Posts Tagged ‘نشرت في منتدى صوتك’

أشياء حزينة

06/09/2010

خضر سلامة

في زمنٍ مضطرب/ زمن فوضى الأوطان والأحزاب والخرائط، وفوضى الكتابة والقراءة، يكفي أن نأخذ خطوة للوراء، للبحث في اللون الأصفر للزمن البعيد أو المكان الأبعد، للتأمّل، خطوةً للوراء، كي نرى المشهد بوضوح المسافة، أو قسوة الطعنة.

1.
هكذا تبدأ القصيدة
دمعة وبسمة:
وكلام كثير.

2.

بين الفجر والغروب
رائحة الأرض عند أول مطر
وضجيج العبور
قبيل السفر
بينهما أغنية بيانو
لم ينهض بعد من سبات الضجر

3.

وأتيت إليك
حاملاً نعشي على ورقي…
أشيائي الحزينة، قهوتي واليأس
وقبلةٌ بعد قبلةٍ ما عادت تغريني
إليكِ، حاملاً جسدي
وبقاع تشردي
أبحث عن وطنٍ، عن حانة
عن وسادة
عن رصيفٍ يفرش لي أحزانَهْ
يقبلني…لا يسألني
من اين أتيت وكيف أتيت..
لكني أتيت!

4.

تقرعني أجراس الكنائس
والقلب مأخوذ بإيقاع مارسيل
في حنجرتي عصافير ونوارس
وبلابل حمراء ورسائل
حزينة كأعمدة النور
فكيف السبيل إلى القصيدة

5.

عندما تطلع فيروز من نافذة الحزن
كفجرٍ يبحث عن سريرٍ ليبسط ألحانه
أضيء لها صلاةً وأسكب القليل من الصمت
…وأبكي

6.painting

ما بين الطفولة والرجولة
مساحة شهوة ومسافة لذة
تدفعهما سويةً للبكاء
ذاك هو عبورك…

7.

بي رغبة لأن أغمس حبري في بساتين سفركْ
كي أصنع من حطام حطامكِ وجه مقصلتكْ
بي رغبة أن أحضر كالموج
مراسم تعبكْ
أو أصدح كالزلزال
بما ترك لنا العشاقُ
…من كلمة أحبك
8.

كئيبةٌ كانت عودتك كعودة الخريف
وخافتةٌ صلاتك
وكافرةٌ…
ككفر الجوع إلى الرغيف
كئيبة.. وظلام عينيك الخافقتين في البعيد
خيط دخانٍ تلاشى بين أبعاد المصير
…تلاشى
بين خاصرة السماء وأقدام المستحيل

9.

…ذات مساء
كنت كإلهٍ يوناني شقيٍ عابث
تتراقصين شغفاً ولذة
على نغم غيتار إسبانيٍ عاشق
غيتار… تلاحقك أوتاره كزهرة غاردينيا
يرجو أناملك العاجية أن تدوسه
لتشبعه موتاً… وشهوة

10.

كم أثملني ذاك الللحن الاسباني الكئيب
ذاك الجرح العربي في جبين الغيتار
كم من قرطبة تسكن بين النوتة والنوتة
كم من غرناطة تنبت بين الاصبع والاصبع
كم من أندلسٍ… في لحظة طرب واحدةٍ
أدرك أني أعشق
كم من أندلسٍ.. في لحظة وعيٍ وهزيمة
أدرك أني.. فقدت

11.

تتركني أمطار تشرين الرقيقة
معلقاً بين الشتاء والصيف
لا أطلب من السماء قراراً ولا ثباتاً
فأجمل الأمطار هي الآتية بلا موعد

والراحلة بلا وعد

12.

غداً ترحل النجوم وتبقى السماء لنا
غداً.. تقف الأيام عند محطات المغنى
وحدود المعنى
وسيأتي تشرين ككل صباح
لنقول له ويقول لنا
ليكنس كل مكاتيب البرد

وليزرع فينا… ربيعنا

13.

…أحاول أن أقطف صوتك من ضجيج الشاشة
فلا أحصد الا علامات التعجب
فمتى تحين مواسم اللقاء؟؟

14.

قصفٌ اممي في قلبي
وامرأة تخلع ثوب الصوم
وتقدس آلهتي
في عينيك أخبأ حزني
وأطوّبك بالرمل امرأتي
وجهك أكثر الماً من سكين
يخلع خاصرة الثوب
ويقبّل..
وجهك أكثر حزناً من تشرين
لا زال يسبّح باسم العشب!

15.

في عتمة أنفاسك،
خبأت أنفاسي الأخيرة
وأقفلت ذكريات وطني
ووجهه الممزق الجميل
بشيءٍ من الكآبة

الشيء الأخير

أجمع أحلامي في زورق
لأمارس فيه…
جوعي للحب… للآخر، إليك!
كي أفرغ في صمت اللحظة
صلاتي الأخيرة
وأسلم للريح بكائي
وأموت كموت الشعراء
حزينا…ووحيدا!

الرسم بالفقراء

10/06/2010

خضر سلامة

يطالعني ضلعٌ أفريقي أسمر نسيته قوافل الجوع الهاربة الى الموت، أكتب فوقه اسم مئة مليون طفلٍ اذا ما جاعوا مضغوا أدعيةً وترانيم.. واذا ما عطشوا، شربوا من خمرة الصبر.. والله يحب الصابرين.. والجائعين.. والمنقادين الى نار الموت ايضاً. (خضر)

في آخر ليلة
صوت بكاء
والصوت لطفلٍ والطفل لأم
والأم لها الله
في هذا الليل وعطف العابرين.

“الفقر، أن لا تملك كفاً تمسح خدك
إن فرّت دمعة حزنٍ من ثقبٍ في العين
الفقر، أن يطرق قلبك عزفُ بيانو
لا تفهمه الأذنين
الفقر، أن يبحث ثغر الطفل عن الثدي
ويجفف صمتُ العالم ما في الثديين.”

وسأرسم في وجه الرين
صورة قارب
حمل الطفل الأسود عبر المتوسط
صوب الشط الأبيض
هرّبه جوعاً من أرضٍ جاعت
أكلت دمع الفقراء
وتقيأت الجوع على وجه العالم
آلاف الأموات.

وسأرسم في الشارع
لمس يدين لطفل
والطفل له أمٌ
وصوت بكاء.african_painting_CAL_006

"من سرق اللون الأسود من أفريقيا
من ألبس فرح الغرب المتخم بالأضواء
هموم المنسيين أمام لجان الغوث
وحروب الصحراء.
من ألبس فرح الغرب هموم المطعونين
بحبة رملٍ تزرع موتاً في الأحشاء!"

ثم من
من يعرف كيف النوم يذوب
في بسمة طفلٍ يشحذ رائحة الخبز
في حلمه:
والرائحة بلا ذكرى.
من يعرف كيف يكون النوم على قدحٍ من ماء
من يعرف كيف
يجعلك الحزن بعينيه وعينيها
تعرف كل الأشياء.
والعالم لا يعرفها.

فالعالم سقفان
بناه فلانٌ من لونين
أعطى مفتاح الضوء لأهل الشمس
وترك الليل لأهل العتمة
العالم سقفان

العالم
سقفٌ من ذهبٍ وعيون زرقاء
والخارطة صحونٌ تأكل فيها.

العالم
سقفٌ من تعبٍ وصدورٍ مكسورة
وعيون مطفأةٍ
تبحث عن جمجمةٍ لم تطفأها بعد الأنواء:

كي تُدفن فيها!

من أين يأتينا الفرَح؟

25/05/2010

خضر سلامة

.. ثمّ لماذا كلما ارتفع سعر النفط العربي، انخفض سعر الانسان العربي، ولماذا كلما انخفض سعر النفط العربي، ارتفعت أسهم سوق النخاسة؟

حسناً،
أخبرني رجلٌ ممعنٌ في العروبة يوماً، أننا كلما ابتعدنا أكثر عن الوطن، نراه أجمل وأجمل.. فالله يسكن في المساحة الضيقة بين حدّ السيف وأصابع الحرف، وأخبرني أن من فوق شرفة الشوق سأسقي ظمأ العين بلون البحر، لأن البحر صديقنا، والبحر مركبنا وملعبنا.. أخبرني العجوز قبيل الدفء بلسعة ليل باردة، أن كل الأطفال الذين لم أنجبهم بعد، والأشجار التي لم أسقها بعد، والقصائد التي لم أكتبها بعد، وكل النساء اللواتي لم أحتس ي من جدائلهن ياسميناً بعد.. كل أشيائي تنتظرني.. "فإن افتقدتَ أشيائك ومدنك يا ولدي.. لن تفقدها".RESIST_logo_40th

والآن أعرف أن العجوز كان طيباً حد الحماقة، فكلما ابتعدتَ أنتَ عن الوطن، أصبحتَ تراه ممزقاً كرصيفٍ يمرح الريح فوقه: مشنوقاً على حائط الفضيحة، وطنٌ تستبدل الأسماء فوق خارطته بأحجام المذاهب، بمخازن الرصاص.. وطنٌ يضيق بحزن الجياع.. وطنٌ يُعار.. شعبٌ يباع.. أنظمة عار..

البحر خاننا يا خال..
وفتحنا يافا يوماً للبحر، فزرع الموج في ثديها الأول مسيحاً دجالاً يحمل ملامح  نبيٍ توراتي كذاب، وفي ثديها الثاني أعوراً يهوى كشف عورات العرب.. جائنا بنو صهيون من البحر يا خال، غدرنا البحر.
وحملنا الصنارة والشبكة، وسألنا بحر غزة أن يطعمنا سمكاً ووطناً، فأكل البحر من قلب هدى غالية، وبصق فوق شفتيها حوتاً يشبه السفن، وليس بسفينة، وابتلع شباك الصيادين وأغانيهم.

جئنا بحر بيروت كقافلةٍ من نار، ورأينا حذاء فدائيِ يشير إلى الشاطئ ويقول: من هنا رحلت الكفافي مخضبةً بدم الحصار، تراها خافت بيروت من عدوى جدار برلين فخلعت عنها ثوب الأشعار ولبست دفاتر التجار، من طرد السياب منها وأعطى ألف كازانوفا تأشيرة دخول؟ أتى السواح يا خال إلى بيروتنا وصارت معرضا للأسماء العربية المهددة بالانقراض، خبئنا خجلاً مكتباتنا ومسارحنا، وأقمنا حفلات المآتم السنوية، لأننا شعب نحب الرثاء، وزّعنا البحر على سماسرة الأملاك الخاصة، ولصوص الأملاك العامة، ثم تسائلنا.. هل البحر "غضبان ما بيضحكش؟".

وافترشنا الرمال بنفسجاً رسولاً لحزننا وانتظرنا كثيراً.. سألنا عن قرطاج، قالوا سقطت في فم اللغة العبرية وأكلت من لحم العابرين، كتبنا في مصر قصيدةً وانتظرنا صوت حاديها، فشوهتها خصور الراقصات، قصدنا شارع جدٍ لنا في بغداد يكنى بالمتنبي، فانفجرت بنا شحنات الطوائف، عدنا مكسورين إلى دمشق فاعتقلتنا أقفاص الخطابات الفارغة، طلبنا من صور ضوءاً فأعطتنا لون الحداد، وأضاءت ستين شمعةً لحزن الجليل.

وطنٌ من عمر الخليقة، لعبنا فوقه لعبة الهزائم، نهزم أنفسنا كل يومٍ، ثم بعد ذلك يأتي يهزمنا الآخر: الأعداء والطوائف والمال وروتانا وسجائر المارلبورو، تأتينا كل الأشياء من نشرة الأخبار وتهزمنا، نهرب صوب الشارع فيضيق بنا ويغيّر لون أشجاره يجعلها اسمنتاً خانقاً: كيف تكون مواطناً مكتمل الانتصار، وأنت شحّاذ أمام المصارف؟ أو كيف تكون كامل الكرامة، وقناعاتك رهن عدّاد تقلبات الأنبياء الجدد؟ كيف نكون أحراراً، وحرية الأرض غير مرتبطةٍ حكماً في بلادنا، بحرية انسانها.

متى ننتصر؟ "عندما ينتصر الكاتب على دفتر الشيكات السعودية وينتصر القلم على القنبلة الثورية الكاذبة" قال، "ثم عندما نفهم ما الفارق اللغوي بين الدِين والديْن".

عندما ننظّم لائحة المسروقات الوطنية من متحف الخارطة ونوازي بين ما صادره الجيران حلفاء كانوا أم أعداء، ننتصر، عندما نقتنع بلعبة الأمم ومصالح الدول الخبيثة، ونصبغ عملاتنا الوطنية بلون الكرامة الوطنية، ننتصر.. عندما نقنع أبناءنا أن بناء المواطنية لا يكتمل إلا بقلمٍ ورغيف خبزٍ عزيز كريم، وأن عدونا يخاف من حبرنا ووعينا وحريتنا، ننتصر.

ذكريات الحرب القادمة.. قادمة

09/05/2010

خضر سلامة

في زمن التطرف، كل منا يتطرف لنفسه، وأنا أتطرف لنفسي، ولما في القلب من فتات ثبات، وغرور، وكثير من الحب والغربة والدموع.. والمجد لمن سقطوا وإن سقطوا على أصابعي.
خضر.. الزمن: قبل النكبة بنصف نكبة: 7 أيار – ذكريات من زمن النصف حرب.

اليوم الأول:

وحدهم الفقراء لا مكان لهم في أيار، وحدهم يعبرون عيدهم مطلع الشهر كادحين، ويقفون بعد اسبوعٍ منه حائرين، جائعين، مفلسين حتى من البكاء، يا فقراء الوطن: لا فرق بين فقيرٍ وفقيرٍ الا هنا، لا فرق بين فقير وفقير الا بالطائفة، وبالخيارات الاستراتيجية الجيوسياسية ايضاً (!!!).

اليوم خمرة وغداً ثورة، يا رفاق، ناموا بعون الفودكا.. واستفيقوا على النبيذ.

صباحاً في الشارع مع الجائعين، وليلاً في الخندق مع المسلحين، من لا يملك ثمن رغيفٍ قبل الفجر، حصّل قبل العصر ثمن رصاصة، ماذا يفعل في الشارع؟ هل تعلم السعودية وايران وسوريا واميركا واسرائيل أن أولادك خرجوا بالأمس عراةً وحفاة؟ هل تعلم أنت أن تأشيرة الخروج من الوطن، طعمها في الثغر أقل مرارة من طعم لحم أخيك؟
حسناً، القهوة على النار، والوطن الموقد، وبيروت الجميلة تشبه حب الهال المحترق بطيش أبنائها.. سامحهم الله.

اليوم الثاني:

“بيروت بكرا ان قالوا شو صار ببيروت"
ما صار شي..
أبناءٌ طردوا أبناء
شهداءٌ قتلوا شهداء
زعماءٌ حاصروا زعماء

فرشت بيروت خريطة الجرح العتيق، ونامت، لا شيء هنا لا يشبه حرب الفنادق، فنفس الشعارات ونفس الاسلحة ونفس القذائف، ونفس الطعم الحار لقصائد الشعراء وبكاء الأمهات وجدائل الصبايا الهاربة من عصف ال"حرية"، ونفس الوجوه، نفس الأقنعة، مما يخاف المتقاتلون؟ ولماذا يخجلون من كشف وجوههم أمام عدسات الفضيحة؟ بيروت تعرفكم، وتعشقكم، وإن جرّحتم وجهها قليلاً.. ربما نسي من ألبسكم البنادق، أن يخبركم أن بيروت "صندوق فرجة كبير".

اليوم الثالث:

البقاع ملتهباً، سهله يحمل قنبلة، وجباله مزنرة بالمذاهب، وأهلي وإن ضنّوا، وإن تقاتلوا، وإن قُتِلوا وإن قَتلوا.. كرامٌ كرامُ..

من سمح للنفط بأن يبني خيمةً على أقدام جارة الوادي؟ ومن أخبر عرب الدولار أن عواميد القلعة تعرف من عمر ومن علي ومن المسيح.. أرضنا لا تعرف إلا أن فلاناً نام بلا غطاءٍ وبلا دفء، وفلان الآخر سقط منذ عامين على عتبة الحقد الصهيوني..

التراب الطاهر لا يعرف الا الحقد على أهل الحقد، وأهل المكارم أهلي، لهم في نفس التراب قبرٌ ومنزل، ومواسم قمحٍ وبيادر، وقصص لا تموت.. اليوم تمد بيروت من حرائقها يداً إلى البقاع.. لا فتنة هنا، هنا القليل من الحب، وبعض الحب يجرح، وبعض الحب يقتل، وبعضه الآخر يكفينا لننهض.

غداً صباحاً سننهض، وسننزع الأقنعة، وسنرقص رقصةً اخرى، وسنسهر على فقرنا الذي سيجمعنا.. غداً.

اليوم الرابع:

صديقي كان ضد الحرب..

لولا أن السنين تجمعنا، لاستطاع ان يقنعني بلونه المكتظ بالسواد مع اول طلقة، هو في قرارة نفسه يعرف أن هناك دوماً بين الرصاصة والرصاصة متسع للكلمة، للقصيدة، وان هجاها وان رفضها، بعد مئة عامٍ وعام، سيجلس في ظل مدفع، سيقرأها، وسيضيف عليها اسمه واسم آخرين مروا من صفحة الوفيات واستقروا على حافة بئرٍ من نسيانٍ ومن تسويات.. ومن "هيدا لبنان"، أتهمه أنه يراعي الجو العام ويتخلى عن وعيه، يتهمني أنني أجهل طبيعة المعركة ولا اتفهم ما في النفوس.. أتهمه بالخيانة، ويتهمني بالغباء.. ثم نضحك.

سنختلف غداً على قدحٍ من كلمة، ماذا نسمي هذا الأسبوع، حرباً اهلية، مناوشات، تصفية حسابات، لعبة دول، رسائل سياسية قصيرة مدوية.. سنختلف كثيراً، لكننا سنتفق على شيءٍ واحد، أنه صديقي، وأنني صديقه، وأن صوت المعارك لا يقوى على صوت الخوف في القلب على أخٍ لنا خلف أشواك المدافع.

stop-war-just-love-L-1

"انتبه ع حالك
انتبه عالبلد".

كيفون، بيصور، عاليه، الباروك، مرستي.. من أين تأتي القذائف، من أين تأتي النار، من سرق العينين من الجثة، من خطف فلاناً ومن أعاده، لسنا إلا جمهوراً يقتات بالتاريخ، والتاريخ يعيد نفسه.. شيء ما يجمع قتيل اليوم بقتيل الأمس وقتيل القرن الماضي، فتشوا قليلاً، لون الدم واحد، وبسمة القاتل الصفراء على شاشة التلفاز واحدة، "كلنا أخوة"، وعندما تنتهي المعارك، سنبحث عن "غريبٍ" ما، لنلصق به تهمة القتل، أما تهمة الموت، فلا تجد الا جثث الشباب لتستريح فيها، وتريحنا من عبء الأسماء.. لا تهتموا لأسمائهم، اهتموا لبقايا من بقايا بقاياهم، لم تمزقها بعد آلة الطائف وجمهوريته.

اليوم الخامس:

اليوم حلبا، بالأمس حلبا، وأخاف غداً من حلبا..

شريعة الخوف هنا، بالذات هنا، وحوش تنهش أجساداً، وأحقاد تنهش قلوباً، وشهوة الدم تنتقل عبر الصور، بالألوان، "الله أكبر" ويسقط الحديد على اللحم، ما اللذي حمل فلاناً الى هذه المشهد، وفلانٌ عاد بغربته، على هويته الممزقة كتبوا وكتبنا: "مغتربٌ منذ أكثر من عشر سنوات"، أمه قالت، وانا اصدقها، انه قصد حكيماً ليصلح ما بين أسنانه.. أيها الراحل تمهل، السوسة ما نخرت فيك، السوسة نخرت في وطنك، السوس ينخر في العقول..
أي عاقلٍ لم يفهم بعد أن لعبة الدموع فيها خاسر واحد: الانسان، بكل ما فيه من انسان، بمشاعره، بأحلامه، بعقدة الفقد والشوق والموت.. بأطرافه المقطعة، بطفلةٍ تجاوزت العشر سنين بقليل، فاغتالها قناص في طرابلس، كيف قتلها، بأي لؤمٍ وأي حقٍ وئِدت وأين دُفنت على عجلٍ، كيف سقطت؟ كيف تهاوت جمجمةٌ أغلقوا عينيها بالدماء؟ هل كانت تبحث عن دميةٍ سقطت، ام تبحث عن ضفيرةٍ سرقها الغبار، أم تبحث عن ما يستحق أن تبحث عنه طفولتها.. لا شريعة هنا الا الخوف.. والطفولة مجرد تفصيلٍ، يضيق ويتسع على حجم انتمائاتنا وأهوائنا.
الراحلون يرحلون بحزن، والباقون هنا يبكون.. لسنا نملك إلا البكاء، يكفينا ذلك.

اليوم السادس:

العرب على المائدة، كل المقبلات من طيب الفرات والضفة والليطاني حضرت لارضاء الكروش، بنو سعودٍ متخمون بالمال، وبالفتنة، لا فرق بينهم وبين الحاضرين، لدينا يا سادة جثثٌ تكفي للجميع، اشووها على قليلٍ من آبار مشاريعكم، وتلذذوا بساديتكم وتقاسموا لحم نسائنا بسرعة، أنهوا كل ابتساماتكم وقبلكم، واتركوا لنا الغد، كما ترونا معلقين ومشنوقين بأحلامنا وآمالنا، نراكم معلقين يشنقكم حقدكم بعد هنيهة، كم هم "عربٌ عربٌ عربٌ جداً أولاد الكلب".

السعودي صفع الايراني، والايراني رد الصفعة.. وانتهى المشهد الأول، أغلقت الستارة، صفق الجميع للجميع، وصلت علب المحارم ومسحنا الرمل عن وجه بيروت، ابتسمت قليلاً، عانقت كل المارة، لا زالوا أحياءً يرزقون بشمسٍ وبمطرٍ يأتي بلا موعد.

لم أجمع كل الجثث بعد، بعد قليلٍ نستنطق العظام عن أسمائها.

اليوم السابع:

حبيبتي، الطقس في لبنان مشمسٌ، يبشر بصيف جميل، كما عين الشمس، فعين الحقيقة ساطعة، العملاء يجاهرون بعمالتهم، ليسوا بحاجةٍ لحربٍ كي نعرفهم، عادوا يبثون سمومهم.

حبيبتي، الطقس في لبنان مشمسٌ، فلان أزعجته أشلاء بني صهيونٍ ، وكان يعجبه فن تقطيع بني وطنه، وأخذ صوراً تذكاريةً كي يعرف أبناؤه أي فاشيةٍ في دمه، أي اشمئزاز، فلانٌ آخر يغتصب جمهوره بالمذهبية وفلانٌ يغتصب الآخرين بعلمانيته وريائه وفلانٌ يغتصب نفسه بنفسه.. الطقس مشمس، زنوا قليلاً بنا، لكننا أكثر وعياً الآن.. وحروف الجملة تكاد تكتمل، سنفهم كل شيءٍ بعد قليل، بعد قليل.

حبيبتي، سقطت الأقنعة، سقطت القواعد والثكنات، سقطت البيوت والمحلات والمدارس، سقطت الشطآن وسقطت الدساتير والأجهزة، سقطت الطفولة والألعاب والعيون والكرامات والأمومة والأشواق، سقط كل شيء، إلا أنتِ، يخنقك الوطن، والأغاني والأناشيد، يخنقك الحصار والتراب والدخان، يخنقك القتل والخطف، تفقدين أعصابك قليلاً، تشتمين الوطن والزعامات والطوائف وتشتميني حين أبتسم وحين أضحك ساخراً منتشياً بكأسٍ من المرارة.. تشتمين كل شيءٍ، وأسر إليكِ بأني أحبك، وأنكِ تحبين وطنك.. لكنك متعبة الآن..
خذي كفيّ من فوق القلم، واحملي نفسك بهما الى النوم، سمّي باسم الله وباسمك واسمي، باسم كل شيءٍ أحبه.. وأحبك.

حبيبتي، اليوم السابع خرج من نافذة الألم، رئيس نصف الحكومة لم يتراجع عن كرسيّه، وتراجع عن شيءٍ من حماقته، تراجعت أعداد المسلحين، وتراجعت أعداد القتلى.. وتقدمنا أنا وأنتِ أكثر من حضن الوطن، لا تصدقيني اذا غنيت لكِ اغنية اليأس، في القلب ثقبٌ فيه أهلي وأهلكِ وشعبنا الطيب.. رهاننا عليه، رهاني عليّ وعليكِ وعلى القتلى والجرحى والأحياء والحاقدين والمسالمين والمحايدين والمنحازين والقاتلين والمتقاتلين.. عليهم جميعاً رهاننا.

أسبوعٌ مضى للبنان، وغداً لفلسطين، غداً آخر النكبات، بعدها، تبدأ الأحلام، والقصائد، والانتصارات، ليقدّم كلٌ منا حسابه.

بوكرا أحلى… بكتير، واذا مش بوكرا، الي بعدو أكيد.

أمي على الهاتف، صوتها هادئ، ضحكتها تنبأني ان الدنيا بألف خير
“نخترع الأمل" ونعيش.

عيد من لا عيد لهم

03/05/2010

خضر سلامة

نحن أطفال القرن الواحد والعشرين، وعماله، أو عمال غده، سقط جدار برلين قبل اليوم بقليل على أصابع الحلم بدولة نحكمها، وسقطت جدران معيشتنا قبله بكثير: لنا في النكسة عيد، في  النكبة عيد، وللأم عيدها وللأب، جبلنا من تاريخ الحرب الاهلية عيداً، والتحرير قدمنا له آخر، والحصار والموت والمواليد.. كلها أعياد، وحين بقي أول أيار يتيماً، استعرنا من العالم الغارق في فلسفة حقوق انسانه، عيداً لعمالنا، ولم نسألهم منذ قرونٍ، ماذا تريدون أمنيةً في يومكم؟ اكتفينا بأن أشبعنا غريزتنا المفرطة في التعلق بفكرة "الذكرى"، وتعلقنا بمواعيد العطلة الرسمية في رزنامة الانتاج الوطني (المقتصر على انتاج أحدث موديلات الفقراء منذ سنين).

labor_sawtak

العمال أربعة في بلادنا، عامل يشتغل في تراب الأرض، آخر يشتغل في اسفلت المدينة، ثالث يستجدي شيئاً ما يشغله عن عد أيام البطالة، وآخرهم؟ من "يشتغل" بكل هؤلاء العمال، فيقسم معاشاتهم وأرزاقهم وأبنائهم، على أملاكه ومصالحه، ومواعيد يقظته وغفوته، ومزاجيته المفرطة غضباً ونقمة، أو فرحاً فرشوة.

"الثقافة الجديدة، تبدأ حين يبدأ احترام العمل والعمّال"، يقول مكسيم غوركي، فأي الثقافات ثقافتنا؟ أجور عمال البلد في عيدهم، مرتبطة برحابة صدر الملاّك، في ظل اقتصاد على علاقة عاطفية خطيرة بأرباب العمل، أمانهم الاجتماعي والصحي يترنّح كعلم أبيض يطلق أغنية فيروزية أمام انفجار قذيفة الدَيْن، وأقساط مدارس أطفالهم، والحاجة النفسية الملحة لنافذة مطلةٍ على يوم راحة، وفكرة الشيخوخة، مجرد كماليّات تتركها الدولة الشبح، لإمارات البنوك المتحدة، في جنة لبنان الكئيبة، أي الثقافات ثقافتنا؟ اذا كان العامل معلّباً في دولة تستعير النموذج الغربي في تصنيعها لاقتصاديات أفرادها، ولم تعطهم بعد أقل من احترامٍ حقوقي بديهي شفوي على الاقل؟

أول أيّار، يومٌ متعب بمادته الانسانية، بأحلام أبنائه حبيسة العين البصيرة واليد القصيرة، يومٌ معتقل بالفولكلورية المضجرة للبيانات نفسها، والخطابات نفسها، وشاهدٌ أعور على اتحادات عمالية مقسمة، يقودها خريجو دار العجزة ويغلقوها على الصراحة الجماهيرية المطلقة، أوّل أيار نريده أن يكون لنا، لجيل اليوم، والغد، ضمانة سنوية وكتفاً ترتاح عليه نضالات العام كله، لا نصف موقف في منتصف النهار: أوّل أيار يوم عمل، لا يوم عطلة، عمل لحفظ حق العمل للعاطلين عن الحلم، عمل لمسح الغبار عن زند فلاح ظلمته دويلات الخدمات والجنس الرخيص، عمل لكتم جراح عامل دهسته ضريبة مسرعةٌ إلى جيب المصارف، وتركته جريح النقابات الغائبة.

مساكين أيها العمال، في عيدكم، أمام ضمير العالم: تطلبون قبلة، فيعطيكم قنبلة، ويرميكم في خنادق الحروب الموسمية، تطلبون وردة، فيعطيكم جردة، ويطالبكم بسداد ديون السنة المتراكمة، تطلبون طفلاً، فيعطيكم طبلاً، وتدقون عليه لتُطرب آذان المتكرشين تخمة بعرق جبينكم.. تكتشفون حينها أن هذا العالم ليس فقط رأسمالي متوحش وقذر.. بل وأطرش!

ارفعوا صوتكم قليلاً.. يا رفاقي، لأجل حاضرنا، ومستقبلنا، لأجل أن يكفكف الوطن الذي نصنعه بصراخنا وتمسكنا بأحقية الاصلاح دموعنا، أو يحفر بأنوثة منجل الفلاح وجزم مطرقة صديق، بسمةً في ثغر القادمين المحملين بهموم العمل، في عيده.
كيف أدخل إليكم، يا أصدقائي المتعبين، في عيد ليس عيدكم، وفي يومٍ ليس فيه ياسمين العطل المخملية، كيف أدخل لكم، وليس في يديّ إلا رزنامة تشرح لكم كم يفصلنا عن عيدكم القادم كي يتذكركم العالم مجدداً، وبعض حكايات مملة عن نقابات اغتالها الدولار.

نشر في موقع صوتك أونلاين

منقوشة زعتر

12/04/2010

خضر سلامة

مدن مسروقة:
بيروت، جنازة مؤجلة، تابوت علّق عليه قناص لافتة تقول: “تدفن بعد قليل من القصائد” وانشغل عن الصلاة عليها بقتل أشياء أخرى، لا تطالبيني عزيزتي بسداد ديون كتابات سقطت مني فوق جبين هذه المدينة، كنت أكتب لامرأة أخرى، لم يسمح لها الدولار الأخضر، بالخروج من الأبيض والأسود، بقيت ذكرى، وأنا من شعوب الظل، نعيش في الفكرة، على الأطلال، كلما خانني كتفاي بحجة التعب، وضعت رأسي على قلمين وصنعت من حكايات أبي، مدينة قاتل لأجلها، علّي أجد في زمن الفراغ ما أقاتل لأجله.
لم يترك لي المقاولون سريراً من العشب فيها، ولم يترك لي الزعماء باقةً من مشروع شعبٍ فيها، ولم تترك الطوائف لي سجادة صلاة واحدة، ولا الأسفلت ترك ثقباً، أخبأ فيه رائحة المطر الأوّل.
بيروت، حيفا، دمشق، بغداد، ترانا نكتب لما نفتقده فيكِ، أم ما فقدناها منكِ؟

أسرتي الجميلة:

أنا المقتول بنيرانٍ صديقة، عن طريق الخطأ، لماذا يجب عليّ أن أتحمل فشل الجيل السابق السياسي ووعيه الطائفي المتأخر؟ ولماذا عليّ أن أرث ديون المجتمعات كلها لمصرف الشريعة؟ حسناً، وأنتم تقرأون، اعرفوا جيداً أني أحبكم، أكثر من نفسي، لكن أقل من قضيتي، أعتذر، سامحني الله، سامحوني أنتم أيضاً.

الله صديقنا:
لا أعرف من قرر أن ينزل بي حكم الإعدام بمقصلة الإلحاد، أنا لست ملحداً، نحن نقابة المؤمنين بالله الحق، أجزم أني أكاد أشعر أحياناً أن لا صديق لي في زحمة انشغال الجميع بتفاصيلهم، إلا الله، وحده، يفرش في عينيّ نوراً أشد وهجاً من منازل التجار باسمه، يضيء ظلمة القلب، يمسح دموعاً سرقها وجعٌ دفين في الصدر، أحب الله، وحده، لا شريك له، ولا وكيل.
سأشكو كل ما في عتمة أيامي إليه، سيسمعني جيداً، وسأتهم الجميع أمامه في محكمة الخلق بالتآمر على تعبي..
أشعر بالتعب، أحتاج إلى ظل صفصافة في الجنة.

قومي ت نرقص:1_Picture1
ضعي الموسيقى التي تريدين، اخفضي الصوت قليلاً، أريد أن أستمع جيداً إلى سمفونية النفس المتقطع بين رغبةٍ بكلمة، وندمٍ على أخرى، لا تبعدي يداي مجدداً عن خصرك، سألاحقه، واعتقله بتهمة الحب، متلبساً بجريمةٍ بنية اللون، كعينيك.
لست أذكر جيداً كيف وقعت في كمين صوتك، لكني وقعت، ولست أذكر متى فكرت في قبلة خارجة عن القانون، لكني فكرت، ولست أذكر متى تعثرت بفكرة أحبّك وأين، لكني تعثرت وسقطت ولا زلت مستمراً في السقوط.. في السقوط إلى فوق، في السموّ إليك، جلّ من أحبك، جلّ من قطفك وجعلك باقةً قبيل عيد الحب.
ثم تسألين، لماذا أعود إليك كل يومٍ رغم حزني؟
لا أعرف!

مطر مطر:
كأي بدوي، كأي غجري، أحصي قطرات الماء التي لا تخجل من مصارحة الأرض بفعل الحب، كانت جدتي تحكي لي كيف أن المطر، هو نتيجة غسل الملائكة لبلاط الجنة، ثم درست وعرض العلم عليّ تفسيره، لم يقنعني العلم بعد، لا زلت أصدق جدتي، المطر غسيل الجنة، نحن المتسخون بغبار الله الطاهر.
أتعلمين حبيبتي، هذه البلاد كشمس الشتاء، موجودة، واضحة، صريحة، وان خبأها الطغاة بمعطف البؤس أحياناً، تعود في كل موسم، تزورنا قليلاً بالحنين والقصص، وتعدنا بزيارة قريبة.. وننتظرها، أطفالٌ جداً نحن، أبرياء حد الحماقة، حد البطالة.

غودو لا ينتظر أحداً:
أعود دائماً إلى صموئيل بيكيت، لم يستطع أحد حتى الآن اكتشاف حقيقة غودو، من هو هذا الغامض؟ الحرية؟ الله؟ الوطن؟ الحقيقة؟ الغضب؟ الثورة؟
كلنا ينتظر غودو، ترى، غودو نفسه ماذا ينتظر؟

الساعة العاشرة:
لا أريد شيئاً من هذه الدولة، خذوا كل الحقوق المدنية والسياسية لكل المواطنين، خذوا الكهرباء والماء وهاتوا ما أوتيتم من فواتير، خذوا القبور والذكريات، خذوا الشعر والشعراء والفقر والفقراء، خذوا ما تبقى من يسارٍ كئيب، وما تبقى من حبٍ حزين، خذوا الكتب بما فيها من أبجدية عجوز عصية على الموت، خذوا الخطابات المسروقة، والشبابيك المكسورة، والبيوت المهجورة، خذوا المدن والعمال والفلاحين واتركوا لي هموم العاطلين عن العمل، خذوا صكوك البيعة وهاتوا التعاميم الإدارية، خذوا الأحلام وهاتوا كوابيس الأطفال، خذوا ما شئتم من التراب ورمل البحر وزبد الموج، خذوا العواصم والحرية والأرياف والسنابل… خذوا كل شيء، فكل ما أريده، منقوشة زعتر، وصباح جميل هادئ، في عالمٍ متآمر صاخب..
أريد أن أبتسم.

بيوغرافيا: 4 – إنجيل يهوذا

01/04/2010

خضر سلامة

بيوغرافيا 1
بيوغرافيا 2
بيوغرافيا 3

أكسر نظارتيّ، ولكنتي الحمراء، وأحرق الكتب الباحثة عن قضية، وأفتّش عن حديث جديدٍ يعجبك، تكونين فيه أنتِ القضية.

لا تحبين ماركس؟

سأقتله، سألاحقه في نضالات العمّال، وصرخات الطلبة، وفكرة الثورة، سأجده، سأقتله، لا يستحق الحياة من لم يتعمّد في ماء وضوءك قبل الصلاة، لا يستحقها، لا تحبين ماركس حبيبتي؟ سأعتذر إليه قبل أن أطعنه، وسيبتسم، سيعترف أن الدين ياسمين الأرض، لا أفيونها، إن كان دين العشق.

تريدين حديثاً على حجم خصرك لا حجم كوارثي؟ يكون المبتدأ فيه نعتٌ يحاول عبثاً وصفك، والخبر فيه أهزوجةٌ ريفية تمجّد احتكارك لفعل الحب؟ لكِ كل ذلك، لن أحدّثك عن جوع الفقراء، بل عن فرحهم إن دخلت عينيك يوماً في شمسهم، لن أروي لكِ قصص العاطلين عن العمل، بل أشعارهم اليومية المكتوبة على أرصفة التسكع، لن أرسم لكِ صورة غيفارا في ساحة هافانا، بل سأرسم قدمين لأنثى تركضان خلف مواسم قصب السكر، وأنتِ السكّر..8737

لا تحبّين علم فييتنام؟

سأمزقه، وسيسامحني الشهداء حين أحدثهم عن أول قبلة، خذيني إذاً، على جناحي صدرك، صوب طشقند، لأدخلك في زواريب ألف ليلةٍ من الحب، وليلةٍ أيضاً، ضعيني أسداً مجروحاً بكِ في حزن أفريقيا، لأقسّم الزئير على وتر النهوند أغنية حبٍ جديدة تقرعها القبائل، أو دليني بإصبعٍ من خجل، على الطريق إلى الأندلس، لأجمع مواويل العرب في إناءٍ من عتب.

تريدين بلاداً أنتِ فيها عاصمة الفصول الأربعة؟ لكِ ما تريدين، سأنزع الإسفلت عن وجه الشوارع الحبيسة بأقدام التجار، وأعبّد الدرب إلى قصرك بقوافي مجانين ذبحوا على فراش ليلى، وأنتِ ليْلاي، سأحيل كل الأسلحة إلى زنابق لا تنام رائحتها، وأعيّن أناملي العابثة بشعرك، حرساً لمجدك، كوني البلاد، واجعليني علماً يرفرف بين الضفيرة والضفيرة.

سأكون مستمعاً جيداً، أخبريني عن أغنيتك المفضلة، لون ثيابك، أخبار مطربك، أسرار صديقاتك، أخبريني عن كل الأشياء التي كنت لا أكترث لها، فتتأكدين جيداً عندها أني أكترث بحواسي الخمسة لكِ، عيناي على مرمى نظرةٍ من عينيك، أذنايّ عصفوران يخترعان دواءً لبيتهوفن كي يعرف نكهة صوتك، أنفي متسولٌ لرائحة عطرك الجديد، فمي دفتر تلوين فيه سهول جسدك، ويداي آخر فصلٍ من كاماسوترا.

احكي لي قصص طفولتك، لأفصّل لكِ طفولةً جديدةً لا تكبر، نحفظها في حرارة اللقاء اليومي، والجنون الذي لا ينضب، سأكون كل ما تريدين، سأترك كل الثورات لتأكل أبنائها كما اعتادت، وكل الزعامات لتقتل قطعانها كما اعتادت، سأترك كل الحروب لتنطفأ وحدها، وكل القتلى ليبعثوا أحياءَ وحدهم، سأؤجل كل مواعيد الكتابة، وكل محطات القراءة، إلى أن يغلفك النعاس بكذبي الأبيض: فتنامين… راضيةً مرضية.

الربيع على الشرفة

04/03/2010

خضر سلامة

أشجار الربيع على عتبة القلب:

أعرف شجرة زيتونٍ في غزة، قصفها الحقد بالحقد ولا زال زيتها العربي مضيئاً كقنديلٍ من الياسمين، شجرة زيتونٍ حفر جدٌّ لنا ممعنٌ في البارود قبل أن يطفأ الزمن يديه المتعبتين، حفر عليها ستون اسماً لمخيماتنا، وسقتها جدةٌ لنا عشرين كأساً من نبيذ العرب.. فغدت شهيّةً كثدي امرأةٍ تحت المطر، أعرف شجرة زيتونٍ، ما عادت تهدي من ثغرها الحمام أغصاناً لتطوب الطير رسولاً للسلام.. صارت الزيتونة مخزناً للسلاح في بلادي، ومعسكراً للثوار: زنّرت طيورها بأحزمةٍ من شوك، لتفقأ عين الصيادين.
الزيتون في بلادي يتقن حبّ الحياة بسكب الموت قرباناً لها.. يعشق نكهة البرد في كف الجفرا الفلسطينية اذا ما حان القطاف.. ويدرك ما امتزاج العشق بالنزيف في عنق فلاحٍ طعنه يهوشع بالخراب فعانق الجذور وتجذّر في التراب تراباً، ويعرف زيتونُنا أيضاً كل أسماء شهدائنا، وأطفالنا، ونسائنا، ويعرف أسماء أسرانا في سجون اسرائيل.. وفي سجون العرب ربماespoir

الزيتون وفيّ.. كوفاء الطفل لأمه المذبوحة ظلماً: سأقتل قاتلك.

أشجار الربيع على عتبة القلب:

وأعرف نخلةً زرعها الفرات قلادةً في جيد بغداد، والنخلة العراقية لمن لا يعرف نخيلنا، تولد في قصيدة، وتعيش في موّال.. وتموت مشنوقةً بتهمة الطرب.. بتهمة الموسيقى..
أعرف نخلةً عراقية لم تقطعها الديمقراطية باسم الديمقراطية بعد، لا زالت تحمل جرةً كل صباح، وتملأها من دم المحتل، لتشبع بها شبق الأرض للحرية، نخلةً عراقيةً لم تتأمرك، لا زالت تتكلم اللغة العربية بطلاقة بلبلٍ يغنّي لمليون قبر، لمليون نبيٍّ عراقيٍ قتلهم القرن الواحد والعشرون بنيرانٍ "صديقة".
موطني موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك… في رباك..
موطني، النخيل والقصيدة..

لماذا لا يحضر العراق الى البال، إلا ويصطحب معه عوداً وقيثارة، وسعفة نخيلٍ وقلم؟

أشجار الربيع على عتبة القلب:

شجر الليمون على خد المتوسط لا زال ينبض برحيق أول حرفٍ صنعه قدموس، لا يخيفه هذا الانقسام البشع، ولا يأبه لخلافات أبنائه.. فكل الفقراء أخوة، وكل الجياع أصدقاء.. هم فقط لم يكتشفوا بعد كم يشبهون بعضهم.. أعطِ الصغار ملعباً وفوضى، فحين يتألمون قليلاً من طيشهم، سيدركون حينها ما قيمة النظام، وما عقاب من يجرح إصبع وطنه بخنجر مخضب بدم جاره.
السنديان والصنوبر على الموعد، لا تخافوا، لم تستطع كل الحرائق التي افتعلها اللبناني بسذاجته، أن تمحي كل الأشجار، ولم تستطع كل سكاكين الصديق والعدو والشقيق أن تجفف حليب الصباح كل صباح، و "كول" ولو جائت بكل أخواتها، لن تستطيع ان تسرق البحر منا، وكل الميليشيات في الشارع وإن قتلت كل الشعراء، لن تستطيع أن تقتل ورقةً واحدة، ولا أن تخترع إكسيراً يصادر الكلمات من شعبٍ يخترع الأمل.
الربيع على الباب

يحتاج إلى تذكرة عبور ليدخل القلوب المكسورة والمحبطة، يحتاج لنفسٍ طويل، أن نثق بأن الليل سيختنق بظلامه، وأن الفأس سينهكه الصدأ، وأن الجلاد سيسقط تحت أقدام القتيل ليستجدي واسطةً ليهرب من لعنة التأريخ والنار، لا بد من أمل، لا بد أن نصنع من اللون الأسود حبراً، ومن العتمة حافزاً للبحث عن المشعل… لا بد أنْ تسقط طيور السنونو يوماً طائرات اسرائيل بين أنياب بحر يافا.. لا بد أن يقتنع الأمريكي أن قناني الكوكا كولا تصبح في بلادي لعبةٍ تحت أقدام الفقراء في ملاعب الطفولة، ولن يحكم شعبنا الطيب إلا خرير النيل وشدو دجلة ورقص الفرات.. لا بد أن يغفو الليطاني في حضن بيروت ويقسم لها أن مياهه ماركة عربية مسجلة، لا بد أن يكف الموتى عن الموت، وأن يقتنع الأخوة ولو طال خصامهم، أن العيون السود لها ذات المذاق في المرآة..

طال الوجع قليلاً، والمرارة في القلب قاسيةٌ كاحتراق روما بجنون نيرون.. لكن نيرون مات منذ قرون.. وروما لم تمت.

كل ما في الأمر أن وطننا متعبٌ قليلاً: خلوه يغفو، وامتشقوا الآمال والأحلام والبنادق والأقلام وألعاب الصغار.. وانتظروه على الشرفة.

الربيع على الشرفة.. والشعب يحب الحياة.. والحياة لنا.. الحياة لنا..

بيوغرافيا: 3- رجلٌ من حبر

24/02/2010

خضر سلامة

3. رجلٌ من حبر
بيوغرافيا 1
بيوغرافيا 2

رجلٌ من حبر..
وأنتِ حبيبتي، امرأةٌ من ورق:
كيف أواجه غضب الشعراء الآن عليّ، اذا دخلت قصائدهم، وأنتِ لستِ معي؟
ماذا أقول للوركا وبوشكين وقباني ورامبو ومايكوفسكي ودرويش، إن لم أقرأ وجهكِ في حيطان كل بيت شعر، وفي الأقبية السرية للقافية، وإذا لم أصحبك كل صباحٍ في النزهة الخطيرة بين المجاز والمجاز.goodbye
كيف أدخل حيفاَ، وأنتِ لست سواراً من البنفسج في يدي يحفظ هوية التراب، كيف أدخل بيروتَ وأنتِ لستِ في وفود النازحين من الأطراف إلى بؤس المدينة كإعصارٍ من ملح، كيف أدخل مكة وأنت لست معلقةً شعريةً على جدار الكعبة تجدف ضد شيوخ العشائر وفكر القبائل، كيف أدخل البصرة من بوابة البحر، وأنتِ لستِ ثورةً يعدّها الأطفال ضد التجار لتعود الأحلام المصادرة مشاعاً.

كيف أقيس خارطة هذا الوطن الكبير، وأنا مكبّل بالمأساة.
لا أستطيع الخروج منكِ، أنتِ احتلال الحبر للمساحات البيضاء فوق الورق، أنتِ اللهجة التي تحكم فكرة الكلام وترسم خطوط الصوت، لا يمكن التحرر منكِ، قدرٌ كالربيع، في حضرتِك يندحر البرد عن الموقد، ويعود الدفء إلى زنود الفلاحين.
كيف أكون أنا، إن لم أكن أنتِ:
أكتب نثراً، فتصير كل فاصلة بؤبؤاً أنتِ فيه، أرسم شجرةً، فيستحيل ظلها سريراً يغريني برسمك فيه، أفتح كتاباً، فأجدك تستجمين فوق شواطئ القراءة، أنت وباء قاتل، لا تجدي معه عقاقير النسيان ووصفات المشعوذين.

فماذا فعلتِ؟ ولماذا أحرقتِ كل المفردات الجميلة التي تركتها على خصرك كي تتعتّق خمراً شهياً يعيد لأدونيس دمه، ولأطلس حقه في الراحة، ولأثينا معطف حكمتها، ولعشتار قلبها، كلّما مشيتِ بخفة أنوثتك فوق أصابع التاريخ. أحرقتِ كل ذلك، وتركت اللغة العربية في عراء الملل، وداء الضجر، أحرقتِ كل ذلك، ولم تتركي للفقراء غطاءً غير البكاء، ولم تتركي لمتشردٍ كان يأوي ليلاً إلى جدائل شعرك، غير التسكع حافياً على رصيف أخبارك، غير التمسّك بزحمة غبارك.

أعيديني ملكاً، لأسلّمك تاج المدينة وأساطير الريف
أعيديني طفلاً، لأمنحك الأمومة الجميلة وأحفاداً من الياسمين
أعيديني رحالةً في بحر الجسد، لأجعلك مرفأً شرعياً لسفن الغزل، وبغداداً جديدةً يسكنها الوتَر.
أعيديني إليكِ، وخذي الكرة الأرضية مهراً.
أعيديني.. أو ارحلي:
 
سوف نلتقي، بعد شهر، بعد عام، بعد ألف رزنامة أمزقها بحثاً عن يومٍ أنتِ فيه لقاء صدفة، قد ترمين سؤالاً غبياً: كيفك؟
حسناً، حبيبتي، خذي جوابك قبل قرنٍ من موعدنا، لستُ بخير، لستِ معي.
من رجلٍ من حبر، إلى امرأةٍ من ورق: أنتِ سيرتي الذاتية، بيوغرافيا لا خلاص منها.

من قال أريدك في الجنّة؟

31/01/2010

خضر سلامة
كتبت هذه الخاطرة، بعيد وفاة “الحجة آمنة”، والدة جدي، خزان أسرار صلات الرحم والدم في الأسرة الكبيرة، وجذري الضارب في خد تراب الجنوب.

من قال أريدكِ في الجنة.. أريدكِ هنا الآن..
قاسميني رغيف الشوق الى الجنوب… قاسميني موهبة البكاء ..
"الختيار بالبيت بركة".. فكيف تُدفَن البَركة! ومن أين أشحذ الآن ذاكرة العائلة وتاريخها.. وأنت بعكازك تصفعين غربتي.. وتسميني غريباً.. وحيداً.. وحزيناً.. من أين أشحذ بهجة العودة اذا ما عدت يوماً.. وأضعت الدرب إلى زرقة عينيك.
أتهمك بالغرور، بالأنانية، أدينك بموتك والخيانة، أصرخ فيكي أن عودي: فكيف تصادرين الآن منّي أسماء الموتى ورائحة التراب، كيف تسرقين العناوين والقصص والأدعية وترحلين.. ولماذا تغلقين باب القبر على أصابع طفلٍ لا زال يرضع من شفتيك أشيائه.. ألعابه.. لا زال يعلّق مرجوحة العيد فوق كتفيك منتظراً ضحكتك العجوز على قارعة الوجه المثقل بالموت.. بحرارة الفقد.
كل ما في المشهد يشبه الحزن المنقوش بصدري.. فبساط الثلج يخنقني بلون الكفن الذي ألبسك إياه الميلاد .. وصقيع المدينة فيه رعشة صوت أمي القادم من الهاتف لينعيك.. ليرثيك بآيتين من القرآن ودمعتين.. وصلاةٍ يابسةٍ كالفجيعة.

لكِ الأبجدية إن علمك اللحد الآن القراءة.. فأجيبي.
من يقلب خد الحقل إن سلمتك للنسيان.. لموتك
من يلقن الأطفال اول خطوةٍ فوق التراب… إن رحلتِ أنتِ وكفّك pic1
من يخبأ اللهجة الجنوبية إن نشلوا من معطفي شفتيك وصوتك
ركيكة هي اللغة في رثائك، وخائنٌ أنا إن وقفت حاملاً ذبولي أمام ورد صدرك، فكيف أبتكر البداية، ورحيلك آخر النهايات الممكنة لملاحم الصبر والكبرياء… أخجل من صخب الأعياد أمام خنجر السؤال عنكِ.. أخجل من نفسي أمام عتب المسافة والسفر…
يا حجة آمنة:
أحتاج معجزة..
أحتاج الهاً.. نبياً.. قرآناً جديداً
أحتاج قصيدة..
أحتاج كتفاً..
أحتاج وطناً آخر يقبل أن أقبّل يديه اذا ما عدت الى وطني..
الآن أعرف ما ثقل الفراغ، أعرف ما شكل الجسد بلا قلب، وما شكل الشعر بلا وزن، وما شكل الصوت بلا بصمة، الآن أكتشف لون وجهي العاري حين يولد المطر فيه ويدفن فيه.. ويُبعث منه كل شيءٍ حياً وحزيناً فيه..
هذا انكساري أيقونةً في عنقك.. وتلك دموعي نبضاً يطرق باب القلب الغافي.. وتورّم عينيّ حذاءً لقدميك.. فهاتي عكازك الآن أتوكأ بها على الألم… وأعيريني شيباً من شعرك.. أزرعه في مقلتيّ بياضاً كبياض عينيّ يعقوب.. واشنقيني بالضفائر… علقيني في يديك مسيحاً.. واعتنقي القيامة.
لا تجرحي قلب الصليب مرتين.. واعتنقي القيامة.
"قومي من حزنك قومي.."
أبعد هذا.. ترحلين؟..


%d مدونون معجبون بهذه: