادئهم، ربما داخل كل جورج، تجدون ما يستفز شياطين التطبيع، وشياطين السلام، وشياطين اليمين، وشياطين الفكر وشياطين التنظير. يستفزهم مجده، في ذلهم.

مدونة جوعان على الفيسبوك

حديث الجحيم

12/01/2013

خضر سلامة

*هاديس في الميثولوجيا الاغريقية هو ملك العالم السفلي، أنزله كبير الآلهة إلى العالم السفلي، خطف برسيفوني بنت آلهة الزراعة حتى وافق على اعادتها بشرط ان تكون معه في وقت من العام فكانت الفترة اللى تقضيها برسيفونى مع أمها هي فترة الربيع والفترة اللى تقضيها مع هاديس هي فترة الخريف.

مقبض الباب مفتاح جهنم، ومنجل النار بيدي برقية عاجلة إلى ملاك الحزن بأن يُحضر لي وقوداً جديداً لبكائي، أنا هاديس، وهذا العالم السفلي جداً، مملكتي، هذه الوجوه الكئيبة التي تلبس أجساداً مهترئة وتركض في الشارع مخدوعة بفرح ما، حصتي من خلق الله، وعواميد الإنارة التي تتلصص على مدينة عارية تستحم على الشاطئ، ثم تعض على أناملها شهوةً، حصتي من رعشة الجسد الأولى، هذه النساء اللواتي يخلعن عنهن ضفائرهن، ليصعدن إلى مراجيح المشانق هرباً من عشق مرير الطعم، حصتي من دماء البكارة. أنا هاديس، مقبض الباب مفتاح جهنم، وأنا صاحبها.

كيف لحزين كملك العالم السفلي أن يلهو؟ صنعت الطغاة في لحظات الملل، أعطيت التاريخ نيرون ليحرق روما كي يتدفأ المشردون بما تبقى من رماد أمجاد القياصرة الذين صودف أنهم جميعاً، يموتون، بشرٌ من أوهن ما بصقت الأرض.. صنعتُ الطغاة لأعير الآخرين قليلاً من جحيمي اليومي، أعطيتهم هولاكو، ليشوي الشعراء على مناقل الكتب، لملل طارئ من تكرار القوافي، زرعت في الجليد إيفان الرهيب، ليوازن بين أغاني الفلاحين ودمائهم… هذا حصاد العالم السفلي، طغاة الأرض ومجانينها، شعراؤها وراقصاتها، بنادق جنودها وضحاياهم. 4914338-7359006

منذ زمنٍ لم يكتب لي أحد، يغريني البرد بحرق رسائل العشق القديمة، وأسماء المسجلين خطراً على القلب والذاكرة، هل أصبح الحب ماركة تجارية أيضاً؟ هل سلّم الجميع أقلامهم لممحاة الشاشة ثم ناموا على طبلة الأنظمة؟ تكاد تشعر أن كيوبيد عاد إلى أولمبوس ليفتح متجراً لعرض خردة القصص، وأن سهامه صارت قذائف تشبع حاجات الجيوش للنار.. برد الشتاء لا يقتلني، برد الناس والاحساس، وبرد الكلام والهاتف، يفعل أكثر من القتل.

أنا هاديس، وقعت عن شرفة الضوء إلى عتمة التراب، جررت هامتي المكسورة كما يجر أي إله خيبته، ومشيت بين الموتى أحسدهم وألعن الخلود، وحين سرقت برسيفوني من جيب أمها، خفت أخلع قناعي فيخيفها الرمادي في الوجه، وظلت غريبة عني، فعاقبت الكوكب بالخريف… تغضبني أزهار أمها، ويغضبها شوك تاجي.. وحين أقبلها، تمسح اللون الحزين عن وجهها، ثم تعيد ترتيب أقواس القزح.

العالم السفلي هنا، حولي، هواء أصفر يحمل روائح جثث المتساقطين عن خريف الأنظمة، وشتاء الظلم، ويدور بها يبشر بعالم أكثر حقارة بعد، العالم السفلي مطلي على الحيطان، شعارات حزبية وأسماء زعماء وبصمات أزلام، العالم السفلي نحن، نجلس على كل رصيف، نشرب ونغني، نرقص وندعي حباً أو فرحاً، نكتب الذكريات والقصص والروايات والقصائد، نقول أننا ربيع لا يتعب… وبعدها، ننظر في ماء الشارع ولا نرى إلا عيني هاديس، وعالمه القادم على جناح غارة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

جورج عبد الله حر.. وأنت؟

10/01/2013

خضر سلامة

بعد قرابة ثلاثين عاماً من الظلم، جورج عبد الله من الحرية إلى الحرية، يكسر قضبان الزنزانة ويمسك السجان من عنقه ويردد: لن أساوم، سأبقى أقاوم.

جورج عبد الله الذي بقي وحيداً في معتقله، لا يجب أن ينسى، كما لن ينسى رفاقه الأوفياء، سيتسابق السياسيون اللبنانيون على قطف حريته خصوصا قبل موسم الانتخابات، ولم ينطق سافل منهم يوماً حتى باسمه، رؤساء تجاهلوا أسرك، ونواب لست من رعيتهم، وجمهورية أصغر بكثير من حذائك. جورج عبد الله، ستنبش الأحزاب الوطنية أمجادها ورفاتها، لتحاول أن تعود على ظهره إلى الضوء من عتمة خيبتها، وسيعرفون جيداً أنهم ساقطون منذ سقط جورج عبد الله من خطابهم. قلائل هم الأوفياء: اللجنة الدولية لاطلاق سراح جورج عبد الله، اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، عائلة جورج عبد الله، وبعض رفاق على عدد أصابع اليد، كانوا لا يملون من التمسك بالشارع والصراخ بوجه السفارة الفرنسية، حين حبا آخرون لكسب رضاها والتملق لها، فيما لم يعرف آخرون اسم جورج عبد الله إلا في كتاباتهم النوستالجية.

جورج عبد الله ذاكرتنا الوفية، علاقتنا الأصيلة بالنضال الصادق والوطني الأممي الشامل، جورج عبد الله، آخر صورة بقيت في خزانة الأمل، بين جحيم الاحتلال وجحيم الاستبداد، حريته لا تأت برعاية منظمة دولية، ولا بمقص زعيم طائفة، ولا ببركة أزلام ميليشيا، جورج عبد الله ينتزع حريته بثبات على مبدأ لم يساوم به ولن يساوم: “لا نظام، ولا استعمار، أنتمي للجموع.”541935_10152401378015562_2132306501_n

ربما، أمام قرار المحكمة الفرنسية النهائي بإطلاق سراح المناضل الرفيق جورج عبد الله، لا ينتظر أحد شكراً من جورج، بل نكتب على أعقاب البنادق القديمة تراتيل شكرناً لجورج:

شكراً جورج، لأنك حفظت الوصية الكبيرة، للجيل المقاتل.

شكراً جورج، لأنك تحمل فيك ما ينقصنا من أملٍ في هذه الغابة الكبيرة الملقبة بالعالم.

شكراً جورج، لأنك من القلة التي تعرف أين تقف، بين كتاب النفط وكتاب الجيوش.

شكراً جورج، لأننا حين نتعب، لا زلنا نجد هامتك، وعينيك، كي نرتاح فيها من ثقل اليأس.

شكراً جورج عبد الله، لأن لنا فيك مرفأ ثورة، لم تُسرَق.

جورج عبد الله حر، من الجمهورية ورئيسها وبرلمانها وحكومتها، حر من طوائفها وحثالاتها، جورج عبد الله حر.. عقبال باقي الشعب.

مدونة جوعان على الفيسبوك

بابا نويل 2012

24/12/2012

خضر سلامة

إذاً، تعود مناسبة الميلاد المجيد لتطرق باب احتفالات السنة المعتادة، ورمزه التسويقي كالعادة بابا نويل، الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء، فكيف سيكون حال بابا نويل في ظل النمو المضطرد للحركات الاسلامية المتطرفة تكفيرياً في العالم، واحكامها على باب الحضارة والنور من عنقه.

– بابا نويل السنة سيترك لحيته، وسيعفو عن الشارب، وسيقوم عند دخوله لكل منزل، بكسر قناني النبيذ على رؤوس السكارى.

– من لم يكن مهذباً هذا العام لن يحرم فقط من الهدايا، بل سيتعرض كل مواطن naughty لعشرين جلدة، بينما ستُرجم الفتيات بالهدايا على رؤوسهن.Untitled74

– لن يستلم المواطن هديته اذا لم يكن على وضوء.

– عربة بابا نويل الطائرة ستمولها قطر فاوندايشن، وستكون ضمن أسطول الخطوط الجوية القطرية.

– الهدايا هذا العام ستكون مقدمة من جماعة الأخوان المسلمين في القطب الشمالي، ومع كل هدية، كيس رز وسكر ونسخة عن برنامج الأخوان (كتيب من مئة ورقة بيضاء تماماً)

– مشروب العيد الرسمي هذا العام سيكون قناني من بول الأيل الخاص ببابا نويل، يوزع على الأخوة المؤمنين.

– عند عبور بابا نويل للأجواء الوطنية، سيستعيض عن عبارة “هو هو هو” الشهيرة، بصرخات “تكبييييير”.

– ستنشر الصحف مقابلة مع قرينة بابا نويل، السيدة الفاضلة ماما نويل، تحكي فيها كيف يبكي السيد بابا نويل كل ليلة حتى تبتل الوسادة، خشيةً وايماناً بالله.

– سيتم قطع رؤوس المشككين برحمة وطيبة بابا نويل دون رحمة في الساحات العامة، ليكونوا عبرة للظالمين.

– أغاني الميلاد سيقدمها الشيخ فضل شاكر، وستكون من كلمات الشاعر أحمد الأسير، وألحان الفنان الراحل بن لادن.

أعزائي، في خضم الحملات السنوية على احتفالات الميلاد ووصمها بأعياد الكفار، والحملات السنوية للتسويق والتجارة واستغلال كل شيء وبيعه على أنه فرح، حاذروا أن نعلق بين ثقافتين، ثقافة استهلاك بشعة، وثقافة اغلاق فكري أبشع.. أما بابا نويل، لا أعلم إذا كان موجوداً فعلاً أو لا، أما إذا كان موجوداً، في هذا العالم القذر المقسوم بين معسكرات القتل، وفي العالم المفخخ بالسيارات وبالأنظمة وبالجيوش وبالتكفيريين، فهي مشكلته… وليكن حذراً في تنقلاته ليلة الميلاد.

مدونة جوعان

مخيم اليرموك

17/12/2012

خضر سلامة

صرخت بحارة الفقراء خلف مخيم اليرموك يدعوكم أبو ذر إلى عقد اجتماع جائع لتدارس الأوضاع – مظفر النواب”

على كتف دمشق، قرب أبي جهاد، ينام أبو أيمن، يمسكان الذاكرة الفلسطينية من طرفيها، وحين سيأتي الشهداء الجدد من اليرموك إلى المقبرة، سيتفاجأ الرجلان بأن أحداً من هؤلاء الجدد لم يمت برصاصة اسرائيلية، ولا بتعب في العمر، بل بنيران “صديقة” جداً.

تصعد الطائرة في السماء، والميغ، أخت شرعية للفانتوم، ورفيقة سلاح للأف 16، تخدش وجه الغيمة الأخيرة التي لا زالت تؤمن بحقنا نحن العرب في المطر كأي بشر آخرين، وتطردها من هنا، كي لا ينبت حقل جديد يزود الشعراء بفكرة جديدة، تحوم الطائرة كذبابة سوداء حول أطفالنا الوسخين، وذاكرتنا المخضبة بالدم، وتنتقي الطرف الأشهى من جلدنا لتقصفه: مخيم اليرموك.

يحمل اليرموك جثته ويحاول أن يرحل، يحاول أن يقنع الجنود المتقاتلين على ما تبقى من سورية، أنه كبر في العمر ولم يعد يقو على القتال، يرجوهم أن يتركوا ما بقي من الوصايا، ومن الشعب، ليكملوا نهاراً واحداً بدون قتيل، ولا يقتنع الجيش، وحدة، حرية، اشتراكية: وحدة المقبرة بين اللاجئ والنازح، حرية انتقاء الصاروخ لمساره، اشتراكية الجميع في نعش واحد، الأرض نعشنا.. فيما من يريد الحرب لأجل الصلاة، سيكتشف متأخراً، أن لا صلاة ستقام في هذه البلاد إلا صلاة الميت.382099_566658993350510_1399894940_n

لم أشاهد نشرة أخبار واحدة، لم أعرف من تبنى ومن نفى ومن اتهم ومن استنكر، قرأت في العيون وفي البكاء كتابة، وقرأت في قصائد شعراء الماضي نبوءات الدم، قرأت في اتصال القضية بالقضية، واللحية بالسيف، والشارب الحاكم بالمدفع، قرأت في صلاة قادة جيشنا في معسكر الأعداء، وإمامة العدو لمراسم الحج، قرأت في الحروب الكاذبة وفي أصابع الجنود المنتصرين على أنفسهم، والمهزومين أمام كل آخر، قرأت في التكبير لقطع رأس، وفي الجزمة العسكرية لقطع نفس، قرأت في كل ذلك ما يكفيني أن أصوم عن الحزن، وأن أتهمنا أننا أصبحنا أكثر من تمساح يبكي قتيله: صرنا زواحف مهددة بانقراض عواطفها.

في اليرموك صورة مصغرة عن قضية كتب من كتب لأجلها، وقاتل من قاتل لأجلها، وناضل من ناضل لأجلها، في اليرموك صورة مصغرة عن حلم العودة وقبر لمن غدره النوم على الطريق، في اليرموك قصة ناس بسطاء، عمروا حلماً جميلاً وسط الشتات، ومثال لمن أراد أن ينأ بنفسه عن المجزرة والمعارك العبثية، فشده المدفع من أذنيه إلى المعركة، وأراد تاجر السياسة تصفية حساباته قبل نهاية السنة: هات من دمك يا مخيم ثمن شعاراتي القديمة.

لأن العالم سكت عن القتل في مخيم البقعة بالأردن، ولأن العالم سكت عن القتل في مخيم تل الزعتر بلبنان، ولأن العالم سكت عن القتل في مخيم جنين بفلسطين، لن يكون لمخيم اليرموك حيزاً كبيراً من البكاء اليوم. يكفي أن تبدأ القصة بكلمة مخيم، كي يلتفت الكوكب لخبر آخر.

مدونة جوعان على الفيسبوك

دوّن للحريّة

03/12/2012

خضر سلامة

أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها، الحرية التي هي نفسها المقابل – غسان كنفاني

من أين نبدأ بالحديث عن الحرية، ومعتقلي الرأي في العالم العربي، في إطار اليوم المقرر للتدوين عن الحرية تضامناً مع معتقلي الرأي في الأردن؟ لا أدري، الكتابات كثيرة، والشعارات أيضاً حفظتها الحيطان والصحف والمناشير، نكتب لنهاجم نظاماً عربياً لا يقرأ، ونصرخ في أذن نخب وأحزاب لا تسمع، ونبكي أمام منظمات دولية لا ترى، ونمد يدينا لجماهير مصابة بشلل العشائرية النصفي، أو شلل الطائفية التام، ثم ننشر صور شبابٍ يُضربون، يهانون، وبعضهم يقتل، في سورية وفي الأردن وفي البحرين وفي مصر وفي تونس، لأجل الحرية، كم كنت قاسية معنا يا حرية.

الحرية يا أصدقاء، هي حق غيرك في أن يجعلك تسمع الرأي الذي لا يعجبك، والحرية، هي حق المواطن في خدش رخام القصر، والحرية، هي أن يكون الملك حذاءً، إذا كان الشعب حافياً، والحرية، هي أن يكون الضابط ساهراً على أمن الشعب، لا أن يكون الشعب كله ساهراً في معتقل يديره ضابط مصاب بعقدة الذات، الحرية، هي أن يطبخ الفقراء راحة الحكومة، حين يجوعون، وأن يقلق الشاعر آبار النفط والغاز، حين يصاب بجفاف الثقافة من فجر الأمير، الحرية هي حق المتظاهر في السير في مظاهرة يعرف أنه سيعود منها، وحقه في أن تتعرى الدولة من المحاكم العسكرية، ومن الإعلام الشتّام، ومن عصا البوليس، ومن بواريد الجيش، ومن الطابور الخامس والطرف الثالث والأصابع الخارجية والأجندات الأجنبية، حين تدعي الحوار معه، دون أن تعريه وحده، في معتقلات التعذيب والاغتصاب.299907_10151278647153399_902323234_n

الحرية، ليست ابنة الديمقراطية، الحرية هي صانعة الديمقراطية، وأم صناعات الثقافة الانسانية كلها، من الأدب إلى السياسة فالابداع والترتيب الأسري السليم، الحرية ليست بالضرورة حق التصويت، بل الحق في أن لا يقطع أحد رأسك إذا صوّتت أو قاطعت، وليست بالضرورة حقك بالكلام، بل في أن لا يقنن أحد لك حنجرتك أو يعدّلها على ميزان الدولة أو الدين.

حين يخاف النظام العربي، والأردني ضمناً، من شعار الخبز، فهو يعرف أنه يسرق الخبز ويمنعه عن بطون الفقراء، ليبيعهم إياه بالولاء، وحين يخاف من الحرية، فهو يعرف أنه وريث امبراطوريات الدم وعلى عداء مع هذه الجميلة، وحين يغضب من العدالة الاجتماعية، فهو يعرف أنها سكين سيذبح عنق القابعين فوق جماجم البؤساء.. جربها: خبز، حرية، عدالة اجتماعية.

في الأردن ملك جبان، ساقط في اللغة وفي التاريخ، يحيط نفسه بحاشية من سوس التحريض والتقسيم والخبث الطائفي القبائلي والعنصري، ويقصف شبابه بالترهيب والاغتيال المعنوي، ومثله صور فوتوغرافية بعد أبشع في كل البلاد، وتحت هذه الصور الفوتوغرافية، على شبابيك القصور ضحايا كثر كتبوا بالدم وبالقيد: الدين لله، والوطن للسفارات، والمُلك للملك، وجزمة الضابط فوق رأس الجميع.

الحرية، لكل أسرة الحلم العالمثالثي والعربي، الأردني والسوري والمصري والبحريني والتونسي و…، من سجون الجاموس المسلّح بكل فنون التعذيب والكذب والتحريض والقتل، والناطق بالعبرية الفصحى، في إعلامنا السافل.

جوعان على الفيسبوك

مسرحية الاستقلال اللبناني

22/11/2012

خضر سلامة

حدث في مثل هذه الايام من عام 1943، قامت القوات الفرنسية (بالحقيقة كانت قوات سنغالية مرتزقة تنوب عن الفرنسيين في لبنان، ولكن اللبناني لا يهون عليه ان يعترف بذلك ويفضل ان يدعي ان من احتله “أبيض”)، قامت هذه القوات، باعتقال صندوقة بطاطا لبنانية فيها رؤوس كثيرة: بشارة ورياض وسليم وعبد الحميد وعادل وكميل، اقتيد الزعماء (اثنان موارنة، اثنان سنة، واحد كاثوليك وواحد شيعي) دون تمثيل درزي إلى راشيا، بسبب انشغال وليد جنبلاط ليلة الاعتقال بمقابلة مع مارسيل غانم.

على كلٍ، اعتقل القادة اللبنانيون تحت ظروف قاسية، قطع الفرنسيون كونكشن الانترنت عن القلعة وصادرو آيباد الزعماء، واوقفوا خدمات البلاكبيري، فلم يستطع رياض التواصل مع اصدقائه الانكليز، وتم تعذيب الرئيس بشارة نفسياً بمصادرة قبعته والباسه حطة وعقال، ما جعله يشعر لوهلة انه عربي، اما فتى العروبة الاغر، كميل شمعون، فتم وضعه في زنزانة واحدة مع ثلاثة فلسطينيين، ما جعله يعترف بكل شيء، كما لم تسمح ادارة السجن للمعتقلين بمشاهدة آخر حلقة من مسلسل مهنّد، ما دفع منظمة الصليب الاحمر الدولي لمناشدة الفرنسيين بتطبيق معاهدة جنيف، والسماح لمريم نور بزيارة المساجين.

بعد هذه التصرفات الهمجية من الاحتلال الفرنسي، قامت مجموعة من الشباب الوطني اللبناني، بتشكيل أن جي أو، وقدموا طلب تمويل الى الUs aid، نظموا على إثرها ندوة ضخمة، أرعبت القوات المحتلة، أتبعوها بمداخلة على قناة الجزيرة، فضحوها فيها الجنرال ديغول وعرضوا صور عارية له، لم تقتصر المقاومة اللبنانية فقط على تشكيل أن جي أو، بل قامت مجموعة شباب أخرى، بفتح مجموعة على الفيسبوك، دعوا فيها لمقاطعة برج ايفل، والتصويت لمغارة جعيتا، الفنانون اللبنانيون لم يغيبوا عن الحدث، إذ أدت الفنانة صباح ديو مع الفنان انريكيه اغليسياس، ولبس الفنان عاصي الحلاني جعبته العسكرية وركب حصانه وصور فيديو كليب وطني قلن فيه انو لبناني.

Special-PrizeAres-Cuba

بعد هذا التوتر في البلد، وبخطوة تضامنية من الاشقاء العرب، ومع استمرار اعتقال القادة اللبنانيين، قام الملك السعودي عبد الله عبر قناة روتانا، بعد كليب هيفا مباشرة، بتهديد فرنسا بمقاطعة أمراء آل سعود لكازينوهات باريس، واطلقت المخابرات السورية تحذيراً الى السفارة الفرنسية بدمشق من “اعتصام عفوي” يقتحم السفارة فجأة ويحرقها، أما المجلس العسكري المصري فأعلن عن اعتقال اربع اصابع خارجية، وست أيادي خفية، تعبث في الوضع اللبناني.

أما في لبنان، تعرض الرئيس امين جميّل لحالة اغماء لأن الفرنسيين لم ينتبهوا لوجوده ونسوا اعتقاله، واجرى النائب السابق مصطفى علوش، ورئيس حزب البعث فايز شكر، مناورة عسكرية مباشرة على قناة الام تي في، كتحذير للقوات الفرنسية، أما رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن، فقد دعا إلى اضراب عمالي اذا لم يتم الافراج عن القادة، ولكن تدخل المفوض السامي الفرنسي نابي برّي، اجبر غصن على الغاء الدعوة، ومع تدهور الاوضاع، قامت فرقة خاصة من رواد بارات الجميزة، بالتعاون مع رابطة رواد المعاملتين، وادارة كازينو لبنان، بعملية كوماندوس، احتلوا على إثرها اذاعة نوستالجي، وبثوا منها اغان لعبد الحليم حافظ.. أمام هذا التصعيد، أعلن الاحتلال السنغالي، الفرنسي، الاحكام العرفية، وقرر بهمجية منقطعة النظير، معاقبة الشعب اللبناني عقاباً جماعياً عبر… اطلاق الزعماء وتسليمهم الحكم، واستلموا منذ حينها، هم وسلالاتهم، حكم الوطن لبنان، حراً سيداً مستقلاً.

أخيراً، يستطيع المعجب بمسرحية الاستقلال، وهذه الكذبة التاريخية الكبيرة، أن يشتري أي نسخة من كتاب تاريخ لبنان، ثم يبله بمياه ساخنة، ويشربها صباحاً على وقع النشيد الوطني، وابحثوا ايها اللبنانيون، في تاريخكم المزور، عن من ينصف المقاومين الحقيقيين الذين اغفلهم لبنانكم هذا: ادهم خنجر، ملحم قاسم، صادق حمزة.. وغيرهم، ممّن استبدلهم التاريخ الكاذب، بحفنة بذلات رسمية، وعملاء وتجار

مدونة جوعان على الفيسبوك

مدنيون اسرائيليون؟

21/11/2012

خضر سلامة

عندما تكون بلادك تحت القصف، وأنت تنام على مجزرة، وتصحو على مجزرة، وتكون صور أطفالك المقتولين معرضاً لوسائل الإعلام الدولية، ويخرج عليك، لسوء حظ هذه البلاد، ناشطون، بين القذيفة والقذيفة، ليستنكروا كل صاروخ يخرج من يد فدائي رداً على ألف صاروخ اسرائيلي، بحجة: لا تستهدفوا المدنيين الاسرائيليين! أو: ما ذنب “أبريائهم” أيها المتوحشون، حين يمر هذا المشهد في يوميات قراءاتك أو متابعاتك، فاعلم أنك تعاصر الدرك الأسفل من الثقافة.

لقد نجح الغرب، بانتاج طبقة مثقفة بهؤلاء الناشطين، عبر أعوام العمل على تعميم فكرة السلام (المباشر والغير مباشر) وتشويه فكرة النضال اللاعنفي إلى ما يؤدي إلى التخلي عن النضال نفسه، وعبر استهداف فكرة الأحزاب والأيديولوجيات إلى أن أصبحت العقائد، أي عقائد، عدواً بالنسبة إلى خريج هذه الورشات، اصبحت هذه الطبقة، بمعظمها على الأقل، جاهزة عند الحاجة دون تحريك، تخرج عند أول معركة مع العدو، لتمارس جلد الذات، لا النقد الذاتي، جلد الذات حرفياً بحق شعبها وفصائله ومقاومته وصموده، متناسية حجم المعركة وأفعال العدو.479961_447691281965518_1859658838_n

اليوم، كما شهدنا في كل معركة، يعود هؤلاء ليناقشونا في منتصف الحرب، وهي عدوان اسرائيلي واضح على غزة، وردة فعل طبيعية انسانية بمقاومة يومية، لا توازي العدو عسكرياً، ولا في حجم الدمار، ليناقشونا في أهداف هذه المقاومة واستراتيجياتها، ويطالبون تجنب الاهداف المدنية، يطالبون ردة الفعل اذاً، بالتعقل، في مواجهة فعل هولاكوي يحرق الحجر والبشر يومياً.

لماذا استهداف المدنيين؟ طبعاً، نبدأ من فكرة أن هؤلاء اصلاً، هم محتلون مباشرون لأرضٍ ليست أرضهم، وهؤلاء، هم جنود احتياط في الجيش الاسرائيلي، وهو جيش الحرب الاسرائيلي لا جيش الدفاع بالمناسبة، وهؤلاء، قاتلون يوميون بشكل مباشر أو غير مباشر، الا اذا استثنينا فئات صغيرة جداً، محدودة أكثر من ما يمكن تخايلها بالحجم، من أناركيين واقصى اليسار، معزولون ومنبوذون في المجتمع الصهيوني، لا يوجد مدنيين في اسرائيل، واذا وجد، ففي حالة الحرب، تنتفي عنهم هذه الصفة، ويصبح من الضروري أن تواجه عدوك بسلاحه، وأن تقف لتقارن حجم الجرائم بحجم فعل المقاومة، وبعدها، حكم انسانيتك، لماذا استهداف المدنيين لأنها رد فعل ضروري أولاً، وأيضاً، لضرب أساس دولة اسرائيل القائم على أنها الحضن الآمن للقومية اليهودية حسب الفكر الصهيوني وبلاد العسل، التي لن تكون بفضل هؤلاء المقاتلين يومياً لصون كرامتهم والثأر لمن قضوا، بنفس سلاح اساتذة الانسانية الحداثوية.

أما حجة أن بعض هؤلاء، مع المقاومة المسلحة ومع اطلاق الصواريخ إلا أنهم ضد استهداف المدنيين، فهو إما جهل عسكري أو مكر اعلامي، كيف يمكن لمقاومة تملك صواريخ غير حديثة، وهامش دقتها ليس بذي أهمية حقيقية، أن تمارس هذا الترف؟ وكيف يمكنها أن تؤلم عدوا يملك من الأنظمة الدفاعية ما يملك حول منشآته العسكرية والحساسة.

مشكلة الناشط العربي، ببعضه المتحضر خصوصاً في ورشات العمل الانسانية أكثر من اللازم، أنه أصيب بمرض الرأي العام الدولي، صار همه وشغله الشاغل، اثبات حضارته للآخرين، عبر جلد شعبه ونقده وعبر التبرؤ من الغريزة الانسانية الأولى: رد الفعل والمقاومة، مقاومة الجوع ومقاومة الموت ومقاومة الاحتلال أيضاً، ومشكلته أيضاً، أنه لا زال يصدق أصلا وجود ما يسمى بالرأي العام الدولي، ومشكلته الأكبر، أنه انفصل انسانياً عن مجتمعه وبيئته وشعبه وقضاياه وتاريخ النضال الوطني، ليتصل بما يراه انسانية أكثر حداثوية، أو بالأحرى، ما يسمى بالما بعد حداثوية.

عزيزي الانساني، من سوء حظك وحسن حظنا، أننا لسنا شعوب هنود حمر، ولن ننقرض، ومن سوء حظك وحسن حظنا، أن بنا نساء ورجال وأطفال، يرضعون فكرة القتال ضد كل “آخر” يستوطي حيطنا، من الحجر الذي يلاحق سيارة المستوطن حين تعبر، إلى العبوة التي تنسف باصه لتفهمه أن هذه الشوارع لن تمد لسانها لشوارعنا المدمرة، إلى الصاروخ الذي يخرج من فوق ركام طيارات، ممولة بنفس من يمول وسائل الاعلام الحضارية، والمطاعم الحضارية، وورشات العمل الحضارية، والمؤتمرات الحضارية، وطبعات حقوق الانسان الحضارية.

تحية للمقاومة الفلسطينية، وسلام على روح كل مدني وفدائي فلسطيني، اغتالته اسرائيل، وخيانات بعض العرب أيضاً.

مدونة جوعان

الحرب على الكوكب

01/11/2012

خضر سلامة

السيد، كوكب الأرض المحترم، بكامل أناقتك، بكامل لياقتك الحضارية

تحية طيبة، وبعد

نكتب إليك من بلادي، حيث لا تشرق الشمس إلا في ما ندر، وحيث لا نراها، إلا إذا استراح الطاغية قليلاً، لنخرج من ظله إلى الضوء، من البلاد التي تحفرون بصدرها، لتأخذوا النفط، فلا يبقى في الصدر حليب للأطفال، من هذه البلاد التي فقدت عراقاً، وفلسطيناً، وتحاول أن تتمسك بشيء من سورية.

نكتب، نحن، هذه الكائنات الحية الغريبة التي لا تعرف أنت أسمائها، بل أرقامها، تعرفهم بالمئات في حلب، بالآلاف في بغداد، وبعدّاد معطوب في غزة، نحن، لا يعنينا الطابور الخامس، إلا إذا كان على باب الفرن، ونفهم الطرف الثالث على أنه الطرف الاصطناعي الضروري لقدم بترت، أو يد طارت كورقة، نحن الوجبات الجاهزة لكل مؤامرة تنسح، نحن الذين لم نعرف من الديمقراطية، غير فاتورتها التي ندفعها آخر الشهر من مقدراتنا، وأرواحنا، وأحلامنا.

397076_2987252833097_1774874134_n

السيد، الكوكب المحترم،

نحن من لم يحترمنا أحدٌ يوماً، يبصقون علينا في المطارات لأن لنا جداً ألف كتاباً، فأحرقناه كي لا يجبرنا على تعلم القراءة، ولأن لنا صبيةً سمراء كبرت، ونضج ثديها فخفنا من حليب النثر، فبعناها للموت بحجارة الرجم، يبصقون علينا لأننا حين وجدنا مسامير كثيرة في قبو التاريخ، تسلينا بدقها في أيادي الفلاسفة كي يخنقهم عرق جبينهم.

تعال أحدثك قليلاً عن معنى الصحراء، الصحراء أيها المتخمون بالفرح، بالحب، بالسهر والغناء، ليست المساحة الصفراء الكئيبة على الخريطة، بل هي القلب حين تفتحه، ولا تجدون فيه غير الرمل، الصحراء هي المحبرة التي يوزعها علينا معلم اللغة العربية، كي لا ينبت الأقحوان فوق قصائدنا، وكي لا نخترع لغماً مجازاً، يثقب بحار الشعر ليعيد تنظيفها من نفايات التاريخ، الصحراء، ليست الأرض القفر، بل هي النفَس الصفر، حين أضع يدي على فمي، فلا تجرحني حرارتي، بل يقتلني بردي، وموتي.

هل حدث، وأخبرك أحدٌ عن النخل؟ أنا لا أعرف النخل، كلما ركضت خلف واحدة، اكتشفت حين أعانقها أنها شوكٌ يجيد فن التنكر، فجرحتني، كلما واعدت نخلةً على كأس، مددت يدي تحت فستانها لأكتشف أنها لا تجيد التمر، ولا تطرح غير الحجارة، فتكسرني. لا نخل في بلادي، أخالها صلباناً ترتفع حولنا، كل واحدة تنتظر شاعراً يعلقه النظام، أو تعلقه الثورة.

أيها الكوكب الجميل اللعين،

كيف تقضي نهارك العادي؟ نحن لا نعرف كيف يكون طعم الغداء بدون قذيفة تغير طعم اللقمة في فم الأب، وشكل رأسه أيضاً، ولا نعرف لون الفجر بدون غارة حربية، تدق جرس المدرسة ليقوم الأطفال إلى قبورهم، لا نعرف من حقوق المرأة إلا حقاً بدائياً: حقها في البكاء لأن حارس الشرف العربي، فضّل أن يكوي وجه ابنها ليعلمه الأشغال اليدوية.

يا، أيها الكوكب الغليظ الشكل، إلى أين نلجأ حين نتعب من كل شيء؟ إلى أين نلجأ حين لا ينفعنا الهروب إلى البحر، لأن في البحر مصيدة الغرق، ولا نجد فسحة في التراب، لأن المقابر كثيرة، ولأن جنودنا يخبؤون وجههم في ما تبقى من أرضنا، ولا إلى السماء، لأن الله أوكل لملائكته مهمة رمي المتسخين بالحزن عن درج الغيم، إلى بيوتهم، كي لا يوسخوا بلاط الجنة.

وأنا متعب، أصغر شيء صار يتعبني، فكيف يفعل الوطن إذاً؟

كيف أفعل مع هذه الأحزان، وأنا لا زلت أراهن، أن ثمة مخبول سيخرج يوماً ما، ليفخخ قفا الكوكب، وينسفه بمن فيه، فيكمل الكون نهاره غير مبالٍ.

كيف أفعل مع هذا الغضب، وأنا أحتاج إلى حذاء من نار، علني أركل كوكب الأرض في خصيتيه، فيتوقف عن الزنا بخريطة المجرة.

كيف أفعل مع هذه الحاجة الملحة للثأر، وأنا لا أملك رقم هاتف هرقل، لأقنعه أن يرمي عن كتفيه الكوكب، ليتدحرج تحت قدميّ جهنّم فيذوب.

لا، لا أريد حزناً، ولا ثأراً، ولا غضباً، أعرف ماذا أحتاج، أريد إلهاً عادلاً واحداً، يهزّ الكوكب قليلاً، فينام المتعبون.

مدونة جوعان على الفيسبوك

خريف الأقوياء

09/10/2012

خضر سلامة

تتدلى الخطيئة من سقف السماء كشهبٍ يقفز فوق رؤوس الناس جميعاً، ليصيب صوتك وحدك بداء الندم، تقف على كتف الهاوية لتصرخ بالحزن: دع عنك قلبي، وخذ قلباً آخر تمرجحه بين جهنمين: جهنم الشوق وجهنم الرفض.

تجمع حولك من تبقى من رفاق الدرب ممن لم يسعفهم الوقت بعد لطعنك، يشعل لك الأول لفافةً من لفافات الأرض الحُبلى بالتبغ، فتحرقك قبل أن تحرقها، يغريك الثاني بخط أبيض من اللاوعي، تمشي بحذر فوقه كي لا تعلق فيه، يعاجلك الثالث بأحدث ما أنتج الحزن العربي المزمن من نكت، ويعيرك الرابع حنجرته ولا تهتم… لا يعجبك الشيخ إمام هذه الليلة، فالشيخ ملكية خاصة لأحلامكما، تهرب من أي وتر عودٍ زائر، كي لا يخبئ في نوتاته دمعة، تخنقك ولو عن بعد، بأغانيها، لم تترك لك حيزاً من الموسيقى، لها بصمة في كل موسيقى.119295_600

تشعر بذنب كل خطايا البشر ومآسيهم، تود لو تعود عشرين عاماً إلى شطّ تونس لتصرخ بأبي جهاد: لا تفتح الباب يا رفيقي… فلا يقتله الرصاص، ولا تُقتل الثورة، علّك إذا كبرت تصبح فدائياً يقنعها أنه لم يسر لأحدٍ بحبٍ إلا لحقل أبيه.

تودّ لو تكفّر عن كل جراح الخريطة، تشعر أنك المسؤول عن أفريقيا، تشعر بالحاجة لصنع قدْرٍ من جماجم الطغاة، تطعم به طفلاً يرشق المستعمر بأغصان الشجر، تصلح طفلاً واحداً، كي ترى فيه حين يكبر، لومومبا آخر يحرّر هذه الأرض، علك تبني لها كوخاً بحجم قصر.

أنتَ المسؤول عن كل مجزرة، عن كل بكاءٍ لم تترك لك بذلتك الرسمية أناقة كافية لتهرع لتكفكف خده، تحلم أن تصبح حصوةً صغيرة، أقل من حجر، يسد فوهة البندقية، لتكف عن اختراع أسباب الموت، تنصب الكمين للمدفعية لتخطأ هدفها، فلا يموت البيت، ولا يغتم قلبها عند نشرة الأخبار.

أنتَ أنت، وحدك المرمي في قفص الاتهام، تسأل نفسك ماذا فعلت للموتى، ماذا صنعت للأحياء، ماذا تركت للقادمين ضيوفاً على عمرٍ سينفضهم أيضاً يوماً ما: لو أنّك حين وطئت الأندلس، أقمت مملكة الموّال مجدداً، ولم تكتف بهدية عابرة، لو أنّك حرّرت غرناطة من ألم الهزيمة، وسامحت قرطبة على نكستك الأولى، لربّما، كانت قبلت بمنصب ملكة من عصرٍ لا يتركنا، أو أكثر قليلاً.

الحزن داء، امرأتك والوطن، أسرتك والقضية، حواسك الخمس حين تصير معمل ذكريات، تعلّب كل الأشكال وكل الروائح وكل الألوان وكل الأصوات، في صندوقٍ من خشب البصرة، يبيعه تاجر الأفراح في سوق الكرخ ببغداد لسوّاحٍ قدموا ليشتروا أحدث صناعات بلادك من الدموع… الحزن داء، والخريف يقزّمك ورقةً صفراء، يدوس العابرون عليها، فتزداد التصاقا بالرصيف.

أنا ملاكٌ هرِم، رمته الجنّة إلى كوكبٍ لا يعرفه، أتعبته المدينة ومن فيها، تمشي الشوارع عليه كما يمشي قتيلٌ إلى قبره، ثقيلاً ثقيلاً… أنا ملاكٌ مهزومٌ بثمرة محرّمة، كان لا بدّ عقاباً، أن يموت جوعاً.

مدونة جوعان


%d مدونون معجبون بهذه: